المجلد (12)
عرض الصفحة السابقة
1- وأما أبو إسحاق فهو الصابي (( 1 ))
* وإن كان منهم وفي طبقته غير بعيد عنهم، ولكنه جوال الذكر في الكتاب، مشهور شهرة [الشمس] في يوم الصحو، تكلم وما تكلف، وتقدم ومن قبله تخلف؛ جرى على سجيته في الطباع ودعا عاصي البيان فأطاع، ولم يقف مع السجع يرسف في قيوده، ويكلف فكره فوق قدرته، فجاء بالعاطل الحالي، وتقدم على أهل العصر الخالي، وكان حلو الجنى عذب المشارع لا يرنق مورده، ولا يطفأ موقده؛ وهو في الكتاب بمنزلة امرئ القيس في الشعراء، إمام القوم وحامل لوائهم، وكان يحفظ القرآن الكريم وينتزع منه الآيات ويستشهد بها، وكانت بينه وبين الشريف الرضي (( 2 )) صداقة مؤكدة، ورثاه لما مات برثاء أسمع الخافقين، وطلع في المغربين والمشرقين؛ وأوله (( 3 )) : [الكامل]
أرأيت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي
فاسمع بهذا الرثاء ما أعظمه وأفخمه!، ولا سيما من مثل هذا الشريف القائل،
واستدل به على ما لهذا الرجل من الفضائل؛ عود عبق أرجه وهو حطب، وذمي (( 1 )) رقا المنبر فضله وخطب، عقد ندّه سماء من دخان، وأدار مداما من دنان، وكتب دنّه عن الملوك البويهية قرار بأولئك القساور، وزار النجوم وسلب الأهلة الأساور، فضرب النحر بالأسداد، وكايل البحر بالأمداد، وأبدع عجبا وأبعد، فساكن عجما وجاور عربا؛ وتوفي سنة أربع وثمانين وثلاثمئة.
* ومما له قوله: له يد برعت في الجود بنانها، ونظم الدر بيانها، فحاتم كامن في بطن راحتها، وسحبان مستتر بنمارق فصاحتها؛ فلها يد في كل يد، ومنة في كل عنق، وقرط في كل أذن، وسمط في كل مهرق (( 2 )) ؛ لها كل يوم مزيد، وعبد الحميد عبد الحميد.
وقوله من عهد لقاض (( 3 )) : وأمره إن ورد عليه أمر يعييه فصله، ويشتبه عليه وجه الحكم فيه (( 4 )) ، أن يرده إلى كتاب الله عز وجل ويطلب فيه سبيل المخلص منه؛ فإن وجده وإلا في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أدركه وإلا استفتى فيه من يليه من ذوي الفقه والفهم، وأهل الدراية والعلم، فما زال الأئمة والحكام والسلف الصالح وطراق
السنن الواضح يستفتي واحد منهم واحدا، ويسترشد بعضهم بعضا لزوما للاجتهاد، وطلبا للصواب، وتحرزا من الغلط، وتوقيا من الشطط؛ قال الله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
(( 1 )) .
* [وأمره] (( 2 )) أن لا ينقض حكما حكم به من كان قبله، ولا يفسخ من تقدمه، وأن يعمل عليه ولا يعدل عنه، ما كان داخلا في إجماع المسلمين، وسائغا في أوضاع الدين؛ فإن خرج عن الإجماع أوضح الحال فيه لمن بحضرته من الفقهاء والعلماء، حتى يصيروا مثله في إنكاره، ويجمعوا معه على رده، وحينئذ ينقضه نقضا يشيع ويذيع، ويصير به الأمر [إلى] (( 3 )) واجبه، ويعود معه الحق إلى نصابه؛ قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
(( 4 )) .
* [وقوله في رحلة صيد] : (( 5 ))
واعتمدت في الصيد (( 6 )) على من يحضرني من أوليائه، على قوة أبدانهم ونشاطها، ورياضة خيلهم وانبساطها، والزمان ساقطة جماره (( 7 )) ، مفعمة أنهاره، ونحن غبّ سحاب أقلع بعد الارتواء، وأقشع بعد الاستغناء، والرياض زاهية بحمرائها وصفرائها، تائهة بعوانها وعذرائها، وما نرد منها حديقة إلا استوقفتنا نضارتها واستنزلتنا غضارتها، وخيلنا تشتاق
الصيد وهي لا تطعمه، وتحن إليه كأنها تقضمه، وعلى أيدينا جوارح مؤللة المخالب والمناسر، مدربة النصال والخناجر، سابغة الأذناب، كريمة الانتساب؛ إذ وردنا ماء زرقا جمامه، طامية أرجاؤه، يبوح بأسراره صفاؤه، ويلوح في قراره حصباؤه، وأفانين الطير به محدقة، وغرائبه عليه محلقة، متغايرة الألوان والصفات، مختلفة اللغات والأصوات؛ فلما أقبلنا عليها، أرسلنا الجوارح كأنها رسل المنايا أو سهام القضايا، فلم نسمع إلا مسمّيا، ولم نر إلا مذكّيا؛ وانطلقنا بعد ذلك نعتام في الطير ونتخير ونقترح ونتحكم؛ فاختطفنا ببراثننا ما طار منه وانتشر، وأخذنا بجوارحنا ما لاح منه واستتر؛ فاهتدت إليها تستدل عليها بالشميم، وتهتدي إليها بالنسيم؛ فلم يفتنا ما برز، ولا سلم منا ما احترز، ثم عدلنا من مطائر الحمام إلى مسارح الآرام، وأمامنا أدلة فرهة يهتدون، ورواد (( 1 )) مهرة يرشدون، حتى أفضينا إلى أسراب كثيرة العدد، متصلة المدد، لاهية بأطلائها، راتعة في أكلائها؛ ومعنا فهود أخطف من البروق، وألقف من الليوث، وأجدى من الغيوث، وأمكن من الثعالب، وأدبّ من العقارب، وأنزى من الجنادب، خمص البطون، رقش المتون، خزر الأحداق، هرت الأشداق، غلب الرقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب، تلحظ الظباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسها من أقصى نهاياتها، فأقبلنا من تجاه الريح عليها، وأغذذنا المسير نحوها وإليها، ثم وثبنا لها الضّراء، وشننا عليها الغارة الشعواء، وأرسلنا فهودنا، وجرت خيلنا في آثارها كاسعة لأذنابها، فألفينا كلا منها على ظبي قد افترشه، وصرعه فعجعجه (( 2 )) ؛ وأوغلنا من بعد في اللحاق، وقص آثار ما ند وبعد؛ وقد انتهت النوبة إلى الكلاب والصقور، ومعنا منها كل عريق المناسب نجيح المكاسب، حلو
الشمائل، نجيب المخايل، أغضف الأذنين (( 1 )) ، أسيل الخدين، أبي النفس، ملتهب الشد، لا يمس الأرض إلا تحليلا وإيماء، ولا يطالها إلا إشارة وإيحاء؛ وكل صقر ماض كالحسام، قاض كالحمام، مشتط في مطالبه، خفيف النهضة في مآربه، سريع الوثبة فيما يريد، ثقيل الوطأة على ما يصيد؛ فما لبثنا أن أشرفنا على يعافير (( 2 )) متطرفة، ويحامير (( 3 )) متعرفة، فخرطنا القلائد والشناقات (( 4 )) ، فمرت متوافقات مترافقات، قد تباينت في الصور والأجناس، وتآلفت في الإرشاد والالتماس؛ فسبقت الصقور إليها ضاربة وجوهها، عاكسة رؤوسها، ولحقت الكلاب بها منشبة فيها، مدمية لها؛ فبادرناها مجهزين، وغنمناها ما يزين، ثم أخذنا في صيد ما يقرب ويخفّ، وتحصيل ما يلوح ويستدفّ (( 5 )) ؛ فلاح لنا قنبر، فأطلقنا عليه يؤيؤا (( 6 )) ، فغاب عن الأبصار، واحتجب (( 7 )) عن الأنصار، وصار كالغيب المرجم والظن المتوهم، ثم خطفه (( 8 )) ووقع به، وهما كهيئة الطائر الواحد؛ وعدنا وفي حبائلنا الصيد والصائد، ورجعنا والشمس مصبوبة للغروب، مؤذنة بالمغيب، والجو في أطمار مبهجة في أصائله، وشفوف مورسة من غلائله؛ فالله ينصر مولانا في دقيق الأغراض وجليلها، ويقضي له بالظفر في جسيم المطالب وضئيلها.
[وقوله من أخرى] : (( 1 ))
مآرب الناس منزلة بحسب قربها، وأولاها بأن يعتده الخاصة ملعبا والعامة مكسبا: الصيد الذي هو رائض الأبدان، وجامع لشمل الإخوان؛ ولما كانت الجوارح المثمنة، ليست لكل الناس ممكنة، بل لمن عظم شأنه وحاله، وجمّ نسبه وماله، جعلت القول مقصورا على قسي البندق، التي لا تتعذر على مكثر ولا مملق؛ وأنا أكتفي في ترغيب من كان عنه منحرفا، وتثبيت من كان إليه متشوفا، بوصف موقف منه شهدته في بعض ظواهر مدينة السلام، وهناك غيضة ذات ماء أزرق، وشجر مرجحنّ (( 2 )) مورق؛ فبينا أنا قائل فيها، ومنتزه في نواحيها، وقد تأودت في حلل الورد شجراؤها، وتفاوحت بروائح المسك أنوارها، إذ أقبلت رفقة قبل الدرور والشروق، وشمرت عن الأذرع والسوق، مقلدين خرائط تحمل من البندق الموزون الملوم، ما هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط بالجمر، فجاء كبنان الفهر؛ وقد اختبر طينه، وملك عجينه، كافل مطاعم حامليه، محقق لآمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من أبعد مرام؛ يعرج إليها وهو سمّ ناقع؛ ويهبط إليهم وهو رزق نافع؛ وبأيديهم قسي مكسوة (( 3 )) بأغشية السندس، مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في جواشنها (( 4 )) ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها؛ حتى إذا جردت من تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف، رأيت منها قدودا مخطفة رشيقة، وألوانا معجبة أنيقة، صلبة المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم، خطية الانتماء والمناسب، سمهرية الاعتزاء والمناصب؛ تركبت من شظايا الرماح الراعبية، وقرون
الأوعال الجبلية؛ قد تحنت تحني النساك، وصالت صيال الفتاك؛ ظواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة، كأن شمس أصيل طلعت [في] متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها، أو زعفران جرى فوق مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، أو ثني قضبان فضة أذهب بعضها واحترق شطر، أو حيات رمل اعتنقت السود منها والصفر؛ فلما توسطوا تلك الروضة، وانتشروا على أكناف تلك الغيضة، وثبتت للرمي أقدامهم، وشخصت إلى الطير أبصارهم، وتروها بكل وتر فوّق سهمه، وأفق انقض نجمه، مضاعف عليها من وترين كأنه بروح ذو جسدين، في وسط تسريحه كيس مختوم، أو سرة بطن مهضوم، كأنها متخازر ينظر شزرا، أو مصغ يتسمع نزرا، تصيب قلوب الطير بالأنباض، وتصيب منها مواقع الأعراض؛ فلم يزل القوم يرمون ويصيبون، وينجحون ولا يخيبون، حتى خلت من البندق خرائطهم، وامتلأت بالصيد حقائبهم، فكم عارضت الطير فكسرت أجنحتها وجآجئها، واستطارت في الجو قوادمها وخوافيها، تعاجل قبل فناء ذمائها (( 1 )) ، ويصير ريشها كالمجاسد من دمائها محمولة على حكم الكفار، إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار؛ تحنط بتوابلها وأبازيرها، وتوارى في قدورها وتنانيرها، ثم تبعث إلى إخوان متوافقين، وخلان مترافقين، قد تمالحوا في الطعام، وتراضعوا في المدام، لا يشوب صفوهم شائب، ولا يعيب فضلهم عائب؛ فالحمد لله الذي أباحنا لذيذ المطاعم، ونهج لنا سبيل المغانم.
ومن كلام أبي إسحاق الصّابئ قوله في عهد كتبه لطفيلي (( 1 )) : هذا ما عهد علي بن أحمد المعروف بعليكا إلى علي بن عرس الموصلي حين استخلفه على إحياء سنته، واستنابه في حفظ رسومه، من التطفيل على مدينة السلام وما يتصل بها من أكنافها، ويجري معها من سوادها وأطرافها؛ لما توسمه فيه من قلة الحياء، وشدة اللقاء، وكثرة اللقم، وجودة الهضم، ورآه أهلا له من شدة مكانه (( 2 )) في هذه الرفاهية المهملة التي فطن لها، والرفاغية (( 3 )) المطرحة التي امتد إليها، والنعم العائدة على لابسها بملاذ الطعوم ومناعم الجسوم؛ متوردا على من اتسعت مواد ماله، وتفرعت شعب حاله، وأقدره الله على غرائب المأكولات، وأظفره ببدائع الطيبات، آخذا من كل ذلك بنصيب الشريك المناصف، وضاربا منه بسهم الخليط المفاوض، ومستعملا للمدخل اللطيف عليه، والمتولج العجيب إليه، والأسباب التي ستشرح في مواضعها من هذا الكتاب، وتستوفى الدلالة على ما فيها من رشاد وصواب؛ وبالله التوفيق، وعليه التعويل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أمره بتقوى الله التي هي الجانب العزيز، والحرز الحريز، والركن المنيع، والطود الرفيع، والعصمة الكالئة، والجنة الواقية، والزاد النافع يوم المعاد، يوم لا ينفع
إلا مثله من الأزواد؛ وأن يستشعر خيفته في سره وجهره، ومراقبته في قوله وفعله، ويجعل رضاه وثوابه ملبسه، والقربة منه أربه، والزلفى لديه غرضه، ولا يخالفه في مسعاه قدم، ولا يتعرض عنده لعاقبة ندم.
وأمره أن يتأمل اسم التطفيل ومعناه، ويعرف مغزاه ومنحاه، يتفحصه تفحص (( 1 )) الباحث عن حظه بمجهوده، غير القائل منه بتسليمه وتقليده، فإن كثيرا من الناس قد استقبحه ممن فعله، وكرهه لمن استعمله، ونسبه فيه إلى الشره والنهم؛ فمنهم من غلط في استدلاله، فأساء في مقاله، ومنهم من شح على ماله، فدافع عنه باحتياله؛ وكلا الفريقين مذموم [وجميعهما ملوم؛ لا يتعلقان بعذور واضح، و] (( 2 )) ، لا يتعريان من لباس فاضح؛ ومنهم الطائفة التي لا ترى شركة العنان، فهي تبذله إذا كان لها، وتتدلى عليه إذا كان لغيرها، وترى أن المنة في الطعم للهاجم الآكل، وفي المشرب (( 3 )) للوارد والواغل، هي أحق بالحرّيّة، وأخلق بالخيرية، وأحرى بالمروءة، وأولى بالفتوة، وقد عرفت بالتطفيل، ولا عار فيه عند ذوي التحصيل، لأنه مشتق من الطّفل، وهو وقت المساء وأوان العشاء، فلما كثر استعمل في صدر النهار وعجزه، وأوله [وآخره] (( 4 )) ، كما قيل للشمس والقمر: [القمران] وأحدهما القمر، ولأبي بكر وعمر: العمران وأحدهما عمر.
وأمره أن يتعهد موائد الكبراء والعظماء بغزاياه، وسمط الأمراء والوزراء بسراياه؛ فإنه يظفر منها بالغنيمة الوافرة، ويصل منها إلى الغريبة النادرة؛ وإذا
استقرأها وجد فيها من طرائف الألوان، الملذة للسان، وبدائع الطعوم، السائغة في الحلقوم، ما لا يجد عند غيرهم، ولا يناله إلا لديهم.
وأمره أن يتتبع ما يعرض لموسري التجار، ومجهزي الأمصار من وكيرة [الدار، والعرس] والإعذار (( 1 )) فإنهم يوسعون على أنفسهم في النوائب بحسب تضييعهم (( 2 )) عليها في الراتب.
وأمره أن يصادق قهارمة الدور ومدبريها، ويرافق وكلاء المطابخ وحماليها؛ فإنهم يملكون من أصحابهم أزمة مطاعمهم ومشاربهم، ويضعونها بحيث يحبون من أهل موداتهم ومعارفهم؛ وإذا عدّت هذه الطائفة أحدا من الناس من خلانها، واتخذته أخا من إخوانها، سعد بمرافقتها، وحظي بمصادقتها، ووصل إلى محابه من جهاتها، وسار به إلى جنباتها (( 3 )) .
وأمره أن يتعهد أسواق المتسوقين، ومواسم المتبايعين؛ فإذا رأى وظيفة قد زيد فيها (( 4 )) ، وأطعمة قد استحشد مشتريها، اتبعها إلى المقصد بها، وشيعها إلى المنازل الحاوية لها، واستعلم ميقات الدعوة ومن يحضرها من أهل اليسار والمروءة؛ فإنه لا يخلو فيهم من عارف به يراعي وقت مصيره إليها ليتبعه، ويكمن له ليصحبه ويدخل معه وإن خلا من ذلك اختلط بزمر الداخلين، فما هو إلا أن يتجاوز عتب الأبواب، ويخرج من سلطان البوابين والحجاب، حتى يحصل محصلا قل ما حصله أحد قبله، فما انصرف عنه (( 5 )) إلا ضلعا من الطعام، نزيفا من المدام.
وأمره أن ينصب الأرصاد على منازل المغنيات والمغنين، ومواطن الإناث والمخنثين؛ فإذا أتاه خبر بمجمع تضمهم، أو مأدبة تعمهم، ضرب إليها أعقاب إبله، وأنضى حولها مطايا خيله، وحمل عليها حملة الحوت الملتقم، والثعبان الملتهم، والليث الهاصر (( 1 )) والعقاب الكاسر.
وأمره أن يتجنب مجامع العوام المقلين، ومحافل الرعاع المقترين، وأن لا ينقل إليها قدما ولا يفغر لمآكلها فما، ولا يلفى في عتب دورها كيسانا، ولا يعد الرجل منها إنسانا؛ فإنها عصابة يجتمع لها ضيق النفوس والأحوال، وقلة الأحلام والأموال، وفي التطفيل عليها إجحاف بها يوثم، وإزراء بمروءة المتطفل [يوصم] ، والتجنب لها أجدى (( 2 )) ، والازورار عنها أرجا.
وأمره أن يحرز الخوان إذا وضع، والطعام إذا نقل، حتى يعرف بالحدس والتقريب، والبحث والتنقيب، عدد الألوان في الكثرة والقلة، وافتنانها في الطيب واللذة، فيقدر لنفسه أن يشبع مع آخرها، وينتهي عند انتهائها، ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها، ولا يخطئه الحظ من دقيقها وجليلها؛ ومتى أحس بقلة الطعام، وعجزه عن الأقوام، أمعن في أوله إمعان الكيّس في سعيه، الرشيد في أمره، المالئ لبطنه من كل حار وبارد؛ فإنه إذا فعل ذلك سلم من عواقب الأغمار الذين يكفون تظرفا، ويقلون تأدبا، ويظنون أن المادة تبلغهم إلى آخر أمرهم، وتنتهي إلى غاية شبعهم، فلا يلبثون أن يخجلوا خجلة الواثق، وينقلبوا بحسرة الخائب؛ أعاذنا الله من مثل مقامهم، وعصمنا من شقاء جدودهم.
وأمره أن يروض نفسه ويغالط حسه، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا، ويطوي دونه كشحا، ويستحسن الصمم عن الفحشاء، ويغمض عن اللفظة الخشناء، وإن أتته اللكزة في حلقه، صبر عليها في الوصول إلى حقه؛ وإن وقعت به الصفعة في رأسه، أغضى عنها لمراتع أضراسه؛ فإن لقيه لاق بالجفاء، قابلة باللطف والصفاء، إذ كان إذا ولج الأبواب، وخالط الأسباب، وجلس مع الحضور، وامتزج بالجمهور، ولا بد أن يلقاه المنكر لأمره، ويمر به المستغرب بوجهه؛ فإن كان حرا حييا أمسك وتذمم، وإن كان فظا غليظا همهم وتكلم؛ وأن يجتنب عند ذلك المخاشنة، ويستعمل مع المخاطب الملاينة، ليرد غيظه، ويفلّ حده، ويكف غربه؛ ثم إذا طال المدى تكررت الألحاظ عليه فعرف، وأنست النفوس به فألف، ونال من الحال المجتمع عليها، منال من حشم وسئل العناء إليها.
ولقد بلغنا أن رجلا من هذه العصابة، كان ذا فهم ودراية، وعقل وحصافة، طفل على وليمة رجل ذي حال عظيمة فرمقته فيها من القوم العيون، وتصرف بهم فيه الظنون، فقال له قائل منهم: من تكون أعزك الله؟، فقال: أنا أول من دعي إلى هذا الحق؛ قيل له: وكيف ذلك ونحن لا نعرفك؟ فقال: إذا رأيت صاحب الدار عرفني وعرفته نفسي؛ فجيء به إليه، فلما رآه بدأه بأن قال له: هل قلت لطباخك (( 1 )) أن يصنع طعامك زائدا على عدد الحاضرين، ومقدار حاجة المدعوين؟ فقال: نعم؛ فقال: فإنما تلك الزيادة لي ولأمثالي، وبها تستظهر لمن جرى مجراي، وهو رزق أنزله الله على يدك، وسببه من جهتك؛ فقال: مرحبا بك وأهلا وقربا، والله لا جلست إلا مع علية الناس، ووجوه الجلساء والأناس، إذ قد طرفت في قولك، وتفننت في فعلك؛ فليكن ذلك الرجل لنا إماما نقتدي به، وحاديا نحدو على مثاله، إن شاء الله.
وأمره أن يكثر من تعاهد الجوارشنات (( 1 )) المنفذة للسّدد، المقوية للمعد، المشهية للطعام، المسهلة لسبيل الانهضام؛ فإنها عماد أمره وقوامه، وبها انتظامه والتآمه؛ لأنها تعين عمل الدعوتين، وتنهض في اليوم الواحد بالأكلتين، وهو في تناولها كالكاتب الذي يقط أقلامه، والجندي الذي يصقل حسامه، والصانع الذي يجدد آلاته، والماهر الذي يصلح أدواته.
هذا عهد علي بن أحمد المعروف بعليكا إليك وحجته عليك، لم يألك في ذلك إرشادا وتوقيفا، وتهذيبا وتثقيفا، وتمعنا وتبصيرا، وحثا وتذكيرا؛ فكن بأوامره مؤتمرا، وبزواجره مزدجرا، ولرسومه متبعا، ولحفظها مضطلعا؛ إن شاء الله تعالى؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قلت: وسئلت في تقليد لطفيلي، فعملت:
الحمد لله الذي نعّم في طيبات رزقه، ورزق بعض خلقه من خلقه، وأجاز للمرء في بعض المذاهب التوصل بما قدر عليه إلى أخذ حقه، نحمده على نعمه التي وسعت الولائم، ومتعت بأكل كل ملائم، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة أول ما يبدأ منها باسم الله الآكل، ويهنأ بها ما يهيأ من المآكل، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي ما عاب قط طعاما، ولا دعي إلى طعام إلا أكل مالم يكن نوى صياما؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تتلقمها المسامع التقاما، وسلم تسليما كثيرا؛ وبعد:
فلما كان الغداء هو قوام الأبدان، ونظام عمارة البلدان، وموائد الطعام هي التي يجتمع عليها الإخوان، وتزهى به صدور الإيوان، وتفتح وتختم بالحمد، وتمنح من أطايب المطاعم ما يتجاوز الحد، ويكون فيها ما يسر العين من بدائع
الألوان، وتسري نجوم زباديها (( 1 )) في سماء الخوان، وقد تحويه دور بعض البخلا، ومن لا يدعو الناس إلى طعامه دعوة الجفلى (( 2 )) ، ويكون في ماله الممنوع حق للسائل والمحروم، ومن لا يتوصل إلى الحق منه إلا بالتطفيل المعلوم، ممن تعيّن الأكل من ماله بأنواع الحيل، والهجوم على موائده المحجوبة وراء الحلل، واستعمال الإقدام على هذا وأمثاله لأكل طعامه، وإخلاء المائدة من قدامه؛ ولم يوجد لهذه العظيمة، ولا يلام صاحب كل وليمة، إلا من كان إذا أكل اضطلع، وإذا مد يده إلى السماط اقتلع، أو صعد إلى السماء ذبح سعد الذابح وبلع سعد بلع؛ ولم يزل يزلزل الموائد، ويملأ وعاء بطنه بزائد، ولا يعرف ما تكون البطنة، ولا ما تكفي منه اللقمة وتعني منه اللهنة، ولا يقابله صدور الأطباق إلا وهي غير مطمئنة.
وكان فلان هو الذي طالما كشف وجه السماط، وحل من سفر المخالي الرباط، وجال في جنبات الموائد حتى أخلاها، وركض فيها ركض الجواد حتى ألحق أخراها بأولاها، وعرف في الولائم التي لم يزل فيها مشهور الحملة، آتيا على التفصيل والجملة، معروفا بكبر اللقم التي تكاد تخنق، وترك التشهي وأكل ما يتفق، وقوة النهمة التي لو نقمت [على] الصخر لسحنته، أو كلفت خوض البحر إلى أكل لقمة واحدة لاستهونته؛ واشتهر بطبع طبع، عنّى كل من يجيء بعده وأتعب، وفرط طمع أطفأ كل طفيلي وأمات أشعب وأم أشعب، ولم يعصم منه باب مغلق، ولا ستر مطبق ولا طعام جالس على الطريق، ولا محبوس من وراء مضيق، بل لو قيل له: إنّ اللقمة خلف جبل قاف لقام إليها يسعى، أو في فم الأفعى لمد يده إليها ولم يخف لسعا، قد تبلط وجهه الوقاح، وأفنى لحوم ذوات الأربع والجناح، ولم يدع في القدور شيئا عليه يدور، ولا في المخافي ما هو عليه خافي، ولا نوعا من الأنواع، ولا ما يصلح للأكل مما يشترى ويباع؛ ولو واكل ابن أبي
سفيان (( 1 )) لأشغله عن العيان أو سليمان بن عبد الملك (( 2 )) لهلك، أو الملك العادل (( 3 )) ، لأفقره في العاجل، أو عاصر ميسرة التّراس (( 4 )) ، لما اشتال له معه راس، أو عاشر القائد المغربي مولى فارح (( 5 )) ، لأراه في الأكل كل قارح، لا يعجبه لأجل السعي للأكل إلا كلّ يوم أغر يبدو نوره، وكل ملك إذا تغدى رفعت ستوره (( 6 )) ، لا يعد فردا، إلا من قدم إليه قصعة مكللة لحما مدفقة ثردا، ولا يكون منازلا، إلا لمن قال: وإني لعبد الضيف ما دام نازلا (( 7 )) ؛ يتغدى بجمل، ويتعشى بوسقه (( 8 )) ما حمل، يصرف الأكل بغزارة، ويحمل معدته فوق السبع كارة، ولا يكفيه قدر الرغيف إلا كلما أرهن عليه قوسه حاجب بن زرارة، ولا يقنعه طبخة القدر، إلا بجميع ما في الكوراة؛ يتنقل بإردبّ (( 9 )) ، ويأكل كل ما سعى أو دبّ، يتملح بمدّ ملح (( 10 )) وقوصرة بصل، ويتحلى بعديلة تمر ووطب
عسل؛ يشرب من اللبن وطبا، ويتنقل بحمل الحديقة رطبا، القنطار عنده أوقية، والرطل توابل التغذية، لا يحب إلا اسم بلعام (( 1 )) وطعمه، ولا يأكل ملء الطبق إلا في لقمة، يأكل باليدين، ويشبع بالعين؛ لم يعرف في طول عمره التخم، ولا خاف الوخم، ولا وقع على جيف المآكل إلا وقوع الرخم، ولم يأكل- حاشاه- في سبعة أمعاء، وإنما يدخر معه في وعاء، ما قرأ من الفقه إلا كتاب الأطعمة، ولا سئل: كيف الطريق؟ إلا قال: أنا ما أحب إلا الأشياء الحلوة الدسمة؛ لا نعرف أعرف منه بتلفيق الأسباب، وتخريب عرائش النقانق وقباب الكباب، فما حط يده في طعام إلا محقه، ولا في مأكول إلّا وعاد في الحال كأن الله ما خلقه، فاقتضى له تقدمه في هذه الطائفة الطائفة (( 2 )) ، أن يكتب له هذا التقليد، ويزاد به طول يده وباعه المديد، ويميز على أبناء جنسه من طائفة الشيخ ساسان (( 3 )) ، ومن يأخذ أموال الناس باليد ويأكلهم باللسان، ويفعل الفعائل التي ما يظن بها إلا أن زمان أبي الأكاسرة عاد، وينصب النصبات (( 4 )) التي لو كان أبو زيد السروجي (( 5 )) حاضرها لما زاد، فرسم أن يقلد أمر طائفة الطفيلية، ويعاد إليه أمورهم بالكلّيّة؛ وأن يكونوا جميعهم تحت أمره المطاع وأعوانه، إذا أكل كل ما على السماط وخلى الناس وهم جياع، وهو ما يحتاج إلى الوصايا التي تشغله عن الابتلاع، وتلهيه عن النهم الذي هو من خلق السباع؛ وإنما نقول له على سبيل
التذكرة، ونكتفي بالقليل لما عنده من المخبرة؛ فأول ما نوصيه أنه لا يقف عند منهل، ولا يتوقف في أي شيء تسهل، ولا يتخير ليتحير، ولا يذكر إذا تقدم إلى الطعام؛ بحقد من حقد ولا لوم من لام، ولا يحسب حساب تقية من حضر، بل يأكل الكل ولا يذر، ولا ينتظر من غاب، ولو كان أسد الغاب، ومهما جاء قدامه رماه بالمحاق، وعاجله خوف اللحاق؛ وإذا قدمت المائدة، يذكر اسم الله لتهرب الشياطين، وتغنّى لئلا تحضر الملائكة، ويتحيّل بكل طريق في عدم المشاركة، ويعجل مهما أمكنه فإنه ما يأمن المداركة وليلف الخبز والإدام، ولا يعفّ عن لحس الزبادي وقرقشة العظام، ولا يتلافى خاطر من حرد ولا يترضى، ولا يدع شيئا مما يطلق عليه اسم الأكل حتى النار التي تأكل بعضها بعضا، وليباكر الغداء فإنه مكرمة، ويلازم العشاء فقد قال صلى الله عليه وسلم (( 1 )) : (( تعشّوا ولو بكف من حشف فإنّ ترك العشاء مهرمة )) ، وليداوم على ما هو عليه من هذا الأمر، ولا يلتفت لقول زيد ولا عمرو، وليأكل ما حضر ويحرص على الطيبات، فقد كان صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب، ويحب الحلو والعسل، ويحب الزّبد والتمر، ولا أقل أن يكون فيه هذا من السنة؛ ومن تتبع مآكل السلف، وإن كان لا يريد، لأن هذا كله لا مصور على خاطره، وممثل في ناظره؛ ثم ليتعهد المهضمات وما يقوي المعدة، ويزيد لهيب نيرانها المتقدة، ولا يدع استعمال المسهلات، ليهيئ المعدة لمواقع الغداء والعشاء، ومواضع الأكل في مطاوي الأحشاء؛ وليستعلم أخبار الآكلين، وطرائف الطفيلية المحتالين، لما يحصل بذلك من التأسي، وينهض الشهوة للأكل والتحسي؛ وإياه والمضغ، فإنه يطيل المدى ويقلل معه مقدار ما يؤخذ من الغدا؛ ومهما استطاع فليحسن المآكل، ويحزن صاحب الضيافة الحزين الثاكل،
وليصرف شهوته إلى ما لا ينصرف، وما يقف على المعدة ويتوقف، ويلازم مغلظات الغداء ولا يسمع ممن قال: إنه المذموم، وليستكثر من لحوم الجمال والجواميس والبقر وما أشبه هذه اللحوم، وكذلك مارزن من الحبوب ووزن، فجاء أضعاف مثله في القدر المحسوب؛ ودأبك أن تعرف موسم كل مجتمع، ومكان يرجى فيه ملء البطن والشبع، وصرف أعوانك لتعرف أخبار الأعراس التي يولم فيها الولائم، وبقية المواضع التي ينصرف عنها بشبعه الطاعم، وأسمطة الأمراء وآدر الوزراء، ومواضع مناصفات الفقراء، والأوقات التي تعمل لها جلاسات الفقهاء والقراء، ومظان الرهان التي تؤخذ فيها الدراهم، وتصرف غالبا في أنواع المطاعم، ودعوات الإخوان وأهل القصف، ومن يكون على ميعاد استعد له ومالا يبعد عن هذا الوصف، ودور أهل اليسار وكبار العامة والتجار، والجندي إذا جاء من الريف وحط هديته عن الحمار، وأرباب الصنائع الذين منهم من أوتى رزقه، ومن لا يبلغ أجرة عمله في اليوم درهمين وينفق بعض الأيام أكثر من دينار؛ ومواضع النزه، فكثيرا ما يستخرج بها مال البخيل، والبيوت التي تطلب إليها المواشط والدايات، فإن النفقة فيها غير قليل؛ وأقم لك ربيئة (( 1 )) على كل رابية [و] كل مكان يدقّ عليه بالطبول، ويتبع من يقوم منهم لتهنئة من تجددت له نعمة أو دفعت عنه نقمة أو غير هذا مما يقتضيه الفضول، ثم اقصد هذه المواضع وابسط يدك كل البسط، وتذكر ما كتب ساسان على عصاه (( 2 )) ولا تنس الشرط، ولف الإوز والدجاج والبط، واشرب بالزبادي المرق ولو أنه ماء الشّطّ، واحرق كل ما قدامك ولو كان النار والكبريت والنفط؛ وصل صولة الفحل، وكل
الشهد وإبر النحل، ولا تخل جنى النحل، ولا ما غرست فيه من الوحل (( 1 )) ، واهجم واسأل ولا تسل، ولا تفرق في سد الجوعة بين الصبر والعسل، وإذا رأيت جماعة فاحدس أنهم إنما اجتمعوا لطعام، أو أفرادا فاجزم بأنهم تفرقوا حيلة للالتئام، فاعمل بالحزم، واقصدهم وصمم العزم، وانضم إليهم واهجم هجوم الأسد المفترس، وكل كلّ ما بين أيديهم، وتنوع في الشهوات واقترح، ولا تخف من غضبهم فلابد أنك وإياهم تصطلح، وكل أكلة تكفي سنين، واستكثر بالآلاف المئين، وقل: [الكامل]
يا أكلة من عاش أخبر أهله ... أو مات يلقى الله وهو بطين
(( 2 )) فإن ضاقت منك عين بخيل، وإن عجلك عن الطعام قبل امتلاء الخرطبيل، وبسط إليك أحد يده ليقتلك، أو صفعك بالخفاف ونطلك (( 3 )) ، فاحتسب مصابك، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ
(( 4 )) ، ولا تهتم لما نزل عليك، ولو نزل الماء الأسود في عينيك، وورم وجهك وخلف أذنيك، فلا تنظر هذا الخطب الجليل إلا حقيرا، ولا هذا التعزير البليغ إلا على ما سمي به في الأصل توقيرا، ولا يردك هذا عن فعلك في المستقبل، واسمع من هذه الوصية واقبل، ولا تستكثر حمل ألف بعير، ولا تستقل حبة خردل، واجمع جنودك على هذه الطاعة، وإن كانوا ما يجمعهم مندل، وبصرهم بشرق البشرة، وعودهم أن لا يأكلوا بالخمسة والكف دون العشرة، وافتح فمك والتهم، وأوسع بطنك واضطرب في السماط واضطرم، وانتقد على البخيل وانتقم، وافعل في هذا فعل من لا يحتشم، ولا يخاف أنه ينبشم، وابرك في المائة وارتطم، واضرب للعجلة وجهك بيدك والتطم، وحافظ على هذا
واستدم، واستمك ظهور الموائد واستنم؛ ولو رفسك بخفه البعير، نزّله منزلة القرص الكبير، واهجم على الرغيف، ولو أنه الغريف (( 1 )) ، وهاجم على الفريسة كالأسد، وأدخل الطّعام على الطّعام ولو فسد، وغالب البخلاء على أموالهم ولا تفكر في أحد، وطالب من لا لك عنده شيء ولا يضرك من جحد، واضرب الحيس بالحيس، وكل السخلة والكبش والجدي والتيس، وكبّ جموع ربيعة على مضر ويمن على قيس، ولا يلج في مسامعك عذل عاذل، ولا يرد يدك منع بخيل ولا بذل باذل، ولا يغب عنك الماء لتسويغ الغصص، وإرفاد الطعام به بالقفص، وعليك بالعزائم وإياك والرخص، والحذر كل الحذر من الكسل والتواني، والقعود عن المواضع التي تطلب إليها القراء والمغاني؛ فإن كل هذه المظان، والمظانّ التي تسلط فيه السكين على الضان، فما كل وقت تصبح وليمة، ولا كل حين تمضي عزيمة، والإنسان الشاطر من أكل أكل البهيمة، وما كل أوان يتبوأ الآكل دار مضيف يحلّها، وينعم في جنات جفان أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها
(( 2 )) ، فلا يؤخّر يوم سرور ينتظر له غدا، ولا يشيل لعشاء من غدا، ولا يفوت دعوة كريم يضيف يديه في داره ويقول: وَكُلا مِنْها رَغَداً
(( 3 )) ؛ ومر أعوانك فليحمدوا الله الذي أطعمهم من أموال خلقه، وجعل أيديهم تعاجل يد صاحب الطعام في سبقه، وأوصهم بالشكر وقل لهم: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ
(( 4 )) ؛ والله تعالى يمتعه بما وهبه من بطن لا يشبع، ونفس أدنى من نفس أشعب الطماع وأطمع، وسبيل كل واقف عليه الانتهاء إلى ما يتقدم به من الأمر، وسلوك مسلك أصحاب أبي نعامة معه حتى يأكلوا معه الجمر، ومن خالفهم منهم يسقط من جريدة هذا الحساب، ويوقف وراء الحجاب، وأدّب بين الطفيلية أدبا
يبقى به أعجوبة، ويترك في مكان يبصر الناس فيه يأكلون، ولا يصل إليهم، وكفاه هذا عقوبة؛ والاعتماد على الخط الكريم أعلاه.
* وعنوان قوله في النظم (( 1 )) : [الكامل]
إن كنت خنتك في المودة ساعة ... فذممت سيف الدولة المحمودا
وزعمت أن له شريكا في العلى ... وجحدته في فضله التوحيدا
قسما لو اني قد حلفت غموسها ... لغريم دين ما أراد مزيدا
وقوله: [الكامل]
قلم يفل الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشابها ... كرم السّيول وهيبة الآساد
وقوله: [الكامل]
حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم ... ولووا عمائمهم على الأقمار
وتقلدوا يوم الوغى هندية ... أمضى إذا انتضيت من الأقدار
قوم إذا لبسوا الدورع حسبتهم ... كسحاب غيث ممطر بنهار
إن خوّفوك لقيت كل كريهة ... أو أمّنوك لقيت دار قرار
وقوله وقد شكا وجع المفاصل (( 2 )) : [مجزوء الكامل]
وجع المفاصل وهو آ ... خر ما لقيت من الأذى
ترك الذي استحسنته ... والناس من حظّي كذا
والعمر مثل الكأس ير ... سب في أواخره القذى
وقوله (( 1 )) : [مخلع البسيط]
والنّقل من فستق حديث ... رطب تبدّى به الجفاف
زمرّد صانه حرير ... في حقّ عاج له غلاف
وقوله (( 2 )) : [الطويل]
وللسر فيما بين جنبيّ مكمن ... خفيّ قصيّ عن مدارج أنفاسي
كأني من فرط احتفاظي أضعته ... فبعضي له واع وبعضي له ناسي
وقوله: [الوافر]
لقد فاوضته وسددت أنفي ... فما نفع احتراسي واحتياطي
عجبت لأمّه إذ قمّطته ... لقد وضعت خراها في القماط
وقوله (( 3 )) : [الطويل]
إذا لم يكن بدّ من الموت للفتى ... فأروحه الأوحى الذي هو أسرع
فكن غرضا بالعيش لا تغتبط به ... فمحصوله خوف وعقباه مصرع
وقوله (( 4 )) : [الكامل]
حتى إذا داع دعاه إلى الهوى ... أصغى إليه سامعا ومطيعا
كذبالة أخمدتها فكما دنا ... منها الضرام تعلقته سريعا
وقوله (( 1 )) : [الكامل]
قد كنت طلقت الوزارة عندما ... زلت بها قدم وساء صنيعها
فغدت بغيرك تستحل ضرورة ... كيما يحلّ إلى ذراك رجوعها
فالآن عادت ثم آلت حلفة ... ألّا يبيت سواك وهو ضجيعها
وقوله في مبخرة: [الرجز]
وقبّة ذات حدود أربعه ... مبنيّة بناء رأس الصومعه
في ذرعها ضيق وفي الطيب سعه ... حالية كالغادة المصنعه
مزفوفة لفتية مجتمعه ... من شاء أن يخلو بها خلت معه
صبّت عليها خلع مرتجعه ... تلبث فيها ثم تعرى مسرعه
وقوله: [الخفيف]
أقبلت ثم قبّلت ظهر كفّي ... قبلة تنقع الغليل وتشفي
فعضضت اليد التي قبلتها ... بفم حاسد يريد التشفّي
(( 2 )) وقوله: [الطويل]
فلا تتخذ لحمي غداء تسيغه ... وتحسب جهلا أن سيمريك أكله
فقد يلسب الفيل المعظّم عقرب ... فتقتلها من بعد ذلك نعله
وقوله: [مجزوء الكامل]
ما زلت آمل فتح آمل ... مذ سيرت تلك الجحافل
(( 3 ))
لله ما نطق اللسا ... ن به وأومأت الأنامل
واستكتمت أسيافنا ... تلك العواتق والكواهل
فطعاننا يفري الكلى ... وضرابنا يبري المفاصل
يا برد حرّ حروبنا ... في كلّ صدر ذي بلابل
أبدا ترينا في الأوا ... خر ما اقترحنا في الأوائل
فامدد يديك لمادنا ... ولما نأى فالكلّ حاصل
وقوله- وكان شيخنا أبو الثناء يستحسنه- (( 1 )) : [الطويل]
أقول وقد جردتها من ثيابها ... وعانقت منها البدر في ليلة التّمّ
وقد آلمت صدري بشدة ضمّها: ... لقد جبرت قلبي وإن أوهنت عظمي
وقوله: [مجزوء الكامل]
قل لابن نصر قول من ... سمع الأذى منه وشمّه:
يا ليت من حفر الكني ... ف بوسط وجهك منه ضمّه
وقوله يصف الجوزاء بين الشعريين: [البسيط]
وقد تجدلت الجوزاء بينهما ... كأنه جثّة مضروبة العنق
ورام أخذ الثّريا وهو يحسبها ... خريطة سقطت ملأى من الورق
وقوله في الخمر (( 2 )) : [المنسرح]
صفراء كالورس جامها يقق ... شعاعها كالذّبال يأتلق
كأنها في كفّ من أتاك بها ... ضحى نهار في وسطه شفق
وقوله: [الخفيف]
بين فكيك يا ابن نصر مضيق ... فيه بالشمّ للمنايا طريق
فاتق الله في الورى وتلثم ... أي نفس لبعض هذا تطيق
وقوله: [الطويل]
إذا كنت قد أيقنت أنك هالك ... فما لك مما دون ذلك تشفق
ومما يشين المرء ذا الحلم أنه ... يرى الأمر حتما واقعا وهو يقلق
وقوله: [البسيط]
بكى المظفّر من إفراط فروته ... فكلّ من أبصرته عينه ضحكا
(( 1 ))
كأنها إذ بدت والأير راكبها ... زق يصيد عليها سابح سمكا
وقوله (( 2 )) : [الخفيف]
أيها النابح الذي يتصدّى ... بقبيح يقوله لجوابي
لا تؤمّل أني أقول لك أخسأ ... لست أسخو بها لكلّ الكلاب
وقوله: [الخفيف]
عظمت فروة المظفّر حتّى ... أعجزت كلّ ناظر يشتهيها
غيبت أيره فلم يبق إلّا ... فيشة منه ربما تبديها
كالسحلفاة حين تطلع رأسا ... فإذا أوحشت تراجع فيها
وقوله: [الوافر]
أبا الخطّاب لو أنّي رهين ... ببطن القاع ينعاني نعاتي
لألزمك الوفاء وصال رمسي ... فكيف تجيز هجري في حياتي
وقوله (( 1 )) : [مجزوء الكامل]
قل للشريف المنتمي ... للغرّ من سرواته
شاد الألى لك منصبا ... قوّضت من شرفاته
والعود ليس بأصله ... لكنّه بنباته
والماء يفسد إن خلط ... ت أجاجه بفراته
وأحقّ من نكّسته ... بالصّغر من درجاته
من مجده من غيره ... وسفاله من ذاته
وقوله في إمام أبخر: [مخلّع البسيط]
يا من يصلّي صلاة شكّ ... يطول في إثرها قنوته
إن كنت تبغي الثّواب فاسكت ... ربّ فم أجره سكوته
وقوله: [مخلّع البسيط]
انحر أعادي بني بويه ... بالسّيف في جملة الأضاحي
فالكلّ منهم ذوو قرون ... تصلح للذّبح والنّطاح
وقوله في مدخنة (( 2 )) : [الطويل]
ومحرورة الأحشاء تحسب أنها ... متيمة تشكو من الحبّ تبريحا
يخرّق فيها العود عودا وبدأة ... فتأخذه جسما وتبعثه روحا
وقوله (( 3 )) : [المسرح]
قبّلت منه فما مجاجته ... تجمع مغنى المدام والشّهد
كأنّ مجرى سواكه برد ... وريقه ذوب ذلك البرد
وقوله: [الطويل]
وقالوا: اتّخذ أخرى سواها لعلّها ... تنسيك ذكراها التي تتردّد
فقلت لهم: بعدا وسحقا لرأيكم ... أأقلع عيني حين تذوى وترمد
وقوله في وردة: [البسيط]
حمراء مصفرة الأحشاء ناعتة ... طيبا تخال به في الطّيب عطّارا
كأنّ في وسطها تبرا يخلّطه ... قين يضرّم من أوراقها نارا
وقوله: [الطويل]
وهبت له عمر الشبيبة صحبة ... وأكرم بذي جود إذا وهب العمرا
فلّما ألمت للزمان ملمة ... فزعت إليه والتمست به النّصرا
فصمّ ولم يسمع نداء ولم يجب ... دعاء كأني به مستنطق صخرا
ورقّت صروف الدّهر لي من صنيعه ... فأصبحت أشكوه وأستصرخ الدهرا
وقوله (( 1 )) : [الكامل]
ما زلت في سكري ألمّع كفّها ... وذراعها بالقرص والآثار
حتى تركت أديمها [وكأنّما] ... غرس البنفسج منه في الجمّار
وقوله: [السريع]
ومن طوى الخمسين من عمره ... لاقى أمورا فيه مستنكره
وإن تخطاها رأى بعدها ... من حادثات النقص ما لم يره
وقوله (( 1 )) : [البسيط]
إن نحن قسناك بالغصن الرطيب فقد ... خفنا عليك له ظلما وعدوانا
لأنّ أحسن ما نلقاه مكتسيا ... وأنت أحسن ما نلقاك عريانا
وقوله (( 2 )) : [مجزوء الكامل]
يا من بدت عريانة ... فرأيت كلّ الحسن منها
كانت ثيابك عورة ... فسترت بالتّجريد عنها
وقوله: [الطويل]
خضاب تقاسمناه بيني وبينها ... ولكنّ شأني فيه خالف شانها
فيا قبحه إذ حلّ منّي مفرقي ... ويا حسنه إذ حلّ منها بنانها
وقوله في اصطرلاب أهداه (( 3 )) : [البسيط]
أهدى إليك بنو الآمال واحتفلوا ... في مهرجان جديد أنت مبليه
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... علوّ قدرك عن شيء يدانيه
لم يرض بالأرض مهداة إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
وقوله: [الخفيف]
يشتهي النّذل أن يكون كريما ... فإذا سيم ما اشتهاه أباه
فهو مثل العنّين يشتهي النّي ... ك ولا يستطيعه إن أتاه
وقوله (( 1 )) : [الكامل]
ومن العجائب أنّني هنّأته ... وأنا المهنّا فيه بالنّعماء
وقوله (( 2 )) : [الكامل]
يا ذا الذي جعل القطيعة دأبه ... إنّ القطيعة موضع للرّيب
إن كان ودّك في الطّويّة كامنا ... فاطلب صديقا عالما بالغيب
وقوله: [الخفيف]
صدّ عنّي مستعذبا لعذابي ... وجفاني كعادة الأحباب
كل يوم يروع قلبي بفنّ ... من تجنيه لم يكن في حسابي
وقوله: [الطويل]
لئن صرت حلس البيت حلف جداره ... فبالأمس منّي تستعيذ النجائب
كذاك أبو الأشبال يربض مرصدا ... ولابدّ من أن يعتدي وهو آئب
وقوله (( 3 )) : [الطويل]
تورّد دمعي فاستوى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
فو الله ما أدري أبا الخمر أسبلت ... جفوني أم من دمعتي كنت أشرب
وقوله: [السريع]
سألت عنه مجلسا قامه ... قد كان مأكولا له معجبا
فقال: ما قولك في مدخل ... وجدت منه مخرجي أطيبا
2- وأما أبو محمّد عبد الله بن عمر بن محمّد الفيّاض (( 1 )) ، كاتب (( 2 )) سيف الدولة:
فكان يكتب في ماله، بل كان الممول له، والمخول في كل ما ملك؛ وكان يعجن مداده بالمسك، ولا يليق دواته إلا بماء الورد؛ وكان شعلة لا تطفى، وبارقة لا تخفى، بذهن متقد، وفكر منتقد؛ إلا أن مادته مقصورة، وجادته محصورة، وبدائعه كثيرة، على قلتها يسيرة، إذا قيست إليها النجوم بجملتها، أرضى سيف الدولة بن حمدان، وأمضى عزائم رأيه وقد نعس الفرقدان، فتقدم أمام الكتاب ولواؤه منصور، وعدوّه ببيانه كالليل بالكوكب الدري منحور.
وله نثر، منه قوله: وقد علم الدمستق مواقع سيوفنا منه، وأيامنا الماضية معه، وأنه ما تحامل إلينا إلا على ظلع، ولا أقبل حتى رجع، وها نحن ننشده إمّا القطيعة، وإما الوقيعة، والسلام.
ومنه قوله: وأنتم أحوج إلى طلب الفداء لأساراكم منا إليه، وأجدر إذا استهمت رماح الجبلين عليه؛ لأنكم تربعون به تكثرا من قلة، وتعززا من ذلة؛ ولسنا كذلك، إنا لا نأسف على من نقص من عدد، ولا نبالي بمن أمسك من مدد، ثقة بما عوّد الله من النصر، وأتى من الأجر بالصبر.
ومنه قوله:
وردنا والأرض كأذناب الطواويس، والطير زجلة كأصوات النواقيس، وقد اهتز الشجر، وكلل النبات المطر، والطّرف قد رنح كالطّرف في تلك الميادين، والنسيم قد ضمخ من شذا تلك البساتين، فلم تكن لنا أمنية إلا أن نراك، ونثري بلقائك سقي ثراك.
ومنه قوله: وقد أجّلتنا يومين وهذا ثالث، وأعطيتني عهدين وكنت الناكث؛ فهل ابتدعت ما أتيت، أو كان لك عليه باعث؟
فيا قسيم روحي، ويا نسيم صبوحي، ها قد آن الغبوق، إلّا أنه يقرقف مرشفيك وكأس عينيك؛ وو الله لا شربت إلا على آس عذارك وورد خديك؛ فابرر قسمي، ورد الجواب من فمك إلى فمي.
* وسيأتي ذكر أبيه في الشعراء، وبه كانت لابنه هذه المكانة من سيف الدولة، وكلاهما- أعني هذا وأباه- ذو تيه وصلف، وكلاهما من صاحبه خلف.
3- وأما الحريري: أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان (( 1 )) ، صاحب المقامات
* فإنه فيما سواها، ما قاربها ولا داناها؛ حتى عجز عند الامتحان، عن كتابة كتاب أمر به على ما وشّع من تلك المقامات، ووسع من تلك المقالات؛ وبرع في ذلك المذهب، وعرف له من الحريري المذهب؛ هذا والدهر من دواته، والناس سواء
في عدم مساواته؛ وهو مادة أهل الأدب، والذي ينسلون إليه من كل حدب، إلا أنه لم يقدر أن يكون مكلّفا، ولا استطاع أن يكون لغير أمالي خاطره متلقفا؛ وهذا مذهب غير مذهب كتاب الإنشاء المكلفين اتباع غرض غيرهم، حتى يقسروا خواطرهم على ذلك؛ على أن الرجل فضله عظيم، ومثاله الدهر به عقيم، وقدره جليل، ونظيره قليل؛ منبع الفضائل ونبعتها، وصيت الفواضل وسمعتها؛ توقته الأعداء سماما، وألقته الأولياء سهاما؛ وكان معدن [كلّ] نائل، وموطن كل طائل؛ باري غرب يريش ويبري، ويجيش قليب خاطره ويجري، أبرز مالم يستطعه الأوائل، وأحرز قصبات السبق على كل قائل.
وكان (( 1 )) سبب وضعه لمقاماته، ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله، قال:
كان أبي جالسا في مسجده ببني حرام، فدخل عليه شيخ ذو طمرين، عليه أهبة السفر، رثّ الحال، فصيح الكلام، حسن العبارة؛ فسألته الجماعة من أين الشيخ؟ فقال: من سروج (( 2 )) ؛ فاستخبروه عن كنيته، فقال: أبو زيد؛ فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية وهي الثّامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد المذكور واشتهرت، فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر أنو شروان بن خالد القاشاني (( 3 )) وزير المسترشد [بالله] (( 4 )) ؛ فلما وقف عليها أعجبته، وأشار إليه أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين مقامة؛ وإلى الوزير المذكور أشار الحريريّ في الخطبة: فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع (( 5 )) .
قال ابن خلكان: ورأيت في سنة ستّ وسبعين وستّمئة بالقاهرة، نسخة مقامات بخطّ الحريريّ، وقد كتب أيضا بخطّه على ظهرها، أنه صنّفها للوزير جلال الدين عميد الدّولة [أبي علي، الحسن بن أبي العز علي بن صدقة] وزير المسترشد أيضا. قال ابن خلكان: ولا شك أن هذا أصح من الرواية الأولى، لكونه بخطّ المصنّف، والله أعلم.
وأما تسمية الراوي بالحارث بن همام، فإنما عني [به] نفسه، وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم (( كلّكم حارث، وكلّكم همّام )) (( 1 )) ، فالحارث: الكاسب؛ والهمام: الكثير الاهتمام، وما من شخص إلا وهو حارث وهمام، لأن كل أحد كاسب ومهتم بأموره.
وكان الحريريّ قد عمل من المقامات أربعين مقامة، وحملها إلى بغداد وادّعاها، فقال جماعة من أدباء بغداد: ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه فادعاها؛ فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشئ؛ فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عيّنها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة، ومكث زمانا، فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان؛ وكان من جملة من أنكر دعواه أبو القاسم عليّ بن أفلح (( 2 )) ، فأنشد (( 3 )) : [المنسرح]
شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان كما ... رماه وسط الدّيوان بالخرس
وكان الحريريّ يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكر، وكان يسكن في مشان البصرة (( 1 )) ؛ فلما رجع إلى البصرة عمل عشر مقامات أخر وسيرهنّ، واعتذر من عيّه وحصره بالدّيوان، مما لحقه من المهابة (( 2 )) .
وللحريريّ عدة تصانيف طريفة لطيفة، كدرة الغواص، وملحة الإعراب؛ ويقال: إنه عملها لجواري الخليفة، فكن يحفظنها ويقمن ألسنتهنّ بها. قلت:
وهي بما حوت من العلم سهلة المأخذ، كأن شعرها غزل؛ ولو لم يكن منه إلا قوله: [الرجز]
ولن يطيب الوصل حتّى تسعدي ... يا هند بالوصل الذي يروي الصّدى
* وله نظم ونثر في غير المقامات، ومنها قوله نثرا: (( 3 ))
ولما استخدم الخادم فيما أهّل له آنفا، اعتمد في الخدمة ما يتهيب قلمه الإفصاح عنه، ويعرف بأن سعادة الديوان العزيز هي التي سنّت ما تسنّى منه، وتقدّم له الوعد بأنه عند تصفح مساعيه، يمنح من المساعفة بما يرتجيه، ولم يقدم قلمه على التذكير بالوعد الشريف، إلا بعد ما أنطقه لسان التوفيق للخدمة، وكفل له بمزيد الحظوة من النعمة؛ فإن اقتضت الآراء العلية إنجاز
موعده، كان ذلك إنعاما يقع عند معترف بوقعه، مستنفذ في الطاعة غاية وسعه.
ومنه قوله (( 1 )) : لولا خبرتي بفضله السائر، وإنعامه المنجد الغائر، لاستربت فيما يحكي، وامتريت فيما يروي؛ ولكن ما خلا عصر من جواد وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
(( 2 )) فإنه- أبقاه الله- وإن تصرفت الأحوال، وتشعبت الأقوال، كالغمام لا يقطع سقياه، ولا يستطيع أحد برد حياه؛ وللرأي الشريف مزيد علوه في الإنعام، بتأوّل ما أوضحته، والتّطوّل بما اقترحته.
ومنه قوله: رزء تساهم فيه الأنام، وأظلمت ليومه الأيام، واستغرب عنده الحمام، وعزّي فيه الدهر بكافل أبنائه، وندب فيه شقيق السحاب، فاستعبر بدموع أنوائه.
ومنه قوله (( 3 )) : وصل من المجلس- أكمل الله سعوده وأكمد حسوده- كتاب اتسم بالمكرمة الغرّاء، وابتسم عن النعمة العذراء؛ ووجدت بما ألحف من الجميل، وأتحف من التجميل، ما كانت أطماعي تهفو إليه، وآمالي تحوم حواليه؛ إذ ما زلت مذ استميلت وصف المناقب الشريفة، أبعث قلمي على أن يفاتح، وأن يكون الرائد لي والماتح، وهو ينكص نكوص الهيوبة، وينكل نكول الكهام عن الضريبة، إلى أن بديت وهديت، ورأيت كيف يحيي الله ويميت، فلم يبق بعد أن أنشط
العقال، واستدعي المقال، إلا أن أنقل التمر إلى هجر، والهشيم إلى الشجر، فأصدرتها متشحة بالخجل، مرتعشة من الوجل، وأنا معترف بالتقصير، معتذر باللّسان القصير، (( ولكلّ امرئ ما نوى )) (( 1 )) ، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
(( 2 )) .
ومنه قوله: ولعلّ الأيام تسمح بمتعة الملاقاة، فاجعلها غرّة الأوقات، وأعظمها كتعظيم حرمة الميقات؛ وهو إذا أتحفني بسطرين في كل شهرين، يكون قد أمطاني رتبة تضاهي النسرين، وأولى نعمة تبقى على العصرين.
ومنه قوله يهنئ بشهر رمضان: [الخفيف]
أنت في النّاس مثل ذا الشّهر في الأش ... هر بل مثل ليلة القدر فيه
أسعد الله المجلس بمقدم هذا الشهر، ومطلع هلاله المنيف؛ وهذا دعاء- لو سكتّ- كفيته، وسؤال- ولله الحمد- أوتيته.
ومنه قوله: إذا كانت المودات- حرس الله عز سيدنا- أنفس المرام المخطوب، وأنفع ما اقتني لدفع الخطوب، فلا لوم على من استسعى قدمه لخطبتها، واستعلق قلمه لطلبتها، لا سيما إذا كانت تعجب المتأمل، وتسعف المؤمّل؛ هذا وأنا مع المغالاة في الموالاة، وعلى هذه الصّفات من المصافاة، أعترف بوجوب معاتبتي، لقصور مكاتبتي، وأعتذر من عظيم هفوتي لتمادي جفوتي، ولولا أن لمفاتحة حضرته
وقفة المتهيب، وخجلة القطر من الصّيّب، لما استهدف قلمي لمرام الملام، ولاستنكف أن يكون سكّيتا في حلبة الأقلام؛ وها هو الآن قد أقدم إقدام الوقاح، وتعرض للافتضاح؛ فإن رزق بالقبول تحسينا، أو بمصافحة يده تزيينا، فقد فاز فوزا عظيما، وحلّ محلا كريما، وأنى له؟ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
(( 1 )) فما قيل إلا بما هو له أهل: [الكامل]
ولربما استيأست ثم أقول: لا ... إنّ الذي استشفعت منه كريم
ومنه قوله: ولم يزل الخادم يستملي من أنباء الكرام الطاهرة، والفضائل المتظاهرة، ما يودّ لو سعد برؤيته، وقرب إسعاده في روايته، ويوقن معه أن الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ويخص بكراماته؛ وقد أقدم الآن بعد إحجامه في استخدام أقلامه، فإن رزق من الإيجاب الشريف ما يحقق التأميل، فهو المظنون في كرمه البديع وطوله الوسيع؛ والآن فللخادم حرمة من أحرم وقصر، وطلب النّصرة فلم ينصر؛ والله تعالى لا يخلي المجلس من تناديه، واسترقاق الأحرار بأياديه.
ومنه قوله: سطرها الخادم وهو منتسك بالولاء الذي يتمسك بحبله، والدعاء الذي هو جهد مثله، والثناء على صنائعه، التي طالما أبكى بها وأضحك الأجيال؛ وقصده أن يتعمد بعواطفه التي تحقق الأمل، ومجازاته على حسب النية لا العمل.
ومنه قوله: أصدرت هذه الخدمة، واليد تنكل عن مطاوعة القلم، لهذه النازلة التي أصم
نعيها المسامع، وهون وقعها الفجائع: [الطويل]
فلا قلب إلا قد تباين صدعه ... ولا عين إلّا وهي تذرف بالدّم
ومنه قوله: وهنأ بالنجاح كل من غشينا إلى ضوء ناره، وانتجع صوب أمطاره، وسمع أخبار كرمه فاهتدى إلى قصد الكريم بأخباره.
ومنه قوله: (( 1 ))
وحبس عليه المدائح التي حازها بالاستحقاق، واستخلصها بكلمة الاتفاق.
ومنه قوله: (( 2 ))
وما زال متصفا من الكمال بما لا يقبل معه مزيدا، ولا يستطيع خلق لملابسه تجديدا، خلقا دان الخلق لمعجزاته، وقصرت الأفعال عن تحقيق صفاته، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
ومنه قوله: (( 3 ))
واشتاق إلى تلك الألفاظ المعسولة، والمعاني المشمولة، التي تميل بأعطافها نشوة الفصاحة، وتفتر عن محاسنه شفاه الرجاحة، فلا جرم أنها قد شغلتني أن أنطق بمنثور ملقّح، أو منظوم منقّح.
ومنه قوله (( 1 )) : وكتب الخادم هذه الخدمة أواخر شعبان، عظم الله لدى مولانا ميامن تقضّيه، وبركات ما يليه؛ جعل الأيام كلها مواسم مسارّه، وصحائف مبارّه، ومعالم مآثره الحسان وآثاره.
ومنه قوله: من شيم السادات، حفظ العادات، فما بال سيدنا أغلق باب الوصال بعد فتحه، وأصلد زند الإيناس عقيب قدحه، وأوردني أولا شريعة بره، ثم أجلاني عن شاطئ بحره، بما كان لملل فأنا أنزهه منه، أو لزلل فأستغفر الله منه؛ ولعل سيدنا يعود إلى عطفه الكريم، ويروح قلبي بمؤانساته الأرجة النسيم؛ وإذا تكرم عند عرض ما كتبته بما تحسن به الجلوة، وتجلب به الحظوة، شكرت العارفة الحلوة.
ومنه قوله (( 2 )) : جعل الله الدولة القاهرة مونقة النضارة، مشرقة الإنارة، ممنوحة الإطالة، مهروجة الإبالة (( 3 )) ؛ ولا أخلاها من مأثرة تروى عنها وتؤثر، ومنقبة تذكر على تعاقب الأزمنة وتشكر؛ ولا زالت ممطرة الأزمنة، حالية بالمناقب البينة، متلوة الأوصاف بجميع الألسنة، مبثوثة المدائح بكلّ الأمكنة؛ وأسبغ على أقطار البلاد من عواطفها ما أضحك مباسم الظنون، وحل كالغيث الهتون؛ ولا برحت أيامها
ممتدة المدة، محتفة بالتهاني المستجدة، وأورف ظلّها على الخلق، وأعلى كلمتها القائمة بنصر الحقّ، ما دارت الشهب، ودرت السّحب، وشهرت القضب، ونشرت الكتب، واستهلّت الأهلّة، واستهلّت الأنواء المنهلّة.
ومنه قوله (( 1 )) : وصل إلى العبد ما أهّل له، من مدارع التشريف الذي أحيا رمّته، وجلّى غمتّه، واتخذه فخرا لأعقابه، وذخرا لمآبه؛ وهو يرجو أن يقابل مواقع النعمة، بما يجب من الشكر بلسان الخدمة، وسيتضح من مساعي الخادم ونصائحه، تأثير شكر جوارحه.
ومنه قوله (( 2 )) : [الطويل]
ولو أن أنفاسي أصبن بحرّها ... [حديدا] إذا كاد الحديد يذوب
ولو أن عيني أطلقت من بكائها ... لما كان في عام الجذوب جذوب
بي من الاشتياق إلى خدمة ما يصدع الأطواد، فكيف الفؤاد؟ ويهوي بالجبال فكيف البال؟ ولولا التعلّل بترجّي الالتقاء لقيل عنه: لك يا مولانا طول البقاء، إلا أنه يستدفع الخوف بسوف، ويزجر الأسى بعسى وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
(( 3 )) .
ومنه قوله: المراتب تتفاضل مراقيها بتفاضل راقيها، وتتفاوت معاليها بتفاوت من يليها، ولولا ما يعلمه سيدي من وظائف الخادم في التوفير على الدّعاء، لما سبقه إلى
الخدمة قدم، ولا ترجم عن تهنئته قلم، فمتعه الله بما وهبه من المعالي، وأحله من مقاماتها في المكان العالي، وبارك له في وصل عقيلتها التي تغتبط بوصله، وتقول: الحمد لله الذي أحلنا دار المقامة من فضله؛ وهو أعزّه الله يجلّ قدره أن يهنأ برتبة وإن علت، ويرخص عنده قيمة كل خطوة وإن غلت؛ فليهن الأنام ما تجدد له من المرتبة المنيفة الذرى، والمهابة التي خضعت [لها] أعناق الورى؛ والله لا يخليه من زيادة يستمدها، وتهنئة يستجدّها.
ومنه قوله: وشكري لما أولى من مكارمه، توفي على شكر الروض الذابل، لصنيع الوابل، بل شكر من أطلق من أسره، وجبر بعد كسره؛ ولو نهض بالعبد القدمان، أو أسعده الزمان، لقصد الباب العالي ولو على الأجفان، وقام في زمرة المداح يتلو صحف الشكر باللّسان؛ ولما قصّرت به الخطوة عن هذه الحظوة، أقدم على أن يهدي الورق إلى الشجر، وبيض من مدائحه شعرا كبياض الشعر، هذا على أن ذنب المعترف مغفور، والمجتهد وإن أخطأ معذور.
ومنه قوله: طالما شجع الخادم قلمه على إيضاح ولائه، فنكص إلى ورائه، وأحجم للتهيّب عن إنهائه، وقد أقدم الآن على أن أبان؛ فإن أسعد بجواب يبهج بتأمّله، فقد حصل على مؤمله؛ وإن رجع بصفقة الخائب، وطرد طرد الغرائب: [من الكامل] [الكامل]
فلربما منع الكريم وما به ... بخل ولكن سوء حظّ الطالب
(( 1 ))
ولعله يرفع الطرف، ويشرف في الجواب ولو بحرف، وعليه سلام الله ما حطت أقدام، وخطت أقلام.
* ومن شعره (( 1 )) : [البسيط]
قال العواذل: ما هذا الغرام به ... أما ترى الشعر في خديه قد نبتا
فقلت: والله لو أن المفنّد لي ... تأمل السّحر في عينيه ما ثبتا
ومن أقام بأرض وهي مجدبة ... فكيف يرحل عنها والربيع أتى
وقال، وقد أتاه رجل (( 2 )) لسمعته، فلما رآه استزراه (( 1 )) : [البسيط]
ما أنت أول سار غره قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدّمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيديّ فاسمع بي ولا تزني
وأورد له عماد الدين الكاتب في (( الخريدة )) (( 1 )) : [مجزوء الخفيف]
كم ظباء بحاجر ... فتنت بالمحاجر
ونفوس نفائس ... خدرت بالمخادر
ورثين لخاطر ... هاج وجدا لخاطر
وعذار لأجله ... عاذلي فيه عاذري
وشجون تضافرت ... عند كشف الضفائر
(( 3 )) فهذا مقدار كاف في القسم الأول، من مشاهير الكتاب الذين عظم صيتهم ولا غوص لهم.
فأما هذا الرجل- أعني أبا محمّد الحريري- فإنه- على ما رأيت أنموذج
كلامه هنا- قليل الغوص بخلف مقاماته، فإنه فيها كمن طلب الروض فجنى زهرها، وصعد السماء فاقتطف زهرها؛ وإنما تركت اختيار شيء له منها لشهرتها، ولأنها صارت كتابا بذاته، لا تعدّ في سلك ترسّلاته؛ وبينهما في حسن الكون، ما رأيت من هذا البون، على أن ما أوردت له من هذه الرسائل هي الفرائد التي لا تقوّم، والفوائد التي تعني من يتعلم، متماثلة في توفيه الأغراض، مغازلة كالجفون المراض، سهلة على فهم المتناول، قرمة (( 1 )) لا تنالها يد المتطاول.
وأما القسم الثاني من أصحاب الغوص، فسنذكرهم على أن حكم أكثر الكتّاب القدماء حكم العرب، كلاهما له فضيلة السبق، وفتح الطريق؛ وحكم المتأخرين منهم حكم المولدين من الشعراء، في توليد المعاني والمجيء باللّطائف؛ وقد وشحوا صناعتهم بالاستعارات الصحيحة والتشبيه والاستخدام والتورية وأنواع البديع، وتناهوا في الدقيق والتنميق، وتباهوا في التخيّل والتخيير، وقيدوها بالأسجاع، ولزموها كالقوافي، فلم يعوزها (( 2 )) من الشعر إلا الوزن فأخملوا الأوائل، وأخمدوا كل قائل، وأتّموا الفن وكمّلوه، وزينوا الفضل وجملوه؛ وهذا مكان للمغرب فيه مع المشرق مجال، وميدان له في فرسانه رجال، وهو في هذا غير ممنوع ولا مدفوع، لكنه فيما تقدم المئة الرابعة لا يذكر له في هذه الفتية فيئة (( 3 )) ، ولا تظهر له هيئة؛ ثم ما عدم في هذا الشأن ما أوهن زجاج حاسده، وأشرق بغصص الدمع شأن معانده؛ ولا نقول هذا على أن للغرب بهذا المزية على الشرق، ولا أنه سلّم إليه في هذا الحق، وإنما نحن بصدد إنصاف، وما يبعد فيما بين الغرب والشرق في هذه الفضيلة، ولا نجحد أن له بمن نعده هنا
وسيلة، وإلا فالمشرق من كتابه المتأخرين من اقتطف الزّهر والزّهر، وجر ردنه على المجرة والنهر، وأتى بما هو أضوع من العبير، وأضوأ من جبهة القمر المنير؛ وردوا غدر البلاغة فشربوا زرق نطافها، وساموا رياض البراعة وشرعوا في قطافها، فولدوا المعاني واخترعوها، وابتدؤوا أحسن الطرق وابتدعوها؛ وفتن الألباب كلامهم الدّرّ، ولفظهم الرقيق الحرّ؛ وأدعى قول نقوله للحقّ: إنّ من لدن المئة الرابعة وهلم جرا أهل المغرب في هذه الصناعة أكثر رجالا وأهل المشرق أبرع رجلا، وإنما أردنا بتقديم من قدمنا ذكره من الوزراء والكتّاب، وإن لم يكن ما يؤثر عنهم ممّا يناسب درّه كله نظم هذا السّحاب، لإثبات الفضل للشرق على الغرب في تلك المدد الطوال والسنين الخوال، فإن الشرق كان معمورا بمثل هؤلاء، والغرب قفر يباب أكتب من فيه نقول له: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ
(( 1 )) على أن هؤلاء القدماء وإن لم يدخلوا في الغوص من هذا الباب، ولا أتوا باللّب اللّباب، فما فاتهم سابقة فضل في فضل، ولا قصّر بهم راية عن غاية، وفي أثناء ما ذكرناه دليل، لولا الاكتفاء به لبيناه مع سعة هذه المقدرة والتقدم في دول الخلفاء، والتقرب في خواطرهم إلى محل الاصطفاء، وما أجري لهم من الارزاق، أو جرى بهم من الأموال، وأقلها خزائن والإقطاعات، وأصغرها مدائن والنّفقات، وأهولها قناطير مقنطرة، والعطايا وبعضها جمل مستكثرة، والدولة الزاهرة وكانوا أطوادها، والصولة القاهرة وكانوا إذا رؤوا آسادها، والخلافة وكانوا عمادها، والإمامة وكانت أقلامهم سيوفها والسيوف أغمادها، والمفاخر وقد جمعوا شتيتها، والمآثر وقد استطابت على مطارف السّحاب مبيتها، واغتنام الأيام وصنائع ملكوا بها رقّ الأحرار، وأطافوا بها على الأكباد الحرار؛ فيا أيّها المباهي للمشرق بالمغرب، والمباهل في هذا الفضل المغرب، ها قد قلنا لك بعض
ما عندنا، فقل لنا كل ما عندك، وأرنا نارك إن كنت تحرق، وأقداح زندك.
* فأما ما نذكره لأصحاب الغوص قديما، ونصل جناحه بالمفاخرين، فسنغصّ به حلوق المفاخرين، ونقذي عيونهم في الآخرين، ونخرّهم للأذقان على وجوههم داخرين.
وها أنا ذاكر القسم الثاني؛ فمنهم:
4- أبو الفرج، عبد الواحد بن نصر بن محمد، القرشيّ المخزومي، المعروف بالببغاء
(( 1 )) * هو رأس الجماعة، ورئيس القوم في البضاعة، ما قصر في متن تشبيهه عن ابن المعتز، ولا في ديباجة لفظه عن البختري، ولا في إحكام معانيه عن أبي تمام، ولا في كثرة تنويعه عن أبي نواس؛ علم لا يخفى، وقلم لا يحفى، عرش آداب مخضل النبات، مخضر الجنات، رأي المجد هضبة فأناف رأسها، وحلبة فأجرى أفراسها، فطرّف بطارفه التّالد، وشرّف بمطارفه الوالد، وأحيا شرف مخزوم، وقد فرع عمر عمر وفات خالد؛ توفّي الببغاء سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة.
ومن كلامه يصف حمارة (( 2 )) : مخططة يستطيل بياضها، فيما يستطيل من أعضائها، ويستدير فيما يستدير؛ وهذه الأتان بما خرجت عن العادات، وخالفت الموصوفات، ناطقة في
كمال الصنعة بأفصح لسان، مشتملة على غرائب الإحسان؛ أنفس مدخر، وأغرب موشى، وأفخر مركوب، وأطرف محبوب، وأعجز موجود، وأبهر محدود؛ كأنما وسمها الكمال بنهايته، أو لحظها الفلك بعنايته، فصاغها من ليله ونهاره، وحلّاها بنجومه وأقماره، ونقشها ببدائع آثاره، ووشّى روضها بيانع أزهاره، ورمقها بنواظر سعوده، وجعلها بالكمال أحد حدوده؛ جامعة شتيتها بالقسمة والترتيب، بين زمني الشبيبة والمشيب؛ قيد الأبصار، وأمد الأفكار، ونهاية الاعتبار، بستان بسرج، وروضة بمرج، منزه على الحليّ عطلها، مزريّة بالزهر حللها؛ حدّ جنسها وعالم نفسها؛ صنعة المنشئ الحكيم، وتقدير العزيز العليم، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (( 1 )) .
ومن قوله قرين أسطرلاب أهداه: أجلّ الهدايا- يا سيدي أطال الله بقاءك- موضعا، وألطفها من الملاطف موقعا، ما لاءم الاختيار، ووافق الإيثار، وكان العقل أخص بفائدته، والفهم أحظى بيمن عائدته؛ ولما كنت- أيدك الله- ممن لا يتوصل المتوصل إليه إلا بما تنصف (( 2 )) العادة الحكمة عليه؛ آثرتك- وفقك الله- ببرهان الحكمة ونسبها، ومدار الفلسفة وقطبها، ومرشد الفكر ومناره، وميزان الحسن ومعياره، ونافي الشك ومزيله، وشاهد العالم ودليله، ومصور الهندسة وممثلها، ومقسم البروج ومعدّلها، وموقف النّجوم ومثيرها، وجامع الأقاليم ومديرها؛ مرآة الحبك، وصورة الفلك، وأمين الكواكب، وحدّ المشارق والمغارب؛ مما اخترعت العقول تسطيحه، وأتقن الحساب تصحيحه، وتمارت الفطن في ترتيبه، واصطلحت الحكماء على تركيبه، فأوضحت باليقين تقسيمه، وأبانت بالكتابة قلمه ورسومه، إلى أن
شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته، وحصر متفرق الأنوار في مجرى عضادته، واحتوى على قطري الشمال والجنوب، وأطلع باللّطف على خفيات الغيوب؛ متّعك الله باستخدامه، وأسعدك بمواقع أحكامه، وأغناك بالتوفيق عمّا يستمده منه، وبالخيرة عن الاختبارات الصادرة عنه، وقد آنست وحشته من فهمك بسكنه، ورددته من ذكائك إلى وطنه، فإن رأيت أن تديله من الأفهام الصدئة بصفاء بصيرتك، وتقرّه في أمنع قرار من كنف فطنتك، فعلت إن شاء الله تعالى.
ومنه قوله يستهدى دواة من الأبنوس بآلاتها: ولعل المولى ينعم بدواة تكون للكتابة عتادا، وللخواطر زنادا؛ جدولية العطفين، هلالية الطرفين، مسكية الجلدة، كافورية الحلية، فسيحة الأحشاء، مهفهفة الأعضاء، فهي من لون جلدتها، ووشائع حليتها: [الخفيف]
كشباب مجاور لمشيب ... أو ظلام موضّح بنهار
أضمرت آلة النّهى فهي كالقل ... ب وما تحتويه كالأفكار
يقارنها قضبان (( 1 )) من ذخائر السحاب، وودائع التّراب؛ كلّ معدل الكعوب، قويم الأنبوب، باسق الفروع، رويّ الينبوع، نقي الجسد، نازح العقد، مختلف الشيات، متفق الصفات، مما اعتنت الطبيعة بتربيته، وتبارت الدّيم في تغذيته، كالجوهر المصون، واللّؤلؤ المكنون؛ ملتحف الأجساد بمثل خوافي أجنحة الجراد، أولى باليد من البنان، وآنس بخفي السر من اللسان، مقترن ذلك بمدية لا تفتقر إلى جلب (( 2 )) ، ذات غرار ماض، وذباب قاض، ومنسر ناويّ، وحديد سمائي، وجوهر هوائي، ونصاب زنجي، وحد لجي، معه مقطّ، يرتفع عليه تقديرها وينحطّ، ذو جسد بجراحها مكلوم، وجلد بآثارها موسوم: [البسيط]
في كلّ عضو له من وقعها ألم ... وليس ينجع فيه ذلك الألم
كأنّه وامتهان القطّ يزعمه ... أنف الحسود إذا أرغمنه النّعم
حتى إذا جببت غاربه، وأطلقت مضاربه، انصاع من أصون جفير، وكرع في أعذب غدير، لا ترده غير الأفهام، ولا يمتح بغير أرشية الأقلام، تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره، وتنشأ سحب البلاغة من قراره، منير مظلم، مشمس معتم: [البسيط]
يجري وأجزاؤه في الوصف جامدة ... ويستهلّ وما تجري له مقل
إذا الخواطر حامت حول مورده ... لم يظمها من قراه العلّ والنّهل
كأنّ أقلامنا فيما تحمّله ... إلى القراطيس عن أسرارنا رسل
ومنه قوله لرجل في تزويج أمه (( 1 )) : واتصل بي ما كان من أمر الواجبة الحقّ عليك، المنسوبة- بعد نسبتك إليها- إليك، واختيارها من الصيانة التي تحفظ جلالتها، وتحسن إيالتها، وتنمي مالها، وتشدّ أخوالها، وتعين طباعها على كرمها، وتقيم مهابتها على خدمها، ما لولا أن النفس تناكره بغير طريق شرعي ولا دليل قطعي، لكنت في مثله بالرضى أولى، وبالاعتداد بما جدّده الله من صيانتها أحرى؛ وقد آثر الصّلة بها من تقوى بصلته، قوّة اليد بالسّاعد، وتعتده عمّا بحكم المجاز، والعمّ صنو الوالد (( 2 )) ؛ وتزوجت أمّ زيد بن عليّ فلم يمنعه عمّا جاء به الشّرع حميّة النخوة، وسئل: لم تزوجت أمّك بعد أبيك؟ فقال: لتبشّر بآخر مثلي من الإخوة؛ وفي هذا لها
- أصانها الله- مزيد للعفة، ومزيل للكلفة، والزواج يستحبّ للرجال والنساء سواء، في طلب تجديده شهوات الأمّهات والآباء، وقد جدع الإسلام أنف الغيرة (( 1 )) ، وجعل فيما اختاره الخيرة؛ ولا يسخطك- أعزك الله- ما رضيه موجب الشرع، وحبّب أدب الديانة، وحكم به حاكم العقل في الصيانة، فمباح الله أحقّ أن يتبع، وهوى النفس في الحمية أولى أن يمتنع؛ فإياك أن تكون ممن إذا عدم اختياره، تسخط اختيار القدرة.
ومنه قوله في فتوح: أصدرت هذا الكتاب بمواقع نعم الله الشاملة، وآثار نعمه المتواصلة؛ وهو أنّا لمّا رأينا السّيوف متوثبة في الأيدي للضرب، وحاذرنا هجوم الشتاء على مضيق الدرب، جعلنا آخر الأمر أوله، وركبنا من الصعب أهوله، وأرسلناها تتبارى في الركض، وتتلاعب بالأرض، وتتواثب كالظلمان، وتتهافت كالعقبان؛ أسرع من النجوم السائرة، وأنفذ من السهام العائرة؛ إلى أن نزلنا بطن هنزيط (( 2 )) ، فكنا أسبق إلى عيون أهلها من النظر، وأدخل في نفوسهم من تسقط الحذر، ولم يمض صدر اليوم إلّا وقد حصل جميع من فيه من المقاتلة والحامية، والشّبي والماشية، والغلام والجارية، تحت رقّ الصّفاح، وفي ملك الخيل والرّماح؛ ثم يمّمنا بلد قالي قلا (( 3 )) ، فوردناها وقد سبقنا الإنذار، وتقدمّنا إليهم الحذار، فرجعنا إليهم بالعزائم الثاقبة، والكتائب العالية، فما كان بأسرع من أن زلزلت بهم الأقدام، وتحصّنوا بالهرب من الحمام، ودخلوا البلد؛ فكاد السور يقذف بمقاتلتهم،
والأرض تنخسف زلزالا بكافتهم؛ ثم دخلنا البلد والسيف يأخذ من أدركه، والطّعن ينحر من استملكه، ثم رجعنا على من استعصى بالكنيسة، فخاطبونا بلسان الإذعان، وراسلونا في التماس الأمان، فأجبناهم إلى ذلك مشترطين ما منعهم حظّ الإسلام من قبوله، فاقتطعهم الطّمع عن تحصيله، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
(( 1 )) وبرقت لهم مكائد النشاب، ودخلت عليهم رسل الموت على أجنحة النّسور من كل باب، فاستنزلناهم بحكم السيف وهم مهطعون وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ
(( 2 )) وأقمنا على أعلى جدرانه الأذان، ورتبنا المصلّبين مواضع الصّلبان، ثم انقلبنا بأسعد منقلب، وأربح مكتسب؛ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
(( 3 )) .
ومنه قوله يصف تشريفا وفرسا وصلا إلي أبي تغلب بن حمدان من الخليفة: وصل كتاب أمير المؤمنين مطلقا إلى الرّشد بالتوقيف، مقترنا بخصائص التّكرمة والتشريف؛ فقبّلت من الملبس الشريف مواقع أفضاله، واعتلقت من السعد بأذياله، وبرزت في الخلع الموسومة بإنعامه، والمناطق الناطقة بإكرامه، متدرّعا منها ثياب السكينة والهدى، مختالا من حللها فيما يروق الأولياء ويروع العدى، متقلّدا عضبه الذي هزّ النصر غراره، وأحسن آثاره، عاليا على عنق الزمان، بامتطاء ما حباني به من الجواد الذي تزلّ الأبصار عن صهواته (( 4 )) ،
وتتبلج غرّة الفجر في ظلماته، وهو مع كونه تحلّى بحلية الكافر، يروع كلّ كافر مشرك، ويحقق بركضه أن الليل الذي هو مدرك (( 1 )) ؛ والحمد لله الذي جعل صنائع أمير المؤمنين عند من يرتبطها بعلائق شكره، ويحرسها بالتوفّر على جميل ذكرها في ذكره.
ومنه قوله: فلان يطرق الدّهر إذا نظر، وينظر المجد إذا افتخر، سعى إلى العلياء فأدركها، وعاقد عليها الآراء فملكها، وهي ما تدرك بغير السماح، ولا تملك إلّا بأطراف الرّماح.
ومنه قوله: والبلاغة ميدان لا يدرك إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان؛ وقل من يركب طريقها على التغرير، أو أمل قطعها بالتقصير، إلا فضحته المطاولة، وكشفت خلله المساجلة، فسقط من حيث أمل الرّفعة، وذلّ من حيث حاول المنعة.
ومنه قوله: وأما هذا الفتح، فأوصافه لا تدرك بالعبارات، ولا تدخل تحت العرف والعادات: [البسيط]
فتح أنار الهدى بعد الظلام له ... واسترجع الدّين من بعد الرّهان به
تاهت بأيامه الأيام واعتذر الد ... دهر الخؤون إليه من نوائبه
تباشرت بورود أخباره المنابر، وشهدت بفضله البواتر، ووفت فيه الخيل بعقد الضمان، وناب الخوف له عن ملاقاة الأقران، وآذن بالعاجل، على ما ادّخره الله في الآجل.
ومنه قوله: وقد شرفني سيدنا بأعز الحملان، الحامل لي على عنق الزّمان، فجاء موفيا على التأميل فيه، مناسبا لصنائع مهديه، متفاوت العدو، متقارب الخطو، حديد النظر، محمود الخبر، عريق النسب، مخبور الحسب، أخفّ من الوهم، وأمرق من السهم، وأسرع من البارق، وأشهر من لاحق (( 1 )) ؛ شخص إقبال، وجملة كمال (( 2 )) : [الكامل]
إن لاح قلت: أدمية أم هيكل؟ ... أو عنّ قلت: أسابح أم أجدل؟
تتخاذل الألحاظ في إدراكه ... ويحار فيه النّاظر المتأمّل
فكأنّه في اللّطف سهم ثاقب ... وكأنّه في الحسن حظّ مقبل
ومنه قوله: وإذا كان الشكر ترجمان النّية، ولسان الطّويّة، وسببا إلى الرّفادة، وطريقا إلى السعادة، فألسن آثارها على الشاكر مع الصّمت، أفصح من لسانه، وبيانها عند الجحود أبلغ من بيانه.
ومنه قوله:
فلان يسع العالم إحسانه، ويستغرق الشكر امتنانه، ويستخدم الدهر عزمه، ويؤدب الأيام حزمه، كعبة فضل، وغمامة وبل، الليالي بأفعاله مشرقة، والأقدار من خوفه مطرقة، تحمده أولياؤه، وتشهد له بالفضل أعداؤه، ولا يصل الشك إلى سريرته، ولا ترمد عن الحق عين بصيرته، كالقمر السعد، والأسد الورد (( 1 )) : [البسيط]
إن سار سار لواء النصر يقدمه ... أو حلّ حلّ به الإقبال والكرم
يلقى العدى بجيوش لا يقاومها ... كثر العشائر إلّا أنّها همم
ومنه قوله: والحمد لله على ما وهب مولانا من عافية يقتضي بها شكره، وعارض مرض يختبر بها صبره، ليوجب له الزيادة من نعماه بالشكر، ويدخر له أرفع درج الجزاء بجميل الصّبر: [الطويل]
فبالمجد فقر أن يصحّ له أمر ... بقاء العلى والمكرمات بقاؤه
يداوي من الوعك الأطباء جسمه ... ويعدم من وقع الرماح اتقاؤه
فياذا الذي في رأيه وحسامه ... إذا اعتزما برء الزّمان وداؤه
رويدا فبالآمال أعظم فاقة ... إلى غيث جود في يديك سماؤه
فرفقا بجسم إن أردت بقاءه ... فصفحك للتّرفيه عنه شفاؤه
فما حمّ حتّى حمّت الخيل قبله ... [وحتى ترى] الصّمصام يبدو اشتكاؤه
(( 2 ))
ولا تنكرن من ذا الدّؤوب اعتلاله ... بحال فقد يصدي الحسام انتضاؤه
ومنه قوله:
وقد ذهب رمضان عن سيدنا يشهد له عند الله بأفعاله، ويثني عليه عند الله بأعماله، تحسد لياليه على صيامه أيامه، وينافس صباحه على تهجّده ظلامه، موصوله بالطاعات ساعاته، مقرونة بالخيرات أوقاته: [الكامل]
ولّى ولو ملك اختيارا أنزلت ... شوّال عن أيّامه أيّامه
واسعد بعيد لم يزل يهدي له ... بل قبل مقدمه البشارة عامه
ومنه قوله: كتبت إليك بيد أطلق الثّقة بيانها من اعتقال اليأس، وعن رغبة انصرفت إلى تأميله عن جميع النّاس؛ مستظهرا على الدّهر بالصّبر، إلى أن عدل بي الحزم عن طريق نوائبه، واجتنيت بيد التّوفيق ثمر السّلامة من مصائبه، وأنا من المولى متوسّط رغبتي وعلاه، وبين شكري ونداه، مع أنني كما قلت: [الطويل]
تطول على الأيام أن يسترقّني ... مع الدّهر إلّا للكرام المواهب
وما كلّ حال يكسب المال مرتضى ... ولكن على قدر النّفوس المكاسب
ومنه قوله يشكر منعما سلك به مسلك والده: لو ارتفع برّ عن شكر، أو جلّ إنصاف عن اعتراف، لارتفع قدر تفضلك الذي توالت عليّ أنواؤه، وسابق رجائي ابتداؤه، ولم يجسر حمدي على مطاولة إحسانك، ولا أقدم بناني على وصف امتنانك، ولكن (( 1 )) حقّ لمن انتهى (( 2 )) إليك أن يفوت الأكفاء، ويبذّ النّظراء، لا سيّما من قصدك مقصد أبيك، فغدا يرتجيك: [المتقارب]
فقد كان شكري ملكا له ... وأنت أحقّ بميراثه
غمام أنت ماؤه، وبدر أنت ضياؤه، وعضب أنت غراره، وحقّ أنت مناره؛ سعى فجئت على أثره، وصمت فنطقت عن مفخره، فكرمك فرع كرمه، وهممك نتائج هممه.
ومنه قوله في التّهاني بعام: أسعد الأعوام- أطال الله بقاء الأمير- ما ألقى عليه سيدنا أيده الله بالمجاورة شعاع سعادته، التي هي حلي الدّهور، وغرر الأيام والشّهور، وقد أطلّ هذا الحول السعيد، مبشرا بأكمل مزيد، وأحسن تجديد: [الوافر]
فلا برح الزّمان بكلّ سعد ... سفيرا بين ملكك والدّوام
إذا أفنيت عاما منه أضحى ... ضمينا للبقاء بألف عام
فما عرف التّمام الخلق حتّى ... ظهرت فصرت حدّا للتّمام
ومنه قوله: غرّة الدّهر، وقبلة الشكر؛ إن رفع الجيش حماه، أو هز الحسام أمضاه، أو أورد السنان أرضاه؛ تتعزز بخدمته الأيام، وتضيء بمناجاته ظلم الأفهام؛ خصم النّوب، وشخص الحسب: [المتقارب]
يجلّ عن الهزّ عند الجلاد ... ويضحك في حالة المغضب
شجاعته عدّة المرهفات ... وهيبته موكب الموكب
لا تطمع الأفهام بلوغ حقه في مطاولته، ولا تسمو همم الخواطر إلى مساجلته؛ غاية المادح أن يرجع عن الإطالة إلى الاختصار، ويقتنع بالقليل من الإكثار: [الكامل]
يا من سطوت على الزّمان تهاونا ... بالحادثات مذ اعتمدت عليه
لا غرو إن أخّرت عنك مدائحي ... مدح الحسام العضب في حدّيه
ومتى تشابهت الشّيات فإنّما ... يجري الجواد إلى مدى أبويه
ذلك المقام مخاطبا على البعد بألفاظك، مرموقا بالمراعاة من ألحاظك، غير نازح عمّا ألفه من عواطف الولادة، وانبساط الأنسة المعتادة؛ وإنّ سببا أوثق حسم دواعي الخلاف، وأدّى إلى دوام الائتلاف، لحقيق بالمبالغة في تأكيده بالحرمة، وتخويله في النّعمة.
ومنه قوله في هذا المعنى (( 1 )) : وأما أبو النجم (( 2 )) فقد أدى الأمانة إلى متحملها، وسلم الذّخيرة الجليلة إلى متقبّلها، فحلّت من محل العز في وطنها، وآوت من حمى التودد إلى سكنها، صادرة من أنبل ولادة ونسب، إلى أشرف اتصال [وأنبه سبب] ، وكيف يتوصّى الناظر بنوره؟ أم كيف يحضّ القلب على حفظ سروره؟ ولو لم يمتّ أبو النجم بغير الخدمة في هذا الأمر العظيم محلا، السعيد عقدا وحلّا، لكان للحظوة أهلا، ولرفع المنزلة أولى أن يملى (( 3 )) ؛ فكيف وآثار نصحه في جمع الشمل لائحة، ودلائل وفائه بهذه الألفة واضحة؟
ومن نثره أيضا:
وأما فلان، فقد أمنت الأعداء فتكات حسامه، وبعد عهد الخيل بأسراجه وألجامه.
ومنه قوله:
رئاسة تزهر المناقب في أفق علائها، وتتنافس الأشراف في التعلق بولائها؛ أسبق إلى الطعن من الأسنّة، وأحذق من زيد الخيل بتصريف الأعنة؛ إن قال فصل، أو حكم عدل، أو نطق صدق، أو سوبق سبق؛ البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفو خطراته، مبرقع الطّلعة بالخفر، مسفر الوجه عن دارة القمر، ما ينفكّ من الكمد حاسده، ولا يسلم من الدّهر معانده: [المتقارب]
أقام حقوق النّدى والقنا ... ليوم السّماح ويوم الطّعان
يجود بسابق نجح السّؤال ... وبأس يطاعن قبل السنان
الحسام خدينه، والرّمح قرينه، والسرج وطنه، والتيقظ رسنه؛ سائره قلب، وجملته لبّ، من الدوحة التغلبية، والنبعة الحمدانية: [الكامل]
نسب لو ان الليل ألبسه انثنى ... بضيائه لسنا الصّباح يضاهي
وخلائق لو صوّرت لظننتها ... زهرا أو انبجست جرت بمياه
قوم بلوت مديحهم فوجدته ... أحلى من الرشفات في الأفواه
وطلبت مجتهدا نهاية وصفهم ... فوجدته ما ليس بالمتناهي
ومنه قوله: (( 1 ))
حقّ لمن انتمى إليك أن يفوت الأكفاء، ويبذّ النّظراء، لا سيما من قصد بك مقصد أبيك، وغدا يرتجيك، فقد توالت عليّ أنواؤه، وسابق رجائي ابتداؤه: [المتقارب]
وقد كان شكري ملكا له ... وأنت أحقّ بميراثه
غمام أنت ماؤه، وبدر أنت ضياؤه، وعضب أنت غراره، وحقّ أنت مناره؛ سعى فجئت على أثره، وصمت فنطقت عن مفخره، فكرمك فرع لكرمه،
وهممك نتائج هممه، ذهب وأبقاك، ونام مطمئنا وقد استرعاك، فلقد خلقت عندي أياديه خلقا جديدا، واستصحبت لي من نعمه كرما موجودا.
* ومن شعره (( 1 )) : [البسيط]
أحبابنا هذه نفسي تودّعكم ... إذ كان لا الصّبر يسليها ولا الجزع
قد كنت أطمع في روح الحياة لها ... فالآن إذ بنتم لم يبق لي طمع
لا عذّب الله روحي بالبقاء فما ... ظننتني بعدكم بالعيش أنتفع
ومنه قوله (( 2 )) : [البسيط]
يا مسقمي بجفون سقمها سبب ... إلى مواصلة الأسقام في جسدي
عذرت من ظلّ في حبّيك يحسدني ... لأنّه فيك معذور على حسدي
ومنه قوله (( 3 )) : [البسيط]
يسعى به البرق إلّا أنه فرس ... من فوقه الموت إلّا أنه رجل
يلقى الرّماح بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ماله كفل
ومنه قوله (( 4 )) : [الكامل]
وكأنّما نقشت حوافر خيله ... للنّاظرين أهلّة في الجلمد
وكأن طرف الشّمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الإثمد
ومنه قوله (( 5 )) : [البسيط]
يا غازيا آبت الأحزان غازية ... إلى فؤادي والأشجان حين غزا
إن بارزتك كماة الرّوم فارمهم ... بسهم عينيك يقتل كلّ من برزا
ومنه قوله يصف كأسا وأجاد في وصفه، وتقدم السابقين وخلاهم خلفه (( 1 )) : [المنسرح]
من كلّ جسم كأنه عرض ... يكاد لطفا باللّحظ ينتهب
لا عيب فيه سوى إذاعته الس ... سرّ الذي في حشاه يحتجب
كأنّما صاغه النفاق فما ... يخلص صدق منه ولا كذب
فهو إلى لون ما يجاوره ... على اختلاف الطّباع ينتسب
إذا ادّعاه اللّجين أكذبه ... بالرّاح في صبغ جسمه الذّهب
ومنه قوله في خلعة وفرس (( 2 )) : [البسيط]
لمّا تحصّنت من دهري بخلعته ... سمت بحملانه ألحاظ إقبالي
وواصلتني صلات منه رحت بها ... أختال ما بين عزّ الجاه والمال
5- ومنهم: بديع الزّمان الهمذاني (( 3 ))
* وهو نادرة الدّهر وبادرة الزهر؛ قلّ أن ولد الزّمان مثله، أو ولّد شكله؛ إن الزمان بمثله لعقيم (( 4 )) ، ولا عصبية للعظم الرميم؛ بل هو والله البديع حقا،
المعتكر (( 1 )) طرقا؛ كاد يلتهب فكره ذكاءا، وينتهب ذكره ذكاءا (( 2 )) ، كأنما كلمه حبر أو لفظه زبر؛ سجعه قصير، ونفعه كبير، من سمع حسّانه تبع إحسانه، ومن فهم بيانه، علم أن فوق السّحاب بنانه؛ وربما كاد يحكيه لو وهب، لو كان- كما قال- طلق المحيا يمطر الذّهب (( 3 )) ؛ نافح الرّياض فأخذ أنفاسها، وسافح السحائب فنثر أكياسها، بزّ الكواكب ولبس لباسها، وبذّ المدام وسلب الحميّا كأسها، فجاء بسحر عظيم إلّا أنه حلال، وخمر لا لغو فيها ولا تأثيم وفيها الخلال؛ ووراءه جرى الحريريّ لكنّه نقّح، على أنه مما ترك البديع ولقح.
وذكر البديع أبو منصور الثعالبي، فقال: هو أبو الفضل، أحمد بن الحسين الهمذاني مفخر همذان (( 4 )) ، ونادرة الفلك وبكر عطارد، وفرد الدّهر، وغرة العصر، ومن لم يلف (( 5 )) نظيره في ذكاء القريحة، وسرعة الخاطر، وشرف الطّبع، وصفاء الذهن، وقوة النفس، ولم يدرك قرينه في ظرف النّثر وملحه، وغرر النظم ونكته، ولم يرو أن أحدا بلغ مبلغه من لب الأدب وسرّه، وجاء بمثل إعجازه وسحره؛ فإنه كان صاحب عجائب وبدائع؛ فمنها:
أنه كان ينشد القصيدة لم يسمعها قطّ، وهي أكثر من خمسين بيتا، فيحفظها كلّها، ويوردها إلى آخرها، لا يخرم حرفا منها [ولا يخلّ بمعنى] ، وينظر في الأربع والخمس الأوراق، من كتاب لم يعرفه ولم يره إلا نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذّها عن ظهر قلبه هذا، ويسردها سردا.
وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى غريب وباب بديع، فيفرغ منها في الوقت والساعة، والجواب عمّا فيها.
وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه، فيبتدئ بآخر سطوره ثم هلم جرا إلى الأول، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه.
ويوشح القصيدة الفريدة من قبله بالرسالة الشريفة من إنشائه، فيقرأ من النظم ومن النثر؛ ويعطى القوافي الكثيرة، فيصل بها الأبيات الرشيقة.
ويقترح عليه كلّ عروض (( 1 )) ، فيرتجله في أسرع من الطرف على ريق لا يبلعه، ونفس لا يقطعه. وكلامه كله عفو الساعة، وفيض البديهة (( 2 )) ، ومسارقة القلم، ومجاراة الخاطر [للنّاظر] .
وكان مع هذا مقبول الصورة، خفيف الرّوح، حسن العشرة، ناصع الظرف، عظيم الخلق، شريف النفس، كريم العهد، خالص الودّ، حلو الصداقة، مرّ العداوة.
فارق همذان [سنة ثمانين وثلاثمائة] وهو مقتبل الشبية، غضّ الحداثة، ووافى (( 3 )) نيسابور فنشربها بزه، وأظهر طرزه، وأملى مقاماته وغيرها، وضمنها ما تشتهي الأنفس من لفظ أنيق قريب المأخذ، بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع (( 4 ))
والمقطع كسجع الحمام، ثم ألقى عصاه بهراة، فعاش بها عيشة راضية.
وحين بلغ أشده وأربى على أربعين سنة، ناداه الله فلبّاه، وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة؛ فقامت نوادب الأدب، وانثلم حدّ القلم أنه على ما
مات من لم يمت ذكره، ولقد خلّد من بقي نظمه ونثره.
وسئل بعض علماء الأدب عن الحريريّ والبديع في مقاماتهما، فقال: لم يبلغ الحريريّ أن يسمّى بديع يوم، فكيف يقارب بديع زمان!.
* ومن نثره قوله (( 1 )) : وقد نظرت في المرآة فوجدت الشيب يتلّهب وينهب، والشّباب يتأهّب ويذهب، وما أسرج هذا الأشهب إلّا لسير، وأسأل الله خاتمة خير.
ومنه قوله (( 2 )) : أبرزت (( 3 )) باطنه، وحركت ساكنه، وأخرجت دفائن صدره، ورفعت أذيال ستره؛ فملأ فكيه وعيدا، ولحييه تهديدا (( 3 )) ، وكان جوابنا أن قلنا: بعض الوعيد يذهب في البيد (( 4 )) : [السريع]
جاء شقيق عارضا رمحه ... إنّ بني عمّك فيهم رماح
إنّا نقتحم الخطب، ونتوسط الحرب (( 5 )) : [المتقارب]
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم
ومتى شئت لقيت خصما ضخما، ينهشك قضما، ويأكلك خضما؛ فجعل الشيطان يثقّل بذلك أجفان طرفه، ويقيم به شعرات أنفه (( 6 )) : [الوافر]
وحتّى ظنّ أنّ الغشّ نصحي ... وخالفني كأنّي قلت هجرا
ومنه قوله: وبيننا عذراء، زجاجها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة؛ إذا طاف بها الساقي فورد على غصنها، أو شربها مقهقهة فحمامة على فننها.
ومنه قوله (( 1 )) : انظر إلى الكلام وقائله فإن كان وليّا فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدوّا فهو البلاء وإن حسن؛ ألا ترى العرب تقول: قاتله الله، ولا يريدون الذمّ؛ ولا أبا له، في الأمر إذا تمّ.
ومنه قوله: وفائدة الاعتقاد أفضل في الانتقاد، والسماح يكسر الرّماح، والصفح يفلّ الصّفاح، والجود أنصر من الجنود؛ فإن كشف الضرّ عن الحرّ، أجمل من كشف الصدف عن الدرّ؛ ومن عرف بالمنح، قصد بالمدح، وقد ظلم من يلوم غير ملوم، فالتغاضي يصحب المراضي، واللبيب يعيد البعيد قريبا، والعدوّ حبيبا، وحضرة السّلطان مفزع الراجين، ومنزع اللاجين، إليها يعودون وبها يعوذون، وهي المقرّ، وإليها المفرّ، وإذا عدل الملك أقصر الحائف، وأمن الخائف، وخير الإخوان من ليس بخوان؛ وده ميمون، وغيبه مأمون، فهو يحالفك ولا يخالفك، ويرافقك ولا يفارقك، ويوافقك ولا ينافقك، ويعاشرك ولا يكاشرك، وإذا حضرت حنا عليك، وإذا غبت حن إليك.
ومنه قوله (( 2 ))
وقد كتب إليه بعض من عزل عن ولاية حسنة، وذوى يانع
غصنه؛ يستمد منه ودادا طالما تركه، ويستميل فؤادا كان يظنّ أنه قد ملكه؛ وإذا بحوادث الأيام قد غيرت ما عهد، وحسنت له بذل ما كان يضنّ به فلم يفد:
أما بعد: فقد وردت رقعتك فلم تند على كبدي، ولم تحظ بناظري ويدي؛ وخطبت من مودتي ما لم أجدك له أهلا، وقلت: هذا الذي تاه بحسن قده، وزها بورد خدّه، فالآن إذ نسخ الدّهر آية حسنه، وأقام مائل غصنه، وانتصر لنا منه شعرات كسفت هلاله، وأكسفت باله، ومسحت جماله، وغيرت حاله؛ فمهلا مهلا؛ وتناسيت أيامك إذ تكلّمنا نزرا، وتلحظنا شزرا: [الطويل]
ومن لك بالعين التي كنت مرة ... إليك بها في سالف الدهر أنظر
أيام كنت تتلفت والأكباد تتفتت، وتقبل فتمني وتعرض فتضني (( 1 )) : [الطويل]
وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا ... تخلّل حرّ الرّمل دعص له ندي
فأقصر الآن فإنه سوق كسد، ومتاع فسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت، ويوم صار أمس، وحسرة بقيت في النفس، فحتام تدلّ وإلام؟ ولم تحتمل وعلام؟
وقد بلغني ما أنت متعاطيه من تمويه يجوز بعد العشاء في الغسق، وينفق على السّوق؛ وإفناؤك لتلك الشعرات جزا وحصا، ونتفا وقصا؛ فأنا برحلك وجانبك، وحبلك ملقى على غاربك، ولو أحببت أن أوجعك لقلت: [من مخلّع البسيط]
ما يفعل الله باليهود ... ولا بعاد ولا ثمود
ولا بفرعون إذ عصاه ... ما يفعل الشعر بالخدود
ومنه قوله (( 2 )) : كتابي إلى البحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه فقد
تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته، فقد بلغني صيته، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره؛ وهذه الحضرة وإن احتاج إليها المأمون، ولم يستغن عنها قارون، فإن الأحب إليّ أن أقصدها قصد موال، [لا قصد سؤال] ؛ والرّجوع عنها بجمال أحبّ إلي من الرجوع عنها بمال؛ قدّمت التعريف، وأنا أنتظر الجواب الشريف.
ومنه قوله (( 1 )) : عافاك الله، مثل الإنسان في الإحسان، كمثل الأشجار في الثمار، سبيله إذا أتى بالحسنة، أن يرفّه من السّنة إلى السنة، وأنا كما ذكرت لا أملك عضويّ من جسدي، وهما فؤادي ويدي؛ أما الفؤاد فيعلق بالفود، وأما اليد فتولع بالجود؛ لكن هذا الخلق النفيس، ليس يساعده الكيس؛ وهذا الطّبع الكريم ليس يحتمله الغريم، ولا قرابة بين [الأدب و] الذهب؛ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة.
ولي مع الأدب نادرة: جهدت في هذه الأيام بالطّباخ أن يطبخ من جيمية الشماخ لونا، فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع من (( أدب الكتاب )) فلم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت من شعر الكميت ألفا ومئتي بيت فلم يغن فيما به اعتنيت؛ ولو وقعت أرجوزة العجاج في توابل السّكباج ما عدّ منها عندي لون، ولا استقرّ صون، بل ليست تقع، فما أصنع؟ فإن كنت تحسب اختلافك إليّ، أفضل (( 2 )) عليّ، فراحتك راحتي، وراحتي أن لا تطرق ساحتي.
ومنه قوله (( 3 )) :
أنا لقرب دار مولاي: [من الطويل] ... كما طرب النشوان مالت به الخمر
ومن الارتياح إلى لقائه: [من الطويل] ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
(( 1 ))
ومن الامتزاج بولائه: [من الطويل] ... كما التقت الصّهباء والبارد العذب
ومن الابتهاج بمزاره: [من الطويل] ... كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب
(( 2 )) * ومن شعره قوله (( 3 )) : [البسيط]
عليّ ألّا أريح العيس والقتبا ... وألبس السّيل والظّلماء واليلبا
وأترك الخود معسولا مقبّلها ... وأهجر الكاس يغدو شربها طربا
وطفلة كقضيب البان منعطفا ... إذا مشت وهلال الشهر منتقبا
قالت وقد علقت ذيلي تودعني ... والوجد يخنقها بالدّمع منسكبا:
كنت الشّبيبة أبهى ما دجت درجت ... وكنت كالورد أذكى ما أتى ذهبا
أبى المقام بدار الذّلّ لي كرم ... وهمة تصل التّقريب والخببا
وعزمة لا تزال الدّهر ضاربة ... دون الأمير وفوق المشتري طنبا
يا سيد الأمراء افخر فما ملك ... إلا تمناك مولى واشتهاك أبا
(( 4 ))
إذا دعتك المعالي عرف هامتها ... لم ترض كسرى ولا من فوقه ذنبا
أين الذين أعدّو المال من ملك ... يرى الذّخيرة ما أعطى وما وهبا
ما الليث محتطما والسّيل مرتطما ... والبحر ملتطما واللّيل مقتربا
أمضى شبا منك أدهى منك صاعقة ... أجدى يمينا وأدنى منك مطّلبا
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذهبا
والدّهر لو لم يخن والشّمس لو نطقت ... واللّيث لو لم يصد والبحر لو عذبا
يا من تراه ملوك الأرض فوقهم ... كما يرون على أبراجها الشّهبا
ومنه قوله (( 1 )) : [الطويل]
أيا ملكا أدنى مناقبه العلى ... وأيسر ما فيه السّماحة والبذل
هو البدر إلّا أنه البحر زاخرا ... سوى أنّه الضّرغام لكنه الوبل
محاسن يبديها العيان كما بدا ... وإن نحن حدّثنا بها صدّق العقل
وجاراك أفراد الملوك إلى العلى ... وحقا لقد أعجزتهم ولك الخصل
سما بك من عمرو ويعقوب محتد ... كذا الأصل مفخور به وكذا النّسل
* وحكى ابن ظافر قال (( 2 )) : حكى بديع الزّمان الهمذاني، قال: قال الصّاحب يوما لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس بن حمدان: لا يقدر أحد أن يزوّر على أبي فراس شعرا؛ فقلت: ومن يقدر أن يزوّر على شعره، وهو الذي يقول- وقلت ارتجالا-: (( 3 )) [الوافر]
رويدك لا تصل يدها بباعك ... ولا تغز السّباع إلى رباعك
ولا تعن العدوّ عليّ إني ... يمينك إن قطعت، فمن ذراعك
فقال الصاحب: صدقت؛ فقلت أيد الله مولانا، قد فعلت وزوّرت على أبي فراس، وهذا شعري! فعجب منه.
* وحكي أنّه جرى ذكره في مجلس شيخه أبي الحسين بن فارس، فقال ما
معناه (( 1 )) : إنّ بديع الزّمان قد نسي حق تعليمنا إيّاه، وعقّنا، وطمح بأنفه عنّا؛ فالحمد لله على فساد الزّمان، وتغيّر نوع الإنسان.
فكتب إليه بديع الزمان: نعم، أطال بقاء الشيخ الإمام؛ إنّه الحمأ المسنون، وإن ظنّت به الظّنون، والنّاس لآدم، وإن كان العهد قد تقادم، وتركبت الأضداد، واختلاف الميلاد؛ والشيخ يقول: قد فسد الزّمان؛ أفلا يقول: متى كان صالحا؟ في الدولة العبّاسيّة، فقد رأينا آخرها، وسمعنا أولها؟ أم الملّة المروانية، وفي أخبارها:
لا تكسع الشّول بأغبارها (( 2 )) ؟ أم السنين الحربية (( 3 )) : [مجزوء الكامل]
والسّيف يعقد في الطّلى ... والرّمح يركز في الكلى
ومبيت حجر في الفلا ... وحرّتان وكربلا؟
أم البيعة الهاشمية [، وعلي يقول: ليت العشرة منكم] براس، من بني فراس؟ أم الأيّام الأموية، والنّفير إلى الحجاز، والعيون تنظر إلى الأعجاز؟ أم الإمارة العدوّية (( 4 )) ، وصاحبها يقول: هلمّ بعد البزول إلى النّزول؟ أم الخلافة التيميّة (( 5 )) ، وهو يقول:
طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام؟ أم على عهد الرسالة، ويوم الفتح قيل: اسكتي يا فلانة، فقد ذهبت الأمانة؟ أم في الجاهليّة، ولبيد يقول (( 6 )) : [الكامل]
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
أم قبل ذلك، وأخو عاد يقول: إذ النّاس ناس والبلاد بلاد (( 1 )) ؟ أم قبل ذلك، وآدم- فيما قيل- يقول (( 2 )) : [الكامل]
تغيرت البلاد ومن عليها ... [ووجه الأرض مغبرّ قبيح]
أم قبل ذلك، والملائكة تقول: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
(( 3 )) .
ما فسد النّاس، إنما اطرد القياس، ولا أظلمت الأيام، إنما امتد الظلام؛ وهل يفسد الشيء إلّا عن صلاح، ويمسي المرء إلّا عن صباح؟ وإنّي على توبيخ شيخنا، لفقير إلى لقائه، شفيق على بقائه، منتسب إلى ولائه، شاكر لآلائه، لا أحلّ حريدا (( 4 )) عن أمره، ولا أفلّ (( 5 )) بعيدا عن قلبه؛ وما نسيته، ولا أنساه؛ إن له على [كل] نعمة خوّلنيها الله نارا، وعلى كلّ كلمة علّمنيها منارا؛ ولو عرفت لكتابي موقعا من قلبه، لاغتنمت خدمته به، ولرددت إليه سؤر كاسه، وفضل أنفاسه؛ ولكنني خشيت أن يقول: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا
(( 6 )) وله- أيده الله- العتبى، والمودّة في القربى، والمرباع، وما ناله الباع، وما ضمّه الجلد، وضمنه السمط؛ ليست رضى، ولكنها جلّ ما أملك.
اثنتان- أيد الله الشيخ الإمام- [قلّما تجتمعان] الخراسانية والإنسانية؛ وإن لم أكن (( 1 )) خراسانيّ الطّينة، فإنّي خراسانيّ المدينة؛ والمرء من حيث يوجد، لا من حيث يولد؛ فإذا أضاف إلى خراسان ولاء همذان، ارتفع القلم، وسقط التكليف؛ فالجرح جبار، والجاني حمار، ولا جنّة ولا نار، فليلمّني (( 2 )) على هناتي، أليس صاحبها يقول: [الخفيف]
لا تلمني على ركاكة عقلي ... إن تيقّنت أنني همذاني
والسلام.
قوله: والعيون تنظر إلى الأعجاز: إشارة إلى قول أحد الذين قتلوا عثمان لمّا دخلوا عليه، فنظروا إلى نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان، وهي تصيح، فقالوا:
إن عجزها لكبير.
* واجتمع بديع الزّمان والأستاذ أبو بكر الخوارزميّ في دار السيد أبي القاسم المستوفي، بمشهد من القضاة والفقهاء والأشراف، وغيرهم من سائر النّاس، فجرى بينهما من المناظرة ما نذكره إن شاء الله تعالى (( 3 )) .
قال الأستاذ أبو الفضل بديع الزمان: سأل السيد- أمتع الله ببقائه إخوانه- أن أملي جميع ما جرى بيننا وبين أبي بكر الخوارزمي أعزه الله من مناظرة مرّة ومنافرة أخرى، موادعة أولا ومنازعة ثانيا، إملاء يجعل السماع له عيانا، فما تلقيته إلا بالطاعة، على حسب الاستطاعة، لكن للقصّة تشبيبا لا تطيب إلّا به، ومقدمات
لا تحسن إلّا معها؛ وسأسوق بعون الله صدر حديثنا إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز؛ فنبدأ فيها باسم الله عزّ وجلّ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم [ذهابا بالقصّة عن أن تكون بتراء، وصيانة لها عن أن تدعى جذماء؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( 1 )) :] (( كلّ خطبة لا يبدأ فيها باسم الله عزّ وجلّ فهي بتراء )) . وخطب زياد خطبته البتراء (( 2 )) . لأنه لم يحمد الله عزّ وجل ولم يصلّ على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وهذا مقام نعوذ بالله منه، ونسأله التوفيق للصّواب، بورده وبصدره.
نعم، أطال الله بقاء السيد، وأمتع ببقائه إخوانه؛ إن قعدنا نعدّ آثاركم ونؤدي مآثركم، نفد الحصر قبل نفودها، وفنيت الخواطر قبل أن تفنى المآثر؛ وكيف لا، وإن ذكر الشرف فأنتم بنو بجدته، أو العلم فأنتم عاقدوا بردته، أو الدين فأنتم ساكنو بلدته، أو الجود فأنتم لابسو جلدته، أو التّواضع صبرتم لشدته، أو الرأي صلتم بنجدته، وإن بيتا تولى الله بناءه ولزم الرسول صلى الله عليه وسلم فناءه، وأقام الوصيّ عليه السلام عماده، وخدم جبريل عليه السلام أهله، لحقيق أن يصان عن مدح لسان قصير؛ ونحن نعود للقصة نسوقها.
فأولها: أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور دارا، وإلا جوار السادة جوارا، لا جرم أنا حططنا بها الرّحل، ومددنا عليها الطنب، وقديما كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوقه، ونخبره على الغيب فنتعشقه، ونقدر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة عن القشرة، فقد كانت لحمة الأدب جمعتنا، وكلمة الغربة نظمتنا؛ وقد قال شاعر العرب غير مدافع (( 3 )) : [الطويل]
أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب
فأخلف ذلك الظنّ كلّ الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف؛ وكان قد اتفق لنا في الطريق اتفاق، لم يوجبه استحقاق، من بزّة بزّوها، وفضة فضوها، وذهب (( 1 )) ذهبوا به؛ ووردنا نيسابور براحة أنفى من الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار (( 2 )) ، وزيّ أوحش من طلعة المعلّم، بل اطّلاعة الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره؛ وهذا بعد رقعة كتبناها، وأحوال أنس نظمناها؛ فلما أخذتنا عينه سقانا الدّرديّ (( 3 )) من أول دنّه، وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنّه؛ من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره؛ لكن أقطعناه جانب أخلاقه، ووليناه خطة رأيه، وقاربناه إذ جانب، وواصلناه إذ جاوب، وشربناه على كدرته، ولبسناه على (( 4 )) خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثّه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستمدّ وداده، ونستلين قياده، ونستميل فؤاده، ونقيم منآده، بما هذه نسخته بعد البسملة:
الأستاذ أبو بكر، والله يطيل بقاءه، أزرى بضيفه إن وجده يضرب آباط القلة في أطمار الغربة، فأعمل في مرتبته أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أصناف المضايفة، من إيماء بنصف الطرف وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلف لردّ السلام؛ وقد قبلت تربيته صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبطته شرا، ولم آله عذرا؛ فإن المرء بالمال وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال أتقزز صف النعال؛ فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت إن نوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناسا
يجرّون المطارف، ولا يمنعون المعارف (( 1 )) : [الطويل]
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
فلو طرحت بأبي بكر أيده الله طوارح الغربة، لوجد منال البشر قريبا، ومحطّ الرّحل رحيبا، ووجه المضيف خصيبا؛ ورأي الأستاذ أبي بكر أيّده الله تعالى في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ودّ، والمرّ الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله.
فأجاب بما هذه نسخته: وصلت رقعة سيدي ورئيسي، أطال الله بقاءه [إلى آخر] السّكباج (( 2 )) ، وعرفت ما تضمنته من خشن خطابه، ومؤلم عتبه وعتابه، وحملت ذلك منه على الضجرة التي لا يخلو منها من مسه عسر، ونبا به دهر؛ والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنة مشتكى ما في نفسه.
أما ما شكاه سيدي ورئيسي من مضايقتي إياه- زعم- في القيام عن التّمام، فقد وفيته حقه- أيده الله- سلاما وقياما على قدر ما استطعت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلّا السيد أبا البركات العلويّ أدام الله عزه، وما كنت لأرفع أحدا على من أبوه الرسول، وأمه البتول، وشاهداه التّوراة والإنجيل، وناصره التّأويل والتنزيل، والبشير به جبريل وميكائيل؛ فأمّا القوم وما وصف سيدي عنهم فكما وصف حسن عشرة، وسداد طريقة، وكمال تفصيل وجملة.
ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد (( 3 )) : [الطويل]
فإن أك قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم
والله يعلم نيتي للأحرار كافة، ولسيدي أدام الله عزه من بينهم خاصة؛ فإن أعانني على ما في نفسي بلغت له بعض ما في النية، وجاوزت به مسافة القدرة؛ وإن قطع عليّ طريق عزمي بالمعارضة، وسوء المؤاخذة، صرفت عناني عن طريق الاختيار، [بيد الاضطرار] : [الطويل]
فما النفس إلّا نطفة في قرارة ... إذا لم تكدر كان صفوا غديرها
(( 1 )) وبعد: فحبذا عتاب سيدي إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا؛ فأما أن يسلفنا العربدة، فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله عليه؛ ولست أسومه أن يقول: اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ
(( 2 )) ، ولكنّي أسأله أن يقول: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
(( 3 )) .
فحين ورد الجواب، وغير العذر رائده، تركناه بعرّه، وطويناه على غرّه، وعمدنا لذكره، فسحوناه، عن صحيفتنا ومحوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه؛ وتنكبنا خطته، وتجنبنا خلطته، فلا طرنا به، ولا طرنا إليه؛ ومضى على ذلك الأسبوع، ودرجت اللّيالي، وتطاولت المدّة، وتصرم الشهر وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدر حديثه، وجعل هذا الفاضل يستزيد ويستعيد، بألفاظ تقطفها الأسماع من لسانه وتردّها إليّ، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه وتعيدها عليّ؛ فكاتبناه بما هذه نسخته:
أنا أرد من الأستاذ سيدي- أطال الله بقاءه- شرعة وده، وإن لم تصف؛ وألبس خلعة وده (( 4 )) وإن لم تضف؛ وقصاراي أن أكيله صاعا عن مدّ؛ فإني
وإن كنت في الأدب دعيّ النسب، ضعيف السبب، ضيق المضطرب، سيّء المنقلب، أمتّ إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليط منصفا في الوداد، إذا زرت زار، وإن عدت عاد؛ وسيدي- أيده الله- ناقشني في القبول أولا، وصارفني في الإقبال ثانيا؛ فأما حديث الاستقبال، وأمر الإنزال والأنزال، فنطاق الطّمع ضيق عنه، غير متّسع لتوقّعه منه.
وبعد: فكلفة الفضل هينة، وفروض الودّ متعينة، وأرض العشرة لينة، وطرقها بينة، فلم اختار قعود التّعالي مركبا، وصعود التّغالي مذهبا؟ وهلّا ذاد الطّير عن شجر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؟ فقد علم الله أن شوقي إليه قد كدّ الفؤاد برحا على برح، ونكأه قرحا على قرح، ولكنّها مرّة مرّة، ونفس حرّة، لم تعد إلّا بالإعظام، ولم تلق إلّا بالإجلال، وإذا استعفاني من معاتبتي، وأعفى نفسه من كلف الفضل بتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرّعها، وحلل الصبر أتدرعها، ولم أغره من نفسي، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما طرت إلّا إليه، ولا وقعت إلّا عليه (( 1 )) : [الطويل]
أحبّك يا شمس الزمان وبدره ... وإن لا مني فيك السّها والفراقد
(( 2 ))
وذاك لأنّ الفضل عندك باهر ... وليس لأنّ العيش عندك بارد
فلمّا وردت عليه الرّقعة، حشر تلامذته وخدمه، وزمّ عن الجواب قلمه، وجشّم للإيجاب قدمه، وطلع مع الفجر علينا طلوعه، ونظمتنا حاشيتا دار الإمام أبي الطيّب أدام الله عزّه؛ فقلت: الآن حين تشرق الحشمة وتنوّر، وننجد في
العشرة ونغوّر، وقصدناه شاكرين لما أتاه، وانتظرنا عادة بره، وتوقعنا مادة فضله، فكان خلّبا شمناه، وآلا وردناه، وصرفنا الأمر في تأخرنا عنه إلى ما قاله عبد الله بن المعتزّ (( 1 )) : [الرجز]
إنّا على البعاد والتّفرّق ... لنلتقي بالذّكر إن لم نلتقي
وأنشدناه قول ابن عصرنا: [الوافر]
أحبّك في البتول وفي أبيها ... ولكنّي أحبّك من بعيد
(( 2 )) وبقينا نلتقي خيالا، ونقنع بالذكر وصالا، حتّى جعلت عواصفه تهبّ، وعقاربه تدبّ، وهو لا يرضى بالتعريض حتى يصرح، ولا يقنع بالنفاق حتى يعلن؛ وشكا إلي بعض إخواننا أني خاطبته مخاطبة مجحفة، ونزلته منزلة متحيفة؛ فقال: إني أؤثر العربدة، وأسلف الموجدة؛ ويرميني في ذلك بدائه وينسلّ (( 3 )) ، فكتبنا إليه (( 4 )) : [المتقارب]
جعلت فداءك من فاضل ... بلغت التراقي من جوره
وفي الغيب أكثر مما رأيت ... وأين البلوغ إلى غوره
أتتني الرّواة بما قلته ... بهيئته وعلى كوره
وقولك إني طوع الشّجار ... أضمّ ضلوعي على سوره
فقلت حياء لمن قد [أتاني] ... تجاوز منّا مدى طوره
(( 5 ))
فيا من بذلت ودادي له ... فما لأت حورا على كوره
بودّ تبلّج عن نوره ... وقصد تفرّخ عن نوره
فهشّ كما ليس يخفى عليك ... بشطر القيام إلى زوره
وبايعته بيمين الرّضا ... وغضّ الجفون على هوره
وقلت لحنظل أخلاقه: ... ألا حبذا الأري في شوره
ولو كان ذلك من غيره ... طممت بنجدي على غوره
ولا عبته بكعاب الرّجوع ... فقامرني بيدي على غوره
وكان حديثي لمّا رجعت ... حديث الفتى مع سنّوره
فلم أدر فيما جفا ضيفه ... ولم سكن البرّ من فوره
أللزّمن النّي في حكمه ... أم الفلك الغثّ في دوره
وكاتبته أستمدّ الوداد ... كملتمس الدّرّ في ثوره
فقابل صرفي بممزوجه ... وواجه درّي ببللوره
وجشّم أقدام إقدامه ... يلوح التّكلّف في موره
وزار وزرناه عن قصده ... بما ليس يخجل في زوره
هلمّ إلى منبت المكرمات ... اواينا منتحى سوره
(( 1 ))
وأما الخطاب فأنت ابتدأت ... ودونك زند المنى أوره
فلمّا وردت عليه الأبيات، أبرزت باطنه، وحرّكت ساكنه، وأخرجت دفائن صدره، ورفعت أذيال ستره، وملأ قلبه ولحيته تهديدا؛ فكتبنا إليه (( 2 )) : [الهزج]
أعنّي يا أبا بكر ... على نفثة مصدور
على ودّك مطويّ ... وعن عتبك منشور
إلى سلمك مشتاق ... على حربك مقهور
ولا تعدل إلى الظّلم ... ة عن ناحية النّور
ولا تهو إلى الوهد ... ة من عالية السّور
ولا تنهج إلى الأضيا ... ف إلّا سبل الخير
ولا تحفر لهم بيرا ... تقع في ذلك البير
ولا تنقل إلى الفتنة ... أسباب المقادير
(( 1 ))
فما أكثر ما عند ... ك من سرّ العقاقير
ولا تغرف على الإخوا ... ن من هذي الأبازير
فكم أطوي لك السّمع ... على سود المناكير
وكم ألقي عليها طر ... في في حلمي وتذكيري
وإن تمدد إلى ماء ال ... تّصافي يد تكدير
تعد عن جهتي واللّ ... هـ محذوف الشّوابير
ولا مروان بالكوفة ... في غدوة عاشور
ولا الكلب أتى الجام ... ع في فروة ممطور
وإن أحببت أن تعل ... م فانشطّ غير مأمور
فلا تبطل فدتك النّف ... س في بردك تدبيري
ولا تخلف بأخلاق ... ك في العشرة تقديري
فلما وردت عليه الأبيات قال: لو أنّ بهذا البلد رجلا تأخذه أريحيّة الكرم ))
، وتملكه هزّة الهمم، يجمع بيني وبين فلان- يعنيني-: [الرجز]
ثم رأى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتي أم حمار
وعلم أيّنا يبرز خلابه عفوا، أو أيّنا يغادر في المكر، ولودّ فلان بوسطاه؛ بل بيمناه، لو دخلنا وقلنا في المناخ له: نم، إلى كلمات تحذو هذا الحذو، وتنحو هذا المنحى، وألفاظ أتتنا من عل؛ وكان جوابنا أن قلنا: بعض الوعيد يذهب في البيد، والصّدق ينبئ عنك لا الوعيد (( 1 )) ؛ وقلنا: إنّ أجرأ النّاس على الأسد، أكثرهم رؤية له؛ (( 2 )) وقد قال بعض أصحابنا. قلت لفلان: ألا تناظر فلانا، فإنّه يغلبك؟ فقال: أمثلي يغلب وعندي دفتر مجلد! ووجدنا عندنا دفاتر مجلدة، وأجزاء مجرّدة؛ وأنشدناه قول جحل بن نضلة (( 3 )) : [السريع]
جاء شقيق عارضا رمحه ... إنّ بني عمّك فيهم رماح
هل أحدث الدّهر بنا نكبة ... أم هل رقت أمّ شقيق سلاح
وقلنا: إنا نقتحم الخطب، ونتوسّط الحرب، فنردّها مفحمين، ونصدر بلغاء: [الطويل]
وألسننا قبل النّزال قصيرة ... ولكنّها بعد النّزال طوال
[المتقارب]
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم
[المتقارب] (( 4 ))
فمن ظنّ ممّن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
فإنك متى شئت لقيت منّا خصما ضخما، ينهشك قضما، ويأكلك
خضما، وحثثناه على الأخذ بكتاب الله تعالى من قوله: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
(( 1 ))
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
(( 2 )) وأنشدناه قول الأول: [البسيط]
السّلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
وقلنا له (( 3 )) : [الوافر]
نصحتك فالتمس يا ويك غيري ... طعاما إنّ لحمي كان مرّا
ألم يبلغك ما فعلت ظباه ... بكا ظمة غداة لقيت عمرا
وجعل الشّيطان يثقل بذلك أجفان طرفه، ويقيم به شعرات أنفه (( 3 )) : [الوافر]
وحتّى ظنّ أنّ الغشّ نصحي ... وخالفني كأنّي قلت هجرا
واتّفق أنّ السيد أبا علي- أدام الله عزه- نشط للجمع بيني وبينه، فدعاني فأجبت، ثم عرض عليّ حضور أبي بكر، فطلبت ذلك، وقلت: هذه عدة لم أزل أستنجزها، وفرصة لا أزال أنتهزها؛ فتجشم السيد أبو الحسين، فكاتبه يستدعيه؛ واعتذر أبو بكر بعذر في التأخر، فقلت: لا ولا كرامة للدّهر أن نقعد تحت ضيمه، أو نقبل خسف ظلمه، ولا عزازة للعوائق أن تضيعنا ولا نضيعها، أو تعنينا ولا ندفعها؛ وكاتبته أنا أشحذ عزيمته على البدار، وألوي رأيه عن الاعتذار، وأعرّفه ما فيّ من ظنون تشتبه، وتهم تتجه، وتقادير تختلف، واعتقادات تخلف، وقدنا إليه مركوبا، لنكون قد ألزمنا الحج وأعطينا الرّاحلة، فجاءنا في طبقة أفّ وعدد تفّ: [السريع]
كلّ بغيض قدّه إصبع ... وأنفه خمسة أشبار
مع أرباب عانات وأصحاب جربّانات، لا تنال العين منهم إلّا خسيسا، وسرحنا الطّرف منه ومنهم، في أحمى من است النّمر (( 1 )) ، وأعطس من أنف النغر (( 2 )) ، فظننا أنه يريد أن يلقى كتيبة، أو يهزم دوسرا، أو يفلّ الأنكدين، أو يردّ الوافدين؛ ثم رأينا رجالا جوفا، قد خلّقوا صوفا، فأمنّا المعرة، ولم نخش المضرة، وقمنا له وإليه، وجلس يحرق أرمه، وتمثل ببيت لا يقتضيه الحال: من أنا في الحبالة نستبق (( 3 )) .
فتركناه على غلوائه، حتّى إذا نفض ما في رأسه، وفرغ جعبته وسواسه، عطفنا عليه، فقلنا: عافاك الله، دعوناك وغرضنا غير المهارشة، واستزرناك وقصدنا غير المناوشة؛ فلتهدأ ضلوعك، وليفرخ روعك: يا مارسر جس لا نريد قتالا (( 4 )) ، وما اجتمعنا إلا لخير، فلتسكن سورتك، ولتلن فورتك، ولا ترقص لغير طرب، ولا تحمّ لغير سبب، وإنّما دعوناك لتملأ المجلس فرائد وتذكر أبياتا شوارد، وأمثالا فوارد، ونباحثك فنسعد بما عندك، وتسألنا فتسرّ بما عندنا، ويقف كلّ منّا موقفه من صاحبه، وقديما كنت أسمع بحديثك، فيعجبني الالتقاء بك والاجتماع معك، والآن إذ سهل الله ذلك، فهلم إلى الأدب ننفق يومنا عليه، وإلى الجدل نتجاذب طرفيه؛ فاسمع خبرا وأسمعنا مثله؛ ونبدأ بالفنّ الذي ملكت به زمانك، وفتّ فيه أقرانك، وملكت منه عنانك، وأخذت منه
مكانك، وطار به اسمك بعد وقوعه، وارتفع له ذكرك عقب خضوعه، وأفحمت به الرّجال، حتى أذعن العالم وقلّد الجاهل، وقالوا قول الصّوفيّة: يا دهشا كلّه؛ فجارنا بفرسك، وطاولنا بنفسك؛ فقال: وما هو؟ قلت: الحفظ إن شئت، والنّظم إن أردت، والنّثر إن اخترت، والبديهة إن نشطت؛ فهذه أبوابك التي أنت فيها ابن دعواك، تملأ منها فاك.
فأحجم عن الحفظ رأسا، ولم يجل فيه قدحا، وقال: أبادهك؛ فقلت: أنت وذاك؛ فمال إلى السيد أبي الحسين فسأله بيتا ليجيز، فقلت: يا هذا، أنا أكفيك؛ ثم تناولت جزءا فيه أشعاره، وقلت لمن حضر: هذا شعر أبي بكر الذي كدّ به طبعه، وأسهر له جفنه، وأجال فيه فكره، وأنفق فيه عمره، واستنزف فيه يومه، ودوّنه صحيفة مآثره، وجعله ترجمان محاسنه، وعبر به عن باطنه، وأخذ مكانه به، وهو ثلاثون بيتا؛ وسأقرن كلّ بيت بوفقه، وأنظم كل معنى إلى لفقه، بحيث أصيب أغراضه، ولا أعيد ألفاظه، وشريطتي ألا أقطع النفس؛ فإن تهيأ لواحد، أو أمكن لناقد ممن قد حضر، يريد النظر، أن يميز قوله من قولي، ويحكم على البيت أنه له أو لي، أو يرجّح ما أنضجه بنار الرويّة، على ما أمليته على لسان النّفس، فله يد السبق، أو يكون غيرها، فأعفى عن هذه المعارضة، وتتنحّى لنا عن أرض المماثلة، ويخلى لنا الطّريق لمن يبني المناربه؛ فقال أبو بكر:
ما الذي يؤمننا من أن تكون نظمت من قبل ما تريد إنشاده الآن؟ فقلت: اقترح لكلّ بيت قافية، لا أسوقه إلّا إليها، ولا أقف به إلا عليها؛ ومثال ذلك أن تقول:
حشر؛ فأقول بيتا آخره حشر، ثم عشر فأنظم بيتا قافيته عشر، ثم هلمّ جرا إلى حيث يتضح الحقّ، وينتضح الزّرق، وتستقر الحجة وتطرد، وتستقلّ الشّبهة وتنطرد، فيعرف الحالي من العاطل، ويفرق بين الحقّ والباطل؛ فأبى أبو بكر أن يشاركنا هذا العنان، ومال إلى السيد أبي الحسين يسأله بيتا ليجيز، فتبعنا رأيه
بما رآه، ولم نرض إلّا رضاه، ولم نعدل عن هواه ومبتغاه؛ وأعمل كلّ منّا لسانه وفمه، وأخذ دواته وقلمه، وأجزنا البيت الذي قاله، وكلّما أجزناه إجازة، جارى القلم فيها الطّبع، وبارى اللّسان بها السمع، وسارق الخاطر بها النّاظر، وسابق الجنان فيها البنان؛ إلى أن قلنا (( 1 )) : [الكامل]
هذا الأديب على تعسّف فتكه ... وبروكه عند القريض ببركه
متسرّع في كلّ ما يعتاده ... من نظمه، متباطئ عن تركه
والشعر أبعد مذهبا ومصاعدا ... من أن يكون مطيعه في فكّه
والنّظم بحر والخواطر معبر ... فانظر إلى بحر القريض وفلكه
فمتى توانى في القريض مقصر ... عرضت أذن الامتحان لعركه
هذا الشّريف على تقدّم بيته ... في المكرمات ورفعه في سمكه
قد رام منّي أن أقارن مثله ... وأنا القرين السّوء إن لم أنكه
وإذا نظرت وجدت ما قد قلته ... برد اليقين على حرارة شكّه
عارضت بيتا قلته متعسّفا ... وحطمت جانحة القرين بدكّه
ودبغت منه أديمه فتركته ... نهج الأديم بدبغه وبدلكه
اصغوا إلى الشّعر الذي نظّمته ... كالدّرّ رصّع في مجرّة سلكه
فمتى عجزت عن القرين بديهة ... فدمي الحرام له إراقة سفكه
فقال أبو بكر أبياتا جهدنا به أن يخرجها عن اللّحاف، ويبرزها من الغلاف، فلم يفعل دون أن طواها، وجعل يفركها ويعركها، فقلت: يا هذا، إنّ البيت لقائله كالولد لناجله، فما لك تعقّ ابنك وتضيمه؟ أبرزها للعيون، وخلّصها من الظّنون؛ فكره أبو بكر أيده الله أن تكون الهرّة أعقل منه، لأنها تحدث وتغطي،
فلم يستجز أن يظهر، ثم بسط (( 1 )) جبينه، وبسط يمينه للبديهة، نفسا دون أن كتب، فقال: أنت وذاك؛ واقترح علينا أن نقول على وزن قول أبي الطّيّب المتنبّي، حيث يقول (( 2 )) : [الكامل]
أرق على أرق ومثلي يأرق ... وجوى يزيد وعبرة تترقرق
وابتدر أبو بكر أيده الله إلى الإجازة، ولم يزل إلى الغايات سباقا، فقال (( 3 )) : [الكامل]
وإذا ابتدهت بديهة يا سيدي ... فأراك عند بديهتي تتقلق
وإذا قرضت الشعر في ميدانه ... لا شك أنّك يا أخي تتشقق
إني إذا قلت البديهة قلتها ... عجلا وطبعك عند طبعي يرفق
مالي أراك ولست مثلي عندها ... متموّها بالتّرهات تمخرق
إني أجيز على البديهة مثل ما ... تريانه وإذا نطقت أصدّق
لو كنت من صخر أصمّ لها له ... [منّي] البديهة واغتدى يتفلّق
أو كنت ليثا في البديهة قادرا ... لرئيت يا مسكين دوني تبرق
(( 4 ))
وبديهة قد قلتها متنفسا ... فقل الذي قد قلت يا ذا الأخرق
ثم وقف يعتذر، ويقول: إن هذا كما يجيء لا كما يجب؛ فقلت: قبل الله عذرك، لكنّي أراك بين قواف مكروهة، وقافات خشنة؛ كلّ قاف كجبل قاف، منها: تتقلق وتتشقّق وتفلّق وتمخرق وتبرق وتسرق وأحمق وأخرق، إلى أشياء لا
أكثر بها العدد؛ فخذ الآن جزاء عن قرضك، وأداء لفرضك؛ وقلت (( 1 )) : [الكامل]
مهلا أبا بكر فزندك أضيق ... واخرس فإنّ أخاك حيّ يرزق
دعني أعرك إذا سكتّ سلامة ... فالقول ينجد في ذويك ويعرق
ولفاتك فتكات سوء فيكم ... فدع السّتور وراءها لا تخرق
وانظر لأشنع ما أقول وأدّعي ... أله إلى أعراضكم متسلّق؟
يا أحمقا وكفاك ذلك خزية ... جرّبت نار معرّتي هل تحرق؟
فلمّا أصابه حرّ الكلام، ومسه لفح هذا النظام، قطع علينا، فقال: يا أحمقا، لا يجوز؛ فإنّ أحمق لا ينصرف؛ فقلنا: يا هذا لا تقطع، فإن شعرك إن لم يكن عيبة عيب، فليس بطرف ظرف، ولو شئنا لقطعنا عليك، ولوجد الطّاعن سبيلا إليك؛ وأما أحمق فلا يزال يصفعك وتصفعه، حتى ينصرف وتنصرف معه.
وعرّفناه أن للشاعر أن يردّ ما لا ينصرف إلى الصرف، كما أن له رأيه في القصر والحذف؛ وأنشدناه حاضر الوقت من أشعار العرب، فقال: يجوز للعرب ما لا يجوز لك؛ فلم يدر كيف يجيب عن هذا الموقف وهذه المواقعة، وكيف يسلم من هذه المناصفة، لكنّا قلنا له: أخبرنا عن بيتك الأول، أمدحت أم قدحت؟
وزكيت أم جرحت؟ ففيه شيئان متفاوتان، ومعنيان متباينان؛ منها أنّك بدأت فخاطبت بيا سيدي، والثّانية:
أنّك عطفت فقلت: تتقلّق، وهما لا يركضان في حلبة، ولا يحطّان في خطّة. ثم قلت له: خذ وزنا من الشعر، حتى أسكت عليك فتستوفي من القول حظّك، واسكت علينا حتّى نستوفي حظنا؛ ثم إني أحفظ عليك أنفاسك
وأواقفك عليها، واحفظ عليّ أنفاسي وواقفني عليها؛ فإن عجزت عن اعتلاقها حفظتها لك، فسلني عنها بعد ذلك؛ وأخذنا بيت أبي الطيّب المتنبي (( 1 )) : [المنسرح]
أهلا بدار سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خرّدها
فقلت (( 2 )) : [المنسرح]
يا نعمة لا تزال تجحدها ... ومنة لا تزال تكندها
فأخذ بمخنّق البيت قبل تمامه، ومضيق الشّعر قبل نظامه، فقال: [ما] معنى تكندها؟ فقلت: يا هذا، كند النعمة: كفرها؛ فرفع يديه ورأسه، وقال: معاذ الله أن يكون كند بمعنى جحد، وإنما الكنود: القليل الخير؛ فأقبلت الجماعة عليه يوسعونه بريا وفريا، ويتلون له قول الله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
(( 3 )) .
فقلت: أليس الشّرط أملك؟ والعهد بيننا أن تسكت ونسكت حتّى نتم وتتمّ؟
ثم نبحث ونفحص؟ فنبذ الأدب وراء ظهره، وصار إلى السّخف يكيلنا بصاعه ومدّه، وينفض فيه حمة جهده، وأفضى إلى السفه يغرف علينا غرفا، ويستقي من جرفه جرفا؛ فقلت له: يا هذا، إنّ الأدب غير سوء الأدب، وللمناظرة حضرنا لا للمنافرة؛ فإن نقضت عن هذا السّخف يدك، وثنيت عن هذا السّفه قصدك، وإلّا تركت مكالمتك؛ ولو كان في باب الاستخفاف شيء أبلغ من ترك الإنكار لبلغته منك؛ فأخذ يمضي على غلوائه، ويمعن في هرائه وهذائه؛ فاستندت إلى المسند، ووضعت اليد على اليد، وقلت: أستغفر الله من مكالمتك، ونفضتها قائمة معه، وسكتّ حتّى عرف الناس، وأيقن الجلّاس أني أملك من نفسي مالا
يملكه، وأسلك من طريق الحلم ما لا يسلكه؛ ثم عطفت عليه، فقلت: يا أبا بكر، إنّ الحاضرين قد أعجبوا من حلمي بأضعاف ما أعجبوا من علمي، وتعجّبوا من عقلي، أكثر ممّا تعجبوا من فضلي؛ وبقي الآن أن يعلموا أنّ هذا السّكوت ليس عن عيّ، وأنّ تكلّفي للسّفه أشدّ استمرارا من طبعك، وغربي في السّخف أمتن عودا من نبعك؛ وسنقرع باب السّخف معك، ونفترع من ظهر السّفه مفترعك، فتكلّم الآن.
فقال: أنا قد كسبت بهذا [العقل] دية أهل همذان مع قلّته، فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزارته؟ فقلت: أما قولك: دية أهل همذان، فما أولاني بأن لا أجيب عنه، لكن هذا الذي به تتمدّح وتتبّجج، وتتشرّف وتتصلّف، من أنك شحذت فأخذت، وسألت فحصلت، وكديت فاقتنيت، فهذا عندنا صفة ذمّ، عافاك الله، ولأن يقال للرّجل: يا فاعل، يا صانع، أحبّ إليه من أن يقال: يا شحّاذ، يا مكدي؛ وقد صدقت، أنت في هذه الحلبة أسبق، و [في] هذه الحرفة أعرق؛ ولعمرك إنّك أشحذ، وأنت في الكدية أنفذ، وأنا قريب العهد بهذه الصّنعة، حديث الورد لهذه الشّرعة، مرمل اليد في هذه الرّقعة.
فأما مالك، فعندنا يهوديّ يماثلك في مذهبه، ويزنك بذهبه، وهو مع ذلك لا يطرقني إلّا بعين الرّهبة، ولا يمدّ إليّ إلّا يد الرّغبة؛ ولو كان الغنى حظا كريما لأخطأه مثل هذا العقل، ولو كان المال غنما لما أدرك بهذا السعي، ولكن عرّفني هل كنت فيما سلف من زمانك، ونبت من أسنانك، إلا هاربا بذمائك، مضرجا بدمائك، مرتهنا بقولك، بين وجنة موشومة، وجوارح مهشومة، ودار مهدومة، وخدود ملطومة؟ ومتى صفت مشارعك، أو أخصبت مراتعك، إلّا في هذه الأيّام القذرة؟ وستعرف غدك من بعد وتنكر أمسك، وتعلم قدرك في غد وتعرف نفسك، وما أضيع وقتا قطعته بذكرك، ولسانا دنسته باسمك.
وملت إلى القوّال وهو أبو بكر أحمد بن عبد الله الشّاذياخيّ، فقلت: أسمعنا خيرا؛ فدفع القوّال وغنّى أبياتا، فيها (( 1 )) : [الوافر]
وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا اللّطم في الخدّ الرّقيق
فقال أبو بكر: يا قوم، أحسن ما في هذا الأمر، أنّي أحفظ هذه القصيدة وهو لا يعرفها؛ فقلت: يا عافاك [الله] ، أعرفها، وإن أنشدتكها ساءك مسموعها، ولم يسرك مصنوعها؛ فقال: أنشد؛ فقلت: أنشد، لكنّ روايتي تخالف هذه الرّواية؛ وأنشدت: [الوافر]
وشبّهنا بنفسج عارضيه ... بقايا الوشم في الوجه الصّفيق
فأتته السّكتة، وأضجرته النّكتة، وانطفأت تلك الوقدة، وانحلت تلك العقدة، وأطرق مليا، وقال: والله لأضربنك وإن ضربت، ولأشتمنّك وإن شتمت، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
(( 2 )) ولتعلمنّ أيّنا الضارب وأيّنا المضروب.
وقلت: يا أبا بكر مهلا، فإنّك بين ثلاثة فصول لم تتخطّها من عمرك، وثلاث أحوال لم تتعدّها (( 3 )) في أمرك؛ وأنت في جميع الثلاثة ظالم في وعيدك، متعدّ في تهديدك؛ لأنك كهل وأنت شاعر، وكنت شابا وأنت مقامر، وكنت صبيا وأنت مؤاجر؛ فنطاق القدرة في الثلاثة الفصول ضيق عن هذا الوعيد؛ لكنّا نصفعك الآن، وتضربنا فيما بعد، فقد قيل: اليوم قصف، وغدا خسف؛ وقيل:
اليوم خمر، وغدا أمر (( 4 )) ؛ فقال أبو بكر: والله لو أنّك دخلت الجنة، واتخذت السندس والإستبرق جنّة، لصفعت؛ فقلت: والله لو أن قفاك غدا في درج في
خرج في برج، لأخذك من النعال ما قدم وما حدث، وشملك من الصّفع ما طاب وخبث؛ وأنشدت قول ابن الرّومي (( 1 )) : [المجتث]
إن كان شيخا سفيها ... يفوق كلّ سفيه
فقد أصاب شبيها ... له وفوق الشّبيه
ثم لما أبت نفس العقل، وزال سكر الغيظ، تمثّلت بقول القائل (( 2 )) : [الطويل]
وأنزلني طول النّوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله
أجامعه حتّى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
ودفع القوال فبدأ بأبيات، ولحّن بأصوات، وجعل النّعاس يثني الرءوس، ويمنع الجلوس؛ فقمنا عن اللّيل وهو يجرّ بعاع الذّقن، إلى ما وطّئ من مضجع، ومهّد من مهجع؛ ولم يكن النوم ملأ الجفون، ولا شغل العيون، حتى أقبل وفد الصّباح، وحيعل المؤذّن بالفلاح، وندب بالنّهوض إلى المفروض، وأجبنا؛ فلمّا قضينا الفرض، فارقنا الأرض، فآوى إلى مثواه، وأويت إلى الحجرة، وظني أنّ هذا الفاضل يأكل يده ندما، ويبكي على ما جرى دمعا ودما؛ فإنّه إذا سمع بحديث همذان، قال: الهاء همّ، والميم موت، والذّال ذل، والألف آفة، والنّون ندامة؛ وإنّه إذا نام هاله منّا طيف، وإذا انتبه راعه منّا سيف؛ وأخذ النّاس يترامزون بما جرى ويتغامزون، وراب هذا الفاضل غمزاتهم، مثلما راب المريض تغامز العوّاد؛ فجعل يحلف للنّاس بالعتق، وتحرير الرّقّ، والمكتوب في الرّقّ، أنه أخذ قصب السبق، وأنه ينطق عن الحقّ؛ والناس أكياس، لا يقنعهم عن المدّعي يمين دون شاهدين
وسعوا بيننا بالصّلح، يحكمون قواعده ومعاقده، وعرفنا له فضل السّنّ، فقصدناه معتذرين إليه، فأومى إيماءة مهيضة، واهتزّ اهتزازة مغيضة، وأشار إشارة مريضة، بكفّ سحبها على الهواء، ويد بسطها في الجو بسطا؛ وعلمنا أن للمقمور أن يستخفّ ويستهين، وللقامر أن يحتمل ويلين؛ فقلنا: إنّ بعد الكدر صفوا، كما إنّ عقب المطر صحوا، فهل لك في خلق في العشرة نستأنفها، وطرق في الخلطة نسلكها؛ فإنّ ثمرة الخلاف ما قد بلوتها؟ فقال: ظهر الوفاق أوطأ كما ذكرت، والجميل أجمل كما علمت، وسنشترك في هذا العنان؛ وعرض علينا الإقامة عنده سحابة ذلك اليوم، فاعتللنا بالصّوم، فلم يقبل العذر، وألحّ؛ فقلت:
أنت وذاك؛ فطعمنا عنده، وأخذنا ديدان مرده (( 1 )) ، وخرجنا والنّية على الجميل موفورة، وتبعة الودّ معمورة، وصرنا لا نتعلل إلا بمدحه، ولا نتنقل إلا بذكره، ولا نعتدّ إلا بودّه، لا بل ملأنا البلد شكرا، والأسماع نشرا، وبتنا نحن من الحال في أعذبها شرعة، ومن الثقة في أطيبها جرعة، ومن الظّنون في أفلجها قرعة، ومن المودة في أعمرها بقعة، وأوسعها رقعة؛ حتى طرأ علينا رسولان متحمّلان لمقالته، مؤديان لرسالته، ذاكران بأنّ أبا بكر يقول: قد تواترت الأخبار، وتظاهرت الآثار في أنك قهرت وأني قهرت، ولا شك أنّ ذاك التّواتر عنك صدرت أوائله، والخبر إذا تواتر به النّقل، قبله العقل؛ ولابدّ أن نجتمع في مجلس بعض الرؤساء، فنتناظر بمشهد الخاصة والعامة، فإنك متى لم تفعل ذلك لم آمن عليك تلامذتي، أو تقرّ بعجزك وقصورك عن بلوغ أمدي ومنال يدي؛ فعجبت كل العجب مما سمعت، وأجبت فقلت: أما قولك: قد تواتر الخبر بأنك قهرت، وأنّ ذلك عن جهتي صدر، ومن لساني سمع؛ فبالله ما أتمدح بقهرك، ولا أتبجج بقسرك؛ وإنّ لنفسك عندنا لشأنا إن ظننتني أقف هذا الموقف، أنا إن شاء الله أبعد من ذلك
مرتقى همّة ومصعد نفس، أسأل الله سترا يمتدّ، ووجها لا يسودّ؛ فأما التّواتر من الناس، والتّظاهر على أني قهرتك، فلو قدرت على الناس لخطت أفواههم، ولقبضت شفاههم، فما الحيلة؟ وهل إلى ذلك سبيل فأتوسل، أم ذريعة فأتوصل؟ ثم هذا التواتر ثمرة ذلك التناظر، مع ذلك التساتر، فإن كان ساءك فأحرى أن يسوءك عند مجتمع الناس ومحتفل أولي الفضل، ولأن يترك الأمر مختلفا فيه خير لك من أن يتفق عليه، فإن أحببت أن تطير هذا الواقع، وتهيج هذا الساكن، فرأيك موفقا؛ فأما هذا الوعيد فقد عرضته على جوانحي وجوارحي كلّها، فلم تنشدار لا قول القائل: [الوافر]
وعيد تخدج الآرام منه ... وتكره نبّه الغنم الذّئاب
فكم يتكوكب تلامذتك ويتعسكرون، ويتفحش أصحابك ويتباجعفرون (( 1 )) ، ولست أراك إلا بين ميمين (( 2 )) ، أحدهما (( 3 )) : يروح إلى أنثى ويغدو إلى طفل؛ والآخر: يجيب دعوة المضطر إذا دعاه بمسلّفات؛ فإن كان الله قد قضى أن أقتل بأخسّ سلاح، فلا مفر من القدر المتاح؛ رزقنا الله عقلا به نعيش، ونعوذ بالله من رأي بنا يطيش؛ وقلنا من بعد: إنّ رسالتك هذه وردت موردا لم نحتسبه، ووصلت موقفا لم نرتقبه، فلذلك خرج الجواب عن البصل ثوما وعن البخل لوما.
فلما ورد الجواب عليه، وسع من الغيظ فوق ملئه، وحمل من الحقد فوق عبئه، وقال: قد بلغ السيل الزّبى، وعلت الوهاد الرّبى في أمرك، وسترى يومك، وتعرف قومك.
ثمّ مضت على ذلك أيام ونحن مضطرّون لفاضل ينشط لهذا الفصل، وينظر
بيننا بالعدل؛ فاتفقت الآراء على أن يعقد هذا المجلس في دار الشيخ السيد أبي القاسم الوزير، واستدعيت فسرحت الطرف من ذلك السيد في عالم أفرغ في عالم، وملك في درع ملك، ورجل نظم إلى التنبّل تبذّلا، وإلى التّرفّع تواضعا، ونطق فودّت الأعضاء لو أنها أسماع مصغية، واستمع فتمنت الجوارح لو أنها ألسنة ناطقة؛ فقلت: الحمد لله الذي عقد هذا المجلس في دار من يفرّق، بين من يحقّ وبين من يزرّق، وكنت أول من حضر وانتظر مليا حضور من ينظر وقدوم من يناظر؛ وطلع الإمام أبو الطيب، وأخذ من المجلس موضعه؛ والإمام بنفسه أمة، ووحده عالم؛ ثم حضر السيد أبو الحسين أدام الله عزه، وهو ابن الرّسالة والإمامة، وعامر أرض الوحي، والمحتبي بفناء النبوة، والضارب في الأدب بعرقه، وفي النطق بحذقه، وفي الإنصاف بحسن خلقه؛ فجشم إلى المجلس قدم سبقه، وجعل يضرب عن هذا الفاضل بسيفين، لأمر كان قد موّه عليه، وحديث كان شبّه لديه؛ وفطنت لذلك، فقلت: أيّها السيد، أنا [إذا] سار غيري في التشيّع برجلين، طرت بجناحين، وإذا متّ سواي في موالاة أهل البيت بلمحة دالة، توسلت بغرة لائحة، فإن كنت أبلغت غير الواجب، فلا يحملنّك على ترك الواجب؛ ثم إنّ لي في آل الرسول صلى الله عليه وسلم قصائد قد نظمت حاشيتي البرّ والبحر، وركبت الأفواه، ووردت المياه، وسارت في البلاد ولم تسر بزاد، وطارت في الآفاق ولم تطر على ساق؛ ولكنّي لا أتسوّق بها لديكم، ولا أتنفق بها عليكم، وللآخرة قلتها لا للحاضرة، وللدّين ادّخرتها لا للدّنيا، وللمعاد نظمتها لا للمعاش؛ فقال: أنشدني منها؛ فقلت (( 1 )) : [مجزوء الكامل]
يالمة ضرب الزّما ... ن على معرّسها خيامه
لله درّك من خزا ... مى روضة عادت ثغامه
لرزيّة قامت بها ... للدّين أشراط القيامه
لمضرّج بدم النّبو ... وة ضارب بيد الإمامه
متقسّم بظبى السّيو ... ف مجرّع منها حمامه
(( 1 ))
منع الورود وماؤّه ... منه على طرف الثّمامه
نصب ابن هند رأسه ... فوق الورى نصب العلامه
ومقبّل كان النّبي ... ي بلثمه يشفي غرامه
قرع ابن هند بالقضي ... ب عذابه فرط استضامه
وشدا بنغمته علي ... هـ وصبّ بالفضلات جامه
والدّين أبلج ساطع ... والعدل ذو خال وشامه
يا ويح من ولّى الكتا ... ب قفاه والدّنيا أمامه
ليضرّسنّ يد النّدا ... مة حيث لا تغني النّدامه
وليدركنّ على الغرا ... مة سوء عاقبة الغرامه
وحمى أباح بنو أمي ... ية عن طوائلهم حرامه
حتى اشتفوا من يوم بد ... ر واستبدّوا بالزّعامه
لعنوا أمير المؤمني ... ن بمثل إعلان الإقامه
لم لم تخرّي يا سما ... ء ولم تصبّي يا غمامه
لم لم تزولي يا جبا ... ل ولم تشو لي يا نعامه
يا لعنة صارت على ... أعناقهم طوق الحمامه
إنّ الإمامة لم تكن ... للئيم ما تحت العمامه
من سبط هند وابنها ... دون البتول ولا كرامه
يا عين جودي للبقي ... ع فدرّعي بدم رغامه
جودي بمذخور الدّمو ... ع وأرسلي بددا نظامه
جودي لمشهد كربلا ... ء فوفّري منّي ذمامه
جودي بمكنون الجما ... ن أجد بما جاد ابن مامه
فلما أنشدت ما أنشدت، وسردت ما سردت، وكشفت له الحال فيما اعتقدت، انحلّت تلك العقدة، وصار سلما، يوسعنا حلما.
وحضر بعد ذلك الشيخ أبو عمر البسطاميّ، وناهيك من حاكم يفصل، وناظر يعدل، يسمع فيفهم، ويقول فيعلم. ثم حضر بعد ذلك القاضي أبو نصر، والأدب أدنى فضائله، وأيسر فواضله، والعدل شيمة من شيمه، والصدق مقتضى هممه.
وحضر بعده الشيخ أبو سعيد محمد بن أرمك أيده الله، وهو الرجل الذي تحميه لألاؤه أو لوذعّيته، من أن يدال بمن؟ أو ممن الرجل؟؛ وهو الفاضل الذي يحطب في حبل الكتابة ما شاء، ويركض في حلبة العلم ما أراد.
وحضر بعده أبو القاسم بن حبيب، وله في الأدب عينه وفراره، وفي العلم شعلته وناره.
وحضر بعده الفقيه أبو الهيثم، ورائد الفضل يقدمه، وقائد العقل يخدمه.
وحضر بعده الشيخ أبو نصر بن المرزبان، والفضل منه بدأ وإليه يعود.
وحضر بعده [أصحاب] الشيخ أبي الطّيّب رحمه الله؛ وما منهم إلّا أغرّ نجيب.
وحضر بعدهم أصحاب الشيخ الفاضل أبي الحسن الماسرجسيّ؛ وكلّ [إذا] عدّ الرّجال مقدّم. وحضر بعدهم أصحاب أبي عمر البسطاميّ؛ وهم في الفضل كأسنان المشط، ومنه بأعلى مناط العقد.
وحضر بعدهم الشيخ أبو سعد الهمذانيّ، وله في الفضل قدحه المعلّى، وفي الأدب حظّه الأعلى.
وحضر بعد الجماعة أصحاب الأسبلة [المرسلة] ، والأسوكة المرسلة، رجال
يلعن بعضهم بعضا، فصاروا إلى قلب المجلس وصدره، حتّى ردّ كيدهم في نحرهم، وأقيموا بالنّعال إلى صفّ النّعال؛ فقلت لمن حضر: من هؤلاء؟ فقالوا:
أصحاب الخوارزميّ.
فلمّا أخذ المجلس زخرفه ممّن حضر، وانتظر أبو بكر فتأخّر، اقترحوا عليّ قواف أثبتوها، واقتراحات كانوا بيّتوها (( 1 )) : [الهزج]
فما ظنّك بالحلفا ... ء أدنيت لها النّارا
من لفظ إلى المعنى نسقته، وبيت إلى القافية سقته، على ريق لم أبلعه، ونفس لم أقطعه؛ وصار الحاضرون بين إعجاب بما أوردت، وتعجّب مما أنشدت، وقال أحدهم، بل واحدهم، وهو الإمام أبو الطيب: لن نؤمن لك حتى نقترح القوافي، ونعيّن المعاني، وننصّ على بحر؛ فإن قلت حينئذ على الرّويّ الذي أسومه، وذكرت المعنى الذي أرومه، وأنت حيّ القلب كما عهدناك، منشرح الصّدر كما شاهدناك، شجاع الطّبع كما وجدناك؛ شهدنا أنّك قد أحسنت، وأن لا فتى إلّا أنت.
فما خرجت من عهدة هذا التكليف حتّى ارتفعت الأصوات بالهيللة من جانب، والحوقلة من آخر، وتعجّبوا إذ أرتهم الأيام ما لم ترهم الأحلام، وجادلهم العيان بما بخل به السماع، وأنجزهم الفهم ما أخلفهم الوهم؛ ثم التفتّ فوجدت الأعناق تلتفت، وما شعرت إلا بهذا الفاضل وقد طلع في شملته، وهبّ بجملته، بأوداج ما يسعها الزرّان، وعينين في رأسه تزرّان، ومشى إلى فوق رقاب النّاس، وجعل يدسّ نفسه بين الصّدور يريد الصّدر، وقد أخذ المجلس أهله؛ فقلت: يا أبا بكر، تزحزح عن الصّدر قليلا إلى مقابلة أخيك؛ فقال: لست بربّ الدار، فتأمر على الزّوار؛ فقلت: يا عافاك الله، حضرت لتناظرني، والمناظرة
اشتقّت إما من النّظر، وإما من النّظير؛ فإن كان اشتقاقها من النظر، فمن حسن النظر أن يكون مقعدنا واحدا، حتى يتبين الفاضل من المفضول، ثم يتطاول السّابق ويتقاصر المسبوق؛ وإن كان من النظير، فأنا نظيرك وأنت نظيري، فلم تتصدر أنت وأنا أجلس بين يديك؟ فقضت الجماعة بما قضيت، وعضّ هذا الفاضل من تلك الحكمة، وانحطّ عن تلك العظمة، وقابلني بوجهه؛ فقلت:
أراك- أيّها الفاضل- حريصا على اللقاء، سريعا إلى الهيجاء، ولو زبنتك الحرب لم تزمزم؛ ففي أيّ علم تريد أن تناظر؟ فأومأ إلى النحو، فقلت: يا هذا، إنّ النّهار قد متع والوقت، قد ارتفع، والظّهر قد أزف؛ وإن قرعنا باب النحو، أضعنا اليوم فيه، فإذا خرج القوم، وعلا هتاف الناس: أيهما ردّ الجواب؟ هناك ما يدري المجيب، فإن شئت أن أناظرك في النحو، فسلّم الآن لي ما كنت تدعيه من سرعة في البديهة، وجودة في الروية، وقدرة على الحفظ، ونفاذ في الترسّل، ثم أنا أجاريك في هذا؛ فقال: لا أسلّم ذلك، ولا أناظر في غير هذا.
وارتفعت المضاجّة، واستمرت الملاجّة، حتى أتلع الأستاذ الفاضل أبو عمر إليه، وقال: أيّها الأستاذ، أنت أديب خراسان، وشيخ هذه الدّيار، وبهذه الأبواب التي قد عدّها هذا الشّابّ كنّا نعتقد لك السبق والحذق؛ وتثاقلك عن مجاراته فيها مما يتّهم ويوهم؛ واضطره إلى منازلة فيها أو نزول عنها، ومقارة فيها أو فرار بها؛ فقال: قد سلمّت الحفظ؛ فأنشدت قول القائل (( 1 )) : [الطويل]
ومستلئم كشّفت بالرّمح ذيله ... أقمت بعضب ذي سفاسق ميله
فجعت به في ملتقى الحيّ خيله ... تركت عتاق الطّير تحجل حوله
وقلت: يا أبا بكر خفف الله عنك، كما خففت عنّا في الحفظ؛ فقد كفيتنا مؤونة الامتحان، ولم تضغ وقتنا من الزّمان، فلو تفضّلت وسلّمت البديهة أيضا مع الترسّل حتى نفرغ للنّحو الذي أنت فيه أكبر، واللغة التي أنت بها أعرف، والعروض الذي أنت عليه أجرأ، والأمثال التي لك فيها السّبق والقدم، والأشعار التي أنت فيها مقدم؛ فقال: ما كنت لأسلم الترسل، ولا سلمت الحفظ؛ فقلت: الراجع في شيئه، كالراجع في قيئه؛ لكنّا نقيلك عن ذلك سماحا؛ فهات أنشدنا خمسين بيتا من قبلك مرتين، حتى أنشدك عشرين بيتا من قبلي خمسين مرة؛ فعلم أن دون ذلك خرط القتاد، تهاب شوكته اليد؛ فسلمّه ثانيا كما سلمه باديا، وصرنا إلى البديهة، فقال أحد الحاضرين: هاتوا على شعر أبي الشيص في قوله (( 1 )) : [الكامل]
أبقى الزّمان به ندوب عضاض ... ورمى سواد قرونه ببياض
فأخذ أبو بكر يخضد ويحصد، مقدرا أنا نغفل عن أنفاسه، أو نوليه جانب وسواسه؛ ولم يعلم أنا نحفظ عليه الكلم، ثم نواقفه عليها؛ فقال (( 2 )) : [الكامل]
يا قاضيا ما مثله من قاض ... أنا بالذي تقضي علينا راض
فلقد لبست ضفيّة ملمومة ... من نسج ذاك البارق الفضفاض
لا تغضبنّ إذا نظمت تنفّسا ... إن الغضى في مثل ذاك تغاض
فلقد بليت بشاعر متقادر ... لا بل بليت بناب ذيب غاض
ولقد قرضت الشعر فاسمع واستمع ... لنشيد شعري طائعا وقراضي
فلأغلبن بديهه ببديهتي ... ولأرمين سواده ببياضي
فقلت: يا أبا بكر ما معنى (( ضفية مملومة )) وما الذي أردت بالبارق الفضفاض؟ فأنكر أن يكون قاله قافية؛ فواقفه على ذلك أهل المجلس، فقالوا: قد
قلت: ثم قلت: ما معنى قولك: (( ذيب غاض؟ )) فقال: هو الذي يأكل الغضا؛ فقلت: استنوق الجمل (( 1 )) ، يا أبا بكر، فانقلبت القوس ركوة، وصار الذئب جملا يأكل الغضا؟ فما معنى قولك: (( إنّ الغضى في مثل ذاك تغاض )) فإنّ الغضى لا أعرفه بمعنى الإغضاء؟ فقال: لم أقل الغضى فقلت: فما قلت؟ فأنكر البيت جملة؛ فقلت: يا ويحك، ما أغناك عن بيت تهرب منه وهو يتبعك، وتتبرأ منه وهو يلحق بك؛ فقل لي: ما معنى (( قراض )) فلم أسمعه مصدرا من قرضت الشعر، ولكن هلّا قلت كما قلت، وسقت الحشو إلى القافية كما سقته؟ فقال: هذه طريقة لم يسلكها العرب، فلا أسلكها.
ثم دخل الرّئيس أبو جعفر، والقاضي أبو بكر الحربي، والشيخ أبو زكريا الحيريّ، وطبقة من الأفاضل، مع عدة من الأرذال، منهم أبو رشيد؛ فقلت: ما أحوج هذه الجماعة إلى واحد يصرف عنهم عين الكمال.
وأخذ الرئيس مكانه من الصّدر والدست، وله في الفضل قدم وقدم، وفي الأدب همّ وهمم، وفي العلم قديم وحديث؛ فتمّ المجلس، وظهر الحقّ بنظره، وقال: قد ادّعيت عليه أبيات أنكرها، فدعوني من البديهة على النّفس، واكتبوا ما يقولون، وقولوا على هذا الرّويّ: [الكامل]
برز الربيع [لنا] برونق مائه ... فانظر لروعة أرضه وسمائه
فالتّرب بين ممسّك ومعنبر ... من نوره بل مائه وروائه
فقلت (( 2 )) : [الكامل]
والماء بين مصندل ومكفّر ... في حسن كدرته ولون صفائه
والطير مثل المحصنات صوادح ... مثل المغنّي شاديا بغنائه
والورد ليس بممسك رياه بل ... يهدي لنا نفحاته من مائه
زمن الرّبيع جلبت أزكى متجر ... وجلوت للرائين خير جلائه
فكأنّه هذا الرئيس إذا بدا ... في خلقه وصفائه وعطائه
بحمى أغرّ محجب، وندى أغر ... رمحجّل، في خلقه ووفائه
يعشو إليه المجتلي والمجتدي ... والمجتوي هو هارب بذمائه
ما البحر في تزخاره، والغيث في ... أمطاره، والجوّ في أنوائه
بأجلّ منه مواهبا ورغائبا ... لا زال هذا المجد خلف فنائه
والسّادة الباقون سادة عصرهم ... متمدّحون بمدحه وثنائه
فقال أبو بكر تسعة أبيات، قد غابت عن حفظنا، لكنّه جمع فيها بين إقواء وإكفاء وأخطاء وإيطاء؛ ورددنا عليه بعد ذلك عشرين ردا، ونقدنا عليه فيها كذا نقدا؛ ثم قلت لمن حضر من وزير ورئيس وفقيه وأديب: أرأيتم لو أن رجلا حلف بالطلاق الثّلاث لا أنشد شعرا قطّ، ثم أنشد هذه الأبيات فقط، هل كنتم تطلقون امرأته عليه؟ فقالت الجماعة: لا يقع بهذا طلاق؛ ثم قلت: انقد عليّ فيما نظمت، واحكم عليه كما حكمت؛ فأخذ الأبيات وقال: لا يقال: نظرت لكذا، وإنّما يقال: نظرت إليه؛ فكفتني الجماعة إجابته؛ ثم قال: لم شبّهت الطير بالمحصنات؟ وأيّ شبه بينهما؟ فقلت: يا رقيع، إذا جاء الربيع كانت شوادي الأطيار تحت ورق الأشجار، فيكن كالمخدرات تحت الأستار؛ ثم قال: لم قلت: مثل المحصنات، مثل المغني؟ فقلت: هنّ في الخدر كالمحصنات، وكالمغني في ترجيع الأصوات؛ ثم قال: لم قلت: زمن الربيع جلبت أزكى متجر؟ وهلّا قلت: أربح متجر؟ فقلت: ليس الربيع بتاجر يجلب البضائع المربحة؛ ثم قال: ما معنى قولك: الغيث في أمطاره؟ والغيث هو المطر نفسه، فكيف يكون له مطر؟
فقلت: لا سقى الغيث الله أديبا لا يعرف الغيث؛ وقلت له: إنّ الغيث هو المطر، وهو السحاب، كما أنّ السماء هو المطر وهو السحاب؛ وقالت الجماعة: قد علمنا أيّ الرجلين أشعر، وأيّ الخصمين أقدر، وأيّ البديهتين أسرع، وأيّ الرويّتين أصنع؛ فقال أبو بكر: فاسقوني على الظّفر؛ فقالوا: كفاك ما سقاك.
ثم ملنا إلى الترسل، وقلت: اقترح عليّ غاية ما في طوقك، ونهاية ما في وسعك، وآخر ما تبلغه بذرعك، حتّى أقترح عليك أربعمائة صنف من الترسّل؛ فإن سرت فيها برجلين، ولم أطر بجناحين، بل إن أحسنت القيام بواحد من هذه الأصناف، ولم تخلف كل الإخلاف، فلك يد السبق وقصبته؛ ومثال ذلك أن أقول لك: اكتب كتابا نقرأ منه جوابه، هل يمكنك أن تكتب؟
أو أقول لك: اكتب كتابا على المعنى الذي أقترح لك، وانظم شعرا في المعنى الذي أفترع، وافرغ منهما فراغا واحدا؛ هل كنت تمدّ لهذا ساعدا؟
أو أقول لك: اكتب كتابا في المعنى الذي أقوله وأنصّ عليه، وأنشد من القصائد ما أريده من غير تثاقل ولا تغافل، حتّى إذا كتبت ذلك قرئ من آخره إلى أوله، وانتظمت معانيه إذا قرئ من أسفله، هل كنت تفوّق لهذا الغرض سهما، أو تجيل قدحا، أو تصيب نجحا؟
أو قلت لك: اكتب كتابا في المعنى الذي أقترح، لا يوجد فيه حرف منفصل من واو تتقدّم الكلمة، أو دال تنفصل عن الكلمة، بديهة ولا تجمّ فيه قلمك، هل كنت تفعل؟ أو قلت لك:
اكتب كتابا خاليا من الألف واللّام، لا تصبّ معانيه على قالب ألفاظه، ولا تخرجه عن جهة أغراضه، هل كنت تقف من ذلك موقفا ممدوحا، أو يبعثك ربّك مقاما محمودا؟
أو قلت لك: اكتب كتابا يخلو من الحروف العواطل، هل كنت تحظى منه بطائل؟ أو كنت تبلّ لهاتك بناطل؟
أو قلت لك: اكتب كتابا أوائل صدوره كلّها ميم، وآخره جيم، على المعنى الذي يقترح، هل كنت تغلو في قوسه غلوة، أو تخطو في أرضه خطوة؟
أو قلت لك: اكتب كتابا إذا قرئ معرّجا، وسرد معوّجا، كان شعرا، هل كنت تقطع في ذلك شعرا؟
بلى والله، تصيب، ولكن من بدنك، وتقطع ولكن من ذقنك. وأقول لك:
اكتب كتابا إذا فسّر على وجه كان مدحا، وإذا فسّر على وجه آخر كان قدحا، هل كنت تخرج من هذه العهدة؟
أو قلت لك: اكتب كتابا إذا كتبته تكون قد حفظته من دون أن لحظته، هل كنت تثق من نفسك به إلى مالا أطاولك بعده؟ بل است البائن أعلم.
فقال أبو بكر: هذه الأبواب شعبذة. فقلت: وهذا القول طرمذة؛ فما الذي تحسن أنت من الكتابة وفنونها، حتّى أباحثك على مكنونها، وأكاثرك بمخزونها، وأشبر فيها قلمك، وأسبر فيها لسانك وفمك؟ فقال: الكتابة التي يتعاطاها أهل زماننا هذا المتعارفة بين النّاس؛ فقلت: أليس لا تحسن من الكتابة إلّا هذه الطريقة الساذجة، وهذا النوع الواحد المتداول بكلّ قلم، والمتناول بكل يد وفم، ولا تحسن هذه الشّعبذة؟ فقال: نعم، فقلت: هات الآن حتى أطاولك بهذا الحبل، وأناضلك بهذا النبل، ثم تقاس ألفاظي بألفاظك، ويعارض إنشائي بإنشائك.
واقترح كتاب يكتب في النّقود وفسادها، والتجارات ووقوفها، والبضاعات وانقطاعها، والأسعار وغلائها؛ فكتب أبو بكر: الدرهم والدينار ثمن الدّنيا
والآخرة، بهما يتوصّل إلى جنّات النعيم، ويخلد في نار الجحيم؛ قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
(( 1 )) الآية، وقد بلغنا من فساد النّقود ما أكبرناه أشدّ الإكبار، وأنكرناه أعظم الإنكار، لما نراه من الصّلاح للعباد، وننويه من الخير للبلاد، وتعرّفنا في ذلك بما يربح النّاس في الزرع والضّرع، يقدّم من إليه (( 2 )) أمر النفع والضّرّ؛ إلى كلمات لم تعلق بحفظنا؛ فقلت: إنّ الإكبار والإنكار، والعباد والبلاد، وجنّات النّعيم ونار الجحيم، والزرع والضّرع، أسجاع قد نبتت في المعد، ولم تزل في اليد، وقد كتبت وكتبت، ولا أطالبك بما أنشأت، فاقرأ ولك اليد؛ وناولته الرّقعة فبقي وبقيت الجماعة، وبهت وبهتت الكافّة، وقالوا لي: اقرأ؛ فجعلت أقرؤه منكوسا، وأسرده معكوسا، والعيون تبرق وتحار؛ وكان نسخة ما أنشأناه:
الله شاء إن، المحاضر صدور بها وتملأ المنابر ظهور لها وتفرع، الدّفاتر وجوه بها وتمشق، المحابر بطون لها ترشق، آثارا كانت، فيه آمالنا مقتضى على، أياديه في تأييده الله أدام، الأمير جرى وإذا، المسلمين ظهور عن الثّقل هذا ويرفع، الدين أهل عن الكلّ هذا يحط أن فيه إليه نتضرع ونحن، واقفة والتجارات، زائفة والنقود، صيارفة أجمع الناس صار فقد، كريما نظرا لينظر، شيمه مصاب فانتجعنا، كرمه بارقة وشمنا، هممه على آمالنا أرقاب وعلّقنا، أحوالنا وجوه له وكشفنا، آمالنا وفود إليه بعثنا فقد نظره بجميل يتداركنا أن، نعماه تأييده وأدام، بقاه الله أطال، الجليل الأمير رأى إن، وصلّى الله على محمد وآله الأخيار.
فلما فرغت من قراءتها انقطع ظهر أحد الخصمين، وقال الناس: قد فرغنا التّرسل أيضا، فملنا إلى اللغة، فقلت: يا أبا بكر، هذه اللغة التي هددتنا بها،
وحدّثتنا عنها، وهذي كتبها، وتلك مؤلفاتها، وهي مولّفة فخذ (( غريب المصنف )) إن شئت، و (( إصلاح المنطق )) إن أردت، و (( ألفاظ ابن السّكيت )) إن نشطت، و (( مجمل اللّغة )) إن اشتهيت وهو ألف ورقة، و (( أدب الكتاب )) إن اخترت، واقترح عليّ أيّ باب شئت من هذه الكتب حتّى أجعله لك نقدا، وأسرده عليك سردا؛ فقال: اقرأ من (( غريب المصنّف )) : رجل ماس خفيف، على مثال مال، وما أمساه. فدفعت في الباب حتّى قرأته، فلم أتردد فيه، وأتيت على الباب الذي يليه، ثم قلت: اقترح غيره؛ فقال: كفى ذلك؛ فقلت له: اقرأ الآن باب المصادر من (( اختيار فصيح الكلام )) لا أطالبك بسواه، وأسألك عمّا عداه؛ فوقف حماره، وخمدت ناره؛ وقال الناس: اللّغة مسلّمة إليك أيضا، فهاتوا غيره.
فقلت: يا أبا بكر، هات العروض، فهو أحد أبواب الأدب، وسردت منه خمسة أبحر بألقابها وأبياتها وعللها وزحافها، فقلت: هات الآن فاسرده كما سردته.
فلمّا برد، ضجر النّاس، وقاموا عن المجلس يفدّونني بالآباء والأمهات (( 1 )) ويشيّعونه باللعن والسّبّ، وقام أبو بكر فغشي عليه، وقمت إليه، فقلت (( 2 )) : [الوافر]
يعزّ عليّ يا للنّاس أنّي ... قتلت مناسبي جلدا وقهرا
ولكن رمت شيئا لم يرمه ... سواك فلم أطق يا ليث صبرا
وقبلت عينه، ومسحت وجهه، وقلت: اشهدوا أنّ الغلبة له، فهلّا- يا أبا بكر- جئتنا من (( 3 )) باب الخلطة، وفي باب العشرة؟!
وتفرق الناس، وحبسنا للطعام مع أفاضل ذلك المقام؛ فلما عكفنا على
الخوان، كرعت في الجفان، وأسرعت إلى الرّغفان، وأمعنت في الألوان؛ وجعل هذا الفاضل يتناول الطعام بأطراف الأظفار، فلا يأكل إلا قضما، ولا ينال إلا شما، وهو مع ذلك ينطق عن كبد حرّى، ويغيض عن نفس ملآى؛ فقلت: يا أبا بكر، بقيت لك منّة وفيك مسكة: [البسيط]
يا قوم إني أرى الأموات قد نشروا ... والأرض تلفظ موتاكم إذا قبروا
فأخبرني يا أبا بكر: لم غشي عليك؟ فقال: لحمّى الطّبع وحمّى الفرو؛ فقلت: أين أنت عن السجع؟ هلا قلت: حمّى الطبع، وحمّى الصّفع.
وقال السيد أبو القاسم: أيها الأستاذ، مع الحديث فاعزل، يعنيه (( 1 )) ، فقلت:
لا تظلموه، ولا تطعموه طعاما يصير في بطنه مغصا، وفي عينه رمصا، وفي جلده برصا، وفي حلقه غصصا؛ فقال أبو بكر: هذه أسجاع كنت حفظتها، فقل كما أقوله: يصير في عينك قذى، وفي حلقك أذى، وفي صدرك شجى؛ فقلت: يا أبا بكر، على الألف تريد؟ خذ الآن؛ بفيك البرى، وعلى هامتك الثّرى، ولا أطعمك الخرا إلّا من ورا، كما ترى؛ فقالوا: أيها الأستاذ، السّكوت أولى؛ ومالوا إليّ وقالوا: ملكت فأسجح؛ فأبى أبو بكر أن يبقي لنفسه حمة لم يفضها، أو يدخر عنّا كلمة لم يعرضها؛ فقال: والله لا تركتك من الميمات، فقلت: ما معنى الميمات؟ فقال: ما بين مهزوم ومهذوم ومهشوم ومغموم ومحموم ومرجوم؛ فقلت: وأتركك بين الميمات أيضا؛ بين الهيام والصّدام والجذام والحمام والزّكام والسّام والبرسام والهام والسّقام، وبين السّينات فقد علّمتنا طريقة؛ بين منحوس منخوس منكوس معكوس متعوس محسوس مغروس؛ وبين الخاءات، فقد فتحت علينا بابا؛ بين مطبوخ مشدوخ منسوخ ممسوخ مفسوخ؛ وبين
الباءات، فقد علّمتني الطّعن وكنت ناسيا؛ بين مغلوب مسلوب مرعوب مصلوب مكروب منكوب منهوب مغصوب؛ وإن شئنا كلناك بهذا الصاع، وطاولناك بهذا الذّراع.
ثم خرجت واحتجر، وقد كان اجتمع الناس، وغلت الكروش (( 1 )) ؛ فلما خرجت لم يلقوني إلّا بالشفاه تقبيلا، وبالأفواه تبجيلا؛ وانتظروا خروجه إلى أن غابت الشمس، ولم يخرج أبو بكر حتى خفره الليل بجنوده، وخلع الظّلام عليه فروته فهذا ما علّقناه عن المجلس وأدّيناه؛ والسيّد أطال الله بقاءه يقف عليه إن شاء الله، وله المنّة.
* وكتب إلى أبي العبّاس الفضل بن أحمد الإسفراييني: (( 2 ))
ما أظنّ- أطال الله بقاء الشيخ السيد- آل سامان إلّا مدّعين على الله مقاطعة، أرضه، ومساقاة ثمارها؛ يا هؤلاء، لا تكابروا الله في بلاده، ولا ترادوا الله عن مراده؛ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
(( 3 )) وما أرى آل سيمجور إلّا معتقدين أنّهم يأخذون خراسان قهرا، لأنها كانت لأمهم مهرا؛ فلهم من حولها نحيط (( 4 )) ، وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
(( 5 )) ، وبلغني أنّ صاحبهم أسر، فإن كان ما بلغني صحيحا، فمرحبا بالأسر، ولا لعا للعاثر؛ حتّام كفر الكافر، وغدر الغادر؛ وأبو الحسين بن كثير خذله الله، لا يكاد يرى الخير من ابن واحد، أفنرجوه من ابن كثير؟ وهو التّرياق المجرّب، لوشمه الملك المقرب،
لقذف من كلّ جانب دحورا؛ هذا المؤيّد من السماء بيمن تدبيره، نكس في بيره؛ وهذا سنان الدولة ببركة ضميره، وقع في تخسيره، ولا يزال هذا البائس حتى يسأل الله العافية في بدنه. وحديث ما حديث هذا الحمّال، كان إبليس يقسم كلّ صبيحة اللّحى ألفا، فصار يقسم ألوفا؛ سلطان أتاه الله واسطة البرّ، وحاشية البحر، وأمكنه من طاغية الهند، وسخر له ملوك الأرض يريد حمال مراغمته يا للرجال لنازل الحدثان؛ إنّي لأعجب من رأس يودع تلك الفضول فلا ينشقّ، ومن عنق يحمل ذلك الرأس فلا يندقّ، وما أجد لابن محمود مثلا إلّا ابن الريونديّ (( 1 )) ، إذ ذهب إلى ابن الأعرابيّ (( 2 )) يسأله عن قول الله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
(( 3 )) أتقول العرب: ذقت اللّباس؟ فقال: لا بأس ولا بأس؛ وإذا حيّا الله النّاس فلا حيّا ذلك الرّاس؛ هبك تتّهم محمدا بأن لم يكن نبيّا، أتتهمه بأن لم يكن فصيحا عربيّا، وجئت تسأل ابن الأعرابي؟ أليس الأعرابيّ نفسه جاء بهذا الكلام؟ كذلك ابن محمود ينفض استه، ويضرب مذرويه، لينال الملك، لا لوافر عدّة، ولا لكثرة عدة؛ إنما يطمع في الملك لأنه ابن محمود؛ أفليس محمود نفسه بالملك أحقّ؟ فالحمد لله الذي نصركم وأخزاهم، وثبتكم ونفاهم، وأركب آخرهم أولاهم (( 4 )) ، ولا رحم الله قتلاهم، ولا جبر جرحاهم، ولا فكّ أسراهم، ولا أراكم إلا قفاهم، وإن أقبلوا ففضّ الله فاهم:
ويرحم الله عبدا قال آمينا (( 1 )) .
* وله إليه أيضا في هزيمة السّامانية بباب مرو (( 2 )) : وردت رقعة الشيخ الجليل، أدام الله بسطته، منّي على صدر انتظرها، وقلب استشعرها؛ وإنّي لا أغلط في قوم أميرهم صبيّ، ولا في دولة عميدها خصيّ، وسنانها حلقيّ، ونصيرها شقيّ، وعدوّها قويّ، إني إذا لغويّ.
يا قوم، بماذا ينصرون؟ أبمال عليه اعتمادهم؟ أم بجمع هو مدادهم؟ أم لعدل به اعتضادهم؟ أم لرأي هو عمادهم؟ هل هم إلا شطور في فطور؟ إنّ الله تعالى علم أنّهم إن ملكوا لم يصلحوا، وأمرتهم أنا أن لا يفلحوا، فسمعوا وأطاعوا؛ طائفة من المدابير، وقوعهم بين النّار والنير، إن أقاموا فالسّيوف الهندوانيّة، وإن أيمنوا فالأتراك والخانيّة، وإن أيسروا فجرجان والجرجانيّة، وإن استأخروا فالعطش والبريّة؛ هو الموت إن شاء الله آخذا بالحلاقيم، محيطا بالظاعن منهم والمقيم؛ جرجان يا مدابير جرجان؛ إنّ بها شمة من التّين، وموتا في الحين، ونظرة إلى الثّمار، والأخرى إلى التابوت والحفّار؛ ونجّارا إذا رأى الخراسانيّ نجّر التّابوت على قدره، وأسلف الحفّار على لحده، وعطّارا يعدّ الحنوط [برسمه] ، وبها للغريب ثلاث فتحات للكيس؛ أوّلها لكراء البيوت، والثّانية لابتياع القوت، والثّالثة لثمن التّابوت؛ أغلى [الله] بهم أسواق النّجارين والحفّارين والمكّارين؛ آمين ربّ العالمين.
* وله أيضا إليه في فتح بهاطية (( 1 )) : إنّ الله وهو العليّ العظيم، المعطي من شاء ما شاء، منّ على الإنسان بهذا اللسان؛ خلق ابن آدم وأودع فكّيه مضغة لحم، يصرفها في القرون الماضية، ويخبر بها عن الأمم الآتية؛ يخبر بها عمّا كان بعد ما خلق، وعمّا يكون قبل أن يخلق؛ ينطق بالتّواريخ عمّا وقع من خطب، وجرى من حرب، وكان من يابس ورطب؛ وينطق بالوحي عمّا سيكون من بعد، وصدق عن الله به الوعيد، ثم لم ينطق التّاريخ بما كان، ولا الوحي بما يكون، أنّ الله تعالى خصّ أحدا من عباده- ليس النّبيّين- بما خصّ به الأمير السّيّد يمين الدّولة وأمين الملّة، ودون الجاحد إن جحد أخبار الدّولة العباسية، والمدّة المروانية، والسّنين الحربية، والبيعة الهاشمية، والأيّام الأمويّة، والإمارة العدوية، والخلافة التيمية، وعهد الرسالة، وزمان الفترة؛ ولولا الإطالة لعدّدنا إلى عاد وثمود بطنا بطنا، وإلى نوح وآدم قرنا قرنا، ثم لم يجد قائل مقالا إلا أنّ ملكا وإن علا أمره، وعظم قدره، وكبر سلطانه، وهبّت ريحه، طرق الهند فأسر طاغيتها بسطة ملك، ثم خلّاه، وعرض الأرض قوة قلب، وصبّح سجستان، وهي المدينة العذراء، والخطّة العوراء، والطيّة العسراء، فأخذ ملكها أخذة عزّ وعنف، ثم خلاه تخلية فضل ولطف، ثم لم يلبث أن خاض في البحر إلى بهاطية؛ والسيل واللّيل جنودها، والشّوك والشجر سلاحها، والضّحّ (( 2 )) والريح طريقها، والبرّ والبحر حصارها، والجنّ والإنس أنصارها؛ فقتل رجالها، وغنم أموالها، وساق أقيالها، وكسر أصنامها، وهدم أعلامها، كلّ ذلك في
فسحة شتوة، قبل أن يتطرّقها الصيف توسطها السّيف؛ وهو الله ملك الملوك، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.
ثم حكمت علماء الأمة، واتفق قول الأئمة، أنّ سيوف الحق أربعة، وسائرها للنّار؛ سيف رسول الله للمشركين، وسيف أبي بكر في المرتدين، وسيف عليّ في الباغين، وسيف القصاص بين المسلمين؛ وسيوف الأمير- أيده الله في مواقفه- لا تخرج عن هذه الأقسام، فسيفه بظاهر هراة فيمن عطّل الحدّ، واتّهم بأنه ارتدّ، وسيفه بظاهر غزنة في وجه العقوق، نوعا من الكفر [والفسوق] ، وسيفه بظاهر مرو فيمن نقض بعد تغليظه، ونبذ اليمين بعد تأكيده، وسيفه بظاهر سجستان فيمن نبّه الحرب بعد رقودها، وخلع الطّاعة بعد قبولها، وسيفه الآن في ديار الهند سيف قرنت به الفتوح، وأثنت عليه الملائكة والرّوح، وذلّت به الأصنام، وعزّ به الإسلام، والنّبيّ عليه السلام، واختصّ بفضله الإمام، واشترك في خيره الأنام، وأرخت بذكره الأيّام، وأحفيت لشرحه الأقلام.
وسنذكر من حديث الهند وبلادها، وغلظ أكبادها، وشدة أحقادها، وقوّة اعتقادها، وصدق جلادها، وكثرة أجنادها، نبذا ليعلم السّامع أيّ غزوة غزاها الأمير السّيد أدام الله علوه؛ إنّها بلاد لو لم تحيها السّحاب بدرّها، لأهلكتها الشمس بحرّها؛ فهي دولة بين الماء والنّار، ونوبة بين الشمس والأمطار، تقدّمها صعاب الجبال، وتحجبها رحاب القفار، ويعصمها ملتفّ الغياض، ويحصّنها طواغي الأنهار، حتى إذا خرقت هذه الحجب، خلص إلى عدد الرّمل والحصا رجالا، وشبه الجبال أفيالا، وإيزاغ المخاض جلادا، وتشهاق الحمار طعانا، وأركان الجبال ثباتا؛ ثم لا يعرفون غدرا ولا بياتا، ولا يخافون موتا ولا حياة، ولا يبالون على أيّ جنبيه وقع الأمر، وينامون وتحتهم الجمر؛ وربّما عمد أحدهم لغير ضرورة داعية، ولا حميّة باعثة، فاتّخذ لرأسه [من الطين] إكليلا، ثم قور قحفه
فحشاه فتيلا، ثم أضرم في الفتيل نارا، ولم يتأوه، والنّار تحطمه عضوا عضوا، وتأكله جزءا جزءا؛ فأما محرق نفسه ومغرقها، وآكل لحمه ومفصّل عظمه، والرّامي بها من شاهق، فأكثر من أن يعد؛ وأقلهم من يموت حتف أنفه، فإذا مات هذه الميتة أحدهم (( 1 )) سبّ بها أعقابه، وعظم عندهم عقابه.
بلاد هذه حالها، وفيلة تلك أهوالها، وجبال في السّماء قلالها، وفلاة يلمع آلها، وغياض ضيق مجالها، وأنهار كثيرة أو حالها، وطريق طويل [مطالها] ، ثم الهند ورجالها، والهندوانيّة واستعمالها.
زحم الأمير- أدام الله سلطانه- بمنكبه هذه الأهوال محتسبا نفسه، معتمدا نصر الله وعونه، فركض إليهم بعون من الله لا يخذل، ومدد من التوفيق لا يفتر، وقلب عن الأهوال لا يجبن، وجدّ على المطلوب لا يقصر، وسيف عن الضّريبة لا ينكل؛ فسهّل الله له الصّعب، وكشف به الخطب، ورجع ثانيا من عنانه بالأسارى، تنظمهم الأغلال، والسّبايا تنقلهم الجمال، والفيلة كأنّها الجبال، والأموال ولا الرّمال.
فتح الله ذخره عن الملوك السالفة الخالية، الكفرة الطّاغية، الجبابرة العاتية، حتّى وسمه الله بناره، وجعله بعض آثاره؛ فالحمد لله معزّ الدين وأهله، ومذلّ الشّرك وحزبه.
* وله إليه أيضا (( 2 )) : رقعتي هذه- أطال الله بقاء الشيخ الجليل- من بعض الفلوات، ولو جهلت أن الحذق لا يزيد في الرزق، وأنّ الدّعة لا تحجب السّعة، لعذرت نفسي في الرّحل أشدّه، والحبل أمدّه؛ ولكنّي أعلم هذا وأعمل ضدّه، وأصل سراي
بسيري، ليعلم أنّ الأمر لغيري؛ وإلّا فمن أخذني بالمطارفي هذه الأقطار، والمصار في هذه الأمصار، لولا الشقاء؛ ألم يأتني العمر بهيجا، والرزق نهيجا نضيجا، حتّى آتيه قصدا، وأتكلّف له زرعا وحصدا، وأعارضه شيّا وطبخا، وأعرض له الشّعاب، والجبال الصّعاب، وأنزل بمناخ السّوء؛ لكنّ المرء يساق إلى ما يراد به، لا إلى ما يريد.
أما آن لهذه الأشقاص، أن يتيسر منها الخلاص؟ بعد ما سافرت وسفرت، وناظرت [ونظرت] ، وحفرت وحرثت، ونذرت وبذرت، وزرعت وعمرت؛ حمدت الله كثيرا، ورأيته مغنما كبيرا؛ وإن لم يكن من إتمام القصة بدّ، فلا غنى عن نظر كريم ومهلة، فيها مجال وتسويغ يصلح به فاسد، وقرض يتألف به شارد (( 1 )) : [الطويل]
وما كلّ يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كل يوم لي إليك رسول
6- ومنهم: أبو نصر العتبيّ
(( 2 )) : وهو من أصحاب الغوص البعيد، والمعاني البديعة، واللفظ السّهل، والخاطر الوقاد، والفكر الجوال، والصّوغ اللائق، والورد السائغ؛ لا يماثل بإنسان، ولا يشاكل في خراسان؛ دون كلمه سحر بابل، ونشر كابل؛ لو شاء أوهم الغواني في عقودها، والأغصان في برودها؛ وكان حفظه مع سعة مخيلته، وصفاء مصوّرته وممثّلته؛ وحفظه أحوى من بقاع الرّمل، وأحلى من اجتماع الشمل؛ وفهمه أدقّ من مدارج النّمل تمثيلا، وأرقّ من طبع صافي الماء تخييلا؛ كلمات محكمة بقوة
الأسباب، محكّمة كنشوة الرّاح للألباب؛ فآها له من خبر طواه أمسه، ومن بحر حواه رمسه، ومن حرّ أضاء ليوم (( 1 )) ، ما طلع حتى غابت شمسه.
وله كتاب (( اليميني في تاريخ السّلطان محمود بن سبكتكين )) (( 2 )) كأنّه روضة غناء وعقد منظوم، وأفق مكوكب، بديع الجملة، حسن المجموع.
* ومن نثره قوله قرين نصل أهداه (( 3 )) : خير ما تقرب به الأصاغر إلى الأكابر، ما وافق شكل الحال، وقام مقام المقال؛ وقد بعثت بنصل هندي، إن لم يكن له في قيم الأشياء خطر فله في قمم الأعداء أثر؛ والنّصل والنّصر أخوان، والإقبال والقبول قرينان؛ والشيخ أجلّ من أن يرى إبطال حلية الأبطال، ويردّ إقبال مستجلب الإقبال.
ومنه قوله من كتاب كتبه عن السّلطان محمود: ووصلنا إلى السومنات (( 4 )) ، فوجدناها تخفي الرياح في مساربها، وتزلّ الأبصار بين ذوائبها، بين غياض تشكو الأراقم فيها ضيق المضطرب، وصعوبة المنسرب، متكاثفة كأعراف الجياد، متداخلة كأشعار الحداد، لا تستجيب فيها الأفاعي للرّقاة، ولا يستنير البدر عندها للسّراة، في أذيال جبال تناغي كواكب الجوزاء، وخلال آجام تواري وجه الأرض عن عين السّماء، فوافينا وقد أثقل العيون كراها، وأتعب النّجوم سراها، في مدّة اتصلت كعوب أيامها، وتناسقت
فرائد نظامها؛ فأحطنا بها إحاطة القلائد بالجيد، والشذرة بالفريد، ثم اشتدّ الوغى، فخيلت المعركة سماء غمامها مثار القساطل، وبروقها بريق المناصل، ورعودها صرير السّلاح، ورشاشها صبيب الجراح؛ واستقبل المعمة من الجنود رجال، يرون الملاحم ولائم، والوقائع نقائع؛ وحطّت الرّماة أيديها في جعاب كخراطيم الفيول، مملوءة بنبال كأنياب الغول؛ وظلّت السهام تتهاوى كما تتهاوى لوامع الشّهب، وتترامى ترامي نوازع السّحب؛ والطعن يهتك ودائع الصّدور، ويرد مشارع الغموم والسّرور؛ ولم تزل الملحمة حتّى استقلّت الشمس إكليلا على الجبل، ونفّضت ورسا على الأصل، فافترق الجمعان، وضرب اللّيل بينهما بجران، إلى أن صافح الليل صباحه، ونثر النجم على الغرب وشاحه، فعادوا إلى أمسهم، وتداعوا من آثاره القيام إلى رمسهم، وصارت الأرواح تسقى بأرشية الأرماح، إلى تولّي عسكر البلد هزيما يقفوه الصّباح، وهشيما تذروه الرياح؛ يتقاسمون الهرب جماما، ولا يردون الماء إلّا لماما؛ وعسكر السّلطان في آثارهم يرميهم بالصّواعق من ظبى السّيوف البوارق، ويقذفهم بالشّهب اللّوامع من شبا الرّماح الشوارع، حتّى صار من سلم منهم إلى الأطراف ضرورة، إذ كانت جيوب الآفاق عليه مزرورة.
وما برح السّلطان يتطلّب ملكهم حتّى حصل في معتقله، وحصّله في مكمن أجله، فهدأ من الخوف سره، وختم بطابع الشقاء عمره، ثم صعد السّلطان المدينة، ودخل بيت البدّ وظفر منه ومنها بأموال طالما حفظتها صدور الخزائن مكتومة، وخنقتها خيوط الأكياس مختومة، مما أوهت في تعدادها أنامل الحساب، وأحفت بل أفنت أقلام الكتّاب، فمن ذهب وفضة، ما منهما إلّا ما يكاثر الأحجار، ويستقلّ الأمطار؛ ومن لآل كأنّما صورت من الشّمس ضياء، وخلقت لمضاهاة حبّ الغمام عدّا وصفاء؛ ومن يواقيت كالجمر قبل الخمود، والخمر بعد الجمود، ومن زبرجد كأطراف الآس نضاره، أو ورق الأقحوان غضاره؛
ومن ماس كأنّما أعارت بعضه السّنانير أحداقها، أو وهبت باقيه حوّ الشّقائق أوراقها؛ ومن ولدان كاللّؤلؤ المنثور، ونساء خلقن أنموذجا للحور، ومن أفيال كالأسود، محطومة بالأساور السّود، حكت أطوادا فارعة، وأمواجا متدافعة، تئنّ الأرض من وطء أطرافها، وتخفّ (( 1 )) من ثقل أخفافها؛ تقف كأشخاص القصور، وتتدفق كأمواج البحور، وكأنّها بيوت والخراطيم رواشنها المعلقة، وكأنها ليال افترست النّهار، فلم يبق منه إلّا ما على أنيابها من جلوده الممزقة، يراها الرّاءون هضابا ثابتة، وجبالا نابتة، في ثقل أجسام، وخفّة أقدام؛ كأنّها صدع الجبال عند طارقة الزّلزال، تناجي بصور التهويل والتفخيم، وتفتك بالأيدي والخراطيم؛ إن استدري بها في الوغى، ضربت بين النفوس والآجال بسور، وإن خفّت إلى الحروب، رأيت قلوب اللّيوث تحت أجنحة النّسور؛ فلندع هذه النّعمة التي عقدت بالنّجوم ضفائرها، وأفاضت على الشّرق بعضها وعلى الغرب سائرها، وإنّا لنرجو أمثالها، ما دامت العيون حافظة سوادها، والعواتق حاملة نجادها.
ومنه قوله: المؤمن البشر لا من ورق الشجر، إذا مات فقد فات، وليس ممّا يعود، كما يورق ما عري العود.
ومنه قوله: وهم مرابيع الكرم، وينابيع الحكم، ومصابيح الظّلم، ومجاديح الأمم، وليوث البهم، وغيوث القحم؛ سادة النّاس، وقادة الملوك يوم النّدى ويوم الباس.
ومنه قوله: وبلغ إلى حيث لم يبلغه في الإسلام راية، لم ينل به قطّ سورة ولا آية، في
فياف تضلّ في أرجائها أسراب اليعافير، وتحار في دهنائها أفواج العصافير؛ فثار عدوّ الله يستنهض من يحمل حجرا، فضلا عمن يلقم القوس وترا، أو يحسن بالسّيف أثرا؛ فلمّا قاربه في المكان، ودخل بالرّعب على قلبه العيان، كرّ راجعا على آثاره، لفت المشير موهنا بناره؛ لا زال السّلطان منصورا، ما طلع يوم من حجاب أمس، وظهرت نفس من قرارة نفس.
ومنه قوله: وأما بنو فلان، فكوتهم الأيّام بمياسمها، وداستهم اللّيالي بمناسمها؛ فإنّ في قرع باب الغيّ تعرّضا للبلاء، واستئذانا على سواء القضاء، لولا أن تداركهم فلان بلطف كالأري مشارا، ودهاء يسلخ من الليل البهيم نهارا.
ومنه قوله معزّيا: هذه مصيبة سفحت الدّموع غروبا، ونثرت قنا الأصلاب أنبوبا فأنبوبا، ونعي بها فتى الجود، ومصّ بعده الثّرى بقية الماء من العود.
ومنه قوله: ولم تكن إلّا صدمة واحدة حتّى زلّت الأقدام عن مقارّها، وتهاوت الرّقاب عن مزارّها، وجعلت تتساقط أشخاص الألوية والمطارد، وتردّ النّفوس عن ضرب السّيوف البوارد؛ وكرّت عنها للسّلطان فيول كرعن الجبال، أو كركن السّحب الثّقال، مغشّاة بتجافيف (( 1 )) لم يعوّر منها غير حدق النّواظر، وحدائد الأنياب القوافر؛ يهوّل سائسها عليها بمرهفات كالبروق الخواطر، وصفّارات كالرّعود القواصف؛ وقد نشرت عليها التّماثيل في العيان المشهود، كأنّها الأساود
السّود؛ تخيل اضطراب الرّياح فيها أنّها ترجف للإلهام، أو تنقضّ لاختطاف الهام؛ وتعالت عليها أطراف العوامل؛ في مبان كالمعاقل، كأنها آجام السّواحل، تأويها شياطين الإنس فرسانا، وعفاريت التّرك والهند مردا وشبانا، تبصّ عليهم سابغات داود كصفائح الماء، تجلوها الشّمس في وسط السّماء، فحثّ العدوّ الخيل، تحت اللّيل، حتى كاد لا تتنفّس الأرض معه بمواطئ أقدامها، ولا تشعر النّجوم بأشخاص ألويتها وأعلامها، ودنا الفريقان بعضهم من بعض، وظلّت رحى الحرب تعركهم بثفالها، وتدور عليهم بأثقالها؛ وحمل سيف الدّولة بنفسه، فتداعت الزّحوف، وتخالطت الصّفوف، وخطبت على منابر الرّقاب السّيوف، وثارت عجاجة أخذت العيون عن الأشباح، وأذهلت النّفوس عن الأرواح، ونثرت الأعناق ثم نظمتها في سلوك الرّماح، وطفقت الخيل تتردّى بجثث النفوس، وتلعب بأكر الرّءوس؛ وأما البقية فإنهم ولّوا وما ألووا، وقد دبّ الفشل في تضاعيف أحشائهم، وسرى الوهل في تفاريق أعضائهم، واستطار الخوف في مزاج دمائهم؛ فجيوب الأقطار عليهم مزرورة، وذيول الخذلان عليهم مجرورة.
7- ومنهم الحسين بن علّي بن محمّد عبد الصّمد، أبو إسماعيل (( 1 )) ، مؤيد الدّين، فخر الكتّاب الأصبهاني، المنشئ المعروف بالطغرائّي.
الكاتب الشّاعر، الناظم النّاثر، البديع الصّنعة، الباهر الأدب، الزاهر الفضل، الطّاهر المحاسن، الدقيق المعاني، الوثيق المباني، المشهور شهرة الشّمس، الواضح
وضوح البدر، كاثر ببدائعه النّجوم الثّواقب، وبنتائج قرائحه سجوم السّحائب، فجاءت عربا أبكارا، وشهبا لا تلجّ أفكارا.
وولع بصنعة الكيميا، فشب لهبا، وصبّ أدبا لا ذهبا، وأذهب زمانا بها في العناء، وطلب الغنى من غير الغناء، فلم يجد بغيته، ولم يزد على أن صفّر وجهه، وبيض لحيته، فردّ خائبا، واشتعل رأسه شائبا؛ وطالما شمر طلب الصّنعة دروعه، وصعّد أنفاسه وقطّر دموعه، وكان من فيض السّلطان في غير البشير، وفي حبر من الإكسير، إلّا أنه تعلّق بعلم أحابر، وعلق حكم الصّنعة عن أكابر، وشدّ الأوصال، وامتدّ لأن تسمح له بالوصال، فكان لو شعر به ابن أميل، لمال إليه كلّ الميل، أو تشبه به ابن يزيد، لما كان عليه مزيد، ومع طول معاناته، وبعده تارة ومداناته، لم يحصل على غير ارتقابها، ولا ظفر من ليلى بحطّ نقابها، فكم ضيّع حاصلا، وكدّ ولم يكن واصلا.
وشعره أسير من نثره، وأيسر في حجم قدره، لأنّه إنما عانى النّثر وقد قارب أجله الانتهاء وقارب الرّحيل، ودنت شمسه من الأفول.
وهو صاحب (( لاميّة العجم )) التي فصّلت عرى (( لاميّة العرب )) وحلّت لامها، ونكّبت من شفار الشّنفرى سهامها، فلقد قوّت الشّعوبيّة، واحتمت لعصابتهم، حميّة العصبيّة، وأخذت قسرا شجر البيان، وحكمة ألسنة العرب وأدمغة اليونان، وكادت تبتزّ من دولة العرب مدينة السّلام، ولا تبقي لهم إلّا عائدة الملام، وعنوان قوله منها (( 1 )) : [البسيط]
أريد بسطة كفّ أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلى قبلي
والدّهر يعكس آمالي ويقنعني ... من الغنيمة بعد الكدّ بالقفل
إنّ العلى حدّثتني وهي صادقة ... فيما تحدّث أنّ العزّ في النّقل
لو أنّ في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبلغ الشمس يوما دارة الحمل
تقدّمتني رجال كان شوطهم ... وراء وطئي إذا أمشي على مهل
أعدى عدوّك أدنى من وثقت به ... فحاذر النّاس واصحبهم على وجل
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة في انحطاط الشّمس عن زحل
وإنّما رجل الدّنيا وواحدها ... من لا يعوّل في الدّنيا على رجل
وقد قال لمّا ولي ديوان الطّغراء، وكان قد كبر وأفن: من فتح دكّانه بعد العصر، أي شيء يتعيش؟.
* ومن نثره قوله: وما كان إلّا أن تداعوا بالرّحيل، وقدّمت لهم النّياق للتّحويل، وإذا بقلبي قد ودّعني وسار، وهزّ جناحه الخافق وطار، فعدت- علم الله- لا أستطيع منعه، ولا أعقل فأجري لي دمعة، إلى أن بكّرت عليّ العاذلات، وهبت إليّ باللّوم قائلات: أمالك أسوة بالمحبّين الألى؟ فقلت: لا؛ فمازلن يرقعن جلدي، ويمسكن تجلّدي، وأنا لا أسكن إلى حول، ولا أطمئنّ إلى قول، حتّى غلبتني صرعة كرى، فتخيلت [أنّي] أرى خيالا عاد مخبرا، وخيالا من الحبيب زار مزوّرا؛ فإذا بتمثال الأحباب بين يديّ مصورا، فقال لي ذلك الطّيف الطّارق، تحت ستور الليل الغاسق: مالك ولهذه الحالة الشنيعة؟ أما كنت ترضى بأن يكون قلبك عندنا وديعة؟ فها خذها إليك، والسّلام عليك؛ فقلت: ناشدتك الله أيّها الخيال الزّائر، والمثال السّائر، إلّا ما تريثت، ووقفت فتلبثت؛ فما زاد على أن زال، ولا حام حتّى حال؛ ثم ولّى وما ودّع، وأشبه مشبهه في الجفاء وما أبدع.
ومنه قوله: وقد زار الغيث، وزار اللّيث، وأضاء البدر الزّاهر، ودنا الصّباح السّافر، وقدم العميد يهمي متدفقا هو والغمام، ويجري مستبقا هو والسّهام، فأيّ صدر ما تزحزح لحلوله؟ وأيّ قدر ما يصال لوصوله؟ وأي بدر ما غاب؟ وأيّ شمس ما توارى ضياؤها بحجاب؟ ولولا وقار العميد، كادت الأرض تميد، ويا لله العجب، قدم وما نزفت البحار، وإلّا ضاقت البيد!.
ومنه قوله: وكتابي هذا إليك، وعندي عليك لوث عتاب، لأمر لا يحمله كتاب، فإن آب بك المتاب، وقوّم أود ودّك الإعتاب، استرسلت معك في ذكره، وأرسلت إليك رائد سرّه؛ وإلّا طويت الدّهر على مضض ألمه، وأخليت الصّدر للممه، وتحاملت على ما بي، وصرفت عنك ودّي وعتابي.
ومنه قوله: سحابة ترسل الأمطار أمواجا، والأمواج أفواجا، سحبت على الأرض أذيالها، وعلمت افتقارها إلى نفسها، فجادت بها لها، والجود بالنّفس أقصى غاية الجود (( 1 )) ، لا سيما عوارف كرم ملأت الوجود.
* ومن شعره قوله (( 2 )) : [الطويل]
وأبيض طاغي المتن يرعد حدّه ... مخافة عزم منك أمضى من النّصل
عليم بأسرار المنون كأنّما ... على مضربيه أنزلت آية القتل
ومنه قوله (( 1 )) : [الطويل]
أجيراننا بالغور كيف خلصتم ... نجيّا وأخفيتم مسيركم عنّي
لقد سمعت أذناي نجوى فراقكم ... فلا نظرت عيناي ما سمعت أذني
أحذركم طوفان دمعي فبدّلوا ... إذا أزف السير الرّكائب بالسفن
ففي الحيّ مرهوم الإزارين بالبكا ... وآخر مرقوم العذارين بالحسن
ومنه قوله (( 2 )) : [الطويل]
إذا ما دجى ليل العجاجة لم يزل ... بأيديهم جمر إلى الهند مشبوب
عليها سطور الضّرب يعجمها القنا ... صحائف يغشاها من النّقع تتريب
وقوله في النّهر والرّوض (( 3 )) : [السريع]
يشقّها في وسطها جدول ... [مياهه] العذبة مثلوجه
(( 4 ))
له سواق طفحت والتوت ... تلوّي الحيّات مشجوجه
فهي رماح أشرعت نحوها ... تطعنها سلكى ومخلوجه
(( 5 )) ومنه قوله (( 6 )) : [الكامل]
إنّي لأذكركم وقد بلغ الظّما ... منّي فأشرق بالزّلال البارد
وأري العدى أنّ الإساءة منكم ... خطأ وتلك سجية من عامد
ويصحّ لي قول الوشاة عليكم ... فأردّه عنكم بظنّ فاسد
وإذا طويت هواك عنهم نمّ بي ... وجد يدلّ على لسان جاحد
وأقول: ليت أحبتي لاقيتهم ... قبل الممات ولو بيوم واحد
(( 1 ))
وإذا سئلت عن السّلوّ أجبتهم ... بلسان معترف ونية جاحد:
إن لم يكن سحرا هواك فإنّه ... والسّحر قدّامن أديم زائد
(( 2 ))
ما زلت أجهد في مودّة راغب ... حتّى ابتليت برغبة في زاهد
(( 3 ))
ولربما نال المراد مرفّه ... لم يسع فيه وخاب سعي الجاهد
هذا هو الرّأي الذي ضاقت به ... حيل الطّبيب وطال يأس العائد
ولعمري ما أعرف ما أصف به هذا الشّعر، وهو الذي قلّ أن يماثل، وجلّ أن يقاس به، وهو السحر الطّاهر، والرحيق المشعشع، والرّوض الباسم، والصّباح المتألّق، وهكذا فليكن؛ ومن يقدر على هذا أو يدانيه؟
وكذلك قوله (( 4 )) : [البسيط]
بالله يا ريح إن مكنت ثانية ... من صدغه فأقيمي فيه واستتري
وباكري ورد عذب من مقبّله ... مقابل الطّعم بين الطّيب والخصر
وإن قدرت على تشويش طرّته ... فشوّشيها ولا تبقي ولا تذري
ثم اسلكي بين برديه على عجل ... واستبضعي الطيب وأتيني على قدر
ونبهيني دوين القوم وانتفضي ... عليّ واللّيل في شك من السّحر
لعلّ نفحة طيب منك ثانية ... تقضي لبانة قلب عاقر الوطر
وقوله (( 1 )) : [الطويل]
وحان على الشّحناء عوج ضلوعه ... يسدّد نحوي صائبات المشاقص
يكاثر فضلي بالثّراء توقّحا ... وفي المال للجهّال جبر النّقائص
أقول له لمّا اشرأبّ لغايتي ... ومدّ إليها نظرة المتخاوص
وأيقظ منّي ساهرا غير نائم ... وحرّض منّي هاجما غير حائص:
لقد فات قرن الشّمس راحة لامس ... وأعيا مناط النّسر كفة قانص
فإن حدّثتك النفس أنّك مدرك ... لشأوي فطالبها بمثل خصائصي
وعلمي بما لم يحو خاطر عالم ... وخوضي على مالم ينل فهم غائص
(( 2 ))
فما عهد أحبابي على البعد ضائع ... لديّ ولا ظلّ الوفاء بقالص
ولا أنا عمّا استودعوني بذاهل ... ولا أنا عمّا كاتموني بفاحص
وإنّ الألى رامو اللّحاق بغايتي ... سعوا بين مبهور وآخر شاخص
وراموا بأطراف الأنامل غاية ... وطئت وقد أعيتهم بالأخامص
وقوله (( 3 )) : [الطويل]
صحا عن فؤادي ظلّ كلّ علاقة ... وظلّ الهوى النجديّ لا يتقلّص
هوى ليس يسلي القرب عنه ولا النّوى ... ولا هو في الحالين يصفو ويخلص
ففي البعد قلب بالفراق معذّب ... وفي القرب عيش بالوشاة منغص
وإنّ خلاصا كنت أرجوه برهة ... وكان يزيد الأمر فيه وينقص
قطعت رجائي منه مذ قال صاحبي: ... رميّ العيون النّجل لا يتخلّص
وقوله (( 1 )) : [البسيط]
يا صاحبيّ أعيناني على سكن ... إذا شكوت إليه زادني مرضا
ظبيّ غرير إذا حاولت غرّته ... أرسلت طرفي سهما وانثنى عرضا
(( 2 ))
مالي وللبرق مجتازا على إضم ... يسري ويمري جفوني كلّما ومضا
برق يلوح بنجد والحمى وطني ... هفا بقلبي ولبّي كلّه ومضى
من مبلغ الحيّ شطّت دارهم ورضوا ... بالجار جارا وما أرضى بهم عوضا
ما طاب عنكم فؤاد طاب قبلكم ... عن الرّضاع تقضّى والشّباب مضى
إنّ الزّمان الذي كانت بشاشته ... للقلب والعين ملهى بان وانقرضا
فإن نسيت فيأسا لم يدع طمعا ... وإن ذكرت فعرق ساكن نبضا
حكّمت في مهجتي من ليس ينصفني ... ولست أبلغ من تحكيمه غرضا
سيّان عندي وأمري صار في يده ... قضى لغيري بجور أم عليّ قضى
حتّام أنهض جدّي وهو يعثر بي ... أخاف أن لا يراني الجدّ إن نهضا
وقوله (( 3 )) : [الكامل]
ومليحة الحركات إن رفلت ... في الحيّ ساعف عقدها القرط
نمّ المروط بحسنها فبدا ... والشمس ليس يكنّها مرط
فتح الصّبا في صحن وجنتها ... وردا يضاعف حسنه اللّقط
قالت وقد ولّت حمولهم ... والعيس فوق جفوننا تخطو:
كان الشّباب الغضّ يجمعنا ... فمضى وشتّت شملنا الوخط
غدر الأحبّة والشّباب معا ... فكأنّنا لم نصطحب قطّ
وقوله (( 1 )) : [الكامل]
في القلب من حرّ الفراق شواظ ... والدّمع قد شرقت به الألحاظ
ولقد حفظت عهودكم وغدرتم ... شتان غدر في الهوى وحفاظ
لله أيّ مواقف رقّت لنا ... فيها الرّسائل والقلوب غلاظ
ومرى العتاب جفوننا فتناسبت ... تلك المدامع فيه والألفاظ
يا دار ما للرّكب حين وقوفنا ... ما إن سقاك من الدّموع لماظ
ترك الغرام عقولهم مشدوهة ... فظننتهم رقدوا وهم أيقاظ
عهدي بظلّك والشّباب يزينه ... أيّام ربعك للحسان عكاظ
فيا لله ما أسرى هذه البدائع، وما أسرع تدفّق هذه البداءة، ويا لله هذا الشّاعر، لقد ركب هذه القافية الصعبة فذللها، وسلك هذه الطريقة الوعرة فسهّلها؛ ولقد حيّر الأفهام إلى أيّ هذه المعاني تسارع؟ ولأيّها تفضل؟ ومن أيّها تعجّب؟ هذا مع هذا التركيب الشّديد الأسر، واللفظ الذي اقتاد إلى هذه القافية، وسلسل نطف هذه الأبيات الصّافية، وجاء بأبياتها المشيّدة كأنها العافية، وهذا الذي تتفاوت فيه أقدار القرائح، ويظهر فيها مبلغ العلم، ويعلن به باسم قائله، وينفق سوق منشده، وأين من يقدر على مثل هذا الكلام؟ أو يتعاطى مثل هذا المدام؟ أو يصحّ معه هذا السحر، وما أظنّه إلّا الحرام؟!
ومن لطائف شعره قوله أيضا (( 1 )) : [الكامل]
يا قلب مالك والهوى من بعدما ... طاب السّلوّ وأقصر العشاق
أو ما بدا لك في الإفاقة والألى ... نازعتهم كأس الغرام أفاقوا
مرض النّسيم وصحّ [و] الدّاء الذي ... يشكوه لا يرجى له إفراق
وهدا خفوق البرق والقلب الذي ... تطوى عليه أضالعي خفّاق
وقوله (( 2 )) : [الطويل]
أجمّا البكا يا مقلتي فإنّنا ... على موعد للبين لا شكّ واقع
إذا جمع العشاق موعدهم غدا ... فوا خجلتا إن لم تعنّي المدامع
وجاءه مولود وقد بلغ سبعا وخمسين سنة، فقال (( 3 )) : [البسيط]
هذا الصّغير الذي وافى على كبري ... أقرّ عيني ولكن زاد في فكري
سبع وخمسون لو مرّت على حجر ... لبان تأثيرها في صفحة الحجر
وقوله (( 4 )) : [الطويل]
أزيد إذا أيسرت فضل تواضع ... ويزهو إذا أعسرت بعضي على بعضي
أرى الغصن يعرى ثم يسمو بنفسه ... ويوقر حملا حين يدنو إلى الأرض
وقوله (( 5 )) : [الطويل]
وكنت أراني مفلتا شرك الهوى ... فقد صادني سحر العيون النّوافث
فلا تعذلوني في غرامي بعدما ... تولّى الصّبا فالعذل أوّل باعث
ولا تبحثوا عن سرّ قلبي فإنّه ... صفا ليس يمضي فيه معول باحث
أرى صبوات الحبّ قد جدّ جدّها ... وقد كان بدو الحبّ مزحة عابث
وقوله (( 1 )) : [الطويل]
هي العيس قودا في الأزمة تنفخ ... تمطّى بها من حقوة الرّمل برزخ
فلين الدّجى عن غرّة الصّبح فاغتدت ... بحيث التقى منها وقوف ونوّخ
عليها قطاف المشي أطول خطوها ... مدى الفتر إذ أدنى خطاهنّ فرسخ
بدور أكنّتها خدور يجنّها ... جناح خداريّ من الليل أفتخ
فوشي خدود بالجمال منمنم ... ومسك شعور بالشباب مضمخ
فيا صادحات الورق في الأيك أقصري ... فمالي إذ أشكو ولا لك مصرخ
وقوله (( 2 )) : [البسيط]
تالله ما استحسنت من بعد فرقتكم ... عيني سواكم ولا استمتعت بالنّظر
إن كان في الأرض شيء غيركم حسنا ... فإنّ حبّكم غطّى على بصري
وقوله (( 3 )) : [الخفيف]
خبرّوها أنّي مرضت فقالت: ... أضنى طارفا شكا أم تليدا
وأشاروا بأن يعودوا سادتي ... فأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتت في خفية وهي تشكو ... ألم الوجد والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالك ... أن أمالت [عليّ] عطفا وجيدا
(( 4 ))
وقوله يصف النّجم (( 1 )) : [المتقارب]
وليل ترى الشّهب منقضة ... بها نحو مسترق سمعه
كما مدّ من ذهب مدّة ... على لازوردية الرّقعه
8- ومنهم: أبو عليّ، الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشّخباء العسقلاني (( 2 )) :
* صاحب الخطب المشهورة، والرّسائل المحبرة؛ لسان لا يكفّ له غرب، ولا يكلّ له ضرب، بحسّ ذكيّ كأنه زجاجة فيها نار، وحدس زكي لا يطمس له نار؛ وبينه وبين ابن الجميد مكاتبات، ينشر منها الحلل، وينظر منها ما تحوي الكلل؛ وقفت عليها، وصرّفت النظر فلم أجده ينصرف إلّا إليها؛ وكانت عندي بالخطّ الفاضليّ، وإنّما أذهبته من يديّ النّقل، وأطلقته من حاصلي العقل؛ وكانت بينهما من لطائف الشّتام، ما كان لسالف النّقائض كالختام، بألفاظ عذاب كأنّها نطف الغوادي، وطعم السلامة من يد الأعادي؛ وكان لا يحسن منها إلا عقير مدامة يحسوها، وعاقد راحة على شعاع راحة يكسوها؛ وكانا عجبا، ونيّرين ظهرا، والشمس والقمر قد حجبا.
ومن نثره قوله: أمّا ما افتتحت به من ذكر استحكام الثقة، فقد عجبت من تعاطيه وصف
ذلك، مع العلم بوضوح دليله، والمعرفة بكثيره وقليله، وأنى يتجاوز تلك الصّفة وهو ينبوع الوفاء ومنبته، وممكن أسّه ومثبته: [الرجز]
تسكن أحشائي إلى حفاظكم ... سكون أجفاني إلى رقادها
وأما تخلّفه عن الزيارة للعذر الذي نصّه، فقد رأيت ليلتي بغيبته، فكأنّها قرنت بيوم الحساب الأطول، أو علّقت نحومها السيارة بأمراس كتّان إلى صمّ جندل (( 1 )) .
ومنه قوله: فارقني مولاي، وخلّفني خلف السهاد، مفترشا شوك القتاد، أتذكر أخلاقه تذكّر الفقير غناه، وابن ذريح لبناه، وامتدّ عليّ رواق الليلة المذكورة، حتّى كأنّ نجومها شدّت بمناكب أبان، وقمرها يسير في فلك كيوان: [من البسيط]
يئست من صبحها حتّى التفتّ إلى ... وجه الظّلام أعزّيه بفقدان
ولم تزل هذه حالي في الوحشة، إلى حين وصول الرّقعة الأثيرية؛ فإنها رقعت هلهلا من الجدل مخلقا، وتركت داويا من المسّرة قصرا مونقا؛ ووقفت عليها، فقلت: أجرى الطّرس سطورا؟ أم زهري منثورا؟ أو نظمت البراعة ألفاظا أدبية؟
أم سلوكا ذهبية؟ وأنا أجيب عنها، ولكن كما يجيب قسّا باقل، وتفاخر السّحب المثقلة جداول؛ لمّا علمت أنّه قد عبث عليّ من وجه صحيح، لقيته مخفوض الجناح، وقابلته بالاستغفار والاستفصاح؛ إذ أنا بحمد الله تعالى ليّن الكنف تحت ظلال المودّة، شديد في هواجر الشّدة: [الطويل]
جليد على عتب الخطوب إذا التوت ... وليس على عتب الأخلّاء بالجلد
وأما الفصل المختصّ بالحضرة السامية، ووقوع الأمر بحسب ما كان مولاي ذكره، فلم تزل ألمعيته تمده بالرأي الثاقب، وتكشف له ستور العواقب، والله المحمود على ما منح مولاي من صحة النظر الذي يتساوى فيه حاضر من الأمر وغائب، ومستقبل من الخطب وذاهب، وحسن الألمعية التي عناها الأوّل بقوله: [الكامل]
وتصيب مرتجلا بأوّل فكرة ... أعراض كلّ مخمّر ومبيّت
وأمّا الفلانيّان، وما تجدد بينهما في هذا الوقت من الصحبة، وانتسج من المودة، فللمشابهة قضية دائمة الوجوب، وللمشاكلة حوادث تملك حبات القلوب؛ وكلّ نفس بعادتها صبّة، وإلى ما يلائم طباعها منصبة؛ النملة تفرح بالبرّة، أكثر من فرحها بالدّرة؛ والضّيون يرى القذاريّة، خيرا من اللّطيمة الدارية؛ ومولاي يخالفهما بصحّة ميثاقه، وكرم أخلاقه، ودماثة طبعه، وصلابة نبعه، وطيب أصله وفرعه؛ فلا غرو أن يجهدا في نقض دمرته (( 1 )) ، ويرغبا عن الاختلاط بحضرته: [السريع]
لا تنظري صدّي ولا مقتي ... ما أنت من حربي ولا سلمي
وأما سؤاله عن قائل البيتين المنظومين، وهما (( 2 )) : [مجزوء الكامل]
ويقودني لوصاله ... خرس الهوى قلق الوشاح
ينآد كالغصن النّضي ... ر بمثله عبث الرّياح
فقد فتح لي هذا السؤال بابا عرفت أنّ مولاي قد أعطى فلانا مقوده، ومدّ إلى
مغازلته يده، ولزم مضجعه، وتوفّر على الخلوات معه؛ فقلت: خبر يحتمل الصّدق والمين، ووقفت حائرا بين هذين، حتى عرفت اشتهار ذلك؛ وأنّ الأخ غضب منذ أيام قليلة، وبات في القرافة (( 1 )) بأسوإ ليلة، فلم أدر كيف أعتب مولاي وألوم، ولا كيف أقعد في التّأنيب له وأقوم؛ وهو الحياء الذي إذا انثلم فقد انهدم، وإذا تصدّع فقد ذهب أجمع، والمعيشة التي من المروءة حفظ موادّها، وصلاح فسادها، ومع ذلك فالبيتان المذكوران لعبد الصمد [بن] المعذّل، في كلمة يقول فيها (( 2 )) : [مجزوء الكامل]
هتفت به نذر المشي ... ب فغضّ من غرب الجماح
هيهات ملت إلى النّهى ... وأجبت داعية الفلاح
وجعلت من ورد التّقى ... كأس اغتباقي واصطباحي
وقد كان مولاي باستحسان هذه الأبيات أليق، وهي بصفته أعبق؛ وكأني به إذا بلغ إلى هذا الفصل من الرّقعة، أنشد قول الخطيم بن محرز (( 3 )) : [الطويل]
وما لا مني في حبّ عزّة لائم ... من النّاس إلّا كان عندي من العدى
ولا قال لي: أحسنت إلّا حمدته ... بما قال لي ثمّ اتّخذت له يدا
ولا أتعدّى هذا الحد حرفا (( 4 )) ، أن أجني ذنبا عظيما، وأولم قلبا بشهادة لله عليّ كريما.
ومنه قوله:
وأما الفصل الأخير، فأعلم والله أنّه صدر عمن احتسى من كأس المساهمة، وجلّيت لي بودّه وجوه الدّهر السّاهمة؛ وأنا أؤمل بفضل الله تعالى أن يقع من غير إرهاب، وتتواصل لديّ بغير حساب، حفظا للعادة التي حكم بها كرمه، وتمت معها عندي آلاؤه ونعمه.
ومن شعره قوله: [الكامل]
ألقى بكفّي جذوة في درّة ... واللّيل يخطر في هلاهل أزره
(( 1 ))
أخت النّجوم تشعشعا وولادة ... سرقت محاسن وصفه في سكره
فضرامها من خدّه، وحياتها ... من ثغره، ونسيمها من نشره
وممّا أورد له ابن بسّام قوله (( 2 )) : [الكامل]
ما زال يختار الزّمان ملوكه ... حتّى أصاب المصطفى المتخيّرا
(( 3 ))
قل للألى ساسوا الورى وتقدّموا ... قدما: هلمّوا شاهدوا المتأخّرا
إن كان رأي شاوره أحنفا ... أو كان بأس نازلوه عنترا
ولقد تخوّفك العدوّ بجهده ... لو كان يقدر أن يردّ مقدّرا
إن أنت لم تبعث إليه ضمّرا ... جردا بعثت إليه كيدا مضمرا
تسري وما حملت رجال أبيضا ... فيه ولا ادّرعت كماة أسمرا
خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم ... وأمرت سيفك فيهم أن يخطرا
عجبوا لحلمك أن تحوّل سطوة ... وزلال خلقك كيف عاد مكدّرا
لا تعجبوا من رقّة وقساوة ... فالنّار تقدح في قضيب أخضرا
ومنه قوله:
ولمّا كان الثناء أحسن ما تدار عليه الكؤوس، وتنقش له الأقلام في الطّروس، وجب أن يطلق في هذه الحلبة الأرسان، ويستخدم في أداء فرضها اللّسان.
9- ومنهم: القاضي الفاضل: [السريع]
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
(( 1 )) هو منهم، لا بل هم منه؛ وكلّ ما قيل في محاسن من تقدّم، فإنّما هو عنه (( 2 )) : [الطويل]
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وهو: الفاضل محيي الدّين، أبو عليّ، عبد الرّحيم بن الأشرف أبي الحسن عليّ ابن الحسن [بن الحسن] بن أحمد بن الفرج (( 3 )) ، اللّخميّ، العسقلاني المولد، عرف بالبيساني (( 4 ))
* كان سلفه من بيسان (( 5 )) ، وولي أبوه قضاء القضاة والخطابة بعسقلان،
واستخدم شاور (( 1 )) القاضي الفاضل في ديوان المكاتبات مع الموفق ابن الخلال (( 2 )) .
ومولده يوم الاثنين، خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمئة. هو والله البحر الزّاخر، والبرّ الذي ما سلك طريقه أول ولا آخر، وما مثله هو ومن تقدمه إلّا مثل النّجوم طلع عليها الصّباح، والكروم أوّلها زرجون وآخرها راح؛ بل الحدائد قبل تطبيق الصّفاح، والموارد قبل تصفيق الرّياح، تقدّموا قدّامه وغرقوا في سيله، وخلقوا قبله وجاؤوا في ذيله؛ وكلّ وصف قلت في غيره، فإنّه تجربة الخاطر، هو أكثر من كل قول، وأكبر من مقدار كل طول.
لقد صادف هذا الاسم منه الاستحقاق، لفضائله التي تبلجت تبلّج الصّباح في الآفاق؛ لقد وطّد ملك الدّولة بآرائه، جمع السّيوف والأقلام تحت لوائه؛ وكان يناضل بجلادة عن حماها؛ يرتشف الزّلال من رتق قلمه، وتلتحف الظّلال بسحب نعمه؛ وله في الإنشاء تفنّن، منه ما يروع الخيل صهيلا، ومنه ما يروق عذبا سلسبيلا؛ يفتّ العنبر على سطوره، ويفوت الجوهر طلّ منثوره؛ تعقد رسائله راحا براح، وجنى جنّاته بجنى تفّاح، وتلتقط في مهارقه بنفسج من أقاح؛ أطرب من مناجاة النّدام، وأطيب من معاطاة المدام؛ طالما كتب جمانا، وكبت أغصانا، ولان فاجتنى عسلا، وقسي فانبرى أسلا، يسجع كالحمام، ويصرع كالحمام، وقد سطّرت بحسناته الصّحف، وصوّرت من حسانه ذوات القلائد والشّنف؛ وطرق النّجد والوادي، ونطق به المدّاح والحادي، وحاضر به الحاضر والبادي، وسامر به السّامر وترنم الشّادي؛ وغادر له الأرض مذهبا مذهبا، وغادى الغوادي مصوّبا مصوّبا، وسار مقرّبا، مقرّبا وصار للمشرق مشرّقا
وللمغرب مغرّبا.
فأما ما يؤثر عن أقلامه، فهو النّافث للسّحر في عقدها، والمنوّر للأبصار بكحل إثمدها؛ فضح الزهر بكلمه، وفتح الأقاليم بقلمه، وكتب فيما لا يعقبه ندم، وبارى قلمه السّيوف، ففعل أكثر منها ولم يتلطخ بدم؛ كم نكّس رماح الكفر فقصم أصلابها، وفصم أسبابها، وغزاها بأسطره ففلّ جيوشها، وثلّ عروشها، وحطّ صلبانها، وحطّم فرسانها، وأعاد بيعها مساجد، وصوامعها معابد، وبدّل الكفر بالإيمان، وأسكت النّاقوس للأذان، وعزّل مكان الإنجيل للقرآن، وقسى على القساقسة (( 1 )) وأرهب الرّهبان؛ وكاتب الخلافة، فكانت سطوره حلية شعارها، وسواد مداده سؤدد فخارها، وتأخّر السّهم وتقدّم، وخرس مجاوبه فلمّا كلّمه تكلّم؛ وحضر مواقف الحرب، فكان فارسها البطل، ورأيه سيفه الضّارب، ومواضع الحصار، وكان منجنيقه الرّامي، ويراعه سهمه الصّائب، وكان هو المحرك للعزائم النّوريّة (( 2 )) على تطهير مصر من دنس أولئك الضّلّال (( 3 )) ، ودرن تلك الأيام اللّيال، بل كانت أشد من اللّيالي، لتراكم ظلام تلك البدع، وتفاقم ضلال ذلك الدّين المبتدع.
ولقد كان وهو في ديوان تلك الدّولة يتحرّق على كشف بدعها، وكف شنعها، وكرّ جنود الله على شيعها؛ ووقفت على قصيدة كتبها إلى الشّهيد نور الدّين ابن زنكي رحمه الله، يقول فيها (( 4 )) : [الطويل]
وما بعد مصر للغنى متطلّب ... وما بعد هذا المال مال فيكتسب
ولو أنّه في البأس يمضي أو النّدى ... لهان ولكن في المغاني وفي الطّرب
وكانت الأجوبة النوريّة ترد عليها، فيرى بها في تلك الظّلمات نورا، ويرتّب على مقتضاها أمورا؛ ثم كانت دخول العساكر الأسدية (( 1 )) إلى مصر، باستدعاء شاور في المرّتين وفي الثّانية استقرّت قدمها، واستمرت والأيام خدمها، وهنالك علا النّجم الفاضليّ وسعد جدّه، وصال والسيوف جنده؛ وعلى ذكره ذكرت شعرا كنت قلته، جاء (( 2 )) فيه ذكره استطرادا، وهو: [السريع]
أتى بها السّاقي فيا مرحبا ... إذ جاء بالمحمول والحامل
(( 3 ))
ببابليّ اللّحظ قد زارنا ... بقهوة صفراء من بابل
(( 4 ))
مدامة ما عتّقت حقبة ... إلّا من العام إلى قابل
صاغ من الدّير لإبريقها ... قلائدا من ذهب سائل
وطوّقت في المرج تيجانها ... بلؤلؤ في كأسها جائل
كأنّها ممزوجة لونه ... مغيّرا من خيفة العاذل
تأخذ منّا كلّنا ثأرها ... ومالها إلّا على القاتل
رقّت فقلنا: إنّها ريقه ... في الكأس أو من خصره النّاحل
دقيقة المعنى على [ ... ] ... ألحاظه أو صنعة الفاضل
(( 5 )) ولمّا آثر العاضد إقامة أسد الدّين شيركوه عنده، وهو إذ ذاك مقدّم الجيوش النّورية المجهزة إليه، كتب الفاضل عنه إلى نور الدين كتابا، وقفت عليه بخطّه ومنه نقلت، ومضمونه:
من عبد الله ووليّه عبد الله الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين، إلى الملك العادل، المعظم، الزّاهد المجاهد، المؤيّد، المنصور، المظفّر، نور الدّين، ركن الإسلام والمسلمين، عمدة الموحّدين، قسيم الدولة، مجير الأمة، عضد الملّة، حافظ الثّغور، غياث الجمهور، قامع الملحدين، قاهر المشركين، خالصة أمير المؤمنين؛ رفع الله به منار الدين، وأعلى بعزائمه رايات الموحدين، وأحسن توفيقه في خدمة أمير المؤمنين:
سلام عليك؛ فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد صلّى الله عليه وعلى آله الطّاهرين، الأئمة المهديين، وسلّم تسليما؛ أما بعد:
فإنّه عرضت بحضرة أمير المومنين مكاتبتك التي أديت بها واجب حقه، وقمت بمفترضه، وصدرت عن قلب شفاه الدّين بهديه، من داء الضّلال ومرضه، وتؤمّلت بمقرّ جلاله ومحلّ أمانته، التي منح الله بها الدين مزية إكماله؛ فصرف إليها أمير المؤمنين سمع الإصغاء وطرفه، وعرف منها أرج الولاء الصادق وعرفه، ووقف عليك من لطيف ملاحظاته ما يديم النعم، وأهدى إليك من شريف دعواته ما إذا حصل لك جمع المسلمين عمّ.
فأما تلقيك أوامره بالامتثال، وإنابتك عن العزم الذي ضربت به الأمثال، وأضربت عنه الأمثال، وتجريدك العساكر التي شدّت من الموحّدين، وشادت مباني الدين، ونكص العدو بخبرها قبل نظرها، وانصرف عن بلاد الإسلام بأخزى خجله وأظهرها، وتقديمك عليها من ارتضاه أمير المؤمنين لارتضائك، وانتضاه في يد الحقّ تيمنا بانتضائك، وأمضى عزمه في تقليد ملكه إذ علم أن عزمه مشتق من مضائك، فقد شكر الله وأمير المؤمنين لك- أيّها الملك العادل-
هذا الأثر، وذخر لك منه حسنة لم تبسم عن مثلها ثغور الصّحائف والسّير، وميزك على ملوك الشّرق والغرب بفضل هذا النظر؛ ونصرت الدين الحنيف، والبيت الشّريف، وعند مآثرك الحسنى نشهد بها فتغني عن الإيضاح والتعريف، وهدمت الباطل حين أرست خيامه، وثبّتّ الحقّ حين هفت أعلامه، واخترت لخدمة أمير المؤمنين من هو مكان الاختيار وفوقه، وحمّلت العبء الثقيل من يستقلّ به ويحمل أوقه، وقلدت الأمر الجليل من لا يعجز قدرته وطوقه؛ ووردوا إلى الفناء النّبويّ بيض الوجوه بنصر واضح، شمّ الأنوف بتفريج غمّة (( 1 )) الخطب الكالح، جذلى القلوب بصفقة العمل الرّابح الصّالح، ظاهرة عليهم آثار آدابك الحسنى، بادية فيهم أنوار صوابك الذي ليس فيه مستثنى لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
(( 2 )) وقد كانت جنايات من تقدم نظره (( 3 )) ، عظمت عن الاحتمال، وتجاوزت إلى الدّين بعد أن تجاوزت المال، وظهرت أمارات استنصاره بمن استنصر به بالأمس، وتعويله على ما نزّه الله أمير المؤمنين أن يكون به راضي اللّسان والنفس، لأن الله استخلفه لاستقامة كلمة جدّه، واكتفى بهديه وهدي آله عن أن يقفّى برسول من بعده، وحينئذ بدت للمشار إليه سوءاته، وأحاطت به خطيئاته، وقصّرت في مجال الحياة خطواته، ولقي عن كثب حتفه، وأصبح نكالا لما بين يديه وما خلفه؛ فهنالك أجمع أمير المؤمنين والمؤمنون على تقليد السّيّد الأجلّ، الملك المنصور وليّ الأئمة محيي الأمة، سلطان الجيوش، أسد الدّين، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، أبي الحارث شيركوه العاضدي، عضد الله به الدّين، وأمتع
بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، أمر وزارته، وناط به أمانة سفارته، وأطلق يده بسيف الجهاد، وقلم الاجتهاد، وتدبير ما تحويه المملكة الفاطميّة من البلاد، وكفّله أمر خدمته التي استحقها بارتياد الرشاد، ورأى أن يكبت عدوّ الدين باصطفائه، ويكف عادية الشرك باستكفائه؛ واختار لتقدّمه عساكره، من اخترته أيّها الملك العادل لتقدّمه عساكرك، واستهدى منك هذه الجوهرة المعدومة من جواهرك، واستنزلك عن هذه الذّخيرة المصونة من ذخائرك، وآثر أن تؤثر به دولته التي تعدّ نصرتها من مآثرك؛ ولثقة أمير المؤمنين أنك تسمح له بكرائم لا يجود بها إلا من كان كريما، وتقسم بينك وبينه النجدة التي دعي بها والدك الشهيد رحمة الله عليه للدولة قسيما (( 1 )) ، أمضى هذا الرأي لمّا وضح صوابه، وانتهز فرصة هذا التوفيق لما فتح بابه، ورآه القويّ الأمين فاستأجره للإسلام وأهله، ومدّ عليهم ما كانت أعينهم ممدودة إليه من ظل عدله؛ ولما تمسك به المسلمون، لم يغلّ منه أيديهم المشدودة عليه؛ ولما اغتبط به أهل الدين، لم يصرفهم عمّا هداهم الحظّ إليه، وأمره أن يعدّ لحرب الفرنج عدّته، ويأخذ لغزوهم أهبته، ويطلبهم برا وبحرا، ويوسع لقتالهم درعا وصدرا، ويديل الإسلام من هدنة تظلّم منها إلى الله سرا وجهرا؛ وحرت (( 2 )) وأمير المؤمنين يراها مصابا يحتسب فيه عند الله جزاء، وعهد إليه أن يعمّر الأساطيل التي تقطع عن العدّ والإمداد، ويعمر سجون الدولة بالكافرين مقرّنين في الأصفاد، وأن يسكن المدن التي جنى عليها التدبير العاجز، ويثقل المعاقل التي كانت خالية المراكز؛ لتكون أيّها الملك العادل من وراء هذا العدو الكافر مستأصلا، ويكون وزير أمير المؤمنين للغارات عليه والغزوات إليه مواصلا، فيقطع في الشرك سيف الله
بحديه، ويميس الإسلام في نضرة برديه، ويبطش الحقّ في أعدائه بكلتا يديه، وغير بعيد من معونة الله أن تخفق على البيت المقدس رايات الدّولة الفاطمية، وراياتك التي تعدّ من راياتها، وتوجف عليها خيولها وخيولك التي النّصر أحد غرورها وشياتها، ونأخذ للملّة الحنيفية بطوائلها من طغاة الكفر وبغاتها، ويجري الله الدولة العلوية في النّصرة العلوية على ميراتها وعاداتها؛ فمن الآن قيل للونيّة: اذهبي، ونادى الإسلام: يا خيل الله اركبي، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
(( 1 )) وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
(( 2 )) .
وأمير المؤمنين يؤثر أن تؤثر دولته بهذا السّيد الأجل لتكون أيها الملك قد نصرته نصرا دائما، وقضيت من طاعته فرضا لازما، وسررته غائبا بحاضر، ووكلت بخدمته من ينوب عنك في النّصر المتظاهر، وأن تكاتبه بإلزامه بمقامه، وتهديه إلى دولته التي اغتبطت باستخدامه، وتهوّن عليه روعة فراقك؛ فإنّها ملفتة وجهه إلى شامه، وتسليه بثواب طاعة أمير المؤمنين التي فرضها الله بصريح كلامه، وتبعثه على ارتباط عدة من عسكرك المسير معه؛ يعاضد عساكر الدولة العاضديّة، وتزداد بها القوّة، وتتضاعف الحمية.
ولولا ما منيت به البلاد من تعاقب جوائح الجدب، وتناوب قوادح الحرب، وارتفاع الأسعار وعلوه، او عزة الأقوات وغلوها، لاستزدنا قوّة إلى هذه القوّة من عساكرك المؤيدة، ولما رأينا إعادة أحد منهم، بل بذلنا لهم الإقامة المؤبدة، ولكن إقامة من تحمله البلاد وتتسع له الموادّ، ويؤدى به ما فرضه الله سبحانه من الجهاد، مما تنتظم به بمشيئة الله الميامن والمناجح، وتقرّ أعين المسلمين بما يقضيه ويقتضيه من المنافع والمصالح، ويؤدى به ما يجب لله ولرسوله في خلقه من
الحقوق والنصائح، ويستكمل به ما ابتذلته من العمل الصالح.
والله سبحانه يمدّك أيّها الملك العادل، المعظم، الزّاهد، المجاهد، المؤيد، المنصور، المظفّر، نور الدين، ركن الإسلام والمسلمين، بمزيد نصره، ويحوطك بمعقّبات من أمره، ويجعلك ممن أخلص له في سره وجهره، ويحسن عن أمير المؤمنين مجازاتك، ويديم لدولته ذبّك عن حوزتها ومحاماتك.
فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمئة.
والعلامة بين سطريه الأولين بالخطّ العاضديّ (( الله ربّي )) .
فعاد الجواب النّوريّ على العاضد بامتثال ما أمر، وتكفل أسد أسد الدّين بحماية غيله واستمر، وكان ابن أخيه صلاح الدّين قد قتل شاور، وقال الفاضل:
قتل شاور وما شاور؛ قلت: وشاور وما شاور؟ وكتب بالخطّ الفاضلي عهد أسد الدين شيركوه بالوزارة، ولقّب الملك المنصور، وكتب عليه العاضد بخطّه (( 1 )) : هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، وتقليد طوق أمانة رآك الله وأمير المؤمنين أهلا لحمله، والحجّة عليك عند الله تعالى بما أوضحه لك من مراشد سبله؛ فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن خدمتك اعتزّت بأن اعتزت إلى بنوة النبوّة، واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
(( 2 )) .
ثم واتت أسد الدين منيته، وعاجله أجله، وولي ابن أخيه صلاح الدّين.
وكتب عهده بالخطّ الفاضليّ، ولقب الملك النّاصر، وكتب عليه العاضد بخطّه (( 1 )) :
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عند الله عليك، فأوف بعهدك ويمينك، وخذ كتاب أمير المؤمنين ناهضا بيمينك، ولمن قضى بجدّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن أسوة، ولمن بقي بتقلبنا أعظم سلوة، تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
(( 2 )) .
ثم كان الفاضل رحمه الله، هو الدولة الصّلاحية؛ كان كاتبها، ووزيرها، وصاحبها، ومشيرها، والحامل لكلّها، والحاكم في كلّها، والمجمرّ لبعوثها، والمتزر عند إقعاء ليوثها، والدائرة به مناطق بنيها، والسّائرة به شموس أيامها وبدور لياليها؛ فلهذا أذعنت لقلمه الرّماح، وطلبت صلح كلمه الصّفاح، وانقضت تلك الأيام وما فيها إلا بكر عشايا أو غرر صباح، ومع هذا كله كان لا يزال منكدا مبتلى، بضنى (( 3 )) قلبه وجسمه، ومرض همه وسقمه؛ يذكر هذا في كتبه وترسّلاته، وشكواه إلى إخوانه وأخدانه، ومما كتب في ذلك:
ولا يسأل سيدنا عن خاطر تزدحم فيه الأخطار، وعن ضلوع تسرح على النّار، وقلت: قد عدم الصّفاء في دار الأكدار، وجسم قد قارب أن يخلع المعار من الأعمار؛ ولقد دبّ الفناء فيّ عضوا عضوا، وأخذني الزمان جزءا جزءا، فكلّ يوم يذهب مني شيىء بعد شيء، ويكثر شبهي بالميت فيبعد عن الحي، ونعوذ بالله من نار غضبه، فإن آخر المخالط الكيّ.
قلت: ولهذا كان لا يتكلف مع السلطان سفرا في كل مرة، وإنّما كان العماد ينوب عنه؛ فإذا سافر كان هو المساير للسلطان إذا ركب، والمسامر إذا جلس، وكان إذا تأخر عن السلطان في بلد ناب عنه فيه، أو كان ردءا لمن ينوب من إخوة السّلطان وبنيه، ويكون هو القائم بالملك، القائل بالحياة والهلك.
ومما بلغ من سلطانه، ما حدّثني به أبو المحاسن بن عبد الله الكاتب المصريّ، قال: سمعت محيي الدين بن عبد الظّاهر، يحكي عن ابن قريش: أن الفاضل صحب السّلطان مرة في سفر، فنزلوا منزلا رخو الأرض كثير الطّين، وتوالى به المطر، وتعذّر السّلوك بين خيمة السّلطان وخيمة الفاضل، إلّا على من يسلكه بمشقة، فأمر السّلطان بنقل خيمته، وأن تضرب إلى جنب خيمة الفاضل، ويفتح بينهما باب حتى لا يقطع بينهما الوحل، ولا ينزعج الفاضل عن مستقره؛ وكان إذا غاب عن السّلطان تكاتبا، وبينهما مترجم بقلم توافقا على المصطلح عليه، فكانا يتكاتبان به ويتخاطبان على بعد الدّار بلسانه.
وكان القاضي الفاضل يكتب إلى سلطانه، ويشفع فيما يريد، كما يشفع الصّاحب إلى صاحبه، والصّديق إلى صديقه؛ وكان يسلّم في كتبه التي يكتبها إلى السّلطان على من أراد من أولاد السّلطان أو إخوته.
ووقفت له من ذلك على كتب كثيرة، منها ما هو بخطّ يده، ورأيت في بعضها أجوبة السلطان، وفي بعضها حروف المترجم بخطّ الفاضل، وخطّ السّلطان بإزائه.
ورأيت كتابا كتبه إلى السّلطان، وسلّم فيه على ولده الملك العزيز عثمان، وقال فيه:
والملك العزيز- أعز الله الدّين بجهاده- بين يدي المولى، مخصوص بتحية
يفضّ لديه ختامها، ويخصّ وفور الشوق غرامها (( 1 )) : [الكامل]
بتحيّة قد جئت فيها أوّلا ... ومن اقتفاها كان بعدي الثّاني
تهدى لذي النّورين لا تخطي الضّحى ... تسري ركائبها إلى عثمان
ورسولي السّلطان في إبلاغها ... والنّاس رسلهم إلى السّلطان
* وأما ما يدلّ على شيء من حال أوله: فوقفت بخطه على ما صورته:
كانت بين والدي رحمه الله وبين المرتضى الطرابلسي متولي الدّيوان بعسقلان، هنات ارتضعا أفاويقها، ولزما مواثيقها، فصحبا بها الأعمار، وحكّما فيها الأغمار، فكانت حربها سجالا، وأيامها أحوالا، إلى أن قضى الله سبحانه أن سبقه والدي إلى الحمام، وفرغت منه قبله الأيام؛ فقال لي رحمه الله وقد انقطع الحبل من يده، وعلم أنّ يومه لا يدفعه إلى غده: ما أرى فلانا إلّا سيوفيك ما أسلفته، ويقضيك الوعد الذي أخلفته؛ فقلت: أرى أن يكاتب بكتاب، تثبت فيه بخطك أسطرا، وتحلب فيه من الوعظ أشطرا، وتجعله كالوصية؛ فإن الذي بينكما من العداوة، قد أشبه المودّة لطول المدّة؛ فقال: هيهات، عناء ما وراءه غناء، ورقّة لا تحلّ بها ربقة، ولو أفردت الله تعالى بقصدك لكفاك، وأنت وذاك؛ فمثّل لي هذه المعاني والأقفال، وكان الحال في عدم النفع على ما قال.
والرسالة (( 2 )) : [الطويل]
ونم بعد أخذ الثّأر عنّي فطالما ... قطعت بي الدّنيا وأنت مسهّد
كتب العبد هذه الجملة- جعل الله لحضرة سيدنا البقاء الذي لا يحلّ الغير
ساحته، والأمد الذي لا يحصر العدد مساحته- وقد تقدّمها إلى محلّ المحاكمة، وجثا قبلها في موقف المخاصمة، ورفع الظّلامة إلى من لا يجوز عليه ولا منه الأحكام الظالمة، وأسمع داعي الرّحيل شفاها، ونأت به الدّار وشطّت نواها، ووضعت الآمال من يده عصا سراها، واستردّت الأيّام ما فرقته في جملة، وأشرفت به على مورد يطول بوارده النّهلة؛ وحسن الظن بالله تعالى قد وطّأ تحت جنبه مهادا، وآنسه عند النزول بلحده فرادى، وما سوى ذلك فمتى أخذ ضيف الكريم زادا؛ والحمد لله الذي نقل عبده من دار فناء إلى دار بقاء، ومن محلّ حجبه إلى محلّ لقاء، ومن الإقامة مع مسيء يخاف جوانبه، إلى القدوم على محسن ترجى مواهبه؛ وقد كان حكم القضاء سبق، وسهم القدر مرق، بتلك الهنات التي نال فيها ونيل منه، والأغراض التي حامت عنها وحميت عنه، والدّهر فيها يومان، والحرب بها طعمان، فيوم يكون له متحمل فيكون ظفره مشبها بالهزيمة، ويوم يكون عليه متحمل فيكون هزيمته مشبهة بالغنيمة؛ هذا وقد كانت هذه الحضرة- وطاعتها تعصيها- تكثر الجراح، وتناول يدها عنان الجماح، ويبقى لإيلامها فيه آثار الصّفاح، فما مات حتّى ماتت حقوقها، واعتلّ من طول الضراب حديدها، وقد بقي بعد أن رأت بعده، وتجاوزت في الحياة حدّه، أمران هما آخر رتبة اللّوم، وأقصى غاية الملوم، وهي الشماتة، وتلك خديعة الطبع العاجز، وطبيعة الخرق الخانز (( 1 )) ، وبديعة لا يركبها من مركبه الجنائز؛ وما لجرح بميت إيلام (( 2 )) ، وتلك سبيل لست فيها بأوحد (( 3 )) ؛ والأخرى
تتبّع الخلف بجناية السلف، وأخذ الوارث بجزيرة المورّث، وهذه محافظة في العداوة، ومطاوعة على القساوة، فيها لحكم الله ردّ ظاهر، وجرأة عليه تعجل عقبى الجائر، وسوء مقدرة لا تبعد أن يغضب لها القادر، واستئناف حرب خاسرها الرابح ومخذولها الظّافر؛ وقد أكثر الناس المدح لحفظ موات الأموات، ومصافاة أهل العظام والرّفات؛ فإمّا المكافاة وهم في كفاة اللّحود، أو المظاهرة بالعداوة لهم وهم في ضمائر القبور رقود؛ فما عهد مهده البدعة قائم، ولا على هذه الشرعة حائم، وحوشيت من أن تحشر من بين الأمة أمة وحدها، وتطيع العصبية فتجاوز سمت المروءة وتتعدّى حدّها.
هذا وقد استفتحت الخطاب ببيت، إن ألمّ بما ألمّ به في معناه، فإنه لا يريد أن يتبعه بما يشيد مبناه، وهو أنها رأت في صحائف التجارب وتواريخ الأعاجيب، أنه قل ما تقاول فحلان، وتصاول بطلان، إلا استويا في الدنيا النصيبين، وكانا إلى منهال من وردهما قريبين، وكان سابقهما طليعة التالي، وأولهما مقدّمة الثّاني؛ وإذا كان الله قد أفردها بمدّ طلق البقاء، وخلّفها لينظر كيف تعمل فيما أمتعها به من النّعماء، فالأولى أن تحفظ عبدها في أيتامه، وتخلف عليهم ما غرمه في أيامه، وتصون مخلّفيه من هتك الأستار، وحطّ الأقدار، وتشفي من لا خلاق له من الأشرار، وتعطيهم بما أطال الله من ذيول أنوائها، وتحتسب بالحسنة فيهم مع ما كثر الله من ذخائر ثوابها، ولا يزعج مخلّفوهم بالشكوى إليه في الدّار التي ثوى بها، فإنّها بحيث ترفع الظّلامة إلى قريب، من مكان قريب، وإن سمع الميت ولم يجب فإن الله يسمع ويجيب: [الطويل]
تقصّى الذي قد كان بالأمس بيننا ... وأسكتني دهري فهل يسكت الدهر
وهو يحلّها من كل ما ارتكبت فيه، وأطاعته من موارد الأوهام إن حفظت
وصية الله تعالى السابقة لوصيته في هؤلاء الأيتام؛ فأما إن أتبعت القادحة بالقادحة، وأشبهت اللّيلة بالبارحة، فالحساب يبقى عليها مدة بقائها بعده، ويفضل به عندها ما لا تجد فضله عنده، لانقطاع عمله واتصال عملها، وإغضاء طوله وامتداد طولها، وعند الله تجتمع الخصوم (( 1 )) ، ويضرب على يد الظلوم قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
(( 2 )) .
* وأما نثره فمنه قوله: وقد كان يقال: إن الذهب الإبريز لا تدخل عليه آفة، وأن يد الدهر البخيلة عنه كافة، وأنتم- يا بني أيوب- أيديكم آفة لا تقايس الأموال، كما أن سيوفكم آفة تقوس الأبطال، فلو ملكتم الدّهر لأمطيتم لياليه أداهم، وقلدتم أيامه صوارم، ووهبتم شموسه وبدوره دنانير ودراهم؛ وأوقاتكم أعراس، وكان بما تم فيها على الأموال مآتم؛ والجود خاتم في أيديكم، ونقش حاتم في نقش ذلك الخاتم.
ومنه قوله: أدام الله أيام الديوان العزيز ممهدة لمن رضيت (( 3 )) عنه درجات الجنة، منتثرة على من سخطت عليه كواكب الأسنة، مغرقة لمن يغرق في طاعتها بحار الأعنة، مبشرة النفس المتطامنة لولائها بأنها النفس المطمئنة، وأسبغ نعمه فإنّ النعم في ضمنها، وملأ الآمال بمنّها، وأفاض أنوارها التي قد علم قرن الشمس أنه غير قرنها، وأمضى سيوفها التي تعرب فيغرق ضمير النصر في لحنها، وأعلى آراءها التي تلتقي العداة بدرع يقينها، وتلقى الغيوب بسهم ظنها، ولا برحت راياتها
سويداوات قلوب العساكر، وأجنحة الدّعاء المحلّق إلى السماء من أفق المنابر.
ومنه قوله: سرنا وروضة السماء فيها من الزهر زهر، ومن المجرة نهر، والليل كالبنفسج تخلله من النجوم أقاح، أو كالريح شمله من الرّمح جراح، والكواكب سائرات المواكب لا معرّس لها دون الصبّاح، وسهيل كالظمآن تدلّى إلى الأرض ليشرب، أو الكريم أنف من المقام بدار الذّلّ فتغرب، فكأنه قبس تتلاعب به الرياح، أو زينة قدمها بين يدي الصباح، أو ناظر يغمضه الغيظ ويفتحه، أو مغنى يغمصه (( 1 ))
الحسن ثم يشرحه، أو صديق لجماعة الكواكب مغاضب، أو رقيب على المواكب مواظب، أو فارس يحمل على الأعقاب، أو داع به إليه وقد شردت عن الأصحاب؛ والجوزاء كالسّرادق المضروب أو الهودج المنصوب، أو الشجرة المنورة، أو الحبر المصورة؛ والثّريا قد همّ عنقودها أن يتدلّى، وجيش الليل قد همّ أن يتولّى.
ومنه قوله: وأما النيل فقد ملأ البقاع، وانتقل من الإصبع إلى الذراع، فكأنما غار على الأرض فغطّاها، وأغار عليها فاستقعدها وما تخطّاها، فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه، ولا مرغوب مرهوب إلّا إياه.
ومنه قوله في جواب كتاب بعثه العماد الكاتب (( 2 )) في ورق أحمر، فقطعت العرب الطريق على حامله وأخذوه، ثم أعادوه:
ووصل منها كتاب بآخر جرابه، لأن العرب قطعوا طريقه، وعقّوا عقيقه، ثم أعادوه وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره، ولا ألبابهم أن تسيغ خمره، ولا
سيوفهم أن تكنس يتيمته، ولا عراضهم أن تأخذ لطيمته؛ فقطف ورده من شوك أيديهم، وحيا حياه الذي جلّ عن واديهم، وحضر منه حاضر الفضل الذي ما كان الله ليعذبهم بالغربة في بواديهم، وتشرف منه بعقيلة الأنس التي ما كان الله ليمتحنها بقتل واديهم، وسألته: بأي ذنب قتلت؟ وأيّ شفاعة فيك قبلت؟
فقال: عرفت الأعراب بضاعتها من الفصاحة، وتناجدت أهل نجد فكلّ صاح: يا صباحه، وقالوا هذه حقائقنا السحرية، وهذه حقائبنا الشّحريّة، وهذه عقائدنا السّرية محمولة، وهذه مواريث قيسنا وقسّنا المأمولة، فقيل لهم: إنّ الفصاحة تنتقل عن الأنساب، وإنّ العلم يناله فرسان فارس ولو كان في السحاب (( 1 )) ، فدعوا عنكم ثمرا علق بشجراته، واتركوا نهبا صيح في حجراته، وأنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ ثم لممته على الشعث، وأحللت به بعد الإحرام، فاستباح الطّيب وحاشاه من الرّفث.
ومنه قوله: والأسر ذلّ ما بعده عزة، وأثر السلسلة يمنع معاطف الهزّة، والملسوع يفزع من الحبل، والجريح يعلم أن الجرح باب القتل.
ومنه قوله: وقد طيّب لمماليكه الحياة في إنعامه، وهوّن عليهم الممات لثقة كل منهم باهتمامه بأيتامه؛ فالوارث يرث من أبيه النّسب، ومن كرم مولانا النشب.
ومنه قوله:
وبوّرت رماح نصلها الطّعن، فكأنها غصون قطعت أزهارها؛ ويغادر غدران الدماء فكأنها رياض عطفت أنهارها.
وقوله من رسالة يصف آمد (( 1 )) : وآمد ذكرها من العالم متعالم، وطالما صادم جانبها من تقادم، فرجع عنها مقروعا أنفه وإن كان فحلا، وفرّ عنها فريدا بهمه وإن استصحب خيلا ورجلا؛ ورأى حجرها فقدّر أنه لا يفك له حجر، وسوادها فظن أنه لا يفسخه فجر، وحميّة أنف أنفتها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر من ملوك كلهم قد طوى صدره على الغليل إلى موردها، ووقف وقفة المحب السائل فلم يفز بما أملّ من سؤال معهدها.
وله من أخرى يصفها: وهي العقيلة التي صدر الصّدر الأول محلأ عن ورودها، والخريدة التي حصل منها على راحة يأسه وتعب طردها؛ والمحجّبة التي كشفت ستورها، ودار لعصمتها كسوار معصمها سورها، وغلت على أنها السوداء على خطابها لأن المهج مهورها؛ ولربما نأى بجانبها الإعراض، ونبا جوهرها عن الأعراض، وطاشت دون أوصافها سهام الأغراض؛ ودرجت الملوك على حسرتها، فلم تحسر لها لثاما، ولا استطاعت لثغرها ثلما ولا له التثاما.
وله من أخرى يصف قلعة نجم (( 2 )) ، وهي من عيون الرسائل، منها: هي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب (( 3 )) ، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة
إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة، عاقدة حبوة صالحها الدهر أن لا يحلها بفزعة، نادبة عصمة صافحها الزمن على أن لا يروعها بخلعة، فاكتنفت به عقارب منجنيقات لم تطبع بطبع حمص في العقارب، وضربتها بحجارة أظهرت فيها العداوة المعلومة في الأقارب، فلم يكن غير ثلاثة إلّا وقد أثرت فيها الحجارة جدريّا بضربها، ولم تصل إلى السابعة إلّا والنّجران مؤذن بنقبها، فاتسع الخرق على الراقع، وسقط سعده عن الطالع، إلى مولد من هو إليها طالع، وفتحت الأبراج فَكانَتْ أَبْواباً، وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
(( 1 )) .
ومنه قوله: ومن اعتقل خصما فقد ملك قياده، وأمن شراده، وصار تحت ختمه، وحبس جسمه في حصنه، وقلبه في جسمه؛ وإذا كان الله قد أعطانا البلاد وهي آلة المقيم وأعطاهم المراكب، هي آلة الظّاعن الهارب، فقد علمنا لمن عقبى الدار؛ وقد نقلهم الله نقل قوم نوح من الماء إلى النّار، وقد وريت بمولانا للإسلام زناد، وذاك الزّناد هو السيف القاضب، [و] المستطير من شرره هو دفع الدّم السّاكب.
ومنه قوله: وعرف المملوك ما يكا بده مولانا، وكلّ يعين الله، وما تغلو الجنّة بثمن؛ ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
(( 2 )) الغمرات ثم ينجلينه (( 3 )) ؛ فإنّك نصل والشّدائد للنّصل، وكلّما اشتدّ
الخناق قوي اليقين؛ إنّ الله يريد يعظم موضع الفرح: [الكامل]
والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أدراك كيف نعيمها
(( 1 )) لا زعزعتك الخطوب يا جبل؛ كل ما يمرّ بمولانا من المغائظ ومن تثاقل الأولياء يتحمله ويحمله الله، ويعلم أن الطباع البشرية يستولي عليها الضجر، ويعلم أن الذي يطلبه من الناس أعظم من الذي يدفعه إليهم؛ فإنه يعطيهم الأموال ويطلب منهم الأرواح، ولا بدّ من تلطّف الترفيه فيمن يستنزل عن نفسه، وأين من يجود بها؟ ألا قليل ما هم: [من الوافر]
وقد كانوا إذا عدّوا قليلا ... فقد صاروا أقلّ من القليل
(( 2 )) ومنه قوله: فسبحان من جعل آراءه في الظّلمات مصابيح، وفي المشكلات مفاتيح، ويده إذا امتطت الأقلام بارت الغمام، وإذا اتّشحت بالأعنّة بارت الريح؛ وباب مولانا ميدان العلى، ومجلسه معرض الحلى، وترابه غرر وجوه السادة الألى.
ومن أخرى في فتح بيت المقدس، شرفه الله تعالى، ومنها (( 3 )) : وأتينا المدينة من جانب، فإذا هو أودية عميقة، ولجج وعر غميقة (( 4 )) ، وسور قد انعطف عطفة السّوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقر الدار، وقدّم المنجنيقات التي تتولّى عقاب الحصون، عصيّها وحبالها، وأوتر لهم قسيّها التي تضرب ولا تفارقها سهامها ولا نصالها، فصافحت السّور، فإذا سهامها في ثنايا
شرفاتها سواك، وقد قدم النّصر نسرا من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض، ويعلو علوّه إلى السّماك، فشجّ مرابع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها، ورفع مثار عجاجها، وأسفر النّقّاب عن الخراب النّقاب، وأعاد الحجر إلى خلقته الأولى من التّراب، ومضغ سرد حجارته بأنياب معوله، وأظهر في صناعته الكثيفة ما يدلّ على لطافة أنمله، وأسمع الصّخرة الشّريفة أنينه، إلى أن كادت ترقّ لمقتله.
وله أيضا من أخرى: فنصبنا عليها المنجنيقات تمطر سماءها نبال الوبال، وتملأ أرضها بالنكاية والنّكال، وتهدّ بساريات حجارتها راسيات الجبال، وتنزل نوازل الأسواء بالأسوار، وتوسع مجال الدّوائر في الدّيار، وتخطف بخطّافاتها أعمار الأغمار؛ وتطير حمامها بكتب الحمام، وتديم إغراء سهامها في أهلها بتوفير سهام؛ وكشف النّقّابون السّور المحجوب فتهدم بنيانه، وتداعت أركانه، بتظاهر المنجنيقات عليها والنّقوب.
ومنه قوله: في ليل كموج البحر (( 1 )) ، له أنجم كحبب النّهر، قد حشر الهموم وحشدها، وهدى ضوالّها للقلوب وأنشدها، فأقول له لمّا تمطّى بصلبه (( 1 )) : قطع الله صلبك؛ ومتى أرى عمود الصّباح: قد عجّل الله عليه صلبك.
ومنه قوله: ولنا من الجيران من يجوز، ويظنّ أنه إلى الله لن يحور، ويصدّق وعد
الشيطان، وما يعده الشيطان إلا الغرور، ويصدر عنه كلّ عظيمة المورد، ويجهل أن الله عليم بذات الصدور، ويظن أنه يرث الأرض، وينسى ما كتب الله في الزّبور، وينشد ضالة الولاية بجيشه وبيته وما يقبل بيت مكسور، ولا يضمن النصر جيش مكسور.
ومنه قوله: والمسؤول أخذ دستور لمملوكه للحجّ في هذه السنة، فقد جفا بيت الله جفوة طويلة، واشتاق إلى زورة، وتمامها أن يكون المولى فيها الوسيلة، وقد تحقق المملوك أنّ المولى يلبيه ولا يحرمه، فكاد يلبّي ويحرم، ولولا أن ذكره وذكر والده كمسّ المسك، لكان على هذا العزم يتمم ويحزم، وما ينقطع مرافق خدمه ولا منافع لسانه وقلمه عن الدولة الناصرية، فقد كان حج فحشد جيوش الليل، وفوقوا سهام الأسحار، وأعانوا في تلك السنة سلطان الدّنيا وجنود النهار، وما يدّعي المملوك في الدعاء رتبة المجاب، ولكن في الحشد رتبة السمسار.
ومنه قوله: فوضعت يدا فيه وقدما على النجم، ورشفته على حر الوجد بارد الظّلم، وصرفت به عن الخاطر كل همّ، فما بشاره بعده ولا هم.
ومنه قوله: وأما خلعه الكرى على العشاق (( 1 )) ، فهي عوائد سماحة، ومن أشرق كإشراقه، فما يكون أبدا في ليله، إنما يكون في صباحه، فما ضرّه أن يهب ما لا
تدعو إليه حاجة، وأن يخلع ديباجة كراه كما يخلع ديباجه.
ومنه قوله: وهمّ بأن يأخذ من كلام سيدنا في كتابه، فيعيد إليه حلاله؛ فإنه ما وجد لفضله أوصف من وصفه، ولا أكشف لبراعته من كشفه، ثم استحيا من ريبة يسوّد لها وجوه الأقلام، وأشفق أن يأكل أموال الناس بالباطل ويدلي بها إلى الحكام (( 1 )) .
ووصف أيضا المنجنيق من رسالة، فقال: فسلّمت كأنها بنان، ونضنضت كأنها لسان، وأضاءت كأنها مارج من نار، واهتزت كأنها جان، وتقومت كأنها سنان، وانعطفت كأنها عنان، وأقدمت كأنها شجاع، وأحجمت كأنها جبان، ورمت رؤوسهم الموفّرة من أحجارها بأمثال الرءوس المحلّقة، فأعادتهم إلى الخلقة الأولى مخلقة وغير مخلقة.
ومنه قوله: وكأن الثّريا لجام مفضّض في أدهم الليل، أو غثاء حمله داهم السيل، أو جيب جود زره اللباس، أو كفّ تفصّل الأفق على الليل بقياس.
ومنه قوله: أطال الله بقاء المجلس إلى أن يقضي للكفر أعمارا، ويملك منهم رقابا وديارا، ولا يذر على الأرض منهم ديارا، ولا يصلوا أن يضلّوا العباد ولا يبلغوا أن يلدوا فاجرا كفارا؛ (( 2 )) وإلى أن يغرقهم من دمائهم في طوفان، وإلى أن يعرضهم على الجذوع فيكونوا عنده صلبان كالصلبان.
ومنه قوله: خدمة المملوك واصلة من يد الشريف فلان، وهذا الشريف قد زكى نسبه بأعمال صالحة، وعمله بسيرة ناصحة، وله عائلة هي وإن كانت غلا، فقد فسحت خطاه في الانتجاع، وبه فاقة هو وإن كان في ضائقتها فقد بعثته في الأرض على الاتساع، ولمّا قلب طرفه في سماء القصد، هدي إلى قبله مولانا التي يرضاها كل متوجه، وإلى هدف المدائح الذي تسدّد إليه سهام كل ألكن ومفوه، فإن رأى مولانا أن يشفع فيه جدّه شافع البشر، ويلين حظّه فإن حظّه كالحجارة أو أشدّ قسوة من الحجر.
ومنه قوله: (( 1 ))
ورد كتاب المجلس، ومرحبا بمقدمه وأهلا بمنجمه، والسّوق تختلف نقود صروفه، وتتنوع صنوف ضيوفه، فلابد أن تنبعض إذا انبعضت المسافات، ولو أنه إلا بمقدار ما يدنو اللقاء على الرسول السّائر، بالكتاب الصّادر، والخيال الزائر، بالحبيب الغادر، والنّسيم الخاطر، من رسائل الخواطر، ويقرّ به طرف الناظر من الصديق الحاضر؛ ووقفت على هذا الكتاب المشار إليه، وما وقفت عنه لسانا شاكرا، ولا صرفت عنه طرفا ناظرا، وبلغت من ذلك جهدي وإن كان قاصرا، واستفرغت له خاطري وما أعدّه اليوم حاضرا؛ ومما أسرّ به أن يكون في الخدمة السلطانية، أعلاها الله ورفعها، ووصلها ولا قطعها، وألّف عليها القلوب وجمعها، واستجاب فيها الأدعية وسمعها، من يكثر (( 2 )) قليلي، ويشفي في تقبيل الأرض غليلي، فإن تقبيل سيدنا كتقبيلي؛ فلو شرب صديق وأنا عطشان
لأرواني، ولو استضاء بلمعة في الشرق وأنا في الغرب لأراني، كما أنّ الصديق إذا مسته نعمة وجب عنها شكري، وإذا وصلت إليه يد منعم وصلتني، وتغلغلت إليّ ولو كنت في قبري.
ومنها (( 1 )) : وأعود إلى جواب الكتاب: الأخبار لا تزال غامضة إلى أن نشرحها، ومقفلة إلى أن نفتحها، بخلاف حال خادمها مع الناس؛ فإنّ القلوب لا تزال سالمة إلى أن تجرحها، والهموم خفيفة إلى أن ترجحها؛ وفي الخواطر في هذا الوقت أمور موجودة نجعلها في العدم، ونخرجها من الألم إلى اللّمم، ونعادي بين الأسماع والألسنة، وبين العيون والقلم؛ والقلوب بيد الله سبحانه، وعليها بالاستجارة والاستخارة، فتلك تجارة رابحة، وكلّ تجارة لا تخلو من خسارة؛ والله تعالى يجمع كلمة المسلمين على يد سلطاننا، ولا يخلينا منه ومن بنيه حلى زماننا وسيوف أيماننا، ويسعدنا من أكابرهم بتيجان رؤسنا، ومن أصاغرهم بخواتم أيماننا؛ ولقد تفرغت العزمة الفلانية لهذا الكتاب (( 2 )) ، ولو ذكرت السلطان بالعدو فيرجم كلبه، ويكفّ غربه، ويذيقه وبال أمره، ويطفئ شرار شره، ويعجل له عاقبة خسره، فقد غاظ المسلمين وعضّهم، وقتل جموعهم وفضّهم؛ ولو جعل السلطان عزّ نصره غزو هذا الطاغية مغزاه، وبلاده مستقر عسكره ومثواه، لأخذ الله الكافر بطغواه، كما أخذ ثمود بطغواه، ولأبقى ذكرا.
وقوله (( 3 )) : وللمودّة عين لا يكحلها إذا رمدت إلّا إثمد مداد الصّديق، وما في الصبر
سعة لصحبة أيام العقوق، بعد صحبة أيام العقيق؛ وقد بلغني أن ولد المذكور خدم في المجلس السلطاني، وسررت بأن يجتمع في خدمته الأعقاب والذّراري، وتطلع في أفقه الأقمار والدّراري؛ والله تعالى يحفظ علينا تلك الخدمة جميعا، ولا يعدمنا من يده سحابا ومن جنابه ربيعا، وللمودات مقرّ ما هو إلّا الألسنة، والقلوب قضاة لا تحتاج إلى بينة.
ومنه قوله يذكر كتابا جاءه في ورق أخضر: ولمّا تناولته في الحلة الخضراء، مخطرا بسريرة السراء، قلت: الله أكبر، من كان خاطره غيثا روّض، وفاض فأعشب فذهّب ففضّض، وما شككت أنّي دخلت الجنة لما فاض من أنهارها، وأفيض من سندسها، أو طلعت إلى سماء الدّنيا لما ملأ سمعي وعيني من شهبها وحرسها، ولا أنني قد جاءتني رسالة الرّوض الأرج لما فغمني من نفيس نفسها؛ فقلت لصحيفته: ما هذه اللّبسة الغريبة، والحلية الحبيبة والورقة، التي هزّت عطفيّ في ورق الشبيبة بعد رداء المشيب، والريحانة التي لا يدعيها عذار حبيب؟ فقالت (( 1 )) : [المتقارب]
شققنا مرائر قوم [به] ... فنحن نسمّيه شقّ المراره
ومنه قوله: وكيف ما حل أهل هذا البيت، فهم في كل بيت صدوره، وفي كل مطلع نجومه وبدوره، لا تذلل أنوارهم بإشارة الأصابع، ولا تبتذل أقدارهم في مصونات المجامع؛ كأنّ الأرض بهم سماء فإنهم طوالعها، وكأن الدّنيا بهم رياض فإن أوجههم دهرها، وأيديهم مشارعها.
ومنه قوله: وقد أثمر هذا القلم أكرم الثمر وهو يابس، وأبرّ جودا على أخضر المغارس، وأتى أكله كلّ حين وكلّ وقت، وطال وإن كان القصير يقصّر عنه كل نعت؛ ووصل كتابه فأكرم به من ساق وحبيب، وخلوت به وليس علينا ولا بيننا من الأنام رقيب، وقبلت منه خدّا بل يدا، وأجلّه عن أن يكون نسيبا للنّسيب، وهزرت منه قضيب بان للعلى يجتنيها بفتكة القضيب.
ومنه قوله: والفترة مسطّرة أن ينفخ الرّوح في صريعها، ويرشّ نور الشمس على وجه صديعها، وإلّا فإنه مغشى عليه، مغشيّ بليل تحته فقد قريب بنات نعش إليه.
ومنه قوله: ومن مستهلّ ذي الحجّة ما استهل من يده كتاب، ولا استقل من تلقاء جهته سحاب، ولعل قلمه في الميقات قد أحرم، فلم يمسّ الطيب من أنفاسه، ومسح المداد عنه لتمام الإحرام بكشف رأسه، والآن فقد انقضت الأيام المعلومة، فهلّا قضى عنا الأيام التي تمادت فيها شقوة العيون المحرومة.
ومنه: وعليه السلام الطيب الذي لو مرّ بالبهيم لأشرق، أو بالهشيم لأورق، وكتبها الكريمة إن تأخرت فمأمولة، وإن وصلت فمقبولة، وإن أنبأت بسارّ فمشهورة، وإن أنبأت بسرّ فمشورة.
ومنه قوله:
وأما ما ذكره من القرض، فلم يزل القرض للذّرّية الأيوبية- أعاذها الله من الانقراض- ميسم كرمها، وعنوان علوّ هممها؛ فبيوت أموالهم في بيوت رجالهم، وعقد أيامهم في قلوب خدّامهم، والكنوز التي جعلها الماضون سبائك في التّراب، جعلها ملوكنا قلائد في الرقاب؛ فهم يتحملون بالقرض ويفتخرون؛ وإذا ادّخرت الملوك في أيدي أنفسهم مالا، فهؤلاء في أيدينا يدخرون.
ومنه قوله: (( 1 ))
وصل كتاب الحضرة، وصل الله أيامها بحميد العواقب وبلوغ المآرب، وصحبت الدّهر على خير ما صحبه صاحب، وأنهضنا بواجب طاعته فإنّه بالحقيقة الواجب، وكلّ واجب غيره ليس بواجب، من يد فلان، ورجوت أن يكون طليعة إلى الاقتراب، ومبشّرا بالإياب، ومخبرا بعودها الذي هو كعود الشّباب لو كان يعود الشباب؛ وعرفت الأحوال جملة من كتابها، وكلها تشهد بتوفيق سلطانها، وبأيامها التي تعود بمشيئته بإصلاح شأنه وشأنها، والذي مدّه ظلا يمدّه فضلا؛ فالفضل الذي في يديه في يد خلق الله، والذي أحالهم بالرزق عليه، فكيف ما دعونا له [دعونا] لأنفسنا، وكيف ما كانت أسنّة رماحه فهي نجوم حرسنا، فلا عدمت أيامه التي هي أيام أعيادنا، ولا لياليه التي هي ليالي أعراسنا (( 2 )) .
ومنه قوله: وهذا أفق لا مطار فيه إلّا للعقاب وابنه، وبحر لا مسبح فيه إلّا لمن يخرج الدّرّ من فيه ويدخل البحر في ردنه؛ وما عنيت بالبحر هنا إلّا يده الكريمة، فأمّا البحر فلم أعنه؛ وأغرقتني في البحار وأنجيتني منها، وعرّفتني وزن خواطر البلغاء،
ولولا عروض خطره لم أزنها؛ زاد الله في هذه الأنفاس، وفديت هذه العقائل التي أيامي بها أعياد ولياليّ أعراس.
ومنه قوله: وما يأتيني من المجلس من ذكر محدث يسرّ به المحدّث، وخبر يتأثّل به الآنس ويتأثث، إلّا استمعته؛ ولسمعي على قلبي المنّة، وفتحته كأنما فتحت لي أبواب الجنة، وتناولته كأنما تناولت كتابي بيميني، ورفعته فكأنما رفع التّاج فوق جبيني، وقابلته بالحمد فكأنه عرض كاتبه، وقرنته باللّثم فكأنّي ظفرت بيد صاحبه.
ومنه قوله: وأصدرت هذا الكتاب مقصورا على أجوبة كتبه التي كتبت لي عهدة الشكر، وأباحت في شهر الصّيام كؤوسها السّكر.
ومنه قوله: وكتبته وشعبان قد وصل إلى أعقابه، وقمره الممحوق قد بعثه رمضان بكتابه؛ فجمع الله لسيدنا منهما كلّ خير يستحقّ جمعه، وأعلى يده التي سألها الكرم لم تر منعه.
ومن أجوبته (( 1 )) : ورد على الخادم- زاد الله أيام المجلس وأصفاها من الأكدار، وأبقى بها من تأثيراته أحسن الآثار، وأسمع منه وعنه أطيب الأخبار، وجعل التوفيق مقيما حيث أقام، وسائرا أينما سار- كتابه الكريم، الصّادر عن القلب السليم، والطبع الكريم، والباطن الذي هو كالظّاهر، كلاهما المستقيم، ولا تزال الأخبار عندنا
محجمة، والأحاديث مستعجمة، والظّنون مترجحة، والأقوال مسقمة ومصحّحة، إلى أن يرد كتابه فيحقّ الحق ويبطل الباطل، ويتضح الحالي ويفتضح العاطل، ويعرف الفرق ما بين تحرير قائل، وتحوير فائل، فتدعو له الألسنة والقلوب، وتستغفر بحسناته الأيام من الذنوب، والشجاعة شجاعتان، شجاعة في القلب، وشجاعة في اللّسان، وكلاهما لديه مجموع، ومنه وعنه مرويّ ومسموع، وذخائر الملوك هم الرّجال، وآراء الحزماء هي النّصال، ومودات قلوبهم هي الأموال، ومجالس آرائهم هي المعركة الأولى التي ربّما أغنت عن معارك القتال؛ والله تعالى يجدّد للمسلمين به حالا يجمعهم على جهاد الكفار، ويلهمهم أن يبذلوا في سبيله النفس والسيف والدرهم والدّينار، ويزيل ما في طريق المصالح من الموانع، ويفطم السّيوف عن الدماء الإسلامية ويحرّم عليها المراضع، ويجعل للمجلس في ذلك اليد العلى والطريقة المثلى، ويجمع له بين خير الأخرى والأولى؛ والأحوال هاهنا بمصر مع بعد سلطانها، وتمادي غيبته عن سائر شأنها، على ما لم يشهد مثله في أوقات السّكون، فكيف في أوقات القلق، وعلى ما يحفظ الله به من في البلاد من الجموع، ومن في الطّرقات من الرّفق.
ومنه قوله: ومن اللّطف في كون الحضرة كتبتها عجلة، وروّجتها مرتجلة، وأصدرتها في حالة المتبذل، ولم تعرها ناظر المتأمّل، وإلّا فلو [تأنيت] (( 1 )) لأرسلت البوارق والصواعق؛ وما أصنع؟ وما كلّ من جاشت بحاره، وقذف درّة بحاره، أغرق الإخوان في لججه، وأخرس اللهجان بحججه.
ومنه قوله:
وصل كتاب الحضرة لا زالت رياض ثنائها متفاوحة، وخطرات الردى دونها متسارحة، والليالي بأنوار سعودها متلألئة، والأيام الجافية عن بقية الفضل منها متجافية؛ باركة للمجد منها فيه، يتخير إليها المكرمات إذا لم يكن لها فيه، فأنشده ضالة هدى كان لنشدانها مرصدا، ورفع له نارا موسويّة، سمع عندها الخطاب، وآنس الخبر، ووجد الهدى؛ وكانت نار الغليل بخلاف نار الخليل، فإنّها لا تقبل ندى الأجفان بأن يكون بردا وسلاما، ولا يزايدها نداها إلّا كانت أضرى ما كان ضراما.
ونعود إلى ذكر الكتاب الكريم: وسجد لمحرابه وسلّم، وحسب سطوره مباسم تبسّم، ووقف عليه وقوف المحبّ على الربع يكلمه ولا يتكلّم، ويبطل جفنه وكأنّ جمادى بدمعه وكأنّ على خدّه المحرّم؛ فالله المسؤول لها في عاقبة حميدة، وبقية من العمر مديدة؛ فإنها الآن نوح أهل الأدب، وطوفانها العلم الذي في صدرها، ولا غرو أن يبلغ عمره كعمرها، على أنها طالما أقامت الحدّ على الدّنيا حتى بلغت في حدها الثمانين، وأدبت الأيام بسلاح الحرب من سيفها وسلاح السّلم من قلمها تأديب المجانين، وما حملت العصا بعد السيف إلا وقد وضعت الحرب أوزارها، ولا استقلت بأنه موسى إلا لتفجّر الخواطر وتضرب أحجارها، وما هي إلّا رمح، وكفى بيدها لها سنانا؛ وما هي إلّا جواد يحتثّ السّنين خلفها، فتكون أناملها لها عنانا.
ومنه قوله (( 1 )) : ورد كتاب الحضرة السامية، أحسن الله لها المعونة، ويسّر لها العواقب المأمونة، وأنجدها على حرب الفئة الكافرة الملعونة، يخبر بخروج الخارج من قلعة
كذا، وما صرّح به من الخوف الذي ملأ الصّدور، والاستحثاث في مسير العسكر المنصور؛ وكلّ قضية وردت على القلوب، ففزعت فيها إلى ربّها فرجت فرجه، وأذكى لها اليقين سرجه، ولم تشرك معه غيره مستعانا، أو لم تدع معه من خلقه إنسانا؛ فما القضية وإن كانت منذرة إلّا مبشّرة، والخطّة وإن كانت وعرة إلا مبشرة؛ لا جرم أنّ هذا الكتاب أعقبه وصول خبر نهضة فلان نصر الله نهضاته، وأدّى عنه مفترضاته، واستنهض العساكر، وقوبل العدوّ الكافر، فنفس ذلك الخناق، وتماسكت الأرماق؛ وما أحسب أنّ الأمر يتمادى مع القوم؛ بل أقول: لا كرب على الإسلام بعد اليوم؛ يتوافى بمشيئة الله ولاة الأطراف، ويرقل من نفس العدوّ وسمعه ما استشعره من المسلمين من الخلاف، ويجتمعون إن شاء الله على عدوّهم، ويذهب الله بأهل دينه ما كان من فساد أعدائه في أرضه وعلوّهم؛ وقد شممنا رائحة طلب الهدنة بطلب الرسول، وبخبر هلاك ملك الألمان الذي هو بسيف الله مقتول، والموت سيف الله على الرقاب مسلول.
ومنها: فأما ما أشار إليه من القلاع التي شحنها، والحصون التي حصّنها، والأسلحة التي نقلها إليها، والأقوات التي ملأ بها عيون مقاتليها ويديها، فإن الله يمنّ عليه بأن يسره لهذه الطاعة، ورزقه لها الاستطاعة، فكم رزق الله عبدا رزقا حرمه منه، وفتح بابا من الخير وصرفه عنه؛ الآن والله ملك الملك العادل ماله الذي أنفقه، وأودعه لخير مستودع من الذي رزقه؛ وشتان بين الهمم همّة ملك ذخر ماله في رؤوس القلاع لتحصين الأموال، وهمة ملك أودع ماله في أيدي المقاتلة لتحصين القلاع (( 1 )) : [الكامل]
بيني الرّجال [وغيره] يبني القرى ... شتّان بين مزارع ورجال
والحمد لله الذي جعل ماله (( 1 )) له مسرة، يوم يرى الذين يكنزون الذّهب والفضة المال عليهم حسرة؛ ما أحسب أحدا من هذه الأمة إن كان عند الله من أهل الشهادات بين يديه، وإن كان كريم الوفادة لديه، إلا تلقاه شاكرا لهذا السّلطان، شاهدا بما يولي هذه الأمة من الإحسان وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
(( 2 )) .
سيحصد الزارعون ما زرعوا، والله يزيده توفيقا إلى توفيقه، ويلهم كلّ مسلم القيام بمفترض بره، ويعيذه من محذور عقوقه؛ وأنا أعلم أن الحضرة تفرد لي شطرا من زمانها المبهم، بكتاب لله تكتبه إليّ، وخبر سار تورده عليّ؛ وأنا أفرد شطرا من زماني لشكرها، وأسرّ والله لها بتوفيق الله في جميع أمرها، فإنّ الذاكر لها بالخير كثير، فزاد الله طيب ذكرها.
ومنه قوله: والمشكوّ في هذا الوقت وجع المفاصل وآلامها وأورامها، فيديّ منها في جامعة، ورجليّ منها في واقعة، وأعضائي كلّها قد رابتني بعد صحة، وصارت لما تمّ عليها من أيديّ الرّاقين والذّاكرين كأنها خرزات سبحة، ولقد سئمت تكاليف الحياة، وسهلت عليّ تخاويف الوفاة، وحملت الأيّام على ظهري حمل الحطب، فما يسوى أن تشتعل فيها نار أجل يكون من الأنفاس المزعجة ذات لهب، وما أغربت على الأيام في تهجّمها، ولا جاءتني آيات الكبر في غير موسمها؛ ومن استضاء بسراج المشيب مسته اللّيالي في ظلمها، فقد صرعتني الأمراض،
وصدعت عظمي المنهاض.
اللهم لا أشكو إلّا إليك، ولا أسأل إلّا أنت، ولا أبثّ عبادك ما بي من بلائك، إلا لأستلزم إليك الشفعاء، وأستدعي منهم الدّعاء؛ فإن دعوتك من حقّها أن ينظّف لها الوعاء؛ فأما طاحونة مدينة الجسد وهي الأسنان، فبعض السّنّ ظعن مع السّنّ، وبعضه بقي منه جذم غير مرجحنّ، وما كنت أدري ما معنى قيد الحياة إلى أن قيدتني المفاصل بوجعها، وعلّة النقرس بتسفّلها وبرفعها؛ وأنا الآن بالحقيقة في ضدّ الحياة إحساسا، ولابس جسم قد كرهته النفس لباسا.
ومنه قوله (( 1 )) : ورد كتاب المجلس السّامي، نصر الله عزائمه، وأمضى في رؤوس الأعداء صوارمه، وشدّ به بنيان الإسلام ودعائمه، واسترد به حقوق الإسلام من الكفر ومظالمه، وأخلف نفقاته في سبيل الله ومغارمه، وجعلها مغانمه؛ وكان العهد به قد تطاول، والقلب في المطالبة ما تساهل، ولمحت اشتغاله بالطاعة التي هو فيها وما كلّ من تشاغل تشاغل، فهنّأه الله بما رزقه، وتقبّل في سبيل الله ما أنفقه، وعافى الجسم الذي أنضاه في جهاد عدوّه وأخلقه، وقد وفق من أتعب نفسا في طاعة من خلقها، وجسما في طاعة من خلقه؛ فهذه الأوقات التي أنتم فيها أعراس الأعمار، وهذه النّفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار؛ قال الله سبحانه في كتابه الكريم: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
(( 2 )) .
وأما فلان وما يسره الله له وهوّنه عليه من بذل نفسه وماله، وصبره على المشقات واحتماله، وإقدامه في مواقف الحقائق قبل رجاله، فتلك نعمة الله عليه،
وتوفيقه الذي ما كلّ من طلبه وصل إليه؛ وسواد (( 1 )) العجاج في تلك المواقف بياض ما سوّدته الذّنوب من الصحائف يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً
(( 2 )) .
فما أسعد تلك الوقفات، وما أعود بالطّمأنينة تلك الرّجفات، وقد علم الله سبحانه منّي ما علم من غيري من المسلمين من الدّعاء الصّالح لكم في الليل إذا يغشى، ومن الذّكر الجميل لكم في النهار إذا تجلّى، والله تعالى يزيد لكم إيمانكم، وينصركم وينصر سلطانكم، ويصلحكم ويصلح بكم زمانكم، ويشكر هجرتكم التي لم تؤثروا عليها أهليكم ولا أموالكم ولا أوطانكم، ويعيدكم إلينا سالمين سالبين، غانمين غالبين؛ إنّه على كلّ شيء قدير.
ومنه قوله: ولا حول ولا قوة إلا بالله، قول من قعد وراء الأحباب يودّع في كل يوم حبيبا، ويعيش في الدّنيا بعدهم غريبا، كأنه النجم طلع عليه الصّباح فغابوا، وبقي منتظرا للمغيب، وصبّحه ما قد علاه من المشيب.
ومنه قوله: هذا وما تمّ بحمد الله متجدد، إلا ما تقدم ذكري له من أمراض الكبر، وأعراض الغير، وتداعي هذه البنيّة لرحيل ساكنها، وانزعاج هذه النفس إلى ما يختاره لطف الله من مواطنها، فإنّ التّسعين قد جزت عينها، وقطعت عقبها؛ وأسأل الله الخيرة في القدوم عليه، واللّطف عند الوقوف بين يديه.
ومنه قوله: وأشكو بعد قلبي جسمي، فقد ضعفت قوته، وقوي ضعفه، ونسجت عليه همومي ثوابا دون الثياب، وشعارا دون الشّعار، من الحرب الذي عادى بيني وبيني، وانتقم ببيني من جسمي، واستخدمها بحرث أرضه؛ فإن لم يكن لأرضه عجاج فلي عجيج، وإن لم يكن فيه بذار فلي من الحبّ ثمار، وإن لم يكن لي سنبلة فلي أنملة، وإن لم يكن في كل سنبلة مئة حبّة آكلها، ففي كلّ أنملة مئة حبة تأكلني؛ وقد كنت مسالما لأعضائي إلا سنّا أقرعها، فما يخلو زمن من مندماتي، أو إصبعا أعضّها فما أكثر ما على الظّالم الذي يعضّ يديه؛ فأنا أقرع أعضائي كلّها ثنيّات، وأعضّ على جوارحي كلّها أنامل وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ
(( 1 )) والحرب همّ للأجسام، والهمّ حرب للقلوب، والفكر للقلب حكّ، والحكّ للّحم فكر، وبالله ندفع ما لا نطيق (( 2 )) ؛ يا واهب العمر خلّصه من الكدر (( 3 )) .
ومنه قوله (( 4 )) : وصل الكتاب الحضرة مبشرا بالحركة الميمونة السّلطانية إلى العدو خذله الله، ومسير المسلمين نصرهم الله، تحت أعلامه أعلاها الله، ومباشرة العدوّ واستبشار المسلمين بما أسعدهم الله من الجراءة عليه، ومن إضمار العود إليه، وهذه مقدمة لها ما بعدها، وهي وإن كانت نصرة من الله، فما نقنع بها وحدها، فالهمّة العالية
السّلطانية للحرب التي تسلب الأجسام رؤوسها، والسّيوف حدّها، فإن الجنة غالية الثمن، والخطاب بالجهاد متوجه إلى الملك العادل دون ملوك الأرض وإلّا فمن؟ فهذه تشترى بالمشقّات، كما أنّ الأخرى- أعاذنا الله منها- رخيصة الثّمن وتشترى بالشهوات.
ومنه قوله: وقف الخادم على ما شرّف به طبعه، وشنّف به سمعه، وضيّق بسعته ذرعه، من الخطاب بالعتاب، الذي خفض له الجناح، واستعذب به الجراح، وأسر قلبه في قيد أسى مستطار لا يراد منه السّراح، وقذف به في لهوات ليل لم يود أن يبسم فيه ثغر الصباح، وقد علم الله أنه بريء من كل ما يوجب المذامّ، ويطلق ألسنة الذّام، وأنه لمستيقظ في حقوق الخدمة، إلا أن حظّه من أهل الكهف بطول المنام.
ومنه قوله: وأما البرد وكلبه، والهواء وغلبه، فما كتبتها إلا واليد ترتعد، والخواطر لا تتعد، والغلام يذهب شبح الفحم بما يلهب، والشرار يبقى منطفئه في خدود الثياب خيلانا، ويمنعني كما يمنعها أن تطرد في قول القلم من الطّرس خيلانا.
ومنه قوله: وأنا الآن إذا دعوت الله سبحانه، بأن يمتعني بسمعي وبصري عنيته، وإذا قلت: واجعلهما الوارث منّي، فهو الذي اخترته لذلك وارتضيته؛ وبالجملة إنّي مستحسن قول جميل، وأنقله إلى أهل الجميل (( 1 )) : [الطويل]
وما أحدث النّأي المفرّق بيننا ... سلوّا، ولا طول اجتماع تقاليا
كذلك صحبة المجلس قد تطاولت، وكلّما ألحّ عليها الصّقال لاح جوهرها، وكلّما تكررت عليها الفصول فصّلت آياتها وسيرت سورها.
ومن كتاب كتب به إلى القاضي محيي الدين بن الزّكي (( 1 )) : بعد أن أصدرت هذه الخدمة إلى المجلس- لا عدمت عواطفه وعوارفه، ولطائفه ومعارفه، وأمتع الله الأمة عموما بفضائله وفواضله، ونفعهم بحاضره كما نفعهم بسلفه الصّالح وأوائله، وعادى الله عدوّه، ودلّ سهامه على مقاتله- ورد كتاب منه، وما بقيت أذكر الإغباب، فإن سيدنا يقابله بمثله، ولا العتاب فإنّ سيدنا يساجله بما فيض من سجله، ولا ألقي عليه من قولي قولا ثقيلا، ولا أقابل به من قوله قولا جليا جليلا، فقد شبّ عمرو عن الطوق (( 2 )) ، وشرف البراق عن السّوق، وذلك العمرو ما برح محتنكا غير أجنبي، والطوق للصبي، وذلك البراق حمى لا يقدّم إلا للنبي، ومع هذا فلا تقلّص عني هذه الوظيفة، وأعتقدها من قرب الصّحيفة، فإنّك تسكن بها قلبا أنت ساكنه، وتسرّبها وجها أنت على النوى معاينه.
ومنه قوله: يا سيدنا العماد، صبّحك الله بأيمن من فعلك، ولا أعرف فعلا منه أيمن وأحسن من وجهك، ولا أعرف وجها منه أحسن، وأحسن وجه في الورى وجه منعم (( 3 )) .
كيف أنت في هذه الرحمة التي تركتنا رحمة؟ وكيف الخركاه (( 1 )) وكيف الخيمة؟ أمّا نحن ففي خيمة من عنصرنا وهو الطين، وفي خركاه كأنّا من ضائقتها في عقد التسعين، قد حاصرتنا الأمطار، وقلّ احتفالها بالخنادق المحتفرة، وفعلت بنا ونحن المسلمون ما فعلنا بمن حاصرناه من الكفرة، فليت لنا ولو كمفحص القطاة في السعة والحفوف، وليت لنا جبلا يعصمنا من أنواع السّيول إذا جاءت ممرودة السّيوف، وقد حال الجريض دون القريض (( 2 )) ، وشغل توقّع اللّئيم عن توقيع القلم.
ومنه قوله: وقد كانت ليلة الخميس بدمشق ليلة مباركة، ما غسل ظلامها إلا السّيول لولا الصباح، ولا ابتسم صباحها إلا وقد كادت تبتسم الجبال والبطاح.
ومنه قوله: وقد جار كرم يده على أموالها، وعلم الخلائق الاشتطاط في آمالها، فما يأخذ أحدهم البدرة إلّا بكسر الخاتم منها، ولا يقبل الخلعة إلّا وقد عصبت المنشور بعصبها، ولا يركب الجواد إلّا وهو بالتبر مثقل، وبالحليّ في وجهه ورجليه أغرّ محجل، ولا يقنع بالإقطاع إلّا وباطنه قلعة وظاهره رستاق، ولا بالمنشور إلا وحاصله ثمرات واسمه أوراق؛ فقد فرّ الناس من الصنائع إلا إلى اصطناعه، ومن المعايش إلا إلى انتجاعه، وهان عليهم أن يكتبوا في قرطاس ويجاوبوا بأكياس، ووقفوا على التّراب فلحقوا بالسحاب، وغمر الجود كل دينار، حتى توارى دينار
الشمس بالحجاب.
ومنه قوله إلى العماد الأصفهاني (( 1 )) : كانت كتب المجلس- لا غيّر الله ما به من نعمه، ولا قطع منه موادّ فضله وكرمه، ولا عدمت الدّنيا خطّ قلمه وخطو قدمه، وأعاذها الله بنعمه وجوده من شقوة عدمه- تأخرت، وشق عليّ تأخرّها، وتغيرت عليّ عوائدها، والله يعيذ مما يغيرها، ثم جاءت كما جاء بيت ابن حجاج (( 2 )) : [مجزوء الرمل]
غاب ساعات ووافا ... ني على ما كنت أعهد
وأجبته ببيت الرضيّ (( 3 )) : [الرمل]
ومتى يدن النّوى بهم ... يجدوا قلبي كما عهدوا
كتابة لا ينبغي ملكها إلا لخاطره السّليماني، وفيضا لا يصدر إلا عن نوح قلمه الطّوفاني، أوجبت على كلّ بليغ أن يتلو وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ
(( 4 )) .
وبالجملة فالواجب على كلّ عاقل أن لا يتعاطى مالم يعطه، وأن يدخل باب مجلس سيدنا ويقول: حطّة؛ فأما ما أفاض فيه من سكون الأحوال بتلك البلاغة، فقد كدت أسكر (( 5 )) بها بما استخرجته، من المحاسن التي لو أن الزّمان الأصم
يسمع لأسمعته، ولو أنّ الحظّ الأشمّ يخضع لأخضعته؛ وبالجملة فإنّه لا يسبّ زمن أبقى من سيّدنا نعمة البقّية، التي مهما وجدت فالخير كلّه موجود، والمجد بحفيظته مشهود؛ وكما تيسرت راحة جسمه، فينبغي أن يقتدي به قلبه في راحته من همه؛ وأعراض الدّنيا متاع المتاعب، وقد رفع الله قدره، وإلّا فهذه الدّنيا وهدة إليها مصاب المصائب، والحال التي هو الآن عليها عاكف، من علم يدرسه، وأدب يقبسه، وحريم عقائل يذبّ عنه ويحرسه، هي خير الأحوال؛ فالواجب الشّكر لواهبها، والمسرّة بالإفضاء إلى عواقبها، وما ينقص شيء من المقسوم، وإن زاد عند المجلس فليس من حظّه، ولكن من حظّ السائل والمحروم؛ ولا يسمح المجلس بكتاب من كتبه على يد من الأيدي التي لا تؤدّي، فلا يؤمن أن تكون أناملها حروف التعدي.
ومنه قوله: وقد تأملت ما تفننت في وصفه حين دعيت إلى قتل الأسير، وأن القدرة المحيطة بعنقه، والأسر السادّ لسبل القتل وطرقه، أبى لها أن تشغل به بالها، ونصّ لها أن لا تنجس بدمه نصالها، فإنّ قتل الأسير ويداه مغلولة، وحبال أذرعه محبولة، قدرة ما زالت النّفوس على استقباحها مجبولة، وما كان يؤمنها أن تشخص الأبصار نحوها، وكما نظر في الطّروس كأنها تنتظر في الطروس (( 1 )) محوها، فيكون غيظ الحسام من قلمها حاملا له على أن لا يحدّ مضاء، ولا يمضي حدا، وباعثا له على أن ينثني عن عنق الكافر مرتدا، فيورثنا معشر الكتّاب عارا يعدي عرّه، وينهي العلم ما يسوءه والسيف ما يسرّه، وينفتح باب القيل والقال، ويحتاج إلى العذر الصدئ في نبوة السيف الصقيل.
ومنه قوله: وكان ينتحي لقافية الثاء المثلثة التي خضعت لأمره، وسخرت لفكره، وخفضت جناحها، وتركت جماحها، ورقت رقة الراء، وأعطته القياد الذي منعت من الكتّاب والشّعراء، وهذا ملك البلاغة السّليمانيّ؛ وهذا القلم سيد النصر اليماني، وهذا المعجز وأنا أول المؤمنين، وهذا السحر البياني وإن لم يكن السحر المبين؛ وما تصورت أن الثاء تهون هذا الهوان، ولا تنقاد في الكلم إلا أن يكون قلمه العنان، فقد صارت عروسا ونقّطها نقوط العرائس، ووجبت جنوبها، فلا جرم أنه مثل قوله: فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ
(( 1 )) وقد صرنا نبدل السين بها بغير لثغة، ونقدر على استعمالها بلاغة، وما كنا نقدر على استعمالها إلا بلغة.
ومنه قوله: وذكر الله ذلك العهد بخير ما ذكرت به العهود، ولعن الله الفرنج المخندقين، وقتل أصحاب الأخدود، فقد قطعوا طرقات المسار، وأطالوا عمر البيكار (( 2 )) ، وسكبت نار مقاساتهم الدّينار، فعجل الله إعلام الكافر لمن عقبى الدار (( 3 )) .
ومنه قوله، وكتب [إلى] ابن الزّكي (( 4 )) :
كان كتابي تقدم إلى المجلس السامي- أدام الله نفاذ أمره، وعلو قدره، وراحة سرّه؛ ونعّمه ويسّره، وأجراه على أفضل ما عوّده، وأسعد جده وأصعده،
وأحضره أمثال العام المستقبل وأشهده، ولا زال يلبس الأيام ويخلعها، ويستقبل الأهلة ويودعها، وهو محروس في دنياه ودينه، مستلئم من نوب الدّهر بدرع يقينه؛ وأعماله مقبولة، ودعواته على ظهر الغمام محمولة، والدّنيا ترعاه وهو يأبى رعيها، والآخرة تدّخر له وهو يسعى لها سعيها- من أيدي عدة من المسافرين، ولثقتي بهم ما قيدت أسماءهم ولضيق صدري بتأخير كتب المجلس ما حفظت ما جاء منه.
وما كأنّا إلا دعونا الله سبحانه دعوة الأولين أن يباعد بين أسفارنا (( 1 )) ، وأردنا أن يقطع بيننا وبين أخبارنا، فأجيبت الدعوة، ولا أقول لسابق الشقوة، بل للاحق الحظوة، فبان بأن مكابدة الأشواق إلى الأبرار، تسوق إلى الجنة ولا تسوق إلى النّار؛ وأقسم أنني بالاجتماع به في تلك الدار أبهج منّي بالاجتماع به لو أتيح في هذه الدار؛ فعليه وعليّ من العمل ما يجمع هنالك سلك الشمل ويصل جديد الحبل، فثم لا يلقي العصا (( 2 )) إلا من ألقى ها هنا العصيان، وهنالك لا تقر العين إلا لمن سهرت منه ها هنا العينان، ولا وجه يجمع اسمي مع اسمه في هذه الوصية، مع علمي بسوء تقصيري، وخوفي من سوء مصيري، ولكن ليزيد سيدنا في وظائفه وعوارفه، فلعل فعله تفضل من فضله، مما يخلصني بقربه؛ فإنني أستحقّ شفاعته لشفعة جوار قلبي لقلبه، والخواطر في هذا الوقت منقبضة، والشواغل لها معترضة، وأيام العمر في غير ما يقرض من الدنيا والآخرة (( 3 )) منقرضة؛ ومتجدد نوبة بيروت قد عمت كلّ قلب، وهاجت
للمسلمين أشواقا إلى الملك الناصر، وذكرى بما ينفعه الله به من كل ذاكر، وأخذ الناس في الترحّم على أول هذا البيت، والدعاء للحاضر والآخر، وليس إن شاء الله بآخر.
ومنه: وسيدنا يتوصى بالدار بدمشق، فقد خلت، وإنما الناس نفوس الديار، وسيدنا يحسن في كل قضية من بعد، كما أحسن من قبل، فهو الذي جعل بيني وبين الشام نسبا، وأنشبني فيه إلى أن ادخرت عقارا ونشبا، فعليه أن يرعاه ما أقناه، وينفي الشوك عن طريق اليد إلى جناه، والجار إلى هذا التاريخ ما اندفع جوره، ولا أدرك غوره، يعد لسانه ما تخلف يده، ويدّعي يومه بما يكذبه فيه غده، وأنا على انتظار عواقب الجائرين، وقد عرف الغيظ منّي، وألفاظ مجهولة ما كنت أشتهي أن أعرفها، وكشف مستور من أسباب الحرج ما يسوى أن أكشفها، لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
(( 1 )) وأسوأ خلقا من السّيّء الخلق من أحوجه إلى سوء الخلق، وما ذكرت هذا ليذكر، ولا طويت عليه الكتاب لينشر، والسّرّ عند سيدنا ميت، وهو يقضي حقّه بأن يقبر.
ومنه قوله: ولما تأملت الكتاب الأزرق، طاعنت به الخواطر التي كنت صريع طعانها، وعقير أقرانها، ومما دلّني على الصحة نشاط الخاطر العماديّ لقافية العين، التي اطردت له متونها، وتفتحت لقلمه عيونها، واقتضى الدّعاء بأن يقرّ الله العين في يده، كما أجراها على لسانه، فتجتمع له البلاغة والغنى، وتتوفر الأولى عليه وتكون الثانية قسمة ما بيننا.
ومنه قوله: والكتب من جهتها مرتقبة لذاتها، لا لما فيها من طارئات الأحوال ومتجدداتها، ويكفي خبر صحته من الأخبار، فلينعم الماء بإطفاء النّار.
ومنه قوله: ووافى الأسطول الميمون في خمسين غرابا (( 1 )) ، طائرا من القلوع بأجنحته، كاسرا بمخالب أسلحته، فما وافى شملا إلا دعاه إلى الحين، وحقق ما يعزى إلى الغراب من البين.
ومنه قوله: وكتبت هذه الخدمة ليلا، والخاطر كالناظر كلاهما مشتمل بالظلام شعارا ودثارا، والخطرات كالأنّجم في ليلة الأسى، إن رامت الطريق فحيارى، أو رامت المسير فأسارى.
ومنه قوله: إلى أن طوى اللّيل ملاءته، ومدّ عليهم كلاءته، فإنه دعيّ مأمنه، وبينهم من مناسبة صحائفهم لسواده، ولأن الليل يدعى كافرا فقد خبّأهم في فؤاده، وخاف العدوّ تصريف العنان، فكأنما في يده منه صلّ لادغ، ورأى السيف وماء الموت يترقرق منه، فروي دلاء من إناء فارغ.
ومنه قوله: فأمّا هذه الدّنيا فإنها دار الأكدار، ومثار العثار، لا تسمح بمودّة صاحب إلا
لتعرف قدر فراقه، ولا تفسح في حبل لقاء خليل إلا لتجعله عدّة لخناقه.
ومنه قوله: فقلت لصاحبي نجواي: خذا في عرض محاسنه عليّ، لعلّي آخذ منها؛ فقالا: وما الفائدة إذا عجزت في الصلة عن أن تعيد عليه ألفاظه العائدة؟ فقلت:
ليعلم أن كل خير عندي من عنده، وأسأله الصفح عن تقصير بلاغتي عن بلوغ حدّه، وأسره بتقصيري عن مداه وإن كان هذا عهدي بودّه؛ فقالا: أرسل نفسك على سجيتها، وتعرض لنفحات صديقك، فما يبخل عليك بيلنجوجيّتها؛ فقلت: نعم على تفيهقكما في النّسبة إلى اليلنجوج (( 1 )) ، وعلى كون حروف هجائها أطول من عوج (( 2 )) .
ومنه قوله (( 3 )) : الخادم يخدم وينهي وصول كتاب كريم، تفجرت فيه ينابيع البلاغة، وتبرعت بالحكم أيدي البراعة، وجاد منه بسماء مزينة بزينة الكواكب، وهطل منها لأوليائه كلّ صوب، ولأعدائه كلّ شهاب واصب، وتجلّى فما الغيد الكواعب، وما العقود في التّرائب، وتفرق عنه جيش الهمّ، فانظر ما تفعل الكتب في الكتائب؛ وما ورد إلا والقلب إلى مورده شديد الظّما، وما كحّل به إلّا ناظره الذي عشي عن الهدى وقرب من العمى؛ وما نار إبراهيم بأعظم من نوره، ولا سروره صلى الله عليه حين نجا بأعظم في يوم وصوله من سروره؛ فحيّا الله هذه اليد الكريمة التي تنهلّ بالأنواء، وتحرك سوابغ النعماء، وتعطى أفضل
عطاء، يسرّها في القيامة، وتحوز به أفضل أنواع الكرامة؛ فأما شوقه لعبده، فالمولى أبقاه الله قد أوتي فصاحة لسان، وسحب ذيل العيّ على سحبان، ولو أنّ للخادم لسان موات، وقلبا (( 1 )) يقال له: هيهات؛ لقال ما عنده، وادّكر عهده ووده، وباح بأشواقه، وأذاع الرمز عند اعتناقه.
وأما تفضّله بكذا، فالخادم لا يقوم بشكره، ولا يبطله حقّ قدره، وقد أحال مكافأة المجلس على مليّ قادر، ومسرّة خاطره عليه يوم تبلى السرائر؛ والله تعالى يصله برزق سنيّ يملأ إناه، ويوضح له هداه، ولا يخلي المجلس من جميل عوائده، ويمنحه أفضل وأجزل فوائده، إن شاء الله تعالى.
ومنه قوله (( 2 )) : وفي الحال أطافت المقاتلة من جميع أقطاره، ولبّوا تلبية الحجيج، وكلّ من جمرة سهمه كرامي جماره، وعبرت الآجال المسماة سهاما على قناطر القسيّ المحنية، وقدحت زنودها البيض شرار جمر المنية، فصارت الأبرجة مستلئمة بسلاحها، أو كأنها بكثرة ريش السهام طائرة بجناحها، أو كأنها صدور أظهرت حسك الضغائن، أو كأنها لازدحام السّهام بها كنائن؛ إلى أن سرى داء النّقوب إلى المقاتل، ودبّ سكرها بين المفاصل، ورتب الجدران قائمة، والبلاء سائر في أعقابها، متجلدة والنار تحت بنائها، غرّارة بألحاظها، والقبح حشو نقابها؛ فلمّا كان وقت الظّهر ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ
(( 3 )) ، ووقعت القلعة، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
(( 4 )) ، وتحصّنوا من نيران القضب بنيران الحطب، وقطعوا
بين المسلمين وبينهم بطوفان نار كانت القلعة سفينة إلا أنها لا سفينة نجاة بل سفينة عطب، والفرنج الملاعين من وردها عاجلا وإن منهم إلا واردها، وأقحم نفسه فيها فأحاطت بعنقه مقاودها، وبات الناس مطيفين بالحصن والنّار بهم مطيفة وعليه مشتملة، وعذبات ألسنتها (( 1 )) على وجهه منسدلة، ومن خلفه مسبلة، ولفحاتها جهنمية وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
(( 2 )) ؛ والبلاء؛ ينادي طبرية بلسان مصابها: إيّاك أعني واسمعي يا جارة ))
؛ فولجت النّار موالج تضيق عنها الفكر، وتعجز عنها الإبر، وقال الكفر: إنها لإحدى الكبر، وخولف المثل في أنّ السعادة لتلحظ الحجر (( 4 )) ، وأغنى ضوء نهاره أن يسأل معه هذا وذا ما الخبر، إلى أن بدا الصّباح وكأنه امتار منها الأنوار، وانشق الشرق وكأنه من عصفرها صبغ الإزار، فيحنئذ تقدم الخادم فأقلع بيده الأحجار من أسها، ومحا حروف البنيان من طرسها، وأدار فيها كأس المنون دهاقا، وحلّ الرءوس ضربا، وشدّ الأعناق وثاقا.
ومنه قوله: حوشي مجلس سيدنا، ولا زال من كل مكروه محاشى، ودامت الصحة تنشر له علما وتطوي فراشا، وجعل الله ليل الدّنيا بأمنه لباسا ونهارها معاشا، من مرض يمسّه، ومن ألم يحسّه ومن أن يتكدّر من العافية أنسه، وحرس الله نفسه على الإسلام، فإنه نفسه.
ومنه قوله: فلو رأيت أطناب الخيم في أعناق الأسارى يساقون بها مقرنين، لحمدت الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
(( 1 )) ولقد شابت خضاب العجاج ما أرسلته رايات الأبرجة من ذوائب مفرقها، وأسلمت وجهها لله وقطعت ذمار خندقها.
ومن مكاتباته يتشوق إلى إخوانه وأودّائه ومحبيه وأوليائه:
ومنه قوله: فأنجدوا المسلمين يا حملة سلاح الصّلاح، وابعثوا سرايا دعواتكم فإنّا ننتظر غبّ سراها الصباح؛ فأنتم في وكر قبلتنا، فلتهن أدعيتكم خفة الجناح.
ومنه قوله: فلولا سدّ سدّته الكريمة لا نفتح على الإسلام ما انفتح من سدّ مأرب، ولولا سيفه لما وجد بعد العصا الكليمية سيف مثلها فيه مأرب، وانتظر فرصة انتهزها في بابه، فما ازدادت الأحوال إلّا ضائقة، ولا العذر إلا اتّساعا؛ والله المستعان.
ومنه قوله: وقد علم الله خدمتي للبيتين الشّريفين- بيت الله بما يعود عليه بالعمارة، وبيت النّبوّة صلوات الله على أهله بما يبقي في عقبه كلمة الإمارة- بمنى نفسه ما دونه جزّ النواصي بل حزّ الغلاصم؛ يروم أن يرتضع أخلاف الخلاف، والله له عن آل الفواطم فاطم؛ فنهض لآل رسول الله كلّ بعيد وقريب، ونصر لواء حمده حتى
الصليب، وقوبل عدوه بعدو وحسم داء ومستغيث عجيب، وحينئذ اندفع شير كوه ميمما صعيدا طيبا، وكيف لا يتيمم من عدم الماء قاصدا للقبلة ولن يدار إليها إلا من فارق الدماء.
ومنه قوله: ووقف المملوك على الأبيات النونية التي فتنته فتونا، وزخرت بحرا فصادف منه قافية النون نونا، وأشرقت عليه أبياتها أقمارا، صار القمر لحسدها عرجونا.
ومنه قوله: وحين وقف عليها وقف لها، وحين فتحها ارتج أبواب الهموم وأقفلها وتأملها، ونظر من غرائب الحسنات ما تم بها وما تم لها، فإذا فصل كنعيم أهل الجنة كلما نفد جدد، وكنفس أهل الحياة يلذّ كلما ردد؛ وسيدنا كان لسانه يده في جماح السماح، وكان لسانه في إيراد قرائح الاقتراح، كل عذب قراح.
كتب إلى بعضهم (( 1 )) (( 2 )) : [الطويل]
أأحبابنا هل تسمعون على النوى ... تحية عان أو شكية عاتب
ولو حملت ريح الشمال إليكم ... كلاما طلبنا مثله في الجنائب
أصدر العبد هذه الخدمة، وعنده شوق يغور به وينجد [ويستغيث] من ناره بماء الدمع فيجيب وينجد، ويتعلل بالنسيم فيغري ناره بالإحراق، ويرفع النواظر إلى السلوان فيعيدها الوجد في قبضة الإطراق، أسفا على زمن تصرم، ولم يبق
إلا وجدا تضرم، وقلبا من يد البين المشتّ تظلّم (( 1 )) : [الوافر]
ليالي نحن في غفلات عين ... كأن الدهر عنا في وثاق
وما تنفس خادمه نفسا إلا وصله بذكره، ولا أجرى كلاما إلا قيده بشكره، ولا سار بقفر إلا شبهه برحيب صدره، ولا أطل على جبل إلا احتقره بعلي قدره، ولا مرّ بروضة إلا خالها تفتحت أزهارها عن كريم خلقه ونسيم عطره، ولا أوقد المصطلون نارا إلا ظنهم اقتبسوها من جمره، ولا نزل على نهر إلا كاثر دمعه ببحره (( 2 )) : [الطويل]
سقى الله تلك الدار عودة أهلها ... فذلك أجرى من سحاب وقطره
(( 3 ))
لئن جمع الدهر المشتت شمله ... فما بعدها ذنب يعد لدهره
فكيف ترى أشواقه بعد عامه ... إذا كان هذا شوقه بعد شهره
بعيد قريب منكم بضميره ... يراكم إذا مالم يزركم بفكره
ترحل عنكم جسمه دون قلبه ... وفارقكم في جهره دون سرّه
إذا ما خلت منكم مجالس وده ... فقد عمرت منكم مجالس شكره
فيا ليل لا تجلب عليه بظلمة ... وطلعة بدر الدين طلعة بدره
ونسأل الله تعالى أن يمن بقربه، ورحاب الآمال فسائح، وركاب الهموم طلائح، والزمن المناظر بالقرب مسامح، هنالك تطلق أعنة الآمال الحوابس، ويهتز مخضرا من الشعور عود يابس (( 4 )) : [الطويل]
وما أنا من أن يجمع الله شملنا ... بأحسن ما كنا عليه بآيس
وقد كان الواجب تقديم عتبه، على تأخير كتبه، ولكنه خاف أن يجني ذنبا عظيما، ويؤلم قلبا عليه كريما (( 1 )) : [الطويل]
ولست براض من خليل بنائل ... قليل ولا راض له بقليل
وحاشى خلاله من الإخلال بعهود الوفاء، ومن انحلال عقود الصفاء، وما عهدت عزمة الهوى في حلبة (( 2 )) الشوق إلا من الضعفاء، وحاشية خلقه، إلا أرق من مدامع غرماء الجفاء (( 3 )) : [الكامل]
من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تقلقل الأحشاء
ومنه قوله في مثل ذلك (( 4 )) : كتب مملوك المولى عن شوق قدح الدمع من الجفون شرارا، وأجرى من سيل الماء نارا، واستطال واستطار فما توارى أوارا، ووجد على تذكر الأيام التي ذهبت قصارا، والليالي التي طابت فكأنما خلقت جميعا أسحارا (( 5 )) : [الطويل]
وبي غمرة للشوق من بعد غمرة ... أخوض بها ماء الجفون غمارا
وما هي إلا سكرة بعد سكرة ... إذا هي زالت لا تزول خمارا
رحلتم وصبري والشباب وموطني ... لقد رحلت أحبابنا تتبارى
ومن لم تصافح عينه نور شمسه ... فليس يرى حتى يراه نهارا
سقى الله أرض الغوطتين مدامعي ... وحسبك سحبا قد بعثت غزارا
وما خدعتني مصر عن طيب دارها ... ولا عوضتني بعد جاري جارا
أدار الصبا لا مثل ربعك مربع ... أرى غيرك الربع الأنيس قفارا
فما اعتضت أهلا بعد أهلك جيرة ... ولا خلت دار الملك بعدك دارا
وما ضرّ اليد الكريمة التي أياديها بيض في ظلمات الأيام، وأفعالها لا تقوم بمدحها إلا ألسنة الأسنة والأقلام، لو قامت للمودة بشرطها، وأمضت خط الأسى بخطها، وكتبت ولو شطر سطر ففرغت قلبا من الهم مشحونا، وأطلقت طرفا في فضاء الاقتضاء مسجونا، ونزهت ناظر المملوك في رياض مشهورة الحلى، وجلت غمومه بمكارم مأثورة العلى (( 1 )) : [الطويل]
وما كنت أرضى من علاك بذا الجفا ... ولكنه من غاب غاب نصيبه
ولو غيركم يرمي الفؤاد بسهمه ... لما كان ممن قد أصاب يصيبه
ولمملوكه مذ حطت بمصر أثقاله، وجهز الشام رحاله، وألقت النوى عصاها، وحلت الأوبة عراها، يكتب فلا يجاب، ويستكشف الهم بالجواب فلا ينجاب (( 2 )) : [الكامل]
يا غائبا بلقائه وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إياب
وما يصفي الله ورد الحياة من التكدير، ويحقق بلقائه أحسن التقدير وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
(( 3 )) (( 4 )) : [الخفيف]
وزمان مضى فما عرف الأو ... ول إلا بما جناه الأخير
أين أيامنا بظلك والشم ... ل جميع والعيش غض نضير
وحوشي المولى أن يكون عونا على قلبه، وأن يرحل إثره الذي مذ سار سرّ به، وأن ينسيه بأغباب الكتب ساعات قربه، وأن يحوجه إلى إطلاق لسانه بما يصون السمع الكريم عنه من عتبه؛ الأخ فلان مخصوص بسلام كما تفتحت عن الورد كمائمه، وكما توضحت عن الفكر غمائمه: [الطويل]
إذا سار في ترب تعرّف [تر] بها ... برياه والتفت عليه لطائمه
وقد تبع الخلق الكريم في الإغباب والجفوة، وأعدت عزائمه قلبا فاستويا في الغلظة والقسوة (( 1 )) : [من مجزوء الكامل]
إن كنت أنت مفارقي ... من أين لي في الناس أسوه
وهب أن المولى اشتغل- لا زال شغله بمساره، وزمنه مقصور على أوطاره- فما الذي شغله عن خليله، وأغفله عن تدارك غليله؟ هذا وعلائقه قد تقطعت، وعوائقه قد ارتفعت، وروضة هواه قد صارت بعد الغضارة هشيما، وعهوده عادت بعد الغضاضة رميما (( 2 )) : [الخفيف]
إن عهدا لو تعلمان ذميما ... أن تناما عن مقلتي أو تنيما
وما أولى المولى أن يواصل بكتبه عبده، ويجعل ذكره عقده، ولا يقصيه ويألف بعده، ويستبدل غيره بعده.
ومنه قوله [في] ذلك أيضا (( 1 )) (( 2 )) : [مجزوء الخفيف]
أكذا كلّ غائب ... غاب عمّن يحبّه
غاب عنه بشخصه ... وسلا عنه قلبه
لو أن لي يدا تكتب، أو لسانا يسهب، أو خاطرا يستملّ، أو فؤادا يستدلّ، لو صفت إليه شوقا إن استمسك بالجفون نثر عقدها، أو نزل بالجوانح أسعر وقدها؛ أو تنفس مشتاق أعان على نفسه، وظنّه استعارة من قبسه، أو ذكر محبّ حبيبا خطر في خلده، وتفادى أن يخطر به ذكر جلده (( 3 )) : [البسيط]
حتّى كأنّ حبيبا قبل فرقته ... لا عن أحبّته ينأى ولا بلده
بالله لا ترحموا قلبي وإن بلغت ... به الهموم فهذا ما جنى بيده
ولولا رجاؤه أن أوقات الفراق سحابة صيف تقشعها الرّياح (( 4 )) ، وزيارة طيف يخلعها الصّباح، لاستطار فؤاده كمدا، ولم يجد ليوم موعده غدا، ولكنّه يتعلّل بميعاد لقياه، ويدافع ما أعلّه بلعلّه وعساه (( 5 )) : [الطويل]
غنى في يد الأحلام لا أستفيده ... ودين على الأيّام لا أتقاضاه
ومن غرائب هذه الفرقة، وعوارض هذه الشّقة، أن مولانا قد بخل بكتابه، وهو الذي يداوي به أخوه غليل اكتئابه، ويستعدي به على طارق الهمّ إذ لجّ في انتيابه (( 6 )) : [المنسرح]
كمثل يعقوب ضلّ يوسفه ... فاعتاض عنه بشمّ أثوابه
وهب أن فلانا عاقه عن الكتب عائق، واختدع ناظره كمن هو كناظره عيش رائق، فما الذي عرض لمولاي حتّى صار جوهر ودّه عرضا، وجعل قلبي لسهام إعراضه غرضا؟ (( 1 )) : [البسيط]
بي منه ما لو بدا بالشّمس ما طلعت ... من الكآبة أو بالبرق ما ومضا
وما عهدته أدام الله سعادته إلّا وقد استراحت عواذله، وعرّي به أفراس الصّبا ورواحله (( 2 )) ، إلا أن يكون قد عاد إلى ذلك اللّجج، ومرض قلبه وما على المريض من حرج؛ وأيّ ما كان ففي فؤادي إليه سريرة شوق لا أذيعها ولا أضيعها، ونفسي أسيرة غلّة لا أطيقها بل أطيعها (( 3 )) : [الطويل]
وإنّي لمشتاق إليك وعاتب ... عليك ولكن عتبة لا أذيعها
الأخ النّظام- أدام الله انتظام السّعد ببقائه، وأعداني على الوجد بلقائه- مخصوص بالتحية الأريحية؛ ووالهفا على تلك السجية السخية، وردت منها البابلي معتقا، [وظلت من أسر الهموم بلقائها معتقا] (( 4 )) : [الطويل]
خلائق إمّا ماء مزن بشهده ... أغادى بها أو ماء كرم مصفّقا
ومنه قوله: لو كاتبت سيّدنا بمقدار شوقي لأضجرته، ولو أغببته بمقدار ثقتي به لهجرته.
ومنه قوله: ووصف في كتابه شوقا أعانه على وصفه منه ما خذلني منّي، وأخبرني عنه وإنّما أخبرني عنّي.
ومنه قوله: كتب الحضرة لو تتابعت وطالت، عندي بمنزلة المقتنص البهجة، المبتكر اللّذة، فكيف وهي لا تصل إلّا وترا، ولا تزور إلا غبّا، ولا ترخص للهائم إلّا في النّهلة، ولا تنفّس خناق المشتاق إلا بعد المهلة، وهي في أوسع العذر لأشغالها، وفي أضيقه لأشواقي، وقد نالت بأوّل كتبها كلّ المودة، فهي لا تتعب نفسها في طلب الباقي، وأين ذلك الباقي؟ وما أشبه هذه القصّة بقول جميل (( 1 )) : [الطويل]
إذا نظرت قالت: ظفرت بودّه ... وما ضرّني بخلي فكيف أجود
وما المراد ما يحمل فيه على الخاطر، فقد عرفت محاسنه الغرر، ولا أن يتأتّى بقدر الرّقي إلى الدراري والغوص على الدّرر؛ وعلى ذكر جميل فأحسن قوله (( 2 )) : [الطويل]
وإنّي لراض منك يا بثن بالذي ... لو ايقنه الواشي لقرّت بلابله
ومنه قوله في ذلك أيضا (( 3 )) : إن أخذ العبد- أطال الله بقاء المجلس وثبّت رفعته- في وصف أشواقه إلى الأيّام التي كانت قصارا، وأعادت الأيام بعدها طوالا، واللّيالي التي جمعت من
أنوار وجهه شموسا، ومن رغد العيش في داره ظلالا (( 1 )) : [الطويل]
وجدت اصطباري بعدهنّ سفاهة ... وأبصرت رشدي بعدهنّ ضلالا
وإن أخذ في ذكر ما ينطلق به لسانه من ولاء صريح، ويعتقل جنانه من ثناء فصيح (( 2 )) : [الطويل]
تعاطى منالا لا ينال بعزمة ... وكلّ اعتزام عن مداه طليح
ولكنّه يعدل عن هذين إلى الدّعاء، بأن يبقيه الله للإسلام صدرا، وفي سماء الملّة بدرا، وفي ظلمات الحوادث فجرا، وأن يجمع الشمل بمجلسه وعراص الآمال مطلولة، وسهام القرب على نحور البعد مدلولة، وعقود النّدى بيد اللقاء محلوله، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
(( 3 )) (( 4 )) : [الطويل]
فقد يجمع الله الشّتيتين بعدما ... يظنان كلّ الظّنّ أن لا تلاقيا
وما رمت به النّوى مراميها، ولا سلكت به الغربة مهاويها، ولا استجد شوقه من الجفون ما فيها (( 5 )) : [الكامل]
أغلت على السلوان شوقكم فما ... باعت كما أمر الغرام من اشترى
ومذ فارقت تلك الغرّة البدريّة، والطلعة العزيزة، ما ظفرت بشخصه نوما، ولا بكتابه يوما، فيا عجبا حتّى ولا الطّيف طارق (( 6 )) : [من الطويل]
وأعجب له في الحرب نثر كتائب ... بكفّ أبت في السّلم نظم كتاب
يحاسبني في لفظة بعد لفظة ... ومعروفه يأتي بغير حساب
(( 1 )) ولو رضيت- وكلّا بأن أحمل من هذا الجفاء كلّا- لما رضي به لخلقه الرّضي، ولأخذ بقول الرضي (( 2 )) : [الطويل]
هبوني أرضى في الإياس بهجركم ... أيرضى لمن يرجوه ما دون وصله
ومنه قوله يتشوّق (( 3 )) : [من الطويل]
فيا ربّ إنّ البين أضحت صروفه ... عليّ ومالي من معين فكن معي
على قرب عذّالي وبعد أحبّتي ... وأمواه أجفاني ونيران أضلعي
هذه تحيّة القلب المعذب، وسريرة الصّبر المذبذب، وظلامة عزم السّكون المكذّب، أصدرتها إلى المجلس وقد وقد في الحشا نارها، والزّفير أوارها، والدّموع شرارها، والشّوق آثارها (( 4 )) : [الكامل]
لو زارني منكم خيال هاجر ... لهدته في ظلمائه أنوارها
وإلى (( 5 )) الله يرغب أن يجعله بالسّلامة مكنوفا، وصرف الحدثان عن ساحته مكفوفا، ووفود الرّجاء على أرجائه عكوفا، وأن يمتع الوجود بوصفه الذي هو أشرف من كلّ وحيد موصوفا (( 6 )) : [الكامل]
من كان يشرك في علاك فإننّي ... وجّهت وجهي نحوهنّ حنيفا
وقد كان ينتظر كتابا يشرّفه ويشنّفه، ويستخدمه على الأوامر ويصرّفه، ويجتني به ثمر السّرور غضّ المكاسر ويقتطفه؛ فتأخر ولم يحدث له التأخير ظنا، ولا صرفه أن يعتقد أنّ مولاه لا تحدث له الأيام بخلا بفضله ولا ضنّا (( 1 )) : [الطويل]
ولو تصرف السّحب الغزار عن الثّرى ... لما انصرفت عن طبعك الشّيم الحسنى
وهو ينتظر من الأمر والنّهي ما يكون عمله بحسبه، وما يثبت له عهد الخدّام بنسبه.
ومنه قوله في ذلك (( 2 )) : [الطويل]
ومن عجب أنّي أحنّ إليهم ... وأسأل عنهم من أرى وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
كتبت والعبرات تمحو السّطور، ويوقد ماؤها نار الصّدور، وتهتك وجدا كان تحت السّتور، وترسل من بين أضلعي نفس الموتور (( 3 )) : [الخفيف]
قد ذكرنا عهودكم بعد ما طا ... لت ليال من بعدها وشهور
عجبا للقلوب كيف أطاقت ... بعدكم! ما القلوب إلّا صخور
وما وردت الماء إلّا وجدت له على كبدي وقدا لا بردا، ولا تعرضت لنفحات النسيم إلّا أهدى إليّ جهدا، ولا زارني طيف الخيال إلّا وجدني قطعت طريقه
سهدا، ولا خطف البارق الشّاميّ فأراه قلبي خفوقا ووقدا (( 1 )) : [المتقارب]
وأيسر ما نال منّي الغلي ... ل أن لا أحسّ من الماء بردا
فسقى الله داره ما شربت من الغمام؛ وأيامنا بها وبدور ليالي تلك الأيام تمام (( 2 )) : [الكامل]
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام
وكان قد وصل منه كتاب كالطّيف أو أقصر زورا، وكالحبّ أو أظهر جورا، والرّبيع أو أبهر نورا، أو النّجم أو أعلى طورا، أو الماء الزّلال أو أبعد غورا؛ فنثرت عليه قبلي، وجعلت [سطوره قبلي] (( 3 )) بل قبلي، ووردت منه موردا (( 4 )) : [البسيط]
أهلا به وعلى الإظماء أنشده ... لو بلّ من غللي أبللت [من] عللي
(( 5 ))
إلّا أنّه أبقاه الله ما عزّزه بثان، ولا آنس غربته، وإني وإياه غريبان (( 6 )) : [الطويل]
وكم ظلّ أو كم بات عندي كتابه ... سمير ضميري أو جنان جناني
وأرغب إليه، لا زالت الرّغبات إليه، وأسأله لا جثم السّؤال إلا لديه، أن يلاطف بكتابه قلبي، ويمثل بمثاله أيام قربي (( 7 )) : [مجزوء الكامل]
والله لولا أنني ... أرجو اللّقا لقضيت نحبي
هذا وما فارقتكم ... لكنني فارقت قلبي
ومنه قوله جواب كتاب ورد عليه (( 1 )) : [الطويل]
شكرت لدهري جمعه الدّار مرّة ... وتلك يد عندي له لا أضيعها
ورد (( 2 )) على الخادم كتاب المجلس- أعلى الله سلطانه وثبّته، وأرغم أنف عدوّه وكبته، وأصماه بسهام انتقامه وأصمته، ولا أخلى الدّنيا من وجوده، كما لم يخل أهلها من جوده، ولا عطّل سماء المجد من صعوده، كما لم يعطّل أرضها من سعوده- فقام له قائما على قدمه، وسجد في الطرس مماثلا سجود قلمه، واسترعى الله العهد على أنه تعالى قد رعى ما أودعه في ذمة كرمه، وصارت له نجران علاقة خير صرف إليها وجهه فكأنها قبلة، ودعا بني الآمال إلى اعتقاد فضل مالكها، فكأنما يدعوهم إلى ملّة؛ والله يوزعه شكر هذا الافتقاد على البعاد، ولا يخليه من هذا الرأي الجميل الذي هو عقد الاعتقاد.
ومنه قوله (( 3 )) : ورد كتاب [المجلس] ووقفت منه على ما لا يجد الشّكر عنه محيدا، وآنست به القلب الذي كان وحيدا، وعددت يوم وصوله السعيد عيدا، ووردت منه بئرا معطلة، وحللت قصرا مشيدا، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
، وتلك الغاية ليست في وسعي، ولا تعلم نفس إلّا ما طرق سمعها، وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعي، وهذه الأوابد الأباعد ما طالها ذراعي، ولا استقلّ بها ذرعي.
ومنه قوله (( 1 )) : المملوك يقبّل التّراب الذي يوما يستفزّ بحوافز سيله، ويوما يستقرّ بحوافر خيله؛ فلا زال في يوم السيل (( 2 )) جوده سحابا صائبا، وفي يوم الحرب شهابا ثاقبا، وينهي أنّه وردت عليه المكاتبة، التي استيقظت بها آماله من وسنها، وأفادته معنى من الجنة، فإنّه أذهبت ما بالنفس من حزنها؛ وتلقّى المملوك قبلتها بالسّجود والتّقبيل، وتحلّى بعقود سطورها فهيهات بعد هذا شكوى التّعطيل، واكتحل من داء السّهد بإثمدها، وأدار على الأيام كأس مرقدها، وأسمعته نغم النّعم التي هي أعجب إلى النفس من نغمات معبدها (( 3 )) ، وأطالت الوقوف عليها بركاب طرفه، فما وقوف ركاب طرفة ببرقة ثهمدها (( 4 )) ، وضرع إلى من يشفغ وسائل المتضرعين، ويملأ مواقع آمال المتوقعين، أن يغلّ عنه كل يد للخطوب بسيطة، ويفكّ به كل رقبة للأيام بأعناق منها محيطة (( 5 )) .
ومنه قوله: وصل كتاب الحضرة السامية- لا زالت رياض نباتها متفاوحة، وخطرات الرّدى دونها متنازحة، والبركات إلى جنابها متوالية، واللّيالي بإبراز سعادتها متلالية، والأيّام الجافية عن بقية الفصل منها متجافية، تنحر إليها المكرمات إذا لم
تكن لها فئة- فأنشده ضالة هوى كانت سدى، ورفع له نارا موسوية، سمع عندها الخطاب، وأنس الخير، ووجد الهدى، وكانت نار العليل في فؤاده بخلاف نار الخليل، فإنّها لا تقبل ندى الأجفان بأن يكون بردا وسلاما، ولا يرى إلّا أضرى ما يكون ضراما؛ وشهد الله لقد كان العبد حصر القول نشوزا، منذ فارقها على تلك الصفة، فلا هو قضى من حقها فرائض لزمت، والله وتعينت، ولا الضرورة في مقامها بحيث تبلغه الشّهادة أذنت، ولا الأيام بالبعد ما أساءت، فإنّها بالقرب ما أحسنت (( 1 )) : [الطويل]
وإنّ امرءا يبقى على ذا فؤاده ... ويخبر عنه إنّه لصبور
ونعود إلى ذكر الكتاب الكريم، فإنه سجد لمحرابه وسلّم، وحسنت سطوره فحسبها مباسم تتبسّم، ووقف عليه ووقف المحبّ على الطلل وكلمه ولا يتكلم، وهطل جفنه وقد كان جمادى، وتصفحه وقد كان على تصفّحه المحرم، وجدد له صبابة لا يصحبها أمل، وخاف أن لا يدرك الهيجا حمل (( 2 )) ، وقال الكتاب (( 3 )) : [البسيط]
إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل ... [وإن بليت، وإن طالت بك الطّيل]
وأنشد نيابة عنها (( 4 )) : [الطويل]
وإنّ بلادا ما احتلت بي لعاطل ... وإنّ زمانا ما وفى لي لخوّان
والله المسؤول لها في عاقبة حميدة، وبقية من العمر مديدة، فإنّها الآن نوح أهل الأدب، وطوفانها العلم الذي في صدرها؛ ولا غرو إن بلغ عمره مدّة عمرها، على أنّه يتحقق خلودها في الجنة بعملها، وفي الدنيا بذكرها، وإن الدارين تتغايران على عقائل فخرها، ولا يتأخران عن إجرائها على عادتها في رفع قدرها، وعلى أنها طالما أقامت على الدّنيا السّكرى، حين أقامت في حدّها من العمر الثّمانين، وأدّبت الأيام بسلاح الحرب من سيفها وسلاح السّلم من قلمها تأديب الخائنين، وما حملت العصا بعد السيف حتّى ألقت إليها السلم، فوضعت الحرب أوزارها، وما استقلت بآية موسى إلّا لتعجز بها أنهار الخواطر وتضرب بحارها، وما هي إلّا رمح وكفى بيدها سنانا، وما هي إلّا جواد تجنب السّنين خلفها فتكون أناملها لها عنانا.
وقوله: ولعله الآن قد عوفي من الأمرين، وقرّت بوجهه العين، وجدّد عهده بنظره، وقرّب عليه لسانه إسناد خبره، وبلّت منه غلة الحائم، ورأت منه هلال الصائم، وطالعها وجه الزمان المغضب بصفحة الباسم، ووفى مواعيد الأنس منه الضّامن الغارم؛ وهو يسلم عليه تسليم الندى على ورق الورد، ويستمدّ الوفاء من غرس ذلك العهد، ولكتاب الحضرة العالية من الخادم، موضع الطوق من الحمام، يتقلده فلا يخلع، ويعجبه فلا يكاد يسجع، ويحكيه طوقا على الأسى، إلا أنه بدرّ الدّمع يرصع؛ وإذا أنعم به فليكن مع ثقة، ويخشى أن يكون هذا الشرط له قاطعا، بل مع من اتفق فإنه كالمسك، لا يدعه العرف الضّائع أن يكون ضائعا (( 1 )) : [الكامل]
أكتبه يكتب لي أمانا ماضيا ... وابعثه يبعث لي زمانا راجيا
إن أشتريه بمهجتي فقليلة ... فاسمح به فمتى عرفتك مانعا
ومنه قوله: وقف الخادم على ما شرف به طبعه، وشنف به سمعه، وضيق سعة ذرعه، من العتاب الذي خفض له الجناح، واستعذب به الجراح، وأسر فيه بقيد أسى مستطاب لا يراد منه السراح، وقذف به في لهوات ليل لم يودّ أن يبتسم فيه الصباح؛ وقد علم الله أنه بريء من كل ما يوجب المذامّ، ويطلق ألسنة الملام، ومليء من الخدمة بما لا يغضي فيه عن حق سبقه لأحد من الخدام، وأنه لجواد يبذل جهده وما عليه أن يحلب الأيام، وأنه لمستيقظ من حقوق الخدمة إلا أن حظه من أهل الكهف لطول المنام، وما كان تأخره عن المكاتبات التي يخدم بها مجلسها، ويقتدح بها من الإجابة قبسها، إلّا الرغبة أن يكون مقترنا بحصول أمر، فما أسعفته الأقدار بمراده، ولا نجح رائد اجتهاده؛ وكتب هذه الخدمة حين أحصر على ما استيسر من الهدي، قد ركب من قديم الإخلال حدّ النهي، متبرئا من التقصير الذي ما هو منه ولا إليه، ومعوّلا في العذر الذي ما كان مخلوقا قبل خلق يديه؛ ووصل الأمير أن معظم الأنس بمقدميها الكريم، وقدما إلى بلاد صارت كظلّ رامة لا يريم، ولا يؤدّي يومه الجديد ما كان يؤدّيه أمسه القديم، وكيف ما حل أهل هذا البيت، فهم في كل بيت صدوره، وفي كل مطلع نجومه وبدوره، لا تذال أنوارهم بإشارة الأصابع، ولا تتبدل أقدارهم في مصونات المجامع: [البسيط]
يحميه لألاؤه ولو ذعيّته ... عن أن يذال بمن أو ممّن الرّجل
كأن الأرض بهم سماء، فإنهم طوالعها، وكأن الدّنيا بهم رياض، فإن أوجههم زهرها، وأيديهم مشارعها؛ وما يدع العبد غاية من الخدمة لهما إلّا
بلغها واعتذر، واجتهد ورأى أنه قد قصّر، لا زالت الأيام ناظمة لعقد المجد ببقاء الواسطة، ولا برحت الجنّة العلياء مصرفة بأيديهم الباسطة.
ومنه قوله: سطّر هذه الخدمة- ثبّت الله قواعد مجده وأرساها، ولا ابتزّ أفنيته حلالها من السّعود وكساها، وقرن بالسّكون والأنوار مصبحها وممساها- في ساعة رحيل قد غرّد حاديه، وسال شطّ واديه، وكان يؤمل اجتماعا يغنيه عن تحمّل منن الأقلام وصنائعها، ويدينه من مشافهة الأنوار التي إلى اليوم ما تناست العيون فضل ودائعها، فأحصرته الأنوار دون منسكه، وعثرته الأيام بذيل العجز في مسلكه، وعزّت جناحه بما لم يستقلّ مجاذبته من شركه، فسارت الراية النّاصرية نصرها الله (( 1 )) : [الكامل]
وأقمت بعد، وللزّمان عجائب ... منها ترحّل مهجتي ومقامي
ويعزّ عليه أن لا يتطوّف بربعه، ولا يرى الدّيار إلّا بسمعه، ورضي بما يرضى الرضى من ساكني سلعه.
ومنه قوله: وصل إلى خادم المجلس- لا زال جفن الدّهر عنه كليلا، ولا برح مجده فوق مفرقه إكليلا، ورأيه في غياهب الأمور فجرا ساطعا، وفي مفاصل الخطوب سيفا قاطعا، وشعاع صوابه في ظلام المشكلات شائعا- كتاب منه فكّ منه قفل النفس من أسرها، وحاز لها الأماني بأسرها، وتغلغل لطفا في القلوب إلى حيث مستقرّ المستودع من سرها، وجدد له لهفا لولا التماسك لهفا قلبه بأدنى أنفاسه، وتدرّع
من سهام الدهر به ولا غرو أن يدّخر لباسه لبأسه.
وأما الكتب المنعم بها على يد فلان فلم يصل شيء منها، والطرف بها معقود، والقلب إلى حيث ورودها مورود؛ ولا شبهة في أنّ الطريق كالخواطر- وما يعني إلا خواطر نفسه- مربوطة لا تنفد مسالكها، وكم طالع فكرة مظلمة لا تنجلي حوالكها، وهو من كتب المجلس- أدام الله نعمته- بين روضة قد تلاحقت غرر محاسنها، وتناسقت درر معادنها، فمن نورة في كمام، وزهرة في نظام، وثمرة في تمام، ونضرة في ضحى وعبقة في ظلام، فهو من واصلة ومتواصلة، وواقعة ومتواقعة، وطالعة ومتطلّعة، ويانعة ومتنوعة، لا خلت من صوب سحاب خاطره الرّوى يروضها ويروّضها، ويرفع مياسم الجدوب ويقضّها ويقوّضها، وما يحسب الخادم أن هذا الكتاب إلّا مساوقا لوصول الرّكاب الناصريّ إلى الشّام، فهنيئا له أن زاره السحاب الطبق والربيع الطلق، وأن أضاء بمحضره فجّ وأظلمت بمغيبه فجاج، وأن خمدت للمخافة نار واتقد للأمنة سراج وهاج، ومصر وإن كانت دارا، ما خرج عنها من الشام إلّا إلى دهليزها، فإنه عزيز عليها- والله- وعلى أهلها فراق عزيزها.
وأما حال الخادم بعد فرقة الرّكاب المشكور، فوالله لقد عرد قلبه من أمره ووعده، بما لم يف به لا من سلوه بل من صبره، وسار بعد ذلك القلب فما وجد منه عزيمة فيطالبه بموعد نصره، وما خالف عادة تسرعه، وأخلف عدة تبرّعه، إلا أنه كان في غير سفرة ما كان نفض غبارها، وفي إعلال فرقة ما كانت كفأت إسارها، ولا سيما بعد أن أطلعته الأربعون شرفها، ونصبته الخمسون هدفها، فأنكر تلك التي كان عرفها، وفارق عصر شبيبته وما وجد في المشيب خلفها، ولحق أمله ببدنه وكلاهما قد أنهج، وقربته الخمسون مع معترك (( 1 )) الستين، وكلاهما
قد أزعج؛ والله المسؤول في يقظة قلب وعين، وصحبة تبيين قبل صيحة بين؛ والله المشكور إذا عشي عن المجلس عيون الأيام ولواحظها، وأفهمه إشارات الدّنيا ومواعظها، فقد أبطل بعصاه سحرها، وفضح بقلمه سرّها، وانتضاها فقطع بها ولم تقطعه، ولبسها فخلعها ولم تخلعه، وانتظم أيامها في سلك أعوامه، وغصب أهلها حتى أنوارها، وألقى الجنا على قوامها لا على قوامه، فلا زالت في عمر وريق الأفنان، وثيق الأركان، تتزوّد كلّ يوم فيما يتزود، ويشتدّ ركنها ويتأيد ولا يتأوّد.
ومنه قوله رحمه الله أدام الله أيام المجلس، وأيده في كلّ مقام ومقال، ووسع له كل مجال ومنال، وأنفذ له كل رسم ومثال، وحرس عهود سعوده من الانتقال والملال، ولا زال مفيد الفوائد، معروف العوارف، منصور الأنصار، ظليل الظّلال، ورفع علمه، وثبت قدمه، ونصر سيفه وقلمه، وكرم شيمه وهممه، وعزز موارد جوده وديمه، وأعدى بها كلّ وليّ على الدّهر إذا ظلمه.
ورد كتاب مولانا الذي هو مولى الكتب وسيدّها وأوحدها، ومورده على القلوب منهلها العذب وموردها، وفيه من الإنعام مالا سبيل إلى شكره، بل إلى شكره، بلسان ذكره، وما لا يقوم الخادم بواجب حقّ بشره إلى يوم نشره؛ وكان وصول الكتاب الكريم، والخادم على قلق لتأخّر الكتب وإبطائها، وشذوذ التّرسّل وتواني خواطر استدعائها، وقد قابل تأخّر الكتب المظفرية تأخّر الكتب الناصرية، وتعاونت الشّواغل على الخواطر، وتواحى طيف خيال السّكون من جانبيهما لجفوة ناظر المشفق الساهر، ولا جرم أن وصولهما صبّحت به بكرة يوم لا يومين، فكأنما كانا على ميعاد، وطرقت الليلة بتوأمين بكتابيهما، فسقيا لليلة هذا الميلاد.
ووقف المملوك على ما في الكتاب المظفريّ، ولائح الأمر أنّ المولى قد قلا مصر وجفاها، وأنه خلّى الدّيار تستوحش ممن بناها: [الوافر]
فإن ترك العراق وساكنيه ... فقد تمنى المليحة بالطّلاق
والمولى إذا حلّ في مكان، نهضت عواثر جدوده، وطلعت طوالع سعوده، وكان بنفسه عسكرا، وبذكره عديدا مستكثرا، وجدّد من عزمه حديثا مذكّرا، ولم يحتج معه إلى جيوش في ديوان، ولا إلى سيوف في أجفان، وقام بنفسه النّفيسة مقام الفئة، وأقلق العدوّ في موطنه وحرّم عليه موطئه، والخادم خادم أغراض الخلق في هذه الدّلالة، ولسانه نائب ألسنتهم في هذه المقالة (( 1 )) : [الطويل]
[فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله] ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
ومنه قوله رحمه الله ورد على المملوك- أدام الله ورد السّعود على الجناب الملكيّ المظفريّ، ولا زالت السّعود تصحبه، والنّوب تخدمه، والشّفاه تلثم ترابه، والسعادة تستمطر سحابه، والوفود تلتزم أبوابه، والأيام تتهيب حجابه، وتيجان الملوك تحفّ ركابه، والأقدار تقرب آرابه، والنّصر يغلب أحزابه- مواهب مولانا المسماة كتبا، وآثار سحبه التي أنبتت من الأسطر عشبا، ولحظت حظّه الحجريّ فأعجب وأعشب، وإن السعادة لتلحظ الحجر فيدعى ربّا؛ لا برحت نعمة مولانا فوق شكر الشاكرين، وكتبه راحة قلوب المنتظرين، وعقلة عيون النّاظرين، ووصل ما سيّر من الحمل إلى الخزانة على يد جامع ورفقته، في وقت الحاجة الدّاعية، والخلّة البادية، والضّرورة المتمادية، وأنفق في الحاشية والتّعدية، وفرّق في أرباب المطالب والمطامع القريبة والمتعدية، وتضاعف الشّكر لمن جمع هذا المال ووفّره، ويسّره
وسيّره، واستخدم فيه ناظره ونظره؛ وما يعدّ المملوك ما وصل إلّا موهبة صرفها إليه، ونعمة أسبغها عليه، ومنّة تقلّدها وقلد بها المنن، وصنيعة استرقّته وإن كان قد سلف استرقاقه بأوّل ثمن، فإنّه وفي بذقّة، لسانه، وبيّض وجه ضمانه، وكلّ من وصل إليه شيء من هذا البرّ شكر المولى فأكثر، وفرح بأنّ غرس الرّجاء قد أثمر، ورأى من وجوه رسله أهلة، وظنّ الإحسان عيد صيام الانتظار، فقال: الله أكبر، وتشيع سيبهم عند فيض سنيّ عطائه فتوالى فغفر؛ وبالمعروف، فلولاه لكان قد درست أعلامه، بل لولاه [لم] يعرفه، [و] لكان قد سلبت ألفه ولامه؛ وإنّ غيثا يصبح من مصر بحمص لقد أبعد مرماه، وكرم منتماه، وسما مسمّاه، وسرى طيف الخيال، ولكن إلى من لم ينم، وجرى مجرى النسيم إلا أنه ينفخ الأرواح في النسم؛ وللمملوك سبح طويل في الحمد، ولا بد أن يدخر منه ما يستأنفه عند تكملة الإنعام، على أن يشرع في الشكر عند كل مسألة، ثقة بما وراءه من الاهتمام؛ فأما العافية الشاملة لأهل الإقليم، فكيف لا تشملهم وسيف المولى الطبيب، ومهابته دون محبوب الأعداء منهم والرقيب؟
وكيف لا يأمن الغاب وهو مسبع؟ وكيف لا يتوقّى وهو مشرع؟ لا عدموا هذا الظل فإنه كثيف، وهذا الطبع فإنه شريف، وتلك الحماية فإنها الأمان، وتلك الولاية فإنها زمان لا يرجى مثله من الزمان.
ومنه قوله من كتاب إلى الملك المظفّر تقيّ الدّين (( 1 )) : أصدر المملوك هذا الخدمة من ظاهر حماة، وهو ينظر إليها نظر المحبّ إلى الحبيب، ويتذكر منها أيام الخدمة التي هي وطنه، ولو نأى عنها- وهي في
فطنه- لكان كالغريب، ولولا حياء المملوك من مصر لكان بشّرها وأهلها من قربه منهما بفرجهما القريب، ولكن لا بد من عصبية لمصر، فلا نفجؤها بمشيئة الله من ذكر يوم فراقه باليوم العصيب، وآثار المولى على قلعة بلدها بمكان التيجان من الرّءوس، وذكره بين أهلها من ناسك وخليع، يفتح المصاحف ويدير الكؤوس.
وكان ورود الركاب العالي الناصري نصره الله إليها في يوم كذا، أحسن الله تقضيه، والمرض قد أحسن الله في تقصيه، والشفاء قد أنعم الله به على سلطاننا وعلى من يليه، فيالها من نعمة لا عذر فيها للشكر إذا اعتذر، ويا لها موهبة منّة منّ الله بها، آمن الذي أمن بها وبهت الذي كفر، وياله صفو لا كدر فيه، وكلّ صافية لم تخل من كدر.
ومنه قوله: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ
(( 1 )) فسبحانه جلّت قدرته جلّاها، وقد بلغت القلوب الحناجر، وفرّجها وقد بلغت الدّموع المحاجر، ومنّ بالسلطان على الخلق، وأقامه ليعتمّ به إن شاء الله دين الحقّ، فالمملوك يبشر مولانا- أدام الله له البشرى- بالعافية النّاصرية، وقد سار المبشّر عنّي بكتبه كما يقول المقلّل والمكثر، وقد سيّر المملوك كتابه الكريم لما فيه من زيادات، ولما تضمنه من متجددات، وعند مولانا له كتب كثيرة قد قضى منها الوطر، وقد نزه فيها النّظر، وقد وجب أن يردّ طيرها إلى وكرها، وعرائسها إلى خدرها؛ وأصدر المملوك هذه الخدمة ساعة سير السائر، كما أن المكاتبة بما قبلها قد كانت أم الكبائر؛ وغير ذلك فهو ينهي وصول كتاب مولانا، ومطالعة مولانا النّاصرية بخطّه، التي أنعم بتسييرها مفتوحة، وأفاد المملوك كلّ فائدة، بالوقوف عليها، وقد سيرّها فكان وصولها من حسن الاتّفاق، وكتابتها من سعادة
كاتبها تأتي عند العشيّ بالإشراق، لأنّ مولانا هنّأ بها عن العافية الأولى المكتوب بها، لينقطع الإرجاف، فصارت الآن هناء بعافية لا خلاف في أنها ما فيها خلاف.
ومنه قوله: أدام الله سلطان الديوان العزيز، ولا زالت كتائب أعلامه تكتب أقلامه مرفهة، وأحلام وفاقه مرشدة، وأحلام أهل خلافه مسفّهة، وسيوف عزائمه تستوعب كلّ حديث حسن، فلا تبقي إلّا أحاديث عن السّيوف مموهة، والقول بتوحيد فضل خلافته لازما، فلا يقبل شبه المعطّلة ولا تعطيل المشبهة؛ وأفعالها التي يبتغى بها وجه الله باسمه الشّريف في الملكوت الأعلى منوهة، ولا زال قوله بلغا، وأمره بالغا، وفضله سائغا، وفضل الله به سابغا، والحالي بعده للعاطل فاضحا، والحقّ للباطل دامغا، وإخلاص فطرة لا يدع للكفر شيئا غابطا، ولا للنّفاق شأنا نابغا.
الخادم يذكر أنه ورده، بل أورده من سدى الديوان، بل من أفق الإحسان، كتاب مرقوم، بل سحاب مركوم، أثبت في الأسماع، بل أنبت في الطباع، العقد النّقيّ، وأهدى إلى البصائر الصّادقة، بل أبدى للأبصار الرامقة، أي سابقة أنس، بل أي شارقة شمس، فأضاء الفضاء بنوره، وضرب بينه وبين الظلماء بسوره، فاستقلّت ملوك المعاني على سريره، ودخل الفهم حينه، ورفلت اللّيالي في حريره، ونقلته عينه في الحال إلى ضميره، فأنست معانيه بما هناك من عقائد اختصاص، وموارد إخلاص، مستقرّة في حيث لا تجري كلّ الأسرار، ولا تسري كلّ الأنوار، ولا تستودع إلا عقود التكليف، وخواطر التعريف، فألقت عصاها، ولقيت من أطاعها وما عصاها، وحلّت حيث حلّت، وجلّيت حيث جلّت، وانتدبت العزمات بمراجعتها، فهي المرآة إلّا أنّ الصّدأ مصدود على صفحتها،
وهي العينان، إلّا أن الليل والنهار سواء في وصف صحتها، وهي القلق، إلّا أنّ العيون دائمة الاستمتاع بلمحتها، وهي الرّوض، إلا أن أنفاس النسيم منافسة في العبارة عن غير نفحتها، وهي المذكرات الأنفس بالله، إلا أن أسطرها سلوكها، وحروفها درر صفحتها (( 1 )) ؛ ولا زال الخادم إلى مثل هذه الفقر فقيرا، وبها على نفسه بصيرا، وإذا أنعم بتسييرها إليه عدّها نعيما مقيما، وإذا ملكها رآها ملكا كبيرا، وما تردّ واردة من الدار العزيزة، وذلك أنّ المواصلة ما فرغوا إلى دار الخلافة إلى أن فرغوا، وإلا فطالما طمع أولهم كما طمعوا، وقديما دعوا إلى طاعتها فما سمعوا، وسمعوا فما انتجعوا؛ ولا يربّى الصغير إلا بما ربّي (( 2 )) عليه الكبير، ولا سبّ على جناية الأول إلا بما جناه الأخير، وقد كانت دولة العجم بالعراق استعلت ثم استفلت، وهبّت ثم وهنت، فتعبت رجال الليالي والأيام، وأولو تدبيرات السّيوف والأقلام بدار الخلافة، إلى أن صرفوا العدى عن موردها، وأبعدوا الأذى عن معهدها، واستقلّت الخلافة وحدها، ولزمت الأمور حدها؛ وإذا كانت المواصلة قد تقطعت بهم الأسباب، وأوصلهم حساب الحرب إلى العقاب، وتبرّأ الذين اتّبعوا من الذين اتّبعوا، وتفرّق الذين اجتمعوا بعد ما جمعوا، ففريق فرّ نازحا، وفريق قرّ مصالحا، وفريق على البعد راسل مستصلحا ومتطارحا، وفريق فتح بلده الذي كان التقليد له فاتحا، فلم يبق للمواصلة إلا أن يأووا إلى جبل يعصم من الماء، ويتعللوا بسراب بقيعة لا متعلل فيه للظمأ، ومعلوم أنهم إذا اختلبوا تلك الجهة، عادوا عود طائر نقّاق إلى عشه، واسترجعوا خاتم ملك، فربما رجع الأمر جاريا على نفسه، وما أولى ولاة المناصب، وكفاة المراتب وحملة الأمانات، وخدم سدّة السادات، إلى أن يفيقوا لهذه العمرة حق
الإفاقة، ويلحظوا طليعة هذه العواقب، ولا يهملوها إلى أن تجيء في السّاقة، فهذا في مصالح الدولة الجزئية.
فأما المصالح الكلية؛ فإن عواقبها منهم عظيمة، وبوائقها بأيديهم وأيدي قديمهم قديمة، فشدّ ما أخذوه بالأمس برا بلئيم وبرءا بسقيم، وهرب من لا حيلة فيه، فاستبيحت منه حرمة وحريم، فكم عين أزعجوا عنها إنسانها، وكم يد بانوا منها بنانها، ومنهم أولاد ابن زين الدين علي كوجك (( 1 )) ، التابع للخادم الآن، فإنّهم كشفوا منهم وجوها مصونة، وهتكوا منهم عورات أمينة، وحكّموا فيهم نظرات ظنينة، وطافوا بهم البلاد نهارا، ولم يخافوا لله غضبا، ولم يرجوا له وقارا، كذلك وجدوا آباءهم على أمة فاقتدوا بآثارهم، وعلى إيقاد نار حقد يستجمعون بهم في نارهم.
فأما الجبايات التي يأخذونها من الرعايا ظلما، وتضمين الشريعة لمن لا يمضي الله له على لسانه ولا يده حكما، واستباحة ملك الأوقاف والأيتام، والتفرقة في الحكم بين الخاص والعام، فكلّ ذلك ممام لا يسع خليفة الله إقرارهم على حيفه، ولا يعذره الله سبحانه في ترك مجاهدتهم بكتابه إلى عبده الذي جاهدهم بسيفه، ولا خفاء أنهم غابوا عن الجهاد للكفار، وحالوا بين الفرض وبين أولي القوة عليه والاقتدار، فلا يقنعون بأنهم لا يجاهدون إلى أن يمنعوا من يجاهد عنهم، وبأنهم لا يساعدون المسلمين إلى أن يساعدوا عليهم عدوّهم الكافر، فقد تولّوا الشيطان تليدا وطريفا، ووطئوا الإسلام وأهله وطئا عنيفا، فإذا جاء وعد الآخرة جاء الله بهم في زمرة الشياطين لفيفا، فإن لم يرجع إلى الخادم
فليرجع إلى قول الله تعالى: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
(( 1 )) .
والقوم فما أبقوا للصّلح موضعا، ولا تركوا في رجعة مطمعا، ولا تخلّفوا عن سوء بلغوه ناظرا ومسمعا؛ فالمسلم القريب استزلّوا يمينه، والمسلم البعيد استخفّوا سكينه، والكافر استنصروا سيفه، والحشيشيّ (( 2 )) استصرخوا سكّينه، والأموال التي في بلاد تقليده أكلوها وأضاعوها، وأمانات الله ابتغوا بها ثمنا قليلا فباعوها، والذّخيرة التي كانت بقلعة حلب لو أنّ لها لسانا يتكلم تظلّم، ولو أن لذهبها الذي تصرم فؤاد تضرّم، وحملت إلى الكفار فضربت بها أسنّة يطاعن بها صدور المسلمين، أو بقيت في أيديهم فضيّعت لتنتهك بما فيها حرمة الدين، ومتى استشفّ النّظر العالي حال الخادم معهم لمح أنه من مبدأ وصوله إلى الشام الذي نوى به في الكفار إقامة الجهاد، وفي الإسماعيلية إماتة الإلحاد، وفي المسلمين إزالة الفساد، شغلوه ثلاث سنين عن هذه الفرائض، وجاءته قوارص لا تحتقر وقوارض، وقد استولوا على حلب بلا حجة، وأخذوا ما فيها من الأموال بلا شبهة، وخرجوا عن اليمن المعقودة بلا معذرة، واستفزّوا من وافقهم من أمراء المسلمين بلا جريمة؛ والخادم على أن أجاب رسلهم بأنّي قد رضيت الدّيوان العزيز حكما، واخترت من اختاره الله للمسلمين قيّما، فكان هذا الجواب [سببا] أن يفرّوا إلى الفرنج، فحالفوا كفرتهم عليه، وإلى الإسماعيلية فأنهضوا مجرمهم إليه، ونازلوا طرف بلاده، وهو متوسط بلاد الكفار، فهدموا قلعة من قلاعها كانت زينة سلم ومفزع حذار، وراسلهم واستنزلهم، وقال لهم قولا لينا، أنه
يحملهم به عنه، فحملهم، ثم ما برح كلما طوى بلادهم، وجاز مدنهم، يمحضهم المناصحة، ويدعوهم إلى المصالحة؛ وممن عرضها عليهم على يده فامتنعوا، وشافههم على لسانه فما سمعوا، شيخ الشّيوخ، وإن سئل عن الشّهادة أداها، وإلى مسطوره في الدّيوان أبداها، وبعد مصدر فلان عنه حشد عليه ملوك الأقطار، وخرجوا من دمنة القرية المحصّنة والجدار، وتحرّك إليهم فتحركوا لكن قدامه لا إليه، وراح إليهم فراحوا عنه، وكان ينتظر رواحهم عليه، وقتلهم السّيف وهو في غمده، وكفى ما كان متوقعا من قبل جدّهم وقبل جدّه، وقد أخرجوه إلى أن أقطع البلاد الحلبية والجزيرية والموصلية لمن يخدم عليها، وسبقوه بين يديه إليها؛ والله سبحانه فقد أخذهم بما علم وعلموا، وتمكن منهم بما ظلموا، وما استبقاهم إلا ليكرر عليهم الرقّة، فقد رقّت لتقتل الشفار، ولا لألين القول فقد سمّى ليذبح الجزّار؛ فإن كان التعلّق بالدار العزيزة وهم يحاصرون دار السلام بأحزابهم، ويرامون التّاج الشريف بنشابهم، ويصافّون الخلفاء مصافّة المواقف، ويكاشفونهم مكاشفة المخالف، ولو تحرك اليوم متحرك كانوا له كنانة، ولكانت دارهم له خزانة، ويعلم أن الخادم ما ذهبت عنه؛ ويرجو الخادم بالموصل أن يكون الموصل إلى القدس وسواحله، ومستقرّ الكفر من القسطنطينية على بعد مراحله، وبلاد الكرج؛ فلو أن لهم من الإسلام جار لاستباح الدار، وبلاد أولاد عبد المؤمن؛ فلو أن لها ماء سيف لأطفأ ما فيها من النّار، إلى أن تعلوا كلمة الله العباسية الدّنيا، وتعود الكنائس مساجد، والمذابح المستعبدة معابد، والصّليب المرفوع حطبا طريحا في المواقد، والنّاقوس الصّهل أخرس اللهجة في المشاهد، هذا كله يجري بمشيئة الله في السيرة الناصرية، فتحلّى بها السير، ويجلّى بها الغير، ولا يكلّف الخادم مالا ولا مددا، ولا يتخلّف عن نصرة ولي الله إذ كاد أعداء الله يكونون عليه لبدا، ولا يقول أنه ينقص ما في الديوان بل يزيده، ولا يستفيده بل
يفيده، وإن استعظم هذا المأمول، واستقصر دون هذا المبذول، فالذي وقع أعظم من الذي يتوقع، والذي طلع أكثر من الذي يتطلع، والذي رأى أمس أكثر من الذي يسمع، وقد علم الله سبحانه أنه لا يريد دنيا يريدها لدنيا يتزيدها، ولكن ليقوى بها على تقوى يتزودها، فإن أعين على النّية، وإلا فقد حصل أجرها، وإن نجح جهد الإرادة في الدّنيا، وإلا فقد سرّ في الآخرة سرّها.
ومنه قوله: كلّ ما يرد على عبد المجلس- لا زلت المسارّ على جانبه واردة، والأيام بامتداد عمره واعدة- من أنفاسه العطرة، وكتبه البهجة النّضرة، ولاء رأيه التي تمطر من صدرت إليه صوب الصّواب، وتجعل لمن صدرت عنه ثوب الثواب، وتشهد له بالفضل الذي ليس له جاحد، وتذكرت بيت أبي عبادة (( 1 )) : [الطويل]
ولم أر أمثال الرّجال تفاوتوا ... إلى الفضل حتّى عدّ ألف بواحد
ثم سلك عبده غير هذا الجدد، ولا يقف عند هذا العدد، وينشد قول الآخر: [الطويل]
وما النّاس إلا قدحة أنت زندها ... وقطرة غيث أنت منشي سحابها
فلا عدمت دول الإسلام، وصدور الأيام، منه البقية الصالحة، والحسنة الراجحة، والسيف الذي يبلي الأيام فهي غمده، وينظم الساعات محاسن فهي عقده، وإن تأخرت خدم عبده عن مجلسه، وأمسك عن أن يقابل بدجاه نور قبسه، فقد علم أدام الله نعمته أن الطريق ليس بقاصد، والعدو ليس بواحد، وأن
الكتب لها أقوام سوء في الطرقات، يقصدونها ويرصدونها، وأن فلجات الشام قد حال دونها؛ إلّا أن الأمور بمشيئة الله، قد سفر وجه صلاحها، والليلة قد دنت من صباحها؛ والله تعالى يتم ما تعد به المخايل المتوسمة، ويحمد الإسلام وأهله عواقب هذه المخايل المتنجمة.
ومنها: وقضايا كلها توجب أن ينعكف المجلس على فرض يؤديه، ونصح يهديه ودعاء لمولى النعمة يحفيه، والله مظهر أثره ومخفيه، مع أنه لا يدفع عن منزلته العليا ودرجته الكبرى من القلب الأصمع، والروع الأروع، والعزمات التي هي كألطاف الله التي منها الواقع ومنها المتوقع، فما حصر قط في مأزق إلا سفر عن نصر تبين فيه الأرواح من ثيابها، أو عن سلم يأتي فيها البيوت من أبوابها؛ وأما القرية المسؤولة فهي من البغاث الذي لا يصيده ذلك الجارح، وإن هذا ميدان يضيق عن شأو ذلك القارح.
ومنه قوله: وصل- وصل الله المجلس السامي بأفضل وصائل نعمه، ولا أخلى الدّين من الفخر بأمس سيفه ويوم قلمه، وحمل مواقف الجهاد بثبوت قدمه وخفوق علمه، وأدام تذكار خواطر الإسلام لأيام ذي سلمه، وأمتع المجد بأيام حياته التي هي تواريخ فخره وأيام حكمه- كتاب منه كريم، وكلّ ما يصل منه ما يعدّ إلا كريما، وكلام شريف شفّ يدا كلميّة وشفى فؤادا كليما، وخطاب عذب فاض على الأعين روضا، وجرى على الأكباد نسيما، وأبان منه على الحفاظ المحفوظ في شيمته، ولا نحسبها ينساه يوم لا يسأل حميم حميما؛ أكرم كتابا نقع الغلّة فطرأ وطرا، وفرج العلة فجرى مخرا، وأوضح محجة النّور لسالكها فبدا بدرا،
وسقى ماء الفضل فزها زهرا، وسبح الله قارئه وأجرى أجرا، ومن الناس بسخط يكون للدّنيا زينا وللآخرة ذخرا؛ وقد علم الله أن العبد ليمتاح من بحرها، ويرتاح إلى ذكرها، ويستقصر سعيه، وإن كان يستوعب الأشواط ولا يرى علمه كفء نيته في الخدمة، وإن كان مستوفي الأشراط فإنه حسنة في الدهر، بالإضافة إلى أهل بيته وكلهم حسنات، وغرسة في الدهر كأنما كان آباؤهم رحمة الله عليهم من جناة الجنّات، ولقد أعجبوا وأنجبوا، فهم المعنيّون بقوله: ألكم البنون ولهم البنات (( 1 )) .
ومنه قوله: وصل- أدام الله أيام المجلس، ولا زال سيبه مسئولا، وسيفه في الحقّ مسلولا، وأمره مقتبلا ومقبولا، وعدوّه بالإحسان- أو بإساءته إلى نفسه- مقتولا، ووليّه على النّجاة في الدارين مدلولا، وبشر وجهه بجود يده رسولا، والغمام لا يطمع بأن يكون لتلك اليد في مضمار الكرم رسيلا- كتاب كريم يحمل على يد فلان، وثان (( 2 )) على يد القاضي الواصل إلى مصر، ولم تزل أيادي المجلس تتصل إلى أوليائه قربوا أو بعدوا، وقصروا في الخدمة أو اجتهدوا؛ ووقف على الكتابين الكريمين اللّذين قبلهما على أنهما يدان، واهتدى بهما على أنهما فرقدان، وإن لم يكونا يدين يقبّل ظهرهما، فإنّهما يدا نعم يجب شكرهما، وإن لم يكونا فرقدا ليل أنارا في سواد، فإنّهما فرقدا نهار أنارا في مداد؛ وما يخرج عن تلك اليد، ولا يصدر عن ذلك الصدر إلّا كلّ ما تكشف به الأنوار، وتروّح به الأسرار، ويجلب به المسار، وتجدد به المبارّ، ويبقى به شرف لا يخلق جديده جديد اللّيل والنّهار.
وأورد نجم الدين من الأحوال هناك، والضّرورات إلى الكثير والقليل، وحسن السيرة المشتملة على الجميل، وأنه بمصر أدام الله ظلّه على مشقات العفاف، ويسلك لنفسه القصد ويعطي منها الأشراف، وأن كرمه لا مادّة له ولا حاصل، ورواتب نفقاته لا أصل لها ولا واصل، وكلف خرجه لا محمول لها ولا حامل، وذكر ذلك في كلّ مشهد حضره، وفي كلّ موقف وقفه، وبين يدي كلّ كبير عرفه، ورقاه إلى العلم النّاصري فأثبته فيه ومكّنه وكشفه، وتبع هذا الفقيه نجم الدين رأي أبيه رحمه الله في خدمة هذا البيت الذي كان يتعبّد به، ولولا الغلوّ لقلت: وكان يعبده، ومضى شهيدا في جنة رحمته مستشهده، ووجب أن يلحظه المجلس بعين صاحب سابق، ومحب صادق، وذوي سريرة لا يخجل بها الواثق، وذي كفاية ينفذ في الأمور نفاذ السهم المارق؛ فما كلّ صاحب له وجاهة في كل مكان، وإن كانت له وجاهة فقد لا يكون له جنان، وإن كان له جنان فقد لا يكون له لسان، وإن كان له لسان فقد لا يكون له بيان؛ وهذا يجمع هذه الشرائط، ويحضر في عقود المجالس فيكون فيها مكان الوسائط، ويفي لسانه وقلبه بإدراك الفوائد واستدراك الفوارط؛ فهو أحقّ عبد تضمّ اليد على رقّه، وأولى وليّ يجازى بتصديقه وسبقه، على أن الآمال العظيمة، والمطالبة الكريمة تبلغ به الهمّة الفخرية بأيسر العزمات وأدنى الحرمات؛ ولم يذكر في هذه الإجابة ما ذكر من أمره، إلّا أن كثيرا من الرسل الواردين والأصحاب الوافدين، يسعى في قصد مرسله ومقصده، وهذا سعى لمرسله بمفرده، وما جعل حظّ نفسه وغاية قصده إلّا الخدمة وبلوغ غرضها، وشكر النّعمة والقيام بمفترضها؛ وإذا وردت الكتب الفخرية جددت بورودها فخرا، وفرضت على لساني مع شكره الذاتي شكرا، وعلى القلب مولاة إلى مولاة أخرى (( 1 )) ؛ وردت على المملوك مكاتبة كريمة،
رفعها حيث ترفع العمائم، ومدّ إليها كما يمدّ إلى الغمائم، وفضها بعد أن قضى باللّثم فرضها، واستمطرت نفسه سماءها فأرضت أرضها، وكاد المملوك يتأملها، لولا أن دمع الناظر إلى العين سبقه، على أنه دمع قد تكون بتلوّن الأيام في فراقه، فلو فاض لعصفر الكتاب وخلّقه، فلا أعدمه الله المولى حاضر وغائبا، ومشافها ومكاتبا، وأحله في جانب السعادة، ويعزّ على المملوك أن يحلّ من مولانا جانبا.
ومنه قوله (( 1 )) : ودر كتابه، ووقفت على ما أودعه من فضل خط وفصل خطاب، وعقائل عقول ما كنّا لها من الأكفاء، وإن كانت من الخطّاب، وآثار أقلام تناضل عن الملة نضال النّصال، وكأنها فضل سبق لما يحوزه له من حق السبق وخصل الخصال، فأعيذ الإسلام من عدمه، ولا عدم بسط قلمه وثبوت قدمه، فإنه الآن عين الآثار وأثر الأعيان، وخاطر الحفظ إلا أن الخطوب تصحب فيه خواطر النسيان، ولئن انتصر الدهر سطوا، واختصر خطوا، فإنه سيف يمان، إن قدم عهدا فقد حسن فرندا وخشن حدّا، وأجرى نهرا وأورى شررا، واخضر خميلة، وقطع للأيام جميلة، وضارب [الأيام فأجفلت عن مضاربه ضرائبها، وشردت عن عزمه غرائبها،] ، ولبسها حتى انهجت بوالي، ثم اختار منها أياما وأبى أن يلبسها ليالي.
ومنه قوله (( 2 )) : وصل كتاب الحضرة، فجعل مستقره مستقر النعمة في الصّدور، وأخرجتني ظلمات خطه إلى نور السرور، ووقفت وكأني واقف على طلل من الأحبة قد بكى عليه السحاب بطله، وابتسم له الروض عن أخبار أهله، فلم أزل
أرشف مسك سطوره ولماها، وأنزه العين والقلب بين جنيها وجناها، وأطلق عنان شوق جعلت الأقلام له أنجما (( 1 )) ، وحسبت النّقس ليلا، والكتاب طيفا (( 1 )) ، والوقوف عليه حلما، إلى أن قضت النّفوس وطرا، وحملت الخواطر خطرا، وقرنته بما ظنه سحابا ما ظنه مطرا؛ هذا على أنه قريب العهد بيد النّعماء، فإن هرب فمن ماء إلى ماء.
ومنه قوله (( 2 )) : وقف على الكتاب [و] ، جدد العهد بلثمه، لما لم يصل إلى اليد التي بعثته، وشفى القلب بضمه، عوضا عن الجوانح التي نفثته (( 3 )) : [المتقارب]
وأين المطامع من وصله ... ولكن أعلل قلبا عليلا
ومنه قوله رحمه الله (( 4 )) : وصل كتابه، فكان من لقائه طيفا، إلا [أنه] أنس بالضّحى، وأثار (( 5 )) حرب الشوق وكان قطب الرّحى (( 6 )) : [الطويل]
تخطّى إلى الهول والقفر دونه ... وأخطاره لا أصغر الله ممشاه
ومنه قوله يصف بلاغة كتاب (( 7 )) : كتاب إلى نحري ضممته، وذكرت به الزمن الذي ما ذممته، وأكبرت قدره، فحين تسلمته استلمته، والتقطت زهره فحين لمحته استملحته، وامتزج بأجزاء
نفسي فحين لحظته حفظته، وجمعت بينه وبين مستقره من صدري، واستطلت به مع قصره على حادثة دهري، وجعلت سحره بين سحري ونحري، واستضأت به ورشفته فهو نهاري وهو نهري؛ فإن أردت العطر بلا أثر أمسكت مسكه بيدي، وإن أردت السّكر بلا لثم (( 1 )) أدرت كأسه في خلدي؛ فلله أنامل رقمته ما أشرف آثارها، وخواطر أملته ما أشرق أنوارها! ولم أزل متنقلا منه بين روضة فيها غدير، وليلة فيها سمير، وإمارة لها سرير، ومسرة أنا لها طليق أسير، ونعمة أنا لها عبد بل بها أمير، حتّى أدبرت عنّي جيوش الأسى مفلولة، وقصرت عني يد الهم مغلولة، وملئت مني مسامع المكارم حمدا، وخواطر الصنائع ودا، وحطّ الأمل بربعي رحله، وأنبت الربيع بفنائى بقله، ولبست من الإقبال أشرف خلعة، ووردت من القبول أغزر شرعة، وانتعجت من رياض الرجاء أرجى نجعة.
ومنه قوله (( 2 )) : هذا مع عفو الخاطر، فكيف إذا استدعى المجلس خطيّة خطه فجاءت تعسل، وحشد حشود بلاغته، فأتت من كلّ حدب تنسل.
ومنه قوله (( 3 )) : ورتع في رياض بلاغته التي لم يقتطفهنّ من قبله غارس ولا جان، واجتلى الحور المقصورات في الطّروس التي لم يطمثهنّ إنس قبله ولا جانّ، وغني بتلك المحاسن غنى خير من المال، واعتقد فيها كؤوسا إذا شاء أنفق منها الجمل، وإذا شاء أمسك منها الجمال.
ومنه قوله أيضا: كتاب اشتمل على بديع المعاني وباهرها، وزخرت بحار الفضل إلا أنني ما تعبت في استخراج جواهرها، بل سبحت حتى تناولتها، وجنحت إليّ فما حاولتها، واقتبست من محاسن أوصافه، وبدائع أصنافه، نكتا استقلت أجسامها بالأرواح، وزهت جيادها بما فيها من الغرر والأوضاح، فيالله من بدائع وروائع ولطائف وطرائف! فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، وما يقرّط الأسماع وتقرظ الألسن، كأنه طرف طرف صوبه مدرار، وعلم علم منصوب في رأسه نار؛ صحّح السحر وإن كان ظنا، وفضح الدّرّ وإن كان أبرع معنى وأسنى حسنا، وأدنى مجنى وأغنى مغنى، فما ضرّت أخير زمانه مع تقدم بيانه، ولا من سبقه في عصره مع أنه قد سبق في مصره.
ومنه قوله (( 1 )) : ولله هو من كتاب لما وقفت عليه الغلّة شفاها، وحدثها الودّ شفاها، ورأت وردها كل ماء غيره شفاها (( 2 )) ، ووطئ مضاجع أنسها بعد أن كان الشوق يقلب الجنوب على شفاها (( 3 )) ؛ فلا عدم ودها الذي به عن كل مودة سلوة، ولا برحت كفاية الله تحلّها في الذّرى وتعلي قدرها في الذّروة، ولا فقد مما ينعم به أي نعمة، وما ينشيه أيّ نشوة.
ومنه قوله: كتاب كريم تبسّم إليّ ضاحكا، وظن مداه أنه قد جلا سطره علي حالكا، فما
هو إلا سواد الحدقة منه انبعثت الأنوار، وما هو إلا سويداء ليلة الوصل اشتمل على دجى تحته نهار، فلله هو من كتاب استغفر الدهر ذنب المشيب بسواده، واستدرك الزمان غلطه بسداده.
ومنه قوله (( 1 )) : كتاب تقارعت الجوارح عليه فما كادت تتساهم، فقالت اليد: أنا أولى به؛ شددت على مولاه ومولاي عقد خنصري، ورفعت اسمه فوق منبري، وقبضت عليه قبضتي، وبسطت في بسط راحته وقت الدّعاء راحتي؛ وقالت العين: أنا أولى به؛ أنا وعاء شخصه، وإليّ يرجع القلب في تمثيله ونصّه، وأنا سهرت بعد رحيله وعندي وحشة، وأنا أذكر ذكر هجير القلب عليه رشة بعد رشّة؛ فقال القلب: طمعتما في حقّي لأني غائب، وهل أنت لي يا يد إلّا خادم؟ وهل أنت لي يا عين إلّا حاجب؟ أنا مستقرّه ومستودعه، ومرتعه ومشرعه، وأنا أذكّره وبه أذكركما، وأحضره وبخدمته أحضر كما؛ فاليد استخدمتها مرة في الكتاب إليه، ومرة في ملاحظة وجهه غائبا وفي توقّع لقائه آئبا، وفي السّهد شوقا إلى قربه، والمطالعة لما يخرج أمري بكتبه من كتبه؛ فهناك سلّمنا واستخرنا، واكتفينا واستأخرنا، وكدت أرشف نقسه إلى أن أنقله إلى سويداه، لولا أنّ سواد العين قال: أنا أحوج إلى الاستهداء بهداه.
ومنه قوله: ورد كتاباه الكريمان فسرّا وبرّا، وتصرّفا في القدر فنصبا، وفي الطّرف فرفعا، وفي الأنس فجرّا، وما وقف على صدر منهما إلا شهد القلب بأنه أولى الصّدور بأن يكون صدرا، ولا أهديا إليه يدا كبرى إلا أفضيا به إلى بحر، وما دار في
خلده أن البحر يكون كلّه درّا، وتحقق ما له منه من مناب يصرفه كلّما ناب، ويؤنسه في كلّ ما راب، ويلبيه إذا دعا، ويزيده بصيرة إذا أجاب، ويصله إذا غبّ (( 1 )) ، ويحضره إذا غاب، ويبعث عزمه إذا ألبّ (( 2 )) ، ويورد أمله إذا لاب (( 3 )) ، فعلى هذا المقدمات تنتج، ومتى عرضت عوارض من الشك تزدحم، سنحت سوانح من الثقة تفرج، وقد علم ما رامت عليه هذه الأحوال التي يظنّ أنها في أعقابها وهي في مباديها، وما أسفرت عنه هذه الليالي التي تحسب أنها في بلجة غررها وهي في دهمة دآديها، وليس للمعضل من الدّاء إلا كيّه، وليس للغازي إلا الشهاب الذي يدخر به استراقه ويحسم به غيّة؛ وقد طالع الدّيوان العزيز بما يرغب في الوقوف عليه، والمشورة بما وقعت الإشارة إليه، فلم يكلّف المجلس ذلك إلا لأنّ الملتمس من التقليد لصلاح الجملة وصلاح الدّولة باد قبله، ولمحل الخلافة شرفها الله رافع قبل أن يرفع محلّه، وما شام من ذلك أمرا يصعب مثله، ولا ذخرا يتعذر بذله، ولا جيشا يخلو فناء الخلافة بأن ينقص عنها جعله، ولا عزل وال يجلّ على الإسلام عزله، ولا تجريد سيف من يد الخلافة العالية يتوقى أن لا يمضي نصله، ولم يسم إلّا إلى ما أفاده إليه ولاؤه واعتقاده، ووفقه عبده نظره واعتقاده، من أن يكون نظره شرعيا، وتصرّفه بعين الخلافة مرعيّا، وتقلّده سنيّا، وجمعه إجماعيّا، فتكون الأمور أمرا واحدا، والمناهج المختلفة القصد نهجا قاصدا، والرّايات القاعدة عن الكفار راية مستقلة، يؤنسها الانفراد، وينهضها الجهاد، ويبيّض عواقبها السّواد، لا تختلف تحتها الآراء، ولا يتشتت عندها الأهواء، ولا يعوزها النّصر في الأرض إلّا أن ينزل من السماء، ولا يحوجها التأييد إلّا أن تصحر إلى الفضاء؛ هذا إلى ما ينضاف إلى يد الخلافة وكلمتها من
بلاد بها تخصّ، ومنابر ومنائر تعلو سماؤها عليها وتنصّ، فالسعادات سمحة إن تسمحوا، والدّنيا مستفتحة إن تستفتحوا، والممتنعات ما دونها حجاب، والدين لا يصلب دون فطرته صخر، ولا يبعد دون تناوله سحاب؛ والمجلس السامي يتأمل المراد بعين الولاء، والخادمة بعين المحبة، ويعلم أن مثل الحروف المثبتة في هذا التقليد كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
(( 1 )) وما أحراه في ذلك بتحرّيه، وما أولاه في هذا المهمّ بما يوليه، فإنّه إذا أنجز ما وعد به حسن الظّنّ، وأهدى إليه وإلى الإسلام ما يكسبه القوّة، وإلى الأمة ما يحميها الوهن، فليذهب أدام الله نعمته من ذلك بواجده ما ذهب بمثلها من الدّنيا واجد، وليقرّر المجد بعظمته ما جدّ في مثلها ما جد، وليكن أدام الله دولته مع الحق فإن الذي يدعى إليه هو الحق، والرجل الذي يعرف ما بين الرجال من الفرق.
ومنه قوله: وما برح قلمه يقوم خطيبا في محافلها، ونائبا عن مناصلها، ومعظما لشعائرها بشعارها، ومعلنا لمآثرها بآثارها، ومناضلا لأعدائها بكل قطّاعة العرى، طلّاعة الذّرى، إلى غير ذلك من توشيحة مدارس التدريس، بالدّعاء. بخلود أيامها، ونفوذ أحكامها، والرواية عن سلف الأئمة الصالح من آباء أمير المؤمنين وأجداده، والتنبيه على مناقب الدولة التي تجدع بها أنوف أعدائه وأضداده، هذا إلى أنه ربّي في ظلال الدولة العزيزة الممدودة، وتصرف في خدمها المحمودة، وأدرك الصّدور من خدامها، وأدى أمانتي اللّسان واليد في استخدامها، وهذّبته تلك الآداب إلى أن أمن العثار، واعتد الخادم به من إنعام الدولة التي حصّلت له قبل الحاجة الأقدار، وقد أضاف إلى تلك الحقوق التالدة حقا طارفا، واستأنف
إلى تلك الأسباب القديمة سببا آنفا، وهو صحبة الخادم، وكتابه عن يده، وترجمته عن معتقده، وثقته بمغيبه ومشهده، ومجادلة أعداء الدولة بلسانه ويراعه، وإبهاته أبصار أوليائها بالقول المحكوم على كل ذي لب باتّباعه؛ وله مما أقناه الإنعام الشريف، ملك بواسط في شركة أقاربه، ما برحت العناية متوفرة بعقوده، حامية لحقوقه وحدوده، مثمرة لمستغله، مزجية لدخله، مانعة الأيدي من أن تتطرق إليه، أو تتسلط عليه، وقد تجدد الآن من مفظعي المجاورين لملكه دخول في الحدود، وخروج عن المعهود، ودعوى معوزة البراهين والشّهود، والمسؤول فيه خروج الأمر بما يزيل صادق الشكوى، ويبطل كاذب الدعوى، ويردّ الحقّ ويحمي الحدود، وبيده توقيعات إمامية أجرته على ما يلتمس الآن الإجراء عليه، ولو لم يكن هذا الحدّ بيده لما استكثر الإنعام أن يصفح له عنه، ويعاد إليه، فكيف والحجج الشرعية والتواقيع الإمامية مثبتة لحقه، شاهدة بقدم ملكه وسبقه؛ والمتوقع إجابة سؤاله فقد جرده، وإن تأخرت الإجابة بالإيجاب جدّده.
ومنه قوله: أسعد الله المجلس، ولا برحت الأيام شاكرة لأيامه، والصوارم معدودة من حساد أقلامه؛ الهمّة العالية مذخورة عند المهمّات، مستضاء بأنوارها في ليالي القصد المدلهمّات، والآراء المجدية مستمدة بحمد الله من المكرمات، تسلّ بها ولا سيما إلى أهلها، ويأتيها على علم إذا أتى على الناس من جهلها، ويبتكرها بخاطر خطار، ويبتدرها بضمير فضل لا يجارى في مضمار؛ وإذا عرضت اللّبانة أنزلت بكرمه الفسيح اللبان، وحدت ركابها إلى أفناء إحسانه الذي ينتهي إليه غاية سرى الركبان؛ وقد قصد هذه الخدمة على حال تفصيل فلان في ملك له بواسط، قد استولى عليه من حادده وجادّه من المقطعين، وأضرّ به من حاز عليه
من المجاورين، ومعه من التّوقيعات الإمامية ما يوضح الإشكال، ويرشد من الضّلال، ولو لم يكن الحدّ له مستحقا، والملك بيده مسترقا، لوسعه من الإنعام ما يسع من ليس له من الخدمة المرعية، والأذمة المرئية، كما لهذا المذكور، فله في ولاء الدولة الشريفة السبب الوثيق، والعرق العريق، والسابقة التي لا تمارى، واللاحقة التي لا تجارى، والنشأة في ظلال الدار العزيزة، والتربية في أكنافها الحريزة، واستمداد العلم من بحرها، واستمطار الأدب من قطرها، واستلماح الأنوار من فجرها، والتقلّب في آلائها، والثّبوت على ولائها، والمناضلة بلسانه وقلمه الذين يلحدون في أسمائها، إلى غير ذلك من المكاتبات التي تجاهد فيها عن الدولة الناصرية حق الجهاد، ويرهف بها الأولياء ويفلّ الأضداد، ويستعطف بها القلوب النافرة، ويجمع بها الأهواء المتنافرة، ويجادل فيها بالتي هي أحسن، وبالتي هي أخشن، ويوضح حقها بالتي تثبت من أخلص، وتستخلص من أدهن؛ والمجلس السّامي عارف بقديمه وحديثه، ومكتسبه وموروثه، معرفة توجب الذّمام، وتنجح المرام، وتدخر الأيام، وتتوقع ظهور ثمرتها في أوقات القدرة؛ لا عطّل المجلس من حليها، ولا خلا من اقتطاف ما حلا من جنيها، فإنه جانب من الدولة العالية، لا ينفصل عنها ولا يخرج منها، ولا يعدّ إلا من أقطارها، ولا ينتظم القائم به إلا في أنصارها؛ وقد شرع في الشّكر ثقة بالنجح، وألقيت عصا السرى علما أنها مسبوقة الحمل بطلوع الصّبح، وتركت محاربة خواطر الشك علما أن المطالب به مذعنة إلى الصلح؛ والمجلس السامي سريعة ورده، وفلك القصد والمهمة المجدية طليعة سعده؛ ومن ورد عنايته فقد استكره الموارد، ومن جعله قبلة القصد فقد استنجح المقاصد؛ والمتوقع وصول كتاب أخيه الشاكر لإنعامه، الداعي لأيامه، بأن هذا الحد قد رفعت عنه اليد، ولئن تكاثفت الأشغال عليها، وتزاحمت المهمات لديها، فما هي لخواطرها إلا بمثابة
الصقال للسّيوف المرهفة، ومرور النسيم بالرياض المفوفة؛ فالصقل للأولى يفيدها قطعا ولمعا، والنسيم للأخرى يفيدها نفحا ونفعا، ولا شبهة في أنها مدفوعة إلى بحر أشغال متدافع، ومقذوف بها في بحر هول يرجع عنه كلّ طمع متراجع، وهي بحمد الله سابقة، للطبع فاتقة؛ فالعقبة الكؤود لا تؤود، وعزمها فيما ترقّ له الصّخور لا يجوز؛ والله تعالى يحسن إليها كما أحسن بها، ويجعل لها راحة عنده في تعبها، وخواطر المحبين لخواطر الشّعراء في كل واد تهيم، وكلما أمّل القرب يوم مسفر قد دفعه الدهر بليل بهيم، وكتابها الكريم، فينعم بها مضمنا ما يسنح من خبرها، ويعزّ من وطرها؛ والله لا يعدمني خبرها إلا بوجهها، وكتابها إلا بنظرها.
ومنه قوله: ما أصدرت هذه الخدمة إلى مجلس الحضرة العالية، لا زالت الأيام خدّامها لخواطرها، والأسماع نطاقا لجواهرها، والطّروس ساحلا لزواجرها، والمسارّ سارية إلى سرائرها، والأيام قاضية بكلّ قاضية عليهم، تخفض من محلهم وترفع من محلّها، وتعقد لها عقدة عز تعجز أيديهم عن حلّها، من ثغر الإسكندرية حماه الله، عند الوصول إليه لخدمة الضريح المعظمي، الذي حل فيه ملك الكرماء، ولزيارة القبر الحافظي، الذي حلّ فيه ملك العلماء؛ والله تعالى يؤجر الكافة في الفجيعة بالعلم والكرم، على أن الحضرة العمادية أولى ألي الكرم، والعلم فلا تشتكي العدم، ولابد أن أخرج إلى مراد هذه الخدمة وثبا كخروج البحتري في مدائحه، وأن أهزّ عزمها لأمر مهم تثاب في تسبيب مناجحه، ولا أطيل بذكره فإنه في الخدمة الناصرية الصادرة عني في معنى الفقيه ابن سلامة، وهي تفعل ما يقوم الله عزّ وجلّ بأجره، وأقوم أنا بشكره، وما بعده مما يبيّض الصحيفة على أنها نظيفة، ومما يتوصل إلى المراد الجليل منه بفكرتها الدقيقة اللطيفة، وقد ضاق وقتي عن مكاتبة أعزيه بمقتضاها، فأسألها إن كان الرّكاب العزّيّ أدام الله أيامه،
ونصر أعلامه، بالعسكر المنصور، فتعرض عليه الفضل من المطالعة، ولا أقول:
ويهزّ عزمه، فإنه سيف قاطع لذّاته، يستحيل أن يرى إلّا قاطعا، ومولى يرى الثواب من لذاته، فلا يمكن أن يرى إلى داعيه إلّا مسارعا؛ ومن عوّل على خطابه في الأسفار التي تملأ الغرائر، ولا تستقلّ بها الأباعر، فإني أعوّل في خطابها على اللفظة المعرضة، ومن استدعيت عزائمه بالمماشاة والمصافحة؛ فإنني أستدعي عزمها باللحظة الممرضة، لا زالت مساعيها مقرونة بالمساعد، وهممها موفية لما كلفته عنها الظنون الحسنة المواعد
* ومن شعره قوله (( 1 )) : [الكامل]
إنّ البنان الخمس أكفاء معا ... والحلي دون جميعها للخنصر
وإذا الفتى فقد الشّباب نشاله ... حبّ البنين ولا كحبّ الأصغر
واخصص بوسم تحيّتي من لم أبح ... لك باسمه ولعله لم يذكر
ممن أودّ لها الرّدى لا عن قلى ... وتودّ لو أبقى بقاء الأدهر
ومنه قوله (( 2 )) : [الكامل]
ذكرت وجوهكم والبدر يسري ... كلا البدرين مسكنه السحاب
سقاني الله قربك عن قريب ... دعاء طال واختصر الخطاب
ومنه قوله (( 3 )) : [البسيط]
تفدي اللّيالي التي بالسّعد تسخطني ... تلك اللّيالي التي بالقرب ترضيني
كانت بكم فرعاها الله تضحكني ... فأصبحت لارعاها الله تبكيني
يا بعدها غاية للشوق غائلة ... من غور مصر إلى علياء جيرون
أودعتم مسمعي مكنون درّكم ... فهاكم درّ دمعي غير مكنون
ومنه قوله (( 1 )) : [البسيط]
من أين أنت ومن- يا ريح- أين أنا ... الجدّ خلقي ومن أخلاقك العبث
ما جئت مبعوثة بل جئت باعثة ... همّي ولا خاطر في الهمّ منبعث
لبثت في الحب عمرا لا أحصّله ... كفتية الكهف لا يدرون ما لبثوا
كرّوا اللّواحظ بحثا عن محاسنه ... وما دروا أنّهم عن حتفهم بحثوا
ومنه قوله (( 2 )) : [الكامل]
زار الصّباح فكيف حالك يا دجى ... قم فاستدمّ بفرعه أو فالنّجا
رأت الغصون قوامه فتأوّدت ... [و] الرّوض أنشر نشره فتأرّجا
يا زائري من بعد يأس ربما ... تمنى المنى من بعد إرجاء الرّجا
أترى الهلال ركبت منه زورقا ... أو لا فكيف قطعت بحرا من دجى
أم زرتني ومن النّجوم ركائب ... فأرى ثرياها تريني هودجا
لعبت جفونك بالقلوب وحبّها ... والخدّ ميدان وصدغك صولجا
منها:
لا أرتجي إلّا الكرامة وحدها ... فالمال قد أعجلته أن يرتجى
تتلو اللّيالي سورة من فضلكم ... فتقيمها شعراؤكم أنموذجا
منها:
ناران: نار قرى ونار وقائع ... لله درّك مطفئا ومؤجّجا
باشرت بشرك لا بمنّة شافع ... فغنيت يا شمس الضّحى أن أسرجا
ومنه قوله (( 1 )) : [البسيط]
قاتل بغير سلاح الهجر إن له ... ضربا تسيل دموعي منه وهي دم
كتمت ما بي في وجهي دلائله ... والهمّ نار فقل لي كيف ينكتم؟
وقوله (( 2 )) : [الوافر]
وميدن خدّه لخيول لثمي ... وصولج صدغه والخال أكره
تلفت بشعره وسمعت غيري ... يقول: سلمت من تلفي بشعره
بكيت عليك ملء العين حتّى ... بقيت بأدمعي في الشّمس عصره
(( 3 )) وقوله (( 4 )) : [الرجز]
ممسحة نهارها ... يجنّ ليل الظّلم
كأنّها مذ خلقت ... منديل كمّ القلم
ومنه أخذ شافع (( 5 )) قوله (( 6 )) : [الوافر]
وممسحة تناهى الحسن فيها ... فأضحت في الملاحة لا تبارى
ولا نكر على القلم الموافي ... إذا في وصلها خلع العذارا
والأصل قول ذي الرّئاستين (( 1 )) : [المنسرح]
ممسحة تكتم الظّلام فما ... تبديه إلا سوافر الظّلم
تؤدع فيها الأقلام فضلة ما ... تنفقه في مصالح الأمم
عدنا إلى الفاضل:
ومنه قوله (( 2 )) : [الكامل]
منعت دموع العين من أطلالي ... لأرى صنيع الدّهر بالأطلال
ومن المساءة ما يكون مسرّة ... ما الدّمع إن حجب المكاره غال
ومنه قوله (( 3 )) : [البسيط]
أيا بدر قد أسهرت عيني فارقد ... وشاهدت ما جاهدت يا نجم فاجهد
إذا لم تعاين في الصباح مسرّة ... فلا تحسبنّ الليل ليس بسرمد
ويا عاذلي رفقا كفاني صدوده ... فإن شئت فانقص من ملامك أوزد
تمازج في خديه ماء وجمرة ... تمازج دمعي في الهوى وتوقّدي
وقوله (( 4 )) : [الطويل]
وفوا غير أنّ السّمهريّ وأنّه ... يجار بأيديهم شكا للمهنّد
لهم في الوغى أغصان سمر كأنّما ... تحفّ إذا أجروا الدّماء بمورد
وقوله منها (( 1 )) : [الطويل]
جمعت الذي فيهم وزدت عليهم ... فأنت كمعنى ناظم متولد
وما فوق ما قد نلته من زيادة ... بل الله أولى بالزّيادة فازدد
وقوله (( 2 )) : [الخفيف]
لاح وفي خدّيه ديباجة ... طرّزها الشّعر بلبلاب
باب سلوّي دونه مغلق ... وصدغه الزّرفين للباب
يا مانعي حتّى مواعيده ... من لي بوعد منك كذّاب
وقوله من مرثيّة في أخيه (( 3 )) : [الطويل]
خليليّ قد أبصرت عيشي بعده ... كأنّي قد أبصرت عيشي من بعدي
وقد كنت أشكو البعد والقرب يرتجى ... فكيف أكون اليوم في اليأس والبعد
وكان أجلّ الخطب عندي صدّه ... فمن لي وطوبى لو رجعت إلى الصّدّ
إذا ما فقدت الأنس ممّن تحبّه ... فنفسك لا المحبوب أفجع بالفقد
وقوله منها:
فنيت أسى لمّا بقيت مكارما ... فأصبحت في دار وأصبحت في لحد
ليهنك من بعد الرّدى باقي الثّنا ... وإن كنت من تحت الثّرى بالي البرد
وقوله (( 4 )) : [البسيط]
أشكو إليك جفونا عينها أبدا ... عين تترجم عن نيران أحشائي
كأنّ إنسانها وافى بمعجزة ... فكان من أدمعي يمشي على الماء
وقوله من قصيدة (( 1 )) : [الكامل]
إنّ الشّجاعة وهي من أوصافه ... غلبت عليه وهي من أسمائه
(( 2 ))
يقري الطّيور طعانه فضيوفه ... تنتابه من أرضه وسمائه
وقوله من قصيدة (( 3 )) : [الخفيف]
لا تحدّث سواك نفس بفضل ... ذاك رجع عن الأماني بعيد
وقوله منها:
وانجلت مصر إذ تجلّى عروسا ... وكأن الأهرام فيها نهود
وقوله:
أنا من قائم الحسام نذير ... فهو إن قام فالرّؤوس حصيد
هو كأس وسكرة الموت قالت: ... ذلك منّي ما كنت منه تحيد
(( 4 ))
ومتى يلفظ العدوّ بقول ... فعليه منه رقيب عتيد
(( 5 )) وقوله:
وإذا رشت بالأيادي جناحي ... فمعاني العلاء ممّا أصيد
وقوله من أبيات (( 1 )) : [الطويل]
سأشكر عن شكري نداه لعلّه ... يقوم لها ذنبي بأحسن عذره
إذا أنا بعد الجهد قصّرت شاكرا ... فقد صار للتّقصير ذنبي كشكره
وقوله (( 2 )) : [الطويل]
إذا أنت أعطيت اللهى بذريعة ... فلا تشكرن إلّا لتلك الذّرائع
وقوله من مرثية في أخيه (( 3 )) : [مجزوء الكامل]
أأخيّ هوّنت الحما ... م فكان يضعف عنه عزمي
لم لا أهونه وقد ... قدّمت روحي قبل جسمي
وقوله (( 4 )) : [من الكامل]
وإذا اجتليت عقود أسطره ... ظفر الهوى بمراشف لعس
وقوله (( 5 )) : [البسيط]
ما حلّ هذا الهوى إلّا لأرتحلا ... ولا سرى الدّمع إلا عن هوى نزلا
ولا بعثت خيول الدّمع خلفكم ... إلّا لتلحق قلبا فيكم رحلا
يا ربع ما أنت إذ زمّت رحالهم ... للبين أوّل صبّ ألبسوه بلى
لقد تمثّلت في ترك الجواب بهم ... فما تجيب كما كانوا لمن سألا
وقفت فيه فقال النّاس من سقمي: ... أما ترى طللا يستخبر الطّللا
وقوله (( 1 )) : [الكامل]
أسديّ أفكار إذا ليل الأسى ... أرخى دجاه فرأيه السّرحان
هذا وكم لك في الوغى من عزمة ... بكّرن من ثقة بها العقبان
تغدو خماصا [مثل] ما قد مثّلوا ... في حربه وتروح وهي بطان
(( 2 ))
وعلمت أنّ حديث كسرى بعده ... زور فلم يتشامخ الإيوان
لو عاش شاهنشاه أيقن أنّه ... ملك الدّسوت وأنّه الفرزان
تلك التواقيع التي هي جنّة ... أقلامه في دوحها أغصان
أمنصّل الرّمح الطّويل بكوكب ... من ذا يطاعن والسّماك سنان
وقوله:
والشّمع فوق البحر تحسب أنّه ... من لجه قد أطلع المرجان
والماء درع والشّموع أسنّة ... ولها إذا خفق النّسيم طعان
وقوله:
يا مالكي أنبتّ ريشي بالندى ... لكنّني ما قصدي الطّيران
وقوله:
ضاقت معاذرهم إلى ضيفانهم ... لكن رحبن منازل وجفان
يغدون عندهم بأعلى أعين ... ودّت تكون جفانها الأجفان
وقوله من أبيات (( 3 )) : [الطويل]
ركبنا رياحا من كرائم خيله ... نؤمّ سحابا من سماء سماحه
فقل لليالي الخطب: طولي أو اقصري ... فإنّا على وعد السّرى من صباحه
ولمّا نضا الأستار عن نور وجهه ... تغطيت من دهري بظلّ جناحه
وقوله من قصيدة (( 1 )) : [البسيط]
أستودع الله في أظعانهم قمرا ... إليه لو ضلّت الأقمار يحتكم
عندي سهاد وعند الهاجرين كرى ... فالليل مشترك بيني وبينهم
وقوله منها يرثي بني رزّيك:
بأيّ وجه يراني النّاس بعدهم ... حيّا ويا أسفا إن قلت بعدهم
أبكي الذي زال عند التّاج دولته ... إذا بكى الناس من زلّت به القدم
أعزز عليّ بأن ظلّت ديارهم ... تسدى الهموم بها أو تندب الهمم
وما لبست دموع العين عاطلة ... إلّا وفيض دمي في ردنها علم
إن ينهدم بكم للدّهر بيت علا ... فإنّ بيت رثائي ليس ينهدم
معنى من الكرم المهجور فزت به ... وفي الرّثاء لمن لا يرتجى كرم
وكان حقكم لو كان لي قبل ... أن ينصر السيف لا أن ينصر القلم
وقوله (( 2 )) : [الطويل]
نفينا سواد اللّيل عن دولة الهدى ... فلا راية سودا ولا أمّة سودا
وبين مجازاة ضربنا وجزية ... فمن طائع أدّى ومن خالع أودى
وقوله من قصيدة (( 3 )) : [الكامل]
تلك الرياض إذا تهجّر حادث ... لم تلق إلّا ظلّها وجناها
لمع النّضار بها فقلنا: شمسها ... وجرى اللّجين فخلته أمواها
وقوله منها:
نظروا الخيول فأثبتت نظراتهم ... غررا عليها وقد وسمن جباها
ولربّ هاتفة دعتهم للوغى ... جعلوا صليل المرهفات صداها
هي كالموارد في العيون وطالما ... نقعوا بهامات الكماة صداها
هي في بحار يديه أمواج ترى ... ونفوس من قتلته من غرقاها
لا بل زناد جهنّم في كفّه ... منها فكلّ مكذّب يصلاها
لو أنّ أرضا مرة فدت السّما ... كانت عداها في الخطوب فداها
ومن المحدث نفسه بلحاقها ... فدع الحديث عن الذي ساواها
وقوله من أبيات (( 1 )) : [الطويل]
حمائم قد حثّت زجاجات أدمعي ... فما خلت إلّا أنّهنّ حوائم
وما درج الكثبان مرّ نسيمها ... بلى درج الكثبان ما أنا لاثم
ولمّا مررنا بالرّسوم تنفّذت ... بها للهوى في العاشقين المراسم
بكينا فغطّى الدّمع أنوار أعين ... ومن عجب أنّ الدّموع كواتم
وقوله من أبيات (( 2 )) : [من الكامل]
يا من إذا ما المال جاز بأرضه ... يصفرّ خوف فراقه أن ينهبا
يلقى إليه فلا يليق بكفّه ... فكأنّما يلقى عليه ليحسبا
وقوله (( 1 )) : [الطويل]
برأيكم أمسى الزّمان مدارا ... وكان مخوفا قبلكم ومدارى
وربّ طليق قد أسرتم بكفّكم ... كذا طلقاء المكرمات أسارى
وقوله منها:
سأنصف أصناف القوافي بمدحه ... فإنّ القوافي في علاه غيارى
فإن أبصروا في الطرس أثر مداده ... فذلك سبق قد أثار غبارا
يفيض لنا كفّا ولله مقلة ... فتجتمع الأنواء منه غزارا
وتقدح نار الحرب من أزند الظّبا ... فترسل من فيض الدّماء شرارا
وقوله من أبيات (( 2 )) : [البسيط]
ليهنئ الملك ما أظهرت من همم ... للجدّ والجود من نار وجنّات
تحمي وتهمي بعين أو بجود يد ... فالنّاس ما بين رعي أو مراعات
مواصل المجد لا ينفكّ من شغف ... والوصل ينقص من بعض الصّبابات
هذي البدايات قد نلت السّماء [بها] ... فما يظنّ العدى هذي النّهايات
عطاء من لا يظنّ الجود يفقره ... وحرب من لا يظنّ الحرب تارات
الله جارك والآجال كاشرة ... من القواضب في عصل الثّنيات
وقد تداعت بها الأبطال واعترفت ... والطّعن بينهم مثل التّحيات
وقد تهادت سيوف الهند إذ خضبت ... كالشّرب حين تهادى بالزّجاجات
فكم بردت بماء السّيف غلّتها ... والسّيف ماء لنيران الحزازات
وقوله من أبيات (( 3 )) : [الطويل]
أمستصحبا قلبي وكان محلّه ... وإن كان من جور الفراق محيلا
إذا ما جرى جفني دما بمدامعي ... علمت بأنّ القلب راح قتيلا
وقوله (( 1 )) : [الطويل]
لئن نالت الأملاك ملكا بحظّها ... فقد نلتم ما نلتم بمساع
وهذا عيان المجد فيكم فما الذي ... يزيدكم مدّاحكم بسماع
دفعت الأذى عنّا ومتّعت بالمنى ... وما كانت الدّنيا لنا بمتاع
وو الله ما كلّفت في المدح كلفة ... وهل هو إلّا الصّدق وهو طباعي
وقوله من أبيات في الشّيب (( 2 )) : [الوافر]
أرى شيبي معاري فيه بعضي ... لبعض إنّ ذاك لشرّ سرّ
فلا تنكر له تعبيس وجهي ... فقد أعطى تبسّمه لشعري
وقوله من أبيات (( 3 )) : [مجزوء الكامل]
بالله يا قمر التّمام ... أما لهجرك من محاق
أنسيت في نور الكما ... ل وبتّ في نار احتراقي
وقوله من أبيات في ذكر الرّماح (( 4 )) : [الكامل]
تمشي بها سرجا ويومك مظلم ... فترى الذّوابل نصّلت بذبال
مثل الصّلال تحوف نفث طعانها ... يستلئم الغازي ثياب صلال
ويجرّها طورا ويصلى حرّها ... فيكون محتطبا وطورا صال
وقوله من أبيات (( 1 )) : [الطويل]
فإن تكتسي يا دار ثوبا من الصّبا ... فلا تلبسي من أدمعي غير معلم
من تكتم الأشواق ما بين نائم ... نموم ودمع بالدّماء منمنم
وقوله من أبيات (( 2 )) : [الكامل]
وإذا أفاض الصّبّ صبّ دموعه ... أغنى الدّيار عن الحيا المتهلّل
ما دام وجه ينجلي عن روضة ... فعليّ عين تنجلي [عن] منهل
وقوله (( 3 )) : [الكامل]
من ثغره وحليّه ونسيمه ... ما لا تقوم بكتمه الظّلماء
ومتى يفوز بما تمنّى عاشق ... وجميع ما يهوى له أعداء
لك من نسيبي فيك روض يانع ... تجري عليه من دموعي الماء
رتعت جفوني من سناك بجنّة ... وتبوّأت منه بحيث تشاء
وقوله (( 4 )) : [الطويل]
بروحي من روحي إليه مسوقة ... وقلبي من قلبي عليه مقطّع
وأهل الهوى في القلب عيني وعينه ... وكلّ بلاء عنهما يتفرّع
وقوله في عمارة سور عكّا (( 5 )) : [السريع]
ميزان أعمالك لا شكّ في ... رجحانه والحقّ لا يشتبه
بالحجر الأسود إذ صنته ... والحجر الأبيض إذ صنت به
وقوله من قصيدة (( 1 )) : [البسيط]
أأنت في الأرض أم فوق السماء ففي ... يمينك البحر أم في وجهك القمر
يقبّل البدر تربا أنت واطئه ... فللتّراب عليه ذلك الأثر
نأى به الملك حتّى قيل: ذا ملك ... دنا به الجود حتّى قيل: ذا بشر
في كلّ يوم لنا من مجده عجب ... وكلّ ليل لنا من ذكره سمر
نظرت في نجمه فالسعد طالعه ... لا ينقضي وعلى أمواله سفر
أبا الفوارس والآباء مشفقة ... وهم بنوك وما تبقي ولا تذر
تلقى عروس المنايا وهي حاسرة ... وخدّها فيه من فيض الدّما خفر
والضّرب بالبيض من آثاره عكن ... والطعن بالسّمر من آثاره سرر
وربّ ليلة خطب قد سريت بها ... وما سرى كوكب فيها ولا قمر
سمت العويص بعزم ماله ضجر ... أو بالبعيد يباع ما به قصر
وأنت في جيش رأي لا غبار له ... ترمي العداة بقوس ما لها وتر
هي الحروب التي لا السيف منثلم ... فيها ولا الذّابل الخطّيّ منأطر
سرنا وسار شجاع وهو يقدمنا ... وعزمنا آمر والدّهر مؤتمر
وكان زجر اسمه فيه الحياة لنا ... والذّكر إنّ الشّجاع الحيّة الذّكر
كان الحسام يمانيّ الهوى معنا ... فما أضرّ بنا إن أصفقت مضر
وبت والموت طيف قد ألمّ بنا ... فما ثنى الطّيف إلّا ذلك السّهر
سقى بك الله دنيانا فأخصبها ... والعدل يفعل ما لا يفعل المطر
لمّا استقلت ستور الملك لاح لنا ... ملك به الجود عين والثّنا أثر
في كعبة للنّدى لو حلّها ملك ... تهيب النّطق حتّى قيل: ذا حجر
وسائل لي ما العلياء؟ قلت له ... في فعله الخير [أ] وفي قوله الخبر
ما أنصفت مجده نظّام سيرته ... إنّ الذي ستروا فوق الذي سطروا
نال السّماء بأطراف القنا فبدت ... من النّصول عليها أنجم زهر
لا يحدث النّصر في أعطافهم مرحا ... حتّى كأنّهم بالنصر ما شعروا
أجروا دماء العدى بين الرّماح فما ... يقال: عندهم ماء ولا شجر
ترى غرائب من أفعال مجدهم ... يردّها الفكر لو لم يشهد النّظر
خلائق في السماوات العلى زهر ... منها تنير وفي روض النّهى زهر
النّاس أضيافكم والأرض داركم ... فهو المقام فلم قالوا: هو السّفر
ما أنصف الشّكر لولا أن يسامحنا ... فأنت تطنب جودا وهو يختصر
وقوله من أبيات (( 1 )) : [الكامل]
سأل اللّوى وسؤاله تعليل ... ومن المحال بأن يجيب محيل
يا دار جهد جفوننا وضلوعنا ... لك بالبكاء وبالأسى مبذول
زرّت عليه من الرّياض ملابس ... خيط الغمام لوشيها محلول
رقّ العذول لما رأى من حالتي ... فاليوم عاد إليه وهو رسول
أو ما تراني حاملا من بعده ... ثقل الأسى فكأنني محمول
من لي بحظّ بالفضائل عارف ... فيحقّ حينئذ لي التفضيل
أغمد لسانك أن يقول فإنه ... عضب أحاط بجانبيه فلول
وامنعه من نفثاته وكفى بها ... فمن الكلام أسنّة ونصول
كفّل زمانك أن يغيّر كلّ ما ... أنكرته فكفاك منه كفيل
وقوله (( 1 )) : [الطويل]
أمنّا على الملك اللّيالي بعد ما ... أمدّ بسعد النّاصر المتناصر
إمام أقرّوا جوهر الملك عنده ... ولا عجب للبحر صون الجواهر
ديار العدى من نقعه ودمائهم ... كربع الهوى ما بين ساف وماطر
يلاقيهم بالسيف والطّير طاعما ... فهم منهما بين الرّدى والمقابر
يقول لنا درّا ويندى سماحة ... فما البحر إلّا بين كفّ وخاطر
ولما انثنت منّا عليه خناصر ... جعلنا حلى تختيمنا للخناصر
لأفنت ظباكم في الوغى وصفاتها ... دماء الأعادي أو دماء المحابر
فيا عجبا للملك قرّ قراره ... بمختلفات من قناك الشّواجر
طواعن أسرار القلوب نواظر ... كأنك قد نصّلتها بنواظر
تمدّ إلى الأعداء منها معاصما ... فترجع من ماء الكلى بأساور
وقوله منها في الخيل:
لها غرر يستضحك النّصر وجهها ... وتفهم منها العين معنى البشائر
وقوله منها في ذكر القصيدة:
إذا ما أتت تختال بين سطورها ... فهنّيتها عذراء ذات ضفائر
هي السائرات الخالدات بمجده ... وسائر ما يؤتى به غير سائر
وقوله من قصيدة (( 2 )) : [الطويل]
ورثت المعالي عن أبيك شريعة ... وقمت بها في فترة البخل مذهبا
إذا ما كسوت الوفد للجود ملبسا ... فقد لبسوه بالبشاشة مذهبا
لو انّ زيادا كان أدرك عصره ... لكان يرى أيّ الرّجال المهذّبا
(( 1 ))
يقطّع عمر اللّيل عمر سجوده ... فلله محراب حوى منه محربا
وفي فقر عافية إليه وسيلة ... كفى باعثا للسّيل أن يتصوّبا
وقوله (( 2 )) : [الطويل]
يقول ولو أنّ الليالي خصومه ... ويمضي ولو أنّ النّجوم مطالبه
محاربه تثني على صلواته ... ولكن على الأعقاب يثني محاربه
ومنها:
جنائب في بحر العجاج سفائن ... فإن حرّكت للرّكض فهي جنائبه
وقد خفقت راياته فكأنها ... أنامل في عمر العدوّ تحاسبه
وقوله (( 3 )) : [الكامل]
لو كنت جاوبت الحمائم نائحا ... قال الوشاة: أضاع سرّك بائحا
(( 4 ))
سل طائرا صدع الفؤاد بسحرة ... أتراه غرّد صادعا أم صادحا
يا ضعف من أمسى الفريسة في الهوى ... وغدا الحمام له هنالك جارحا
وقوله (( 5 )) : [البسيط]
يا ليلة بات فيها البدر معتنقي ... والنّاس بالبدر والظّلماء في شغل
بتنا نفضّ عقودا للحبيب فإن ... فصّلتها فبتشذير من القبل
قل في الزّلال إذا وافى على عطش ... فقد دللت على التفضيل بالجمل
وقوله من أبيات (( 1 )) : [الوافر]
وبالأشعار نعرف قائليها ... كما حدّثت عن نجر بنجل
سبقت بها فقد صارت لقوم ... محارب والذي بعدي مصل
وقوله (( 2 )) : [مجزوء الرمل]
سقّني يا بدر شمسا ... كلّلوها بالثّريا
واجعل الظّلماء شمسا ... كلّما دارت وفيّا
إنّما الكاسات تيجا ... ن لها العيش محيّا
وهي نار جعلوها ... حين يعيي الهمّ كيّا
قد طوينا إذ أديرت ... بردة الظّلماء طيّا
كانطواء الخوف عنّا ... حين ولّى الله طيّا
(( 3 )) وقوله من قصيدة (( 4 )) : [الخفيف]
يا غزالا له السّيوف حجاب ... في فؤادي أضعاف تلك الحجب
ما عهدنا والنّائبات كثير ... أنّ ضيفا يضام بين العرب
أغليلا والماء فوق الثنايا ... وهوانا بين القنا والقضب
أين تلك الرّسوم أين تراها ... تبعت في الرحيل إثر الرّكب
أترى يا زمان أنت معنّى ... برباها كمثل قلب الصّبّ
زفرت بالصّبا صدور اللّيالي ... وبكت بالحيا جفون الشّهب
وقوله من قصيدة (( 1 )) : [الكامل]
لو لم يعطّل خاطري من سلوة ... ما كان خدّي بالمدامع حال
أودعته قلبي فخان وديعتي ... فسواده في خدّه بالخال
فعل السّقام بمهجتي وجوارحي ... أفعال حصن الدّين بالأموال
لم يبق في أيّامه من فتنة ... للنّاس إلّا فتنة بجمال
(( 2 ))
تسمى الرّماح قنا فأمّا بعدما ... صارت بكفّك فالرّماح عوالي
وقوله (( 3 )) : [الطويل]
أساكن أكناف المقطّم دعوة ... تداعت بها الألفاظ وهي دموع
يقولون: درياق الهوى الدّمع إن جرى ... فذا الدّمع يجري واللّسيع لسيع
أبى الحزن لي من أن أماكس في الهوى ... فحزنك يشدي والدّموع تبيع
وقوله (( 4 )) : [مجزوء الكامل]
دع عينه لعنائها ... فشفاؤه في دائها
العين من أعدائه ... والقلب من أعدائها
هذا ونيران الهوى ... مشبوبة من مائها
قمريّة قمريّة ... في حسنها وغنائها
القلب كاره نأيها ... والسّمع عاشق نايها
ولقد رضيت بقتلتي ... إن كان ذاك برأيها
(( 1 )) وقوله من قصيدة (( 2 )) : [مجزوء الكامل]
يا مالك الحسنين وال ... حسنين من خلق وخلق
لو لم يكن من فضل مد ... حي فيك إلّا فضل صدقي
ما ضرّ جهل الجاهلي ... ن ولا انتفعت أنا بحذقي
وزيادتي في الحذق فه ... ي زيادة في نقص رزقي
وقوله من مرثية (( 3 )) : [البسيط]
تبكي عليك عيون أنت قرّتها ... وما قضى الحقّ باكي البحر بالخلج
في كلّ شدة دهر لم تزل فرجا ... [فأ] عظم الله أجر النّاس بالفرج
وقوله (( 4 )) : [البسيط]
قالوا: جرى قلمي في مدح غيركم ... لا والّذي علّم الإنسان بالقلم
وما خلوت بذكراكم وكان معي ... ثان يثلّث ذكراكم سوى الكرم
وقوله من أبيات (( 5 )) : [الطويل]
إذا هزّ فيها صارم البرق خلته ... يروّع من تلك الجداول أرقشا
يمدّ عليها المدّ سورا مفضّضا ... ويرجعه طورا سوارا منقّشا
(( 6 ))
ويرجعه سهما إلى مقتل الثرى ... فيسري بأوراق الغصون مريّشا
هوى كسماح الصّالح الملك الذي ... نكتّمه والشّمس ليس لها غشا
يقتّل حيات الحقود من العدى ... بحيّات سمر بالأسنّة نهّشا
وينصبها إن يرتقوا السّحب سلّما ... [ويرسلها] إن ينزلوا القلب الرّشا
(( 1 ))
فأوسطها أولى من العين بالهدى ... وأطرافها أولى من الهمّ بالحشا
غنينا عن التّشبيب قدّام مدحه ... فأذهل وصف اللّيث من وصف الرّشا
وقوله (( 2 )) : [البسيط]
وكيف أحسب ما يعطي العفاة وما ... حسبت بعض الذي ما زال يعطيني
الكتب تشكره عنّا ولا عجب ... ما تشكر السّحب إلّا بالبساتين
(( 3 )) وقوله (( 4 )) : [المتقارب]
وأغيد لمّا دجا عتبنا ... تبدّى على الخدّ منه الشّفق
صفا فوق خدّيه جمر الصّبا ... فكان الحباب عليه العرق
وقوله (( 5 )) : [الكامل]
أمّا المشيب فإنّه قد أبرقا ... وكأنّني بسحابه قد أغدقا
فابرز إليه أبيضا في أبيض ... لا تذكرن زمن النّفار من النّقا
كان الهوى خلّ الصّبا وصديقه ... حتّى تلا شيبي وآن تفرّقا
وقوله (( 1 )) : [المديد]
أيّ شأن لا يباح به ... بعد ما قد باح لي شأن
وكلام الصّبّ أدمعه ... لك والأفواه أجفان
أدمعي والحبّ إن حكموا ... فهو دعوى وهي برهان
ما زها من قبل معطفه ... فوق غصن البان بستان
جلّنار الوجنتين له ... من ثمار الصّدر رمّان
كيف أرجوهم وعندهم ... حرمات الحبّ أضغان
ومنها:
وله سيف كناظره ... حارس للخلق يقظان
عاد كفر الكافرين إذا ... ما رأوه وهو إيمان
يتداعى إذ دعوت به ... [حين] يلقى الشّرك أوثان
للظّبا الأجفان نعرفها ... ولهذا السّيف آذان
وهو مرآة يبين بها ... من ضمير الضّدّ أضغان
ومنها:
قم لتملا من نفوسهم ... ورماح الخطّ أشطان
وخدود الأرض مشرقة ... من دم والخيل خيلان
10- ومنهم: محمّد بن محمّد، عماد الدّين، أبو حامد القرشيّ، الأصبهانّي، الكاتب (( 1 )) .
* ركن الدّول وعمادها، ومزن الممالك وعهادها، علم يهتدي به الساري، وكرم ينتدي بسيبه الجاري، رسا كالطّود المرجحنّ وسرى كالجود فأوى إليه المستكنّ، وتحلّت به ترائب الأيام، وحلت بحجبه ربائب الخيام، فعلا مقدارا، وأبى أن يتخذ دارة البدر دارا، فقصّت دونه أجنحة النّعامى، وطرقت أفنية المعالي الأبكار والأيامى، وعزّ في تلك الدول فغالت في قيمته، وغالبت في نشر لطيمته، وكان ذا أيد تنهض بكلّ عظيمة، وتأبى كل هضيمة، بعزم يزاحم أبان (( 2 )) ، وتقدّم إذا نكل كلّ جبان، بأقدار لسان، وابتدار بديهة الإحسان؛ وكانت قصبات السبق لا تحرز إلّا لأدهمه، ولا تحزر دارات البدور إلا لدرهمه.
نشأ في حجر عمّه المستوفي (( 3 )) ، وتأدّب بأدبه، وعرف في ديوان الخلافة
باسمه، وخدم الأبواب الإماميّة، فقدّم على الأولياء، وتمسّك بالأسباب العلمية ومواريث الأنبياء، وكتب للدّولة النّورية فازدادت به نورا على نور، وازدانت منه بفرائد بحور على نحور، واتصل بالمقام الصّلاحي، فأصلح الفاسد، وأربح الكاسد، وكان بالخدمة النّاصرية كاتب الإنشاء بها حقيقة، وساحب ذيل كلّ حديقة؛ وأمّا الفاضل فكان قد رفّع عنها وكبّرها ثم كان أكبر منها، وكان العماد بحرا يتلاطم موجا، وأفقا يتلألأ أوجا، وكان ملازما للسّلطان سفرا وحضرا، ووردا وصدرا، ومحصّلا بصحبته آلافا وبدرا.
وكان فقيها جدليّا، عالما فاضلا، أديبا، أريبا، كاتبا، شاعرا، ناظما، ناثرا، ذا تصرّف في البيان، وتفنّن في الكلام، لو ازدحم عليه ألف بريد لجهزة، أو نظم كلّ فريد لما أعجزه؛ وله الجيّد النّادر، والغضّ النّاضر، والبعيد المرام عمل الوقت الحاضر، وله التأليفات الكثيرة، والمصنّفات المفيدة، والرسائل البديعة، والقصائد الصنيعة، إلا أنه كان متطبّعا متصنّعا، يظهر عليه أثر الكلفة وثقل التصنّع، مغرى بالتجنيس مع ما فيه من الكلّ على المسامع، لقرب مخارج الحروف، مما تنفر منه الطباع.
وسئل الفاضل عنه، فقال: سيّدنا العماد، مثل الزناد، ظاهره بارد، وباطنه واقد.
وكان محلّ الثقة من الفاضل، آمنا من توثبه عليه، وتغلبه على ما جعله السّلطان إليه، وبهذا كان يطمئنّ إذا غاب مع ما ينويه من قلب السّلطان.
وكان (( 1 )) العماد شديد الحرص على تحصيل الدّنيا، وكان الفاضل يلومه ويعتبه، ويعذله ويؤنبه؛ فبعث مرة يشكو إليه ضرورة، فكتب إليه الفاضل:
يا سيد أخيه، لا تسمع الدّهر هذه الشكوى، فيستعذبها فتستمر على العدوى؛ ولو اشتغلنا بالله لكان يغنينا، ولو قعدنا عن الرزق لأتانا لا يعنينا؛ وفي الحديث (( 1 )) : (( اتّقوا الله وأجملوا في الطّلب )) ولا ندري كيف يكون المنقلب؛ فبالله إلّا ما سمعت وأخذت هذا الأدب.
وله في هذا حكايات، منها (( 2 )) : أن رجلا من أهل حمص جاءه بطبق كيزان، وتفصيلة كتّان، قيمة ذلك كله نحو خمسين درهما، وسأل حاجة، فأخذ قصته وقرأها على السّلطان، وكان قد بلغه الخبر، فلم يجبه، فأعاد العماد عرض القصة وقراءتها مرات في مجالس عدة، والسّلطان لا يأمر فيها ولا ينهي؛ ففطن العماد وعلم أن الخبر قد اتصل بالسّلطان، فأعاد عرض القصة، فلما لم يجبه عنها، قال: يا مولانا، الطّبق الذي أحضره صاحب هذه القصة باق إلى الآن، لم أتصرف فيه، فإن كان ما ينقضي شغله أعدت إليه طبقه؛ فضحك السّلطان، وعجب من دناءة نفسه، وأمر بقضاء شغل الرجل.
وحكي (( 3 )) أنه كان شديد التّهافت على أخذ الختوم الذّهب الذي يجئ على كتب الفرنج، فوصل منهم كتاب بغير حضوره، ففتحه السلطان بيده وأخذ بعض الحاشية الختم، فلما جاء العماد قيل له: اكتب جواب هذا الكتاب، فقال: يكتب جوابه من أخذ الختم؛ فعزّ قوله على السّلطان، وقال له: ثم اخرج الوقت، ما هو محتاج إليك؛ فأتى العماد الفاضل، وعرّفه بما كان، فقال له: رح إلى الخانقاه، واقعد بها مع الفقراء، والبس زيّهم؛ فإذا طلبك السّلطان قل: أنا قد دخلت في أمر لا أخرج منه؛ ثم لا تخرج حتّى يأتيك السّلطان بنفسه مرضيا؛ ثم لم يلبث
الفاضل حتّى أتته رسل السّلطان في طلبه، فلمّا أتاه شكا إليه العماد، وقال له:
اكتب جواب هذا الكتاب؛ فقال: والله ما أعرف ما أكتب فيه، لأن العماد كان يصدر هذه الكتب، ولا يعرفه سواه؛ ولم يزل يلطف الأمر حتّى قال: اطلبه؛ فبعث في طلبه، فلم يحضر، واعتذر، فعظّم الفاضل الأمر، وكرر الرّسل في طلبه وهو لا يحضر، فقال الفاضل: أنا أروح خلفه، وأتلطّف به، فو الله هذا باب ما يسدّه سواه؛ ثم ذهب إليه، فأطال المكث، ثم عاد إلى السلطان وقال: لقد حرصت به فلم يجب، ورأيته مقبلا على ما دخل فيه إقبالا ما أظنه بقي يخرج عنه، وما ضر السلطان لو زار الفقراء، وترضى عبده؛ ولم يزل به حتّى أتاه وترضّاه.
* ومن نثره قوله جوابا عن السّلطان في تفضيل دمشق (( 1 )) : عرفنا طيب الدّيار المصريّة ورقّة هوائها، ونحن نسلّم إليها المسألة في طيبها وتوفير نصيبها، ورقة نسيمها ورائق نسيبها، لكن هلّا رأت أن الشام أفضل، وأنّ أجر ساكنه أجزل، وأنّ القلوب إلى قبله أميل، وأن الزّلال البارد أعلّ وأنهل، وأن الهواء في صيفه وشتائه أعدل، وأن الزّهر به أشبّ، والنبت به أكهل، وأن الجمال فيه أكمل، وأن القلب به أروح، والرّوح به أقبل؛ ودمشق عقليته الممشوطة وعقلته المنشوطة، وحديقته الناضرة، وحدقته الناظرة، وهي عين إنسانه، بل إنسان عينه، وصيرفيّ نقوده، وعين نضاره ولجينه، فمستامها مستهام، وما على محبّها ملام، وما في رؤيتها ريبة، وفي كلّ جيرة منها حبيبة، ولكل شائب من نورها شبيبة، ومع كلّ ورقة ورقاء، وعلى كلّ معانقة من قدود البانات عنقاء، وشادي بانها على الأعواد يطري ويطرب، وساجعاتها بالأوراق تعجم وتعرب،
وكم فيها من جوار ساقيات، وسواق جاريات، وأثمار بلا أثمان، وروح وريحان، وفاكهة ورمّان، وخيرات حسان، وقد تمسّكنا بالآية والسّنة والإجماع، وغنينا بهذه الأدلة عن الاختراع والابتداع.
أما أقسم الله تعالى بدمشق في قوله: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
(( 1 )) والقسم من الله بها دليل على فضلها المصون؛ أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( 2 )) : (( الشّام خيرة الله من أرضه، يسوق إليها خيرة الله من عباده )) ؟. وهذا أوضح برهان قاطع على أنّه خير بلاده؛ أما الصّحابة رضوان الله عليهم، أجمعوا على اختيار السّكنى بالشام؟ أما فتح دمشق بكر الإسلام؟ وما ينكر أن الله ذكر مصر وسمّاها أرضا، فما الذّكر والتّسمية في فضيلة القسم، [ولا الإخبار عنها دليلا على الكرم، وإنّما اكتسبت الفضيلة] من الشّام، بنقل يوسف الصّديق إليها عليه أفضل الصّلاة والسلام، ثم المقام بالشّام أقرب على الرّباط، وأوجب للنشاط، وأجمع للعساكر السائرة من سائر الجهات؛ وأين قطوب المقطّم (( 3 )) من سنا سنير (( 4 )) ؟ وأين ذرى منف (( 5 )) من ذروة الشّرف المنيف (( 6 )) المنير؟ وأين الهرم الهرم من الحرم المحترم؟
وبينهما فرق، ما بين القدم والفرق؛ وهل للنّيل مع طول نيله وطول ذيله،
واستطالة سيله برد بردى في نقع الغليل؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل، وسيل هذا السلسبيل؛ وإذا فاخرنا بالجامع وقبّة النسر (( 1 )) ، ظهر عند ذلك قصر القصر، على أن باب الفراديس (( 2 )) بالحقيقة باب النّصر، وما رأس الطابية كباب الجابية (( 3 )) ، ولو كان لناسها باناس (( 4 )) لم يحتاجوا إلى قياس المقياس؛ ونحن لا نجفو الوطن كما جفاه، ولا نأبى فضله كما أباه، وحبّ الوطن من الإيمان، ومع هذا فلا ننكر أن مصر إقليم عظيم الشّأن، وأن مغلّها كثير، وماؤها غزير، وأنّ عدّها نمير، وأن ساكنها ملك أو أمير، وأن الذهب فيها لا يوزن بالمثاقيل ولكن بالقناطير؛ ولكن نقول كما قال المجلس السّامي الفاضلي، أسماه الله: إن دمشق تصلح أن تكون بستانا لمصر، ولا شكّ أن أحسن ما في البلاد البستان؛ وهل دمشق إلّا مثل الجنان؟ وزين الدين (( 5 )) وفقه الله تعرض للشّام فلم يرض أن يكون المساوي حتّى شرع وعدّ المساوي! ولعلّه يرجع إلى الحقّ، ويعيد سعد إسعاد وفاقه إلى الأحق.
ومنه: ولو واصل خدمه بمقتضى مخالصته، لما وفى في جميع عمره، ببعض ما يجب عليه من حقّ المجلس وشكره، لكنّه يهاب الفضل العزيز فيتجنّب، ويستصغر قدره عند قدرة المعظم فيتأدب، ومن يقدم على مقابلة الشمس بسراجه؟ والعذب بأجاجه؟ والدّرّ بزجاجه؟ وأيّ قدر للقطرة عند البحر الخضم؟
وأيّ فخر للسّهى عند إنارة البدر التّم؟ وكلّما شرع في خدمة، فنصب يده المهابة وبسطتها الصّبابة، وجلى له جلاله وجه الهيبة، فرجع ممّا رجاه من سماحة خاطره بالظّنّة والخيبة، وقال لقريحته: دعي الاقتراح، ولا تستدعي الافتضاح، وليس إلّا الاعتراف بالقصور، لا الافتراق للمحظور.
ومنه قوله: على أنّه لم يبلغ مع استفراغ جهد البلاغة في الدّعاء والثّناء أمد المقصرين، وإن بذّ القرين وزاحم الأسود وولج العرين، فالعجز عن الإدراك إدراك، والمعجب في التّوحيد بادّعاء الحول والقوة إشراك.
ومما كتبه في فتح القدس (( 1 )) : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
(( 2 )) .
الحمد لله الذي أنجز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف، وقهر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف، وله الحمد الذي حقق بفتحه ما كان في النفس، وبدّل وحشة الكفر فيه من الإسلام بالأنس، وجعل عزّ يومه ما حيا ذلّ أمس، وأسكنه العالم والفقيه بعد البطرك والقسّ، وعبّاد الصّليب والشّمس، وأخرج أهل الجمعة منه أهل الأحد، وقمع من كان يقول بالتثليث أهل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
(( 3 )) وقد
فتح الخادم بحمد الله من الدّاروم (( 1 )) إلى طرابلس، وجمع ما حوت مملكة الفرنج إلى نابلس، ورجع الإسلام الغريب منه إلى داره، وقرّ سيل السير في قراره، وطلع قمر الهدى، وملأ بألسنة عزّها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
(( 2 )) قريب المدى، وعاد الإسلام بإسلام البيت المقدس إلى تقديسه، ورجع بنيانه من التقوى إلى تقديسة تأسيسه.
ومنه قوله: جوده جود، وطوله طود، وكرمه كرم يعتصر صفو سلافه، ونعمه نعم تنحر وتنهر لأضيافه، ولا يحبّ الدّينار إلا مبذولا لعافيه، ولا يدّخر كثيرا إلا لجنى راجيه.
ومنه قوله: ما ظفر مدلج الإضلام بالسّنا، ومحوج الإعدام بالغنى، كظفر الخادم وفوزه بشرفه وعزّه، وسعادة جدّه وجدّة سعده، وحياة روحه وروح حياته، وحسنى حاله وحلية حسناته، وسنا سنائه المشرق عند إسفار إصباح أمله، وسفور وجه جذله، بورود المثال الممتمثل، المقبل المقبّل، المفضل المفضّل، عن المجلس العالي الفاضلي، لأفتئ حكم الشرع في شرع حكم فتياه فتيّا، وروض الولي بوليّ رضاه وجوده مجوّدا موليّا، ولا برح كاشحه يطوي على الشّح برح هوى، جوّه بالغيم مغيم، ومناصحه يحوي المنى، صحّة عقيدته وعقد صحته مبرم قويم.
ومنه قوله: وكتبها المملوك في منزلة عيونها سخينة، ونطافها ثخينة، وفوّارها فوّار،
وأنجادها أغوار، وساكنها غير ساكن، وقاطنها غير آمن، وجدا جداولها علاقم، وجنى جنادلها أراقم، وحيّاتها موحيات، تسعى متلوّيات، وتلتوي ساعيات، كأنّما صاغت الجن من سنابكها الخلاخل، أو أراغت لنا من لواذعها الغوائل، ثقال الرءوس، كأنّها نصب الفؤوس، فهي حطب العطب، وخشب الأشب؛ فمن طوال كحراب الزّنج، وقصار كبنادق الشّطرنج، وأوساط كأسواط العذاب، سراع كأنامل الحسّاب، وقصار كبارقات السّحاب، ومارقات النّشّاب؛ ومنها ما هو كدباسق الأتراك، أو كألوية الأملاك، ومنها بتر كأيدي السّارقين، وخفاف كدين المارقين؛ ومنها ما هو كمزمار الزّطّ أو كزنّار القبط؛ ومنها ما هو كأنه أصهب الفهود، أو تكك ذوات النّهود، أو أنياب النّمور، أو كمخالب الصّقور، أو أعصاب الخيول، أو نياب الفيول، أو طوامير الكتّاب، أو مسامير الأبواب؛ ومنها كلّ برقاء إذا انسلخت من جلدها ألقت كمّ درع، ونقبت حديد ذرع، وسوداء كصحيفة المجرم، وصفراء كصفحة المتألم، قصيرة مقتصرة الأعمار، دقيقة جليلة الأخطار؛ الحيات أمها، والممات سمّها، عنبرة لا يحملها حامل ولا يشمها.
* وبهذه الرسالة ذكرت شعرا كنت وصفت فيه منزلة كثيرة الأفاعي؛ ومنه: [الطويل]
وأرض ترى الحيات فيها سواريا ... كأنّ مساريها ضروب من الرّقم
أساود رقط كالنّمال دبيبها ... ولكن تراها في القساوة كالدّهم
وتختلف الألوان منها كأنّها ... أزاهير روض وشّعتها يد الوسمي
إذا نشرت كانت حزاما وإنها ... كعروة إذ تطوى المساحب للضمّ
ومطرقة فوق الكثيب كأنها ... ضفائر ضمّتها مبدّنة الجسم
وآخر من دون الطّريق محملق ... شجاع على متن الطريق له يحمي
ينضنض في فيه لسان مخصّر ... كأنّ عليه طائر القطن والشحم
يشمّ دخان الموت من ليس دانيا ... إليه ويلقى الموت من عاجل السّمّ
يذوب به قلب الحديد مخافة ... ويفعل فعل النّار في موقد الفحم
تقنّع شبها بالكميّ وإنّه ... لأفتك منه إذ يطاعن أو يرمي
بمرهفة دلق يقصّر دونها ... مدى القاطع الهنديّ والرّمح والسهم
يساور أوهام اللّبيب أدّكاره ... ويقتله قبل الغوائل بالوهم
إذا ما ترقّى الطّود خلت بأنّه ... يجاوز كثبان السّحاب إلى النّجم
(( 1 ))
وذوحنق ما البرق إلّا شرارة ... لأنفاسه أورشق ألحاظه المصمي
ويحدث ما لا كان في شهب الدّجى ... خسوفا عقيب الشمس بالقمر التممّ
وأقسم لو ألقى على الصّمّ سمّه ... لأثّر ذاك السّمّ في شاهق الصّمّ
ثم نعود إلى تتمة كلام الأصفهاني، فمنه قوله: صدرت هذه البشرى ودماء الفرنج على الأرض وقيل لها: ابلعي، وعجاجها في السّماء وقيل: أقلعي، وفاض ماء النّصال، وغاض ماء الضّلال، وهي بشارة اشترك فيها أولياء النّعمة، ونبئهم أنّ الماء بينهم قسمة (( 2 )) .
ومنه قوله:
ووجدناها قلعة أرضها في السماء، وتلعة في حوزها حواز الجوزاء، وعلى كلابها عواء العوّاء، ما تمرّ السّحب إلّا على سفوحها، ولا تسرق شياطين الكفر إلّا من سطوحها؛ إنا جعلنا نجوم النصال لها رجوما، وأدمنا لوبل الوبال عليها سجوما.
ومنه قوله:
وأسلم البلد، وقطع زنّار خندقه، وأبيح حمى حماته، واستولى الفرق على فرقه، وتطايرت الصّخور في نصرة الصّخرة المباركة، وحجرت على حكم السّور بسفه أحجارها المتداركة، وطهرت الصّخرة بمياه العيون التي ببعدها قذيت، وصقلت بالشفاه وطالما كانت بأيدي المشركين قد صدئت.
* ومن شعره قوله من قصيدة أوّلها (( 1 )) : [الطويل]
وأسأل عنكم عافيات دوارسا ... غدت بلسان الحال ناطقة خرسا
ومنها:
مضى أمس منّي في انتظار غد لكم ... وكلّ غد لا شكّ منقلب أمسا
وقيل لنا: في الأرض سبعة أبحر ... ولسنا نرى إلّا أنا ملك الخمسا
ومنه قوله (( 2 )) : [البسيط]
ما طبت نفسا ولا استحسنت بعدكم ... شيئا نفيسا ولا استعذبت لي نفسا
وكيف يصبح أو يمسي محبّكم ... وشوقكم يتولّاه صباح مسا
نادمته وأخوه النّجم يحسدني ... فإنّني كنت أرعاه إذا خنسا
ومنها قوله يصف مقتولا:
ما زال يعطس مزكوما بغدرته ... والقتل تشميت من بالغدر قد عطسا
ومنه قوله (( 1 )) : [مجزوء الرمل]
حيرتي طالت بذي حور ... طال في النّجوى محاوره
حلّ ما شدّت مناطقه ... ثقل ما شدّت مآزره
ومنه قوله (( 2 )) : [الطويل]
ثوى همّه لمّا ثوى الصّبر عنده ... مقيما وشطّ الصّبر في جيرة شطّوا
وأرّقه طيف فرى نحوه الدّجى ... وقد كان جيب الليل بالصبح ينعطّ
تشاغلتم عنه وثوقا بودّه ... كأنّ رضاكم عن محبّكم سخط
ملكتم فأنكرتم قديم مودّتي ... كأن لم يكن في الحبّ معرفة قط
ومنه قوله وقد اعتقل ببغداد (( 3 )) : [الكامل]
قل للإمام: علام حبس وليّكم ... أولو جميلكم جميل ولائه
أو ليس إذ حبس الغمام وليّه ... خلّى أبوك سبيله بدعائه
ومنه قوله (( 4 )) : [الكامل]
في بردك الأسد الهصور محرّشا ... وبجود كفّك تسكب الأمطار
تهب الألوف ولا تهاب ألوفهم ... هان العدوّ عليك والدّينار
ومنه قوله وقد جاء قفل من أصفهان لم يعرفه أحد منهم، وعرفهم كلّهم بآبائهم (( 5 )) : [مجزوء الخفيف]
أنا ضيف وإنّما ... أين أين المضيّف
أنكرتني معارفي ... مات من كنت أعرف
ومنه قوله (( 1 )) : [الطويل]
وما هذه الأيام إلّا صحائف ... نسطّر فيها ثمّ نمحى ونمحق
ولم أر في عمري كدائرة المنى ... توسّعها الآمال والعمر ضيّق
ومنه قوله (( 2 )) : [الخفيف]
هي كتبي فليس تصلح من بع ... دي لغير العطّار والإسكافي
هي إمّا مزاود للعقاقي ... ر وإمّا بطائن للخفاف
ومنه قوله (( 3 )) : [الرمل]
وهضيم الكشح في حبّي له ... لم يزدني كاشحي إلّا اهتضاما
كرم العاشق فيه مثلما ... لؤم العاذل فيه حين لاما
(( 4 ))
بقوام علّم الهزّ القنا ... ولحاظ تودع السّكر المداما
خدّه يجرحه لحظ الورى ... فلذا عارضه يلبس لاما
ومنه قوله (( 5 )) : [الطويل]
هلمّوا إلينا نحو مشمس جلّق ... وثم بمن نهوى على الأكل نلتقي
كأنّ مذاب الشّهد فيه مجسّد ... أجدّ له عهد الرّحيق المعتّق
حكى جمرات بالغضا قد تعلّقت ... فيا عجبا من جمره المتعلق
كأن نجوم الأرض فوق غصونه ... كرات نضار بالزّمرّد محدق
قلت: وقد ذكر الفاضل صلاح الدّين أبو الصّفا خليل الصّفدي، أن العماد كان قالها:
كرات نضار في اللّجين مطرّق فلما أنشدت السّلطان صلاح الدّين قال: تشبيه الورق باللّجين غير موافق؛ فغيّرها العماد كما ذكرنا.
وقوله (( 1 )) : [الكامل]
قد كان يسمح بالوصال خيالها ... لو لم تضنّ العين بالإغفاء
ودنت تودع للفراق وإنّما ... إقصاء سهم القوس في الإدناء
وقوله (( 2 )) : [الكامل]
بدر فؤادي في محبّة وجهه ... بدريّه المعدود من شهدائه
رمق المحبّ فلم يدع رمقا له ... هلّا أخذت ذمامه لدمائه
وقوله (( 3 )) : [الكامل]
ماء الصّبا في وجنتيه وناره ... ضدّان [بين] تموّج وتلهّب
وكأنّ وجنته وخطّ عذاره ... فيها طراز مفضّض في مذهب
وقوله (( 4 )) : [الرمل]
هات يا بدر الدّجى شمس الضّحى ... قهوة تهدي إلينا الفرحا
واملأ الكأس إذا فرّغتها ... إنّ روح الرّاح يبغي شبحا
واقتدح زند سروري طربا ... واسقنيها كلّ دور قدحا
لا تلم يا صاح- أفديك- على ... سكر قلب فيك لو صحّ صحا
وقوله (( 1 )) : [الكامل]
وعلى السوالف منه فود مرسل ... فيه فؤاد المستهام مقيّد
متقلّد بدمي وظنّي أنه ... بمدامعي أو مثلها متقلّد
ما عاينت عيناي صدغا فاحما ... إلّا وسواده لقلبي أسود
أيخاف عارضه عقارب صدغه ... وعليه رعف للعذار مزرّد
وقوله (( 2 )) : [الطويل]
مشعشعة لاحت كأنّ مزاجها ... كسا كأسها بالورس ثوبا مصبّغا
يطوف بها ساق من السّكر خلته ... وقد عرفت منه الفصاحة ألثغا
إلى ريقه المعسول يظما محبّه ... وروّى به عود الأراك الممضغا
وما فتّر العينين إلا ليقتلا ... وما عقرب الصدغين إلا ليلدغا
وقوله (( 3 )) : [المنسرح]
يروقني في المها مهفهفها ... ومن قدود الحسان أهيفها
يا ضعف قلبي من أعين نجل ... أفتكها بالقلوب أضعفها
يا منكرا من هوى بليت به ... علاقة ما يكاد يعرفها
دع سرّ وجدي فما أبوح به ... وخلّ حالي فلست أكشفها
وقوله (( 1 )) : [الطويل]
نهيت فؤادي عن هواكم فما انتهى ... ونهنهت دمعي في الغرام فمارقا
ومن فرط وجدي خلتم بي جنّة ... إذا لم ترقّوا لي فما تنفع الرّقى
وقوله (( 2 )) : [الكامل]
هب أنّ قلبي للنّصيحة قابل ... ما نافعي والدّمع ليس بقابل
مالوا إلى وصلي فحين وصلتهم ... ملّوا وليس يملّ غير الواصل
وقوله (( 3 )) : [الكامل]
سل سيف ناظره لماذا سلّه ... وعلى دمي لم دلّه قدّ له
واحذر سهام اللّحظ منه فإنّما ... عن قوس حاجبه يفوّق نبله
واقبل وإن حسدوك عذر عذاره ... واحسد على عسل بفيه تملّه
يا منجدا ناديته مستنجدا ... في خلّتي والمرء ينجد خلّه
سر حاملا سرّي فأنت لحمله ... أهل وخفّف عن فؤادي ثقله
فإذا وصلت فغضّ عن وادي الغضا ... طرف المريب وحيّ عنّي أهله
وقوله (( 4 )) : [الوافر]
ألا يا عاذلي دعني وشأني ... وما تجري المدامع من شؤوني
بكلّ خدينة للحسن مالي ... سوى بلوى هواها من خدين
كريم أو كغصن أو كبدر ... بلحظ أو بقد أو جبين
تبسّم درّها عن أقحوان ... وأزهر وردها في ياسمين
وقوله (( 1 )) : [الطويل]
قفوا وسلوا عن حال قلبي وضعفه ... فقد زاده الشّوق الأسى فوق ضعفه
أرقت فجفني ما يريق سوى دمي ... كأنّ الهوى أوصى جفوني بنزفه
11- ومنهم: نصر الله بن محمّد بن محمّد، ضياء الدّين، أبو الفتح، ابن الأثير الجزريّ، الكاتب (( 2 )) .
* متكبر، نفخ في غير ضرم، وبذخ (( 3 )) بالسّمن وشحمه ورم، ولم يلتفت الدّهر إليه بعطفه، ولا أقبل عليه ببعض عطفه، حتى شمخ شمما، ونطق خرسا، وأصغى صمّا، وكانت له مخيلة ظهرت بارقتها، وبهرت سارقتها، شرب بودقها الهيام، وضرب ببرقها الغمام الخيام؛ وقد كان بالموصل، وشبابه مسودّ اللّمم، محتدّ الهمم، في درس يباكره ويغاديه، ويسقيه ماطره بروائحه وغواديه، فملأ الحفظ خاطره حتّى اندفق، وكلأ الحظّ سائره حتى توقّد الشفق، فقالب الأسود، وقارب أن يسود، لولا عجب ردّاه، وردّ وجهه عن الطريق فما أداه، فوقع إذ أسفّ، وتكدّر إذ شفّ، واتصل بالخدمة الأفضليّة فغمط به فضلها، وقبض بسببه
ظلّها، فلم يحمد أحد له ولا لسلطانه فعلا، ولا عدّ له ولا للأفضل (( 1 )) فضلا، وجلس للنّاس وقد لبس رداء الكبرياء، وسلب بحمقه وقار الكبراء، فأحرج الصّدور عليه وعلى ملكه، وأحوج المقدور بما لديه إلى مهلكه، فتميّزت الخواطر عليه غيظا، وأبرزت الضّمائر له برد القلوب قيظا، فأودع النّفوس ودائع الحنق، وأترع له الدهر العبوس مشارع الرنق، وخرج من دمشق في صناديق المطبخ مختبئا حين أخرج الأفضل منها، وكان ينتقص الفاضل والعماد وسائر الكتّاب، ويحط قدر الأفاضل، ويسخر بالنّاس، ويتوقف في قضاء الحوائج، ويحمل ملكه على جفاء أهله وقطع ذوي رحمه، ويبعد بينه وبين أقاربه، فلهذا مقت، وغضّ طرفه وبهت؛ وفيه يقول الشّهاب فتيان (( 2 )) : [مجزوء الرجز]
متى أرى وزيركم ... وما له من وزر
يقلعه الله فدا ... أوان قلع الجزر
وفيه يقول ابن عنين (( 3 )) : [الوافر]
كأن قفا الوزير عروض سوء ... يقطع بالبسيط وبالمديد
قذال لا يزال النّعل فيه ... كمنزل أحمد بن أبي الحديد
وكان كاتبا مطّلعا، مترويا بالعلوم مضطلعا، إلّا أنه كان متكلفا متطبعا، ومتعجرفا متصنّعا، وكان يتعاطى أكثر مما يستحقّ.
وله تصانيف، منها (( المثل السّائر )) و (( الوشي المرقوم )) و (( المعاني المبتدعة )) وأمثلها (( المثل السّائر )) وقد عمل عليه موفّق الدين [ابن] أبي الحديد (( 1 )) كتابا سمّاه (( الفلك الدّائر على المثل السّائر )) وعمل آخر كتابا على كتاب [ابن] أبي الحديد سمّاه (( القطع الدّابر على الفلك الدّائر )) (( 2 ))
وكلام هذا الرجل- أعني الضّياء- وإن كان محكم الصنعة، ناظرا إلى دقائق المعاني، فإنّه في غاية التكلّف، لاعتماده على معاني النّاس، وإكثاره من الحلّ والاقتباس، وقد بنى كتابه المسمى (( بالوشي المرقوم )) على هذا؛ وعليه كانت طريقته، في كلامه ومنحاه في قوله، لا يكاد يسمع له من النظم إلّا ما قلّ. مولده يوم الخميس، العشرين من شعبان، سنة ثمان وخمسين وخمسمئة بالجزيرة (( 3 )) .
* ومن نثره قوله في وصف كريم:
فلان يغار من جود غيره إذا جاد، ويرى الأفضلية في المكارم إلّا في وحدة الانفراد، فصديقك الذي يحب محبة الله في ودّه، ولا يتعدّى الخجل إلى الثقة بعهده؛ ولو أعطينا الرّشد كما كنا نأسى على ما يختلف على تغييره المساء والصّباح، وكان كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ
(( 4 )) .
ومنه قوله في وصف البلاغة:
إذا نزل من سماء فكري ماء، سالت أودية بقدرها، واهتزت رياض بزهرها، وليست الأودية إلّا خواطر الأفهام، ولا الرّياض إلّا وشائع الأقلام.
ومنه قوله:
وفي الآباء عوض عن الأبناء، وفي الأسّ خلف لما يستهدم من شرفات البناء، وقد قيل: إنّ في سلامة الجلّة هدر للنيب (( 1 )) ، وإذا سلمت طلعه البدر، فأهون بالأنجم إذا انكدرت للمغيب؛ وما دام ذلك المعدن باق، فالقضب كثيرة وإن أودى منها قضيب.
قلت (( 2 )) : لو قال: الدّوح، أو الأصل، أو ما شابه ذلك، كان أنسب من قوله: المعدن، وأكثر ملاءمة مع قوله قضيب.
ومنه قوله:
وفلان قد خبر الدّهر في حلب أفاويقه، ونقض مواثيقه، فهو لا يرد الماء إلّا بماء، ولا يهتدي في مسرى أرض إلّا بنجوم سماء؛ ومن شأنه أن يرد الأمور برأيه ولا يبعث فيها رائدا، وإذا قيل: إنّ فلانا ذو كيد، قال: من الكيد أن لا يدعى كائدا.
ومنه قوله:
لقونا وقد أشرعوا الأسنّة التي شاركتهم في الأسماء، وإذا أوردت أروتهم من غليل الحقد كما يتروى من شرب الدماء، لكن ذادها عن الورد ما هو أصلب منها عودا، في يد من هو أمضى منهم جدا وأسعد جدودا، وإذا لاقت الرّيح
إعصارا، زالت عن طريقه، وضاق ذرعها بمضيقه.
ومنه قوله:
رأيت أجمة ولا ليث يحمي تلك الأجمة، بل رأيت بيض عقاب تحضنه رخمة، وليس المشار إليه إلّا نائما في صورة يقظان، وهو كزيد وعمرو إذ تجري عليهم الأفعال وهما لا يشعران.
ومنه قوله:
وفلان قد جعل الرّأي دبر أذنه، ووضع جفير (( 1 )) السّيف تلقاء جفنه، ولم يعرّج على لهو فيقول (( 2 )) : اليوم خمر وغدا أمر، ولا يصغي إلى مسير فيأخذ بقول زيد ولا عمرو، فهو مطلّ على مغيبات الأمور، غير غافل بتمام الأعقاب إذا تمت له الصّدور.
ومنه قوله: الغناء يخفّ بكثير من الأوزان، والنّظر في هذا إلى الأثر لا إلى العيان، ولا عجب أن يوزن الواحد بجميع الورى، ولهذا قيل: كلّ الصيد في جوف الفرا (( 3 )) .
ومنه قوله: كم في الأرض من شمس تخجل لها شمس السّماء، وتتضاءل إليها تضاؤل الإماء، وتعلم أن ليس لها من محاسنها إلّا المشاركة في الأسماء؛ فلربما طلعت في الليل فقال النّاس: هل يستوي بياض النّهار وسواد الظّلمات، ولا عجب للعيون إذا رأتها أن تظنّ ذلك في أحلام النوم، أو يخيل لها أن
يوشع (( 1 )) في القوم.
ومنه قوله:
ولقد رأيته فرأيت العالم في واحد، وعلمت أنّ الدهر للنّاس ناقد، وما أقول إلّا أنّ الله ردّ به الأفاضل إلى معاد، ثم وضعه موضعه (( 2 )) ، فذلك من جملة الأعداد في الاعتداد، لكن [إن] كان ذنبي خطأ، فقد جاءت معذرتي عمدا، ولا عقوبة مع الاعتذار، ولو كان الذّنب شيئا إدّا، والمقدرة لا تسيغ للكريم أن يمضي غيظا أو يطيع حقدا.
ومنه قوله:
الأحوال شبيهة بالأبدان في عوارض سقمها، وكلّ داء من أدوائها له علاج إلّا ما كان من سأمها وهرمها، وقد قيل: إنّ الطّب هو معالجة الأضداد بالأضداد، ولهذا لا يطبّ مرض الآمال إلّا بجود الأجواد، وفي شهود الجناية من الأشراف ظلم للسّادات لا تعدّه النّفوس من ظلمها، ولربّما كلم السّوار يدا فذهب فخر زينتها بألم كلمها، ولهذا هانت جناية بني عبد المدان، وضرب بها المثل في شرف المكان، والنّاس في المنازل أطوار، فمنهم أنجاد ومنهم أغوار.
ومنه قوله:
بازيّ (( 3 )) أشهب، تفخر السوابق بأنها له سميّة، وترتمي الطير في جو السّماء وهي له رميّة، كأنّما يجلو القذى عن عقيقتين، ويظلّ من توحشه
وإيناسه من خليقتين، ومن أدنى صفاته أن يقال: هذا خلق من الرّياح، في صورة ذي منسر وجناح، وقد لقب بالبازي لكثرة وثوبه، وما غدا لمطلب صيد ففاته شيئ من مطلوبه، ولقد تكاثرت قلوب الطير لديه في كلّ حال، حتّى شبّه رطبها ويابسها بالعناب والحشف البال )) .
ومنه قوله في المطر:
وانحلّ بها خيط السماء، حتى استوى ريّ بطونها للظّماء، ولكنّه للريح التي حبته بما حبا، ولم يكن مسك طلّه معتصرا إلّا من كافور الصّبا.
ومنه قوله:
ولقد سنّوا دروع الحديد على مثلها، ولولا اتقاء البغي لرأوا حمل العار في حملها، فإذا صافحتها أسنّة الحرضان (( 2 )) ، رأيت أشخاص الكواكب في غدران.
ومنه قوله في لئام:
أصلح الإفساد، وردّ البلاد؛ وقد استذأبت نقادها (( 3 )) ، واستجبلت وهادها (( 4 )) ، ووردت وعولها بحيث ترد آسادها!.
ومنه قوله:
فعلم ذلك جهل لا يرعّ (( 5 )) منه عنف الملامة، وداء لا يكفي في تقليل دمه
الفصد للحجامة، بل اليد لمن وضع السّيف فيه موضع العصا، ومن عمى الضلالة ما لا يبصر إلّا بسفك الدّم، ومنه ما يبصر بتسبيح الحصا.
ومنه قوله:
وكم لطيف الخال من يد يبذلها، وصاحبة يمنعها، ولطالما سمح برؤية عين لا يراها، ونجوى حديث لا يسمعها، فياله من باطل أشبه في مراره حقا، وأوهم القلب أنه داواه وما داوى، والغليل أنه شفاه وما أشفى.
ومنه قوله:
قليل الاحتفال بالخطوب المختلفة، وإذا انتقلت أحوال الزّمان، كانت حاله غير منتقلة؛ فعلمه يطلّ على أفكاره، ويرى الأمر الخفيّ من خلف أستاره، ولا تبلغ الأنجاد والأغوار مدى أنجاده وأغواره، فهو اليقظ الذي هجع النجم وهو لا يهجع، والماضي الذي يجزع السيف ولا يجزع، والمعافى المضروب له المثل بأنّه لا يخدع.
ومنه قوله:
ريعان العمر تشترك فيه نهضة الأجسام والهمم، ولهذا كان شباب العلى في الشّباب، وهرمها في الهرم، وما تشابها في اللفظ إلّا لتشابههما في المعنى، وكلاهما ذو رونق في حسنه، إذا اجتمعا زادا حسنا؛ وما أقول إلّا أن بين سواد الشّعر والسّؤدد غراسا، كما أن بينهما في التسمية جناسا.
ومنه قوله:
من كل بطل يزحم غوارب الأهوال بغاربه، ويلقى وجوهها الكريهة بجانبه، ولطالما كافحها في الحرب، حتى نفضت وقائعها غبارا على ذوائبه، فهو يقدم فيها إقدام من ليس له أجل، ولا يرى للخدّ الأسيل حسنا، لا يخدّ من الأسل.
ومنه قوله:
تماثلت فرائد عقودها وثغرها، فلا يدرى أنظمت حلية نحرها في تبسّمها، أم حلية مبسمها في نحرها؛ فلو انتثرت تلك الفرائد في اللّيل البهيم، لا لتقطت حبّات العقد النّثير في ضوء العقد النّظيم.
ومنه قوله:
إذا نظر الخادم إلى حبسه المقتنى من خدمة الديوان العزيز لم يحتج إلى أوّلية مجد قديم، ولا إلى فضيلة سعي كريم، فالحظوظ مقتسمة في تلك الأبواب بلثم التراب؛ ولو عقلت النّجوم، كما يزعم قوم، لنزلت إليها خاضعة الرقاب، وقالت لها: أنت أولى بمكان السّماء الذي منه مطلع الأنوار ونشوء السّحاب.
ومنه قوله في رؤوس علّقت على قلعة:
ولم يكن بناؤها إلا بعد أن هدّمت نفس الأعناق، كأنّما أصيبت بجنون فعلقت عليها القتلى مكان التّمائم، أو شينت بعطل فعلقت مكان الأطواق.
ومنه قوله: لم تكسه المعركة نسج غبارها، حتّى كسته الجنّة نسج شعارها، فبدّل ثوب أحمره بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره.
ومنه قوله في وصف الحياء:
الحياء لباس يتّقى وجه الكرم بوقائه، وهو له كاللّحاء الذي يبقى العود ببقائه.
ومنه قوله:
لو أردت دوام الدّهر على حال واحدة ما دام، والبأساء والضّراء خيالات
أحلام، فما ينبغي لك أن توليه حمدا ولا ذما، فإنّك تتقلّد منه يدا ولا يدا، ولا تشكو منه ظلما ولا ظلما.
ومنه قوله:
ولئن صبرت فلأن الجزع لا يفيد ردّ الفائت، ولقد علمت أنّ للمصائب أجرا، ولكنه لا يفي بشماتة الشامت.
ومنه قوله:
مررنا عليهم مرور الأمحال، وأمّيناهم وهم رجال بلا أرض، وتركناهم وهم أرض بلا رجال، ولقد مشت المنايا في دمائهم حتى ظلت حسرى، وشبع السيف منهم حتّى تفزر بطنه، وشرب الرّمح حتى تأوّد سكرا، ولم يبق للإسلام في عقده غلّ إلّا شفاه، ولا عنده دين إلّا استوفاه.
ومنه قوله:
في الحرب إذا أيتم (( 1 )) السّيوف من الأغماد، فقد أيتم الأولاد من الآباء وأثكل الآباء الأولاد، فلا يرى أدهم نقع إلّا وهو ببياضها أبلق، ولا أحمر دم إلّا بحدّها مهرق، فهو مصارع النّفوس، ومطالع السّعود والنّحوس، والنّار التي عبدت من قبل المجوس.
ومنه قوله:
لا يكون الكريم كريما، حتى يكون لنفسه غريما، فإنّ العطايا حقوق واجبة على أقوام، وإذا لم يجد الغمام بمائه فأيّ فائدة في كثرة ماء الغمام؟.
ومنه قوله:
توانى عنه رسل النّجاح، ووكلت به عزمة أوقفته على رجل وأنهضته بجناح، وتمنعه من الإتيان على عجل، إنّ القضاء على مهل.
ومنه قوله:
هوّنت نفسي حتّى صرت أصرّفها كما أشتهي، وأنهاها وآمرها فتأتمر وتنتهي، ومن صفاتها أنّها لا تمنى من غيرها بزاجر، وقد استوت حالتها في باطن من الأمر وظاهر.
ومنه قوله:
جمع المال فقر لا غنى، وهو كشجرة لا ظلّ لها ولا جنى، وصاحبه لا يستفيد به إلّا ذمّا، ولا يستزيد بالسعي له إلا همّا، واليسار على هذه الحال هو عين الإملاق (( 1 )) ، والذّهب والحجر سواء إذا لم تتصرف فيه يد الإنفاق، وفضيلة المال داء الأعراض، كما أن فضيلة الزاد داء الأجساد؛ وعلاجهما شيء واحد، في الوقوف على درجة الاقتصاد.
ومنه قوله:
وصنائع المعروف تورث من الثّناء خلودا، وتكون لغير ذوي الجدود جدودا، تبتنى العلياء بما يفنى ولا يبقى، وترقى بصاحبها إلى منال النجم وهو لا يرقى؛ والسّعيد من جعل ماله نهبا للمعالي لا للّيالي، وعرضة للمآثر لا للذّخائر، ومن نال الدّنيا فاشترى آخرته ببعضها، وأقرض الله من مواهبه التي دعاه إلى قرضها، فذلك الذي فاز بالدّارين، وحظي فيها برفع المنارين.
ومنه قوله:
سارية تمشي لثقلها مشي الرّداح، ويكاد يلمسها من قام بالراح (( 1 )) ، وما نتجت نتاجا إلّا أسرّت في ضمنه حمل أقاح، ولا أظلمت إلّا أضاء البرق في جوانبها، فتمثّلت ليلا في صباح، فهي مسودّة مبيضّة الأياد، مقيمة وهي من الغواد، نوامة على طول سهرها بالوهاد، فكم في قطرها من ديباجة لم تصنع أفوافها، ولؤلؤة لم تشق عنها أصدافها، ومسكة لم تخالط سرر الغزلان أعرافها؛ فما مرت بأرض إلّا أحيتها بعد مماتها، ووسمتها بأحسن سماتها، وغادرت غدرانها فائضة من جهاتها، ومثلها والنّبت مطيف بها بالأقمار المتعلقة بأردية ظلماتها.
ومنه قوله:
فلان قد كشف عن مقاتله، وعرض بجهة الأدلّة نفسه على قاتله.
ومنه قوله:
وقلمه هو يراع نفث الفصاحة في روعه، وكمنت الشجاعة بين ضلوعه، فإذا قال أراك نسق الفرند في الأجياد، وإذا صال أراك كيف اختلاف الرّماح بين الآساد؛ طورا ترى نحلة تجني عسلا، أو شفة تملي قبلا، وطورا ترى إماما يلقي دروسا، وآونة تنقلب ماشطة تجلو عروسا، ومرة ترى ورقاء تصدح في الأوراق، وأخرى ترى جودا مخلّقا بخلوق السّباق؛ وربما تكون أفعوانا مطرقا، والعجب أنّه لا يزهى إلا عند الإطراق؛ ولطالما نفث سحرا، أو جلب عطرا، وأدار في القرطاس خمرا؛ وتصرف في وجوه الغناء، فكان في الفتح عمر وفي الهدى
عمّارا وفي الكيد عمرا (( 1 )) ، فلا تحظى به دولة إلا فخرت على الدول وقالت:
أعلى الممالك ما يبنى على الأقلام لا على الأسل، والقلم مزمار المعاني، كما أن أخاه في النّسب مزمار الأغاني؛ وكلاهما شيء واحد في الإطراب غير أن أحدهما يلعب بالأسماع، والآخر يلعب بالألباب.
ومنه قوله:
وقلمه هو الذي إذا قذف بشهب بنانه رأيت نجوما، وإذا ضرب بشبا حدّه رأيت كلوما، وإذا صور المعاني في ألفاظها رأيت أرواحا وجسوما، ولطالما قال فاستخفّ موقّرا وكسا وقارا، وأطال فوجدت إطالته بحلاوته إقصارا، فهو دقّ المعاني المخترعة، يستخرجها من قليبها، ويبرزها في ثوبها القشيب، وليس خلق الأثواب كقشيبها، يجتني معانيه من ثمرات مختلفة طعمها، وينسج ألفاظه من ديابيج مؤتلفة رقمها.
ومنه قوله في ذم كاتب:
لا يمشي قلمه في قرطاس له إلّا ضلّ عن النّهج، ولا يصوغ لفظا إلّا قيل: ربّ حدث من الغم كحدث من الفرج، ولكن ما كل من تناول قلما كتب، ولا كل من رقا منبرا خطب، والدّعاوى في هذا المقام كثيرة، ولكن ليس القنا كغيرها من القصب.
ومنه قوله (( 2 )) :
وكان بين يدي شمعة تعمّ مجلسي بالإيناس، وتغنيني بوحدتها عن كثرة الجلاس، وينطق لسان حالها أنّها أحمد عاقبة من مجالسة النّاس؛ فلا الأسرار
عندها بملفوظة، ولا السّقطات لديها بمحفوظة؛ وكانت الريح تتلعّب بلهبها، وتختلف على شعبه بشعبها، وطورا تقيمه فيصير أنملة، وطورا تميله فيصير سلسلة، وتارة تجوفه فيصير مدهنة، وتارة تجعله ذا ورقات فيتمثل سوسنة، ومرة تنشره فينبسط منديلا، ومرة تلفّه على رأسها فيستدير إكليلا؛ ولقد تأملتها فوجدت نسبتها إلى العنصر العسليّ وقدّها قدّ العسّال، وبها يضرب المثل للحليم، غير أن لسانها لسان الجهال ومذهبها مذهب الهنود في إحراق نفسها بالنّار، وهي شبيهة العاشق في انهمال الدّمع، واستمرار السّهر، وشدّة الاصفرار.
ومنه قوله:
ولقد عدا السّحاب طوره إذا هطل في بلدة هو بها مقيم، لكن عذره أنّه أتى متعلّما، وقد جرت العادة بإفادة التعليم، وما أقول: إنّه يقابل ذاك الوجه النّدي إلّا بوجه قل ماؤه، ولو استحيا منه حقّ الحياء لما هطلت سماؤه، وأنّى يقاس فيض كرم السّحاب بفيض كرمه، أو ديمه الدائمة بإقلاع ديمه.
ومنه قوله:
إذا رفعت الخطوب أعناقها، لقيها من رأيه بسعد الذّابح، وإن بقي ليلها غشيه من عزمه بالسّماك الرامح، فهو يسفك دماءها، ويجلو ظلماءها، ولهذا ترى وقد أجفلت عن طريقه، فرجعت عن حرب عدوّه إلى سلم صديقه.
ومنه قوله في اليأس والطّمع: إن نظر إلى اليأس والطمع، وجدا سواء في جدوى الإعطاء، ولا فرق بينهما إلا في روح التعجيل وكرب الإبطاء، ومن هاهنا عجّل اليأس غنى والطّمع فقرا، وأوسع صاحب هذا ذما، وصاحب هذا شكرا.
ومنه قوله: إذا فاز المرء من اليقين بحظه، ولحظ الدنيا بقلبه لا بلحظه، علم أن عطاياها عارية مردودة، وأنّها وإن طالت مدّة وجودها فإنّها مفقودة، وما ينبغي له حينئذ أن يسر بالشيء المعار، وينقل له من دار المتاع إلى دار القرار.
ومنه قوله:
وكانت الدّنيا به مسرورة، فطوى عنها لباس السّرور؛ وكانت الزّلفى له بحياته، فانتقلت الزّلفى إلى أهل القبور؛ وما أقول إنّه كان للأرض إلّا بمنزلة الأرواح من الأجساد، ولا شك أن السّماء حسدتها على الاختصاص به مما اعتادت من حسد الحساد، فبماذا يمدحه المادح وقد أسلمه العيان إلى الخبر؟ وإن قيل: لولا النّبي لم تخلق شمس ولا قمر، قلت: ولولا موته لم تخسف شمس ولا قمر.
ومنه قوله:
وكيف يظلم ذاك اللّحد وبه من أعمال ساكنه أنوار؟ أم كيف يجدب وبه من كف فيضه سحاب مدرار؟ أم كيف يوحش والملائكة داخلة عليه ببشرى عاقبة الدار؟ أم كيف يخفيه طول العهد على زواره وطيب ترابه هاد للزّوار؟ وا أسفي كيف أطأ على الأرض وهو في بطنها ملحود؟ أم كيف ترعى (( 1 )) نجوم السّماء وما هو بينها موجود؟. أم كيف أعدّ أسماء البحار وليس في جملتها معدود؟ أم كيف أحمد من بعده عيشا ولم يكن العيش إلا به محمودا؟
ومنه قوله:
العفو عن المذنب عقوبة لعرضه، وإن نجا بسلامة نفسه، وخيانته هي التي تلبسه من غضاضتها ما لم يبلغه العقاب بلبسه؛ وقد قيل: إنّ الرّفق بالجاني عقاب، والإحسان إليه متاب؛ ولا شكّ أنّ بسطة القدرة تذهب بالحفيظة، وتزيل وجد الصّدور المغيظة، وشيم المولى تحبّ أن يكون رضاها شفيعا إلى غضبها، وإن نبضت منه بادرة سهم، ردتها شيمة التغمد على عقبها، فلا شافع إليها إلا وسيلة كرمها، ولا ذمة عندها إلا الاستذمام بحرمها.
ومنه قوله:
إذا ادعت له الأوصاف رتبة فضل، شهد شاهد من أهلها، وكفته وراثتها عن آبائه أن يشارك البعداء في فضلها، وأحق الناس بالمعالي من كان فيها عريقا، ولا يكون المرء خليقا بها إلا إذا كان أبوه بها خليقا، وإذا زكت أصول الشجر زكت فروعه، ولا يعذب مذاق الماء إلا إذا طاب ينبوعه.
ومنه قوله:
وأكرم بيديه التي تسمح بدية القتيل، ويرى الكثير من عطائها بعين القليل، وما كل من شاء استمرت يده بالسماح، وقد تحجم عنه من تقدم على مكروه الصفاح، على أنه قد قيل: إن بين التسميتين إخاء، فالسخاء يكون نجدة، والنجدة تكون سخاء؛ ومصداق هذا القول اجتماعهما لليد الكريمة التي ألفت إنجاح الوعد وإنجاح الوعيد، وضمنت أرزاق الناس وأرزاق الحديد، وقالت في الندى: هل من صاد في الوغى: هل من مزيد؛ فالساري إلى أبوابها لا يصل إليه في نهج السرى، وهو مهتد منها على قبس القراع أو قبس القرى.
ومنه قوله في وصف هملاج (( 1 )) :
له في العربية حسب أصلها، وفي العجمية نسب جهلها، فهو من بينهما مستنتج، لا ينسب إلى الضبيب (( 2 )) ولا إلى أعوج (( 3 )) ، سديد الحملة، شديد الجملة، لا يشان بالغلو، ولا يتعب راكبه بفرط العلو، أثبت من الصافنات صبرا، وأوطأ ظهرا، وأطوع للتصريف، وأسلم في الهيكل والوظيف، رحب اللبان، عريض البطان، سلس العنان، طوع الكرة والصولجان؛ قد استوت حالتاه بادنا ومضطمرا؛ فإذا أقبل خلته مرتفعا، وإذا أدبر خلته منحدرا، كأنه دمية محراب، أو درة هضاب، فهو مخلّق بخلوق المضمار، وبدم السّرب والصوار (( 4 )) ، بناصية شائلة، وغرة سائلة، كنوارة في شقيق، ولؤلؤة في عقيق، يثنى عليه بأفعاله، لا بعمه وخاله؛ وإذا كان الكريم في كل جنس، فهو كريم جنسه؛ وإذا كانت العراب بأنسابها، أبناء أمهاتها، فهو ابن يومه لا ابن أمسه، كأنما ألقى لجامه على سالفة عقاب، أو شد حزامه على بارقة سحاب.
ومنه قوله في الخيل والسير:
ولما دهم نزلنا للاستراحة، والهجير قد أخذ في الاستعار، وقذف بالدرك الأسفل من النار؛ والحرباء قد لجأ إلى ظل المقيل، وسمح بمفارقة عين الشمس وهو بها عين البخيل؛ فلم يكن إلا مقدار وضع الرجل من الركاب، ومصافحة الجنب لصفحة التراب، حتى قيل: قد فجأتكم عصابة من أهل العبث، تشد في
ضرائها، وتجنب نقعها من ورائها، وقد فرطت أجيادها بأعنّتها، وطاولت هواديها بأسنتها، فغدت حينئذ نجزة من الخيل، تدرك ما كانت له طالبة، وتفوت ما كانت منه هاربة، لا تمل من موالاة الدروب، وهي عند النزول كمثلها عند الركوب؛ فلما استويت على ظهرها، عقدت مع الريح عقد الرهان، وعرضت عليها حكم الشقراء والميدان، ثم قلت: إن استشعرت مسابقتي، فقد جئت شيئا فريا؛ وتلوت قوله تعالى: وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
(( 1 )) وما كان إلا هنيهة حتى حال الركب للرواح عند الإظهار، واستسلفت المدى بالتقريب قبل الإحضار، وجئت القران فلقيته منها بصدر يطارد الأمواج مطاردة الفجاج، وعين لا يروعها هبوات الماء كما لا يروعها هبوات العجاج؛ فتلك فرسي التي أعدّها لكل مخوفة، وهي حوت في كل معبر، وظليم في كل تنوفة.
ومنه قوله في الناقة والفرس:
سرت وتحتي بنت قفرة، لا تذهب السرى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بإثناء الزمام، وإذا سارت بين الآكام قيل: هذه أكمة من الآكام، ولم تسم جسرة إلا أنها تقطع عرض الفلا كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت حرفا إلا أنها جاءت لمعنى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيب من الخيل، يقبل بجذع، ويدبر بصخرة، وينظر من عين جحظة، ويسمع بأذن جسرة، ويجري مع الريح الزعزع، فيذرها وقد ظهر فيها أثر الفترة، وما قيد خلفها إلا وهو يهتدي بها في المسالك المضلة، ويطأ على آثارها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة؛ هذا والليل قد ألقى جوانبه فلم يبرح، والكواكب
قد ركدت فيه فلم تسبح، وإنما أود لو زاد طوله، ولم تظهر غرة أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: إنه أدنى المبعد، وأكتم الأنوار، ودل عليه القول النبوي (( 1 )) (( بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار )) ، وما زلت أسير مرتديا بثوبه حتى يكاد أن ينضو لون السواد، وظهر ذنب السرحان فأغار على سرح السماء كما يغير السرحان على النقاد، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نهلة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة، وإنما كان على ظهر السائر.
ومنه قوله في الخاطر:
الخاطر كالضرع، إن حلبته طف، وإن تركته جفّ.
ومنه قوله:
لا ريب في أن لحاظ النواظر كمتون البواتر، وإنما اشتركت جفونهما في الأسماء، لاشتراكهما في سفك الدماء.
ومنه قوله في الحكمة:
عقل المرء من حول ماله، وماله من حول صبره؛ فإذا افتقرت يده ذهبت بعقله، وإذا صبرت نفسه ذهبت بفقره.
ومنه قوله:
فروا وقد علموا أن العار مقرون بالفرار، لكنهم رأوا كلمه الأعراض أهون من كلمه الأعمار، وتلك نفس خدعت بالحياة الذليلة التي الموت ألذ منها طعما، وليس الموت إلا في أن تلاقي النفس ذلا، أو تفارق جسما؛ ولربما يسلا المهزوم
بقول القائل: إن الأسد يغلبه (( 1 )) الأسود، وإن الحرب ليست بمضاء العزائم، وإنما هي بمضاء الحدود؛ وهذا القول مسلاة كاذبة لهم مكذوبة، ولولا العزم لم تر حصون مفتتحة، ولا جموع محزوبة، وبالجد يدرك الجد، ولولا القدح لم ينفث الزند، ولمّا جيء بأسرى القوم مننّا عليهم بإطلاق السراح، وقاتلت عنهم شيمة الصفح إذ لم تقاتل عنهم شيمة الصفاح، وحمية الآباء لا تقتل من لم يحوه مكر الطراد، ولا حمية صهوات الجياد؛ وأي فرق بين الأسير في عدم الدفاع، وبين أشباهه من ذوات القناع؟
ومنه قوله:
وما زال يزعج ديار الكفر بغزواته، حتى لم تهن حاملة بإتمامها، ولا متعت عينها بلذة منامها؛ فاسم القرور من نسائهم منسوخ بغارة المقربات الجياد، ولذيذ النوم بأرضهم مسلوب بإيقاظ جفون البيض الحداد.
ومنه قوله في بليغ:
إذا ارتجل أتته المعاني غير مكرهة ولا محرجة، وأبرزها كوامل الصور غير مخدجة، وإن تروى تهافتت على توقد خاطره تهافت الفراش، وجاءته سوانح وبوارح حتى تقول (( 2 )) : تكاثرت الظباء على خراش.
ومنه قوله في تكذيب أهل النجوم:
ولقد أوهم أهل التنجيم بالتسيير والتقويم، والحكم على أفعال العليم
الحكيم، فأخبروا عن النجوم في سعودها ونحوسها، بما لم تخبره من نفوسها، وقضوا في ترتيب أبراجها، واختلاف مزاجها، وحكموا على حوادث العمر من حال وجوده إلى عدمه، في سعادته وشقائه وصحته وسقمه، وأشباه ذلك من الزخارف، التي نصبوها حبائل للاكتساب على غير ذوي الألباب، وكلها أضغاث أحلام، وأوضاع لا تخرج عن خط الأقلام.
ومنه قوله:
ولم أبك إلا عصر الشباب الذي هو في الأعمار بمنزلة الربيع من الأعوام، وما كنت أعرف كنه أمره حتى مضى، فرحلت معه الحياة بسلام (( 1 )) ، فالأيام فيه غوافل، والسنون لقرب عهدها مراحل، ولم أقض وطرا إلا خلفت أندى منه مرتعا، وأحسن مرأى ومسمعا؛ أيام لا أعاقر خمرة إلا لمى، ولا وردة إلا خدا، ولا نقلا إلا فما، ولكأني ما كنت (( 2 )) قمرا حلف إلا بالقدود وهيفها، والجفون ووطفها، وليالي الذوائب وسدفها، ووجوه الأقمار التي لا تشاب بكلفها، ولا يرى في غرر الشهور ولا منتصفها؛ فأصبحت قد بدلت غريب الأحوال بأليفها، وعوضت من نضرة الأوراق بيبس خريفها، فولى الصبا الآن بسلام، ولوعة ينبي بها الدمع السجام.
ومنه قوله فيمن قصر:
ولتقر تفاح الخدود، فلست من تقبيله غرا، ولا من عضه، اللهم غفرا، وقد ينطق المرء بما يكون فيه لسانه آثما وفعاله برا، ولولا حكم الفصاحة لما ذكرت بانة ولا علم، ولا وقف المتغزل بأقواله موقف التهم.
ومنه قوله: كما عود الطير من جزر أعدائه تتبعه أسرابا، واستسقى سحابها ما تحته من سحاب خيله، فاستسقى سحاب سحابا، ولقد مرت عليه الشمس فضعفت أن تحرق جناحا، أو تحمي بحرّها سلاحا، فلم يلق بين الريش فرجة ينثر فيها دراهمها، ولربما خالسها النظر إذا هزت قوادمها.
ومنه قوله في الاستعطاف:
المولى إذا لين له غلب على أمره، وأزيلت مغيظة صدره، وهذه خليقتان من البعيد الذي يمسه بلحمة، ولا يمت إليه بحرمة، فما للظن بالقريب الذي فاز بمزية الشركة في عرفة؛ وفضل الجوار لاحق أوجب من حقه، فكيف نسي المولى عادة كرمه، ووضع وجوه قومه تحت قدمه، وجعلهم حصائد سيفه وقلمه؛ وحاشاه أن يقطع رحما أوصاه الله بوصلها، ويعضد شجرة أصله الكريم من أصلها، ويزعم بأنهم أخرجوه عن معهود خلائقه، وبدلوا أنواء غيوثه بمخيلة صواعقه؛ ولكنهم شفعوا للذنب بالاعتذار، وعلموا أن خيط أرشيتهم لا يؤثر في كدر البحار؛ وقد قدر المولى، والمقدرة تصغر كبار الذنوب، وتذهب ترات القلوب، فإن نقم منهم أنهم جمعوا قلة الآداب إلى إدلال ذوي الانتساب، فتلك سنة سنها حكمه، وجبلهم عليها حلمه، وما يتحدث الناس أن الكريم عاد عن عادة إغضائه، ورجع في حكم قضائه؛ وأول راض سيرة من يسيرها (( 1 )) ؛ فليسبل المولى عليهم ستر فضله، وينجز إساءة فعلهم بإحسان فعله، وليأخذ بأدب الله وأدب رسله في الإعراض عن الجاهل وجهله؛ ويعلم أن قوم المرء كنانته التي بها
يناضل، وذروته التي بها يطاول، وإذا لم يحمل ما يريب من أدانيه رمته أقاصيه، ولابد للإنسان من طاعة ومعصية، ومن أجل طاعته تغفر معاصيه إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
(( 1 ))
وبعد، فإذا شاء المولى أن يقتل حرّا فليعف عن زلله، فإن إصابة عرضه أشد من إصابة مقتله.
ومنه قوله: سليب المدائح أبهج حسنا من الغصون المسكوة بأوراقها، والحمائم المتحلية بأطواقها، فهو عار من اللباس، مكسو من المحامد التي صاحبها هو الكاسي.
ومنه قوله في ذم الود المتكلف:
خير الود ما عطف عليك اختيارا، لا ما أعدته بالعتاب اقتسارا؛ فإن شيمة التبرع كحسن التأدب غير مجلوب، والإنجاح في الطلب إتعاب لوجه المطلوب، إلا أن خير الود ودّ تطوعت به النفس لا ود أتى وهو متعب.
ومنه قوله:
والشيب يعيد جدة الشباب وهي أخلاق، وهو على كراهة لقائه مكروه الفراق، فواها لنزوله، وآها لرحيله، وسحقا له بديلا من الشباب، وسحقا لبديله.
ومنه قوله في الهجو:
لم أر له في حظوظ المساعي من قسم، كأنه فيها واو عمرو أو ألف بسم (( 2 )) ،
فهو لا يزال منكرا غير معروف، فإما زائد لا حاجة إليه وإما محذوف.
ومنه قوله:
السر أمانة لا تباع، ووديعة لا تضاع؛ فالعين تكاتم القلب فيها ما تبصره، والقلب يكاتم اللسان ما يضمره، وإذا حوفظ على السر هذه المحافظة، فقد ألقي في مهولة لا يرام اطلاعها، ونيط بصخرة أعيا الرجال على كثرة المحاولة انصداعها.
ومنه قوله في قتال قوم كانوا بجبل، ثم نزلوا فهزموا:
وبعد، فإن العساكر ركبت لارتياد موقف الحرب، واختيار المصعد السهل في الجبل الصعب، لتكون على بصيرة من أمورها، ولتأتي البيوت من أبوابها لا من ظهورها، فانبسطت كتائبها في كل منخفض ومنحدر، ومزلزل ومستقر، فحينئذ نفخ الشيطان في أنفه وساقه إلى حتفه، فبرز بمن قبله من الجنود، ونزل عن قلل الأوعال إلى مصطحر الأسود، وكان حزن الخطب في أحزانه، وتباعد مناله في تباعد مكانه، فلما أسهل أسهل النصر في طلبه، وأمكن يده من سلبه؛ لا جرم أنهم ردوا على الأعقاب، ونسفوا نسف الريح السحاب، فلم يكن لهم سلاح أوقى من الفرار، ولا عاصم إلا الجبل الذي عصم من طوفان السيف وما عصم من طوفان العار.
ومنه قوله: وثار بين أيدينا سرب ظباء مدرب على القنص ومقانصه، عارف بغوائله ومخالصه، وقد طرق مكانه حتى لم يهن بمرتعه ومشرعه، ولا أمن نبوة مصرعه، وكبس منه ما تمتع برؤية أشباهه من الفرقدين، ولم ينس الفجيعة بإلفه الذي خر
لفمه واليدين، فلما أحس بنا طار خيفة حتفه، وكاد أن يخلف ظله من خلفه، فأرسلنا عليه سلس الضريبة، ميمون النقيبة، منتسبا إلى نجيب من الفهود ونجيبة، كأنما ينظر من جمرة، ويسمع من صخرة، ويطأ من كل برثن على شفرة، وله إهاب قد حيك من ضدين بياض وسواد، وصور على أشكال العيون، فتطلعت إلى انتزاع الأرواح من الأجساد، وهو يبلغ المدى الأقصى في أدنى وثباته، ويسبق الفريسة فلا يقنصها إلا عند التفاته، وقد علمت الظباء أن حبائلها في حبل ذراعه، وأن نفوسها مخبوءة بين أضلاعه، فلم يكن إلا نبضة عرق، أو ومضة برق، حتى أدرك عقيلة من تلك العقائل، فأناخ عليها بكلكله، ووقف بإزائها ينتظر وصول مرسله.
ومنه قوله:
والتاريخ معاد معنويّ يعيد الأعصار وقد سلفت، وينشر أهلها وقد ذهبت آثارهم وعفت، ويستفيد به (( 1 )) عقول التجارب من كان غرا، ويلقى آدم ومن بعده من الأمم وهلم جرا، فهم لديه أحياء وقد تضمنتهم بطون القبور، وعنه غيب وقد جعلتهم الأخبار في عدة الحضور؛ ولولا التاريخ لجهلت الأنساب، ولم يعلم الإنسان أن أصله من تراب، وكذلك لولا [التاريخ] لماتت الدول بموت زعمائها، وعمي عن الأواخر حال قدمائها، ولم تخطّ علما بما تداولته في الأرض من حوادث سمائها؛ ولمكان العناية إليه لم يخل منه كتاب من كتب الله المنزلة، فمنها ما أتى بأخباره المجملة، ومنها ما أتى بأخباره المفصلة، وقد ورد في التوراة في سفر من أسفارها، وتضمن تفصيل أحوال الأمم السالفة ومدد أعمارها.
وقد كان العرب على جهلها بالقلم وخطه، والكتاب وضبطه، تصرف إلى التواريخ جل دواعيها، وتجعل له أوفر حظ من مساعيها، فتستغني بحفظ قلوبها عن حفظ مكتوبها، وتعتاض برقم صدورها عن رقم مسطورها، كل ذلك عناية منهم بأخبار أوائلها، وإبانة فضائلها؛ وهل الإنسان إلا ما أسسه ذكره وبناه؟
وهل البقاء بصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه؟.
ومنه قوله:
الخادم يعود المولى من شكاة جسمه، والناس يعودون الخادم من شكاة همه؛ وإذا مرض المولى المنعم سرى مرضه إلى عبيده وخدمه، فهم مشاركوه في اسم مرضه، وإن خالفوه في صورة ألمه؛ وقد تمرض أرواح المرض أجساد، ويشتركان في كل شيء حتى في عيادة العواد.
ومنه قوله في السير:
ولقد سرت مسير الأخبار، وأخذت بمطالع الليل والنهار، حتى عدمت رفقة ورفقا، وصيرت للغرب غربا وللشرق شرقا.
ومنه قوله:
إذا وقفت بالدار تسائل أحجارها، وتبكي آثارها، فإنك لا تبكي التراب، بل الأتراب، ولا تندب الآثار الحائلة، بل الأحباب الزائلة، ولا فائدة في سلامك على الطلل الذي لا يعي خطابا، ولا يرد جوابا، فإنما تخاطب أصداء لا تملك إعادة ولا إبداء؛ وإذا شغلت نفسك بسؤال التراب والجندل، فلا فرق بين سؤال من لا يجيب، وجواب من لا يسأل.
ومنه قوله قريب منه:
ولقد قصد منه كريما لم تزل معاهد أكنافه معهودة، ومن مواهبه أن تكون قاصدة قبل أن تكون مقصودة؛ من يسأله غير درجات المعالي فقد قدح في مواهبه، وحط من مراتبه؛ أمسك المال وجعل حادث هلاكه في ضمن إمساكه، فلو حلف سائله أن يصافح السحاب لبر في يمينه بمصافحة يمينه، وليس هذا من المجاز الذي يتوسع في مقاله، بل هو من حقيقة القياس الذي يحمل على أشباهه وأمثاله.
ومنه قوله: وبأيديهم كل لدن شدته في لينه، وتمكن النصر منوط بتمكينه، فما منهم إلا من اعتقل ما يماثله قدا، ويناسبه جدا، فإذا مثلت شكولها وشكولهم قيل:
صعاد، في أيدي صعاد وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: أساود في أيدي آساد؛ ومن صفاتها أنها لا تنشد [إلا] إذا كانت قصائد، ولا تجور إلا إذا كانت قواصد، قد أدبها الثقاف من عهد فطامها، وكانت منابت التراب من شرابها، فأصبحت منابت الترائب من طعامها، فهذه هي الرماح التي تعلقها أيدي الأبطال، وتأوي منها إلى معاقل بذلك الاعتقال.
ومنه قوله:
مننّا عليهم من الأسلاب بالبيض القواطع، ليجعلوا حليها أساور في أيدي البيض ذوات البراقع (( 1 )) ، وحلية السيف لا تحسن إلا بكف يكون به ضاربا لا له حاملا، وإذا عطل في موقف الجهاد، فالأولى له أن يجعل عاطلا، فخفنا أن ينشدهم قول أبي العتاهية (( 2 )) : [الهزج]
فصغ ما كنت حليت ... به سيفك خلخالا
فما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتالا
ومنه قوله:
ولقد تعقبت الأيام نقصها بإتمامها، ونقضها بإبرامها، ونسي نعي ميتها ببشرى حيها، ونشرت المكارم التي كانت طويت، فوفى أنس نشرها بوحشة طيها، وأصبح عزاء الناس مستدركا بالهناء، وعوضوا عن كنز الغنى بكنز الغناء، حتى استرجعت العبرات ما جادت به من سحاب مزنها، واستبدلت ببرد مسرتها من حرارة حزنها.
ومنه قوله في الحلم:
إذا حكمت قدرته في الذنوب كان العفو لها عاتقا، وإذا أحب الشفعاء أن يشفعوا إليه كان كرمه لهم سابقا، فلا بارقة في بوارقه إلا وهي مغشية بغمامة حلمه، ولا بادرة من بوادره إلا وهي محبوسة في قبضة كظمه؛ وعلى هذا فإن الجاني غير مقتصر لديه إلى إقامة الأعذار، ولا إلى التوبة التي تستر عورة الإصرار، فيوشك أنه تخلق بخلق الله سبحانه في عموم المغفرة، ورأى أن لا أثر يبقى في صدر المغيظ إذا تولت إذهابه يد المقدرة.
ومنه قوله في الخمر:
سقيت مغارسها بالسرور بدلا من الماء، وجمع لها بين وصفين من تذكير الأفعال وتأنيث الأسماء، وما سجنت في دنها إلا لما عندها من النفار، وكانت حمراء اللون فألبسها السجن ثوب الاصفرار، وقد شبهت بالنار الموسوية في تألق ضرامها، وبالنار الخليلية في بردها وسلامها، وإذا نظر إليها وإلى زجاجها أشكل الأمر بينها وبين الزجاج، وقيل: هذا سراج في كأس أم كأس في سراج؟
ومنه قوله:
النفوس تؤثر الخير تكلفا والشر طبعا، وهي مجبولة على حب الشهوات قلبا ولسانا وبصرا وسمعا، لكن للتدريج أثر في تقويم الاعوجاج، واصطناع الياقوت من أحجار الزجاج، ولهذا استخرج من أوراق الشجر وشائع الديباج.
ومنه قوله في المدح:
إذا أفضت في الثناء عليه، تنافس النظم والنثر في الاستقلال بأوصافه، وما منهما إلا من فض ختام طيبه ونشر مطاوي أفوافه، فما ترى في مديحي لمولانا من حسن فليس لها مخلوقا، بل من أوصاف سيدنا مسروقا: [البسيط]
إذا القصائد كانت من مدائحهم ... يوما فأنت لعمري من مدائحها
ومنه قوله:
المال يكون في خزائن أربابه صامتا، وإذا خرج في العطايا صار ناطقا، فيا قبحه في أيديهم حبيسا، ويا حسنه عنهم آبقا، ولم يسمع قبله بآبق أفاد صاحبه حمدا، وبنى له مجدا.
ومنه قوله في قريب منه:
جود مولانا قد هون على الناس مشقة الاغتراب، وأراهم من نعيم الإنعام ما حبب إليهم فراق الأحباب، فما منهم إلا من يحمد خطوب الأيام التي أخرجته من دياره، ونقلته عما لم يؤثر الانتقال منه إلى ما لقيه من إيثاره؛ فمثال بابه الكريم بقتلى الأيام، كمثل الجنة بقتلى الحمام؛ فلو علم داخل الجنة أنها تكون له مصيرا، لاستعذب كأس الحمام وإن كان مريرا؛ وذلك كما قال ابن الخياط (( 1 )) :
[البسيط]
لأشكرن زمانا كان حادثه ... وصرفه بي إلي معروفكم سببا
ومنه قوله:
إذا حكمت سيوفنا في أموال العدى، حكمت فيها وسائل الندى، فهى طالبة ومطلوبة، وسالبة ومسلوبة، إلا أنها تأخذ ما تأخذه اقتسارا، وتعطي ما تعطيه اختيارا، فلها بسطة الغالب ومنّة الواهب.
ومنه قوله في شكر منعم:
إذا تقابلت مدائحي وسجاياه، رأيت مرآة صقيلة، تقابل صورة جميلة، فلولا هذه ورونق صقالها لما تمثلت تلك على هيئة جمالها؛ وأنا أول من طبع مرآة من الكلام، وصور الأخلاق فيها بصور الأجسام.
ومنه قوله:
وردت إشارة سيدنا أن أنظم في فلان قصيدا، يكون في نظمه فريدا، وقد علم أن أحرار الكلام وردت أن لها عزة الأحرار، وهي كالنفوس الأبية في الاستعلاء والاستكبار، فإذا كلفت مدح لئيم صدت مجانبة، وذهبت مغاضبة، ولهذا أبى كلامي وهو الحر في نسبه، الكريم في حسبه، أن يمدح من عرضه حرّاق قادح، وفريسة جارح، وطعمة هاج لا مادح؛ ولطيمة الطيب لا تلتئم بالكنيف، وصورة الشوهاء لا يزين منها التسوير والتشنيف.
ومنه قوله في قلم:
أخرس وهو فصيح الإيراد، وأصم وهو يسمع مناجاة الفؤاد، لا ينطق إلا إذا قطع لسانه، ولا يضحك إلا إذا بكت أجفانه.
ومنه قوله في تفضيل الإحسان على الثناء:
الشكر أخف من الإحسان وزنا، وصاحبه يستبدل الذي هو خير بالذي هو أدنى، ولقد ربحت صفقته إذا باع أقوالا وحاز أموالا، وأعطى كلمات خفافا وأخذ عروضا ثقالا؛ ومن زعم أن شكر الشاكر أفضل من موهبة الواهب فقد أغلى القول فيما ليس بغال، وأتى ويده السفلى من مكان عال؛ وأيّ فضل لمن غايته أن يكون مجازيا لا موازيا، ومعاملا لا معادلا؟ وإذا أنصف علم أنه جاء أخيرا، ولا فرق بينه وبين من أعطي أجره فصار أجيرا، وما أرى الشكر إلا حديثا يذهب في الرياح لو لم تقيده مكارم السماح، فلا حاجة مع لسانها إلى الشاكر، وإذا نطقت الحقائب فقد أغنت بنطقها عن مديح الشاعر (( 1 )) .
ومنه قوله:
الخادم لا يشكو الأقوام، ولكن يشكو الأيام؛ فإن المعدى على قدر العدوى، والمشكو إليه على قدر الشكوى؛ وممّا يشكوه منها أنها تبادهه ولا تواجهه، وتسارره ولا تجاهره، ولو كان لها شخص للقيه بعزم مولانا فقارعه، أو أرهبه باسمه الكريم فوادعه؛ وهي عبيده، تجني وهو المطلوب بجنايتها، وإذا رأت بأحد عناية من جاهه قرنتها بعنايتها؛ والمملوك يطالب مولانا بأرش (( 2 )) جراحها، ويسأله عناية تكف من غرب جماحها.
ومنه قوله في سرى النياق:
كم للركاب من يد لو علمتها لجعلت تراب أخفافها للعيون إثمدا، وخطط
منازلها للجباه مسجدا؛ فهي الحاملة أعباء الهمم، والممكّنة من نواصي النعم.
ومنه قوله: جوده بعيد على الأمل، غير مفتقر إلى العذل، وإذا احتفل فهو نهر طالوت الذي حلل للغرفة لا للنهل.
ومنه قوله في كريم:
لا يضرب بين ماله حجابا وبين السائلين، وإذا عذل على الجود أجاب بقوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
(( 1 )) .
ومنه قوله في الاقتصاد في طلب الرزق:
الإنسان في كفالة الله يرزقه غير واثق، وهو في كل طريق إليه سالك ولكل باب فيه طارق، وكثيرا من يأتيه الرزق وهو عن طلبه نائم، ويقعد عن ابتغائه وهو إليه قائم، ولا يصرف الأقدار إلا القادر على خلقها، وكم من دابة مرزوقة وهي ضعيفة عن حمل رزقها.
* قلت: ذكرت بهذه الكلمة دعاء كتاب كتبه ابن عبد الظاهر عن الملك الظاهر إلي وزيره بأن يربع (( 2 )) دواب الحرس، وكان قد أمر بإخصائها، لإزعاجها له بالنهيق، ثم رآها فرحمها، فأمر بذلك؛ والدعاء:
ولا زال يشكره غرب البلاد وشرقها، وحمامها وورقها، وما من دابة في الأرض إلا على الله- وعلى حسن تدبيره- رزقها (( 3 )) .
عدنا إلى ابن الأثير:
ومنه قوله في ذكر الخدمة:
لو ساغ لوليّ من أولياء الديوان العزيز أن يمت بولائه، أو يدل بما أبلاه في الخدمة من حسن بلائه، لكان لسان الخادم في هذا المقام أكرم صدقا، أو مكانه منه أشرف حقا، لكن ليس لقائم بخدمتها أن يمن بقيامه، كمن ليس لمسلم أن يمن بإسلامه؛ والخادم وإن أمسك عن ذكر خدمه، فقد نطقت بها شهرة سماتها، وأصبحت مواقفها في المواقف أبكارا، ونطق البكر في صماتها، ولم تزل معروضة بالديوان العزيز، وكل وقت إبان وقتها، وهي كالآيات التي لا تأتي منها إلا كانت أكبر من أختها.
ومنه قوله:
ولطالما أورى الاغتراب عزا، وأثار من السعادة كنزا، حتى إن الله جعله سنة في أنبيائه ورسله، ونهج لهم سبيل العز بسلوك سبله، كسنة الغربة اليثربية، في الهجرة النبوية، وما أوجسه من القوة بعد الفرار، والكثرة بعد ثاني اثنين إذ هما في الغار؛ والتقليل سبب للسكون، والشهادة داعية لهدوء العيون، ولو لزم السيف غمده لم يبن أثر مضاربه، ولا خدمه لسان في نظم شاعره ولا نثر خاطبه، وبالاغتراب عذب ماء البحر لما فارق السحاب.
ومنه قوله:
له القلم الذي يصرع الخطب الجليل بضعفه، ويسبق الحرف الأمون (( 1 ))
بحرفه، وإذا نكس رأسه رأيت أبهة الخيلاء في عطفه، فهو يجل بأسا ويدق
جسما، ويمج من لسانه شهدا وسمّا، فإذا ارتقى أنامله قيل: خطيب رقا منبرا، وإذا اهتز في يده كأنّه جانّ ولى الخطب مدبرا.
ومنه قوله:
لو ذهب الحزن بالدمع وانهماله، لكان الصبر بصاحبه أحرى، ولو لم ينل به أجرا، فكيف وصلوات الله ورحمته من ثوابه، وما اعتاض المرء صبرا عن المصاب، إلا كان فيه عوض عن مصابه.
ومنه قوله:
المكر ضراب من تحت الثياب، وسيفه لا يقطع إلا وهو في القراب، وصاحبه يلقى بوجه الأحباب، وهو كالجبل الذي تحسبه جامدا وهو يمر مرّ السحاب، يفرق الجموع وقد كادت تكون عليه لبدا، ويجعل قوتها أضعف ناصرا وكثرتها أقل عددا، ويستغني بلين كيده عن شدة أيده، وكثيرا ما يطعن أقرانه قبل الطعان، ويفاجئهم بالذعر وهم من الأمن في صوان.
ومنه قوله في التضرع إلى قريب مضايق:
أنا أسأله بالرحم التي أمر الله باتقائه واتقائها، وتكفل بالإسقاء يوم القيامة لمن تكفل بإسقائها، واشتق لها لكرامتها عليه اسما من اسمه، وقسم لواصلها ببسط العمر والرزق اللذين هما من أفضل قسمه، فلا تتركني أتأوه بقلب المتألم، وأجهر بلسان المتظلم، وأن أصله بسهام الدعاء القاصدة، وأحاكمه إلى صراعة البغي التي ليست عن الباغي براقدة، وأتمثل بقوله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
(( 1 )) ويعز عليّ أن ألقاه بهذا القول
الذي أنا فيه غير مختار، ولئن كان من المحظور النهي عنها، فالمحظور يباح لمرتكبه عند الاضطرار.
ومنه قوله في تذكير بعض الطغاة:
تذكير الطاغي من سنة الله التي خلت في عباده، وإن عسر نقله عما جبلت عليه فطرة ميلاده، وقد أمر موسى بتذكير فرعون مع أنه لم يستفد ذكرى، بل زاد إلى طغيانه طغيانا وإلى كفره كفرا.
ومنه قوله: ونصبت المجانيق فألقت عصيها وحبالها، وصبت على أقطار البلد نكالها، فسجدت لها الأسوار سجود السحرة لفعل العصا، وبادرت بالإيمان لها مبادرة من أطاع وما عصى، فلم يكن إيمانها إلا بعد إذن الأحجار، التي ما أذنت لمشيد إلا أخذ في البوار، وخر من الأقطار، وأصبح كشجرة اجتثت فوق الأرض مالها من قرار.
ومنه قوله في كتاب:
ورد كتابه فطلع طلوع الصباح السافر، على المدلج الحائر، لا بل أقبل إقبال الحياة على الأجساد، والحيا على السنة الجماد، فعظم موقعه أن يزال باليد أو ينال بالنظر، أو يوصف بأنه ثاني المطر، أو ثالث الشمس والقمر.
ومنه قوله، رسالة في البندق:
من المآرب ما يفعل طالبه، ويرتاح ناصبه، ويشترك فيه الناس، فكل منهم صاحبه كالقنص الذي هو للخاصة نهزة مراح، وللعامة صفقة أرباح، وهو جامع لرياضة أجسام ومسرة أرواح؛ وسأذكر موقفا وقفته وموسما عرفته، تخلسه الدهر إذا عرفته؛ وذلك أني في زمن الربيع، والأرض ديباجة، والسماء زجاجة، والجوّ
قد أصبح بأنفاس الرياض معطرا، والشمس قد ضربت في أرجائها عمودا، فاخضر اخضرارا معصفرا، ولقد أصاب من مثل العام شخصا، وجعل الربيع بمنزلة ثغره النسيم، أو عمرا وجعله بمنزلة شبابه الوسيم، وقد زاد عندي حسنا أني أصبحت في هذا اليوم أصحب أخاه الذي شابهه في اعتدال زمانه، لا في تلون ألوانه، وناسبه في طيب شيمه، لكنه أسخى منه في فيض كرمه، وهو مولانا الملك الذي سعيه مشتقّ من لقبه، وسبقه إلى المعالي كسبق المنتمي إليه من نسبه، والمسمون بالملك كثير، غير أن هذا الاسم لا يختص إلا به (( 1 )) :
[الكامل]
ملك زهت بمكانه أيامه ... حتى افتخرن به على الأيّام
وكان المنتظم بخدمته في هذا اليوم غلمان كأنهم لؤلؤ منظوم، وهو أشرف خادم لأشرف مخدوم، ومقامهم في الحسن سواء، فلا يقال فيهم: وما منا إلا له مقام معلوم، وكلهم قد تأهب للطرد تأهبه للطراد، وهم متقلدون قسي البندق مكان النجاد، فإذا تناولوها في أيديهم قيل: أهلة طالعة من أكفّ أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: منايا مشوقة بأيدي أقطار؛ وتلك قسيّ وضعت للعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال، وإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت بين وصفي اللين والصلابة، وصيغت من نوعين غريبين، فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حياة ونبات، ومؤلفة منهما على بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البر ومجاهله، ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشدّ، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد؛ لها بنات أحكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها صندلية الإهاب، وكأنما صنعت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا قذفتها الأطيار قيل: ويصعد من الأرض من
جبال فيها من برد، ولا ترى حينئذ إلا قتيلا، ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود، فهي كافلة من تلك الأطيار بقبض نفوسها، منزلة لها من جو السماء على أم رؤوسها، فما كان إلا أن ابتدر أولئك الغلمان طلقا من الرمي، يأتي على اختيار المختار المنايا ذات أسماع وأبصار، وإذا عرض له السّرب لم يخش فوت خطأ ولا فوت قرار، فمن بين دراجة أدرجت في ثوب دمائها، وحمامة حمّ عليها نزع دمائها، ومن كروان فجع بينهم فراخه، وإوزة ودّت لو لجأت إلى الصائد ومكيد فخاخه، فلم يضرنا مع ذلك فقد المنتخب من الجوارح، وكان اليوم كيوم المحصب (( 1 )) من كثرة الذبائح، وشهدت في خلال هذا المنتزه من لطائف اللذات ما يغلو على مستامه، ولا يجيله خاطر المنى في أوهامه، وإذا تذكرته النفس أعاد آخر طعمه أوله، وقالت: ترى الدهر نام عنه أو أغفله، على أنه لا يستغرب مواتاة مثله لمثل هذا السلطان، الذي الأيام له عبيد، ولا تمضي إلا ما يريد، ومن أكرم نعم الله عليّ أن أصبحت من خدمه معدودا، وعلى خدمته محسودا فلهذه النعمة أن أمسكها إمساك الشكور، وأصاحبها مصاحبة الغيور، وقد كنت بالأمس أنذر لها نذورا، وأنا الآن واف بتلك النذور، والسلام.
ومنه قوله من كتاب كتبه في معنى كتاب فاضلي، كتبه إلى الظاهر يعزيه بوالده؛ وكان جرى حديث هذا الكتاب في بعض المجالس فاستحسن، وطلب الجماعة الحاضرون أن يعارض بمثله، فأملى هذا الكتاب عليهم، وكان المتوفى قد مات وقت الصباح:
كتب المملوك كتابه هذا في ساعة أفلت الشمس فيها عند الصباح، وذهبت بروح الدنيا التي ذهبت بذهابها كثير من الأرواح، وتلك ساعة ظلت بها
الألباب حائرة، وتمثلت فيها الأرض مائرة، والجبال سائرة، وأغمد سيف الله الذي كان على أعدائه دائم التجريد، وخفت الأرض من جبلها الذي كان يمنعها أن تميد، وأصبح الإسلام وقد فقد ناصره، فهو أعظم فاقد لأعظم فقيد، وليس أحد من الناس إلا وقد أصم سمعه الخبر، وأصيب في سواد القلب والبصر، وقال وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول عمر، ولما غلبت على الدفاع عنه ألقيت بيدي إلقاء مكسور الجناح، واستنجدت الدموع والدموع من شر السلاح، ونظرت إلى العساكر حوله ولا غناء لها عن كثرة السيوف والرماح، وقد ودعته وداع من لا مطمع له في إيابه، وحال الترب بيني وبينه فصار بعيدا مني على اقترابه، وبرغمي أن يمشي لي قلم بعزائه، وأن أكاتب به أعز أعزائه، وليس عندي صبر حتى أحثّ على مثله، ولو كنت من رجاله لغلبني الأسى بخيله ورجله، والذي يستنطقه المولى من رأي فإن هذه الرزية أخرسته عن الكلام، وتوفته مع مخدومه الذاهب فاستويا جميعا في الحمام، ولكن في وصية عبد الملك لأولاده ما يغني عن الآراء واستنطاقها، وقد ضرب لهم مثلا في الاجتماع والافتراق باجتماع القداح وافتراقها؛ والسلام.
ومنه قوله ما كتبه إلى الأفضل عليّ عند عوده إلى الديار المصرية المحروسة:
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
(( 1 ))
يقبل الأرض بالمقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الأفضليّ النوريّ، جعل الله الليالي والأيام من جنده، وأظهر آيته في اعتلاء أمره وتجديد جده، ووهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعقد له لواء نصر لا شركة للناس في عقده؛ ويهنئ مولانا بأثر نعم الله المؤذنة له باجتبائه، حتى بلغ أشده واستخرج كنز آبائه، ولو أنصف لهنأ الأرض منه بوائلها والأمة بكافلها، خصوصا أرض
مصر لأنها قد حظيت بسكناه، وغدت في بحرين من فيض البحر وفيض يمناه، فأصبحت تشمخ بأنفها، وتسمو بطرفها، وتجير من الأيام وصدفها، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، أو سيقت إليه الجنة بنضارتها وسرورها (( 1 )) :
[الكامل]
ما زلت تدنو وهي تعلو عزة ... حتى توارى في ثراها الفرقد
وقد كان منتهى أمل الأولياء أن تعود الضالة إلى ربها، وتفك الطريدة المغصوبة من يد عضبها، فأتى فضل الله بما لم يؤمله أمل الآمل، وعوض عن القطرة الواحدة بسحاب هاطل، وهذه نعمة يضيق عنها مجال القول المعاد، ويسرع بياضها في سواد الحساد؛ فلو غدت الجباه ساجدة، والقلوب حامدة، والأيدي ترفع الدعاء بادئة وعائدة، لما وفى ذلك بحقها، ولا أخرج الأعناق من عهدة رقها؛ وأحسن ما فيها أنها زارت على غير ميعاد، وحثت ركابها من غير سائق ولا حاد، وتخطت وقد ضرب دونها بسور من صدور الظبا ورؤوس الصعاد، فلم يكن لأحد فيها منة سوى الله الذي قرب بعيد أسبابها، وفتح مستغلق أبوابها، وأبرزها على حين غفلة من حجابها، فيجب على مولانا أن يختزنها بالإنفاق، وأن يقيدها بالإطلاق، وأن يقص أجنحتها لتظل طائرة في الآفاق؛ والمملوك في هذه الوصية كصيقل نصل له من جوهره صقال، وعاصر سحاب له من نفسه انهمال.
ومنه قوله في المجانيق:
ونصب المجانيق فأنشأت سحابا يخشى محلها، ولا يرجى وبلها، فما سيقت إلى بلد حي إلا أماتته، ولم تأته إلا أتاه أمر الله إذ أتته، فلم تزل تقذف
السور بصوبها المدرار، وتنزل عليه جبالا من برد غير أنها من أحجار.
ومنه قوله في التوكل:
وألطاف الله لا يعرفها إلا من عرف الله فوفاه حقه، ولم يكن ممن ضرب له مثلا ونسي خلقه.
ومنه قوله:
وأفتى قوم بوقار المشيب بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثا للعمر، ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا.
ومنه قوله في الحث على الصدقة:
إنما الصدقة لمن قمصه الفقر لباسا، فستر ذلك اللباس، وكان لا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس، والنار تتقى بشق تمرة، وما سد رمقا لا يطلق عليه اسم قلة، وإن لم يكن موصوفا بكثرة.
ومنه قوله في عيادة مريض:
ولما بلغ المملوك خبر شكاته، هيض منه ما ليس بمهيض، وأصبح وهو الصحيح أشد شكوى من المولى وهو المريض، وقد ودّ لو وقاه، وتلك أقصى درجات الوداد، ولم يق إلا نفسه بنفسه، وقد تجتمع النفسان في جسد من الأجساد، ولقد ناجى المملوك نفسه: إن هذه الشكاة لا تلبث إلا تلبث الزائر عند المزور، وإنها لم تأت إلا لتظهر ما عند الناس من مودات الصدور، فكم من أيد بالدعاء ممدودة، ونذور عند الله ليست بمعدودة، ولقد أخذ المملوك بالخبر النبويّ، فجعل الصدقة طبيبا، وتقالّ بأحاديث منام لم يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا.
ومنه قوله: وهم سيوف الله التي إذا جردت زالت الهام عن مناكبها، واستوى في القتل نفس مضروبها وضاربها، فما عليها جاهدت صابرة محتسبة ما كان من موارد هلكها، ولا ألم عندها للكلوم إذا جاءت يوم القيامة، ولونها لون دمها وريحها ريح مسكها.
ومنه قوله في عدم قبول توبة باغ:
التوبة وإن جبت ما قبلها، فإنها معتبرة ممن ندم على ما فات، وأخلص فيما هو آت، وأما من يظهر أمرا ويبطن خلافه فإنه لا يلج بابها، ولا يرجو ثوابها.
ومنه قوله:
الفراسة تقرب عيونها، وتصدق ظنونها، والإنسان شر مكنون، يظهره الاختيار، ويخفيه الاختبار، وقد عولنا في ولاية فلانة على فلان، وما أهلناه لها حتى توسمنا منه ما نتوسم من الصالحين، وعضدنا رأينا فيه برأي من عندنا من الناصحين.
ومنه قوله:
فلان يومه في الصحبة كغده، ولسانه في العفاف كيده، لا يحفر لأخيه قليبا، ولا يكون على عوراته رقيبا.
ومنه قوله:
مواقيت الحمد مقسومة على مواقيت النعم، ولكلّ منهما قسمة منه وإن تفاوتت في أقدار القسم، ولا نعمة أعظم من سعادة المثول بالديوان العزيز الذي يرغب إليه ويرهب، ويقرأ فضله في السماء ويكتب، ويحجب لمهابته عن
الأبصار، ويداه عنها لا تحجب؛ والعبد يحمد الله على هذه النعمة حمدا لا يزال جديدا، وليس فوقها غاية في الزيادة حتى يسأل مزيدا، ولو أمن إنكار أمير المؤمنين لخرّ بهذا المقام ساجدا، وهو يسجد له طائعا كما يسجد لله عابدا:
[المتقارب]
طلبنا رضاه بترك الذي ... رضينا له فتركنا السّجودا
ولو بصر مخدوم العبد بمكانه لحسده على مواضع رجله، ورأى العلياء وهي شراك لنعله، وقال: يا ليتني فزت بمثل هذا الحظ الذي ليس شيء كمثله، وكيف لا يحسد وقد وقف بموقف يقرب من الجنة ويباعد من النار، ويقمص الواقف به رداء فخر لا يخلق على تطاول الأعمار، ويعطيه أمانا من زمنه حتى يصبح وله على الزمن الخيار، ولا جناح عليه أن ملكته مخيلة الإعجاب، وأن رأى السماء فوقه وهي منال يد في الاقتراب، ولولا أنه بصدد أداء الرسالة التي يحملها لبسط من عنانه، وانتهى إلى غاية ميدانه.
الآن ينهي خدمة مخدومه الذي له في الأولياء نسب كريم، وعرق قديم، يقول الاستحقاق: وأنا به زعيم، ومن أحسن أوصافه أنه لا يمتّ بما عنده من عقيدة في الطاعة ناصعة من الأكدار، راقية كل يوم إلى درجة تحتاج في التي قبلها إلى الاستغفار، ولئن حصل بذلك على مراضي أمير المؤمنين فإنه لا يني فتورا، ولكنه يأخذ بالقول النبوي فيقول: (( ألا أكون عبدا شكورا.
وله شعر ذكره ابن العطار (( 1 )) ، منه قوله (( 2 )) : [الطويل]
رضيت بما ترضى به لي محبة ... وقدت إليك النفس قود المسلم
ومثلك من كان الفؤاد شفيعه ... يكلمني عنه ولم يتكلم
وقوله: [المنسرح]
لا طرق الداء من بصحبته ... يصح منا الرجاء والأمل (( 1 ))
لا عجبا أن نقيكم حذرا ... نحن جفون وأنتم مقل
وقوله: [الطويل]
وساءلتموه بعدكم كيف حاله ... [و] ذلك أمر بين ليس يشكل
فعن قلبه لا تسألوا فهو عندكم ... وأما عن الجسم المخلف فاسألوا
وقوله (( 2 )) : [مجزوء الرجز]
ثلاثة تجلو الفرح ... كيس وكوب وقدح
ما ذبح الدنّ بها ... لكن للهمّ ذبح
وقوله: [الطويل]
وأهيف تحكيه الغزالة مقلة ... وجيدا ويحكيها لنا في شماسه
أعار قضيب البان لين انعطافه ... فأهدى إليه حلة من لباسه
وقوله: [البسيط]
لولا الكرام وما سنّوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح
وهذا البيت عكس قول أبي تمام (( 3 )) : [من الطويل]
ولولا خلال سنّها الشّعر مادرت ... بغاة الندى من أين تؤتى المكارم
12- ومنهم: ابن زبادة، قوام الدين، أبو طالب، يحيى بن سعيد بن هبة الله ابن علي بن زبادة الشيباني (( 1 ))
باني علا لا تفرع ذروتها، ورامي صفا لا تقرع مروتها؛ أطل على السماء والسماك، وأقل الانهمال في سحب المسرة والانهماك، وأنشأ البدائع وأنشأ الوشائع، وقلد من صنائع الخلفاء أشرف الصنائع، وولي أجل الوظائف بحضرة الخلافة، وكان بالديوان العزيز كاتب الإنشاء، وأستاذ الدار، وحاجب الباب، وبيده كثير من هذه الأسباب، ثم نقم عليه لأمر ما جناه بيديه، فعزل وبقي معزولا، ثم تولّى ومات سمينا وكان مهزولا.
* ومن نثره قوله: لا تنال مناقب الفتوح إلا بمقانب الحتوف؛ وخليق بالأمير أنه ينجد ويمير، والديوان العزيز منتظر لأنجاده، وتعليق سيف المضاء بنجاده.
ومنه قوله: وكم لك من تدبير غدت به سماء الخطوب مصحية، وشموسها بيمن
سعيك مضحية، يتشعب الخلل إذا تفاقم وطرا، وتقرع أنف الحوادث إذا طم أو طغى؛ ولا مضيق إلا وبك انفراجه، ولا طريق للثناء إلا عليك انعراجه، فقد تكلفت بمصالح الدولة حتى صرت لها أبا، وكفيت من المهم ما سلم لك الحاسد الفضيلة فيه شاء أم أبى، فلذلك نادى منك أمير المؤمنين يقظا أجاب، ورفع بينه وبينك الحجاب، فانهض بما ناطه بك نهوض من لا يتعاظمه أمر وإن ثقل عبؤه ومحمله، واكفه المهم فيما تستقبله وتتقبله، وسارع إلى كل ما يرسمه لك وتمثله، واسحب على ثرى التفويض إليك أذيال الحلّ والعقد، واقدر قدر هذه النعمة التي أحلتك ذرى فلك المجد.
* ومن شعره قوله: [السريع]
من كانت البغضاء في طبعه ... لم يكفف الإحسان عدوانه
فالماء تطفي النار طبعا وإن ... أطال حرّ النار إسخانه
ومنه قوله: [الكامل]
مشمولة جاء النديم بها ... كالنار يقدحها من القدح
نحيا من الهم المميت بها ... فتميتنا من شدة الفرح
ومنه قوله (( 1 )) [الخفيف]
باضطراب الزمان يرتفع الأن ... ذال فيه حتى يعمّ البلاء
وكذا الماء ساكنا فإذا خر ... رك ثارت من قعره الأقذاء
ومنه قوله (( 2 )) : [البسيط]
إني لأعظم ما تلقوني جلدا ... إذا توسطت هول الحادث النكد
كذلك الشمس لا تزداد قوتها ... إلا إذا حصلت في زبرة الأسد
ومنه قوله (( 1 )) : [البسيط]
لا تغبطن وزيرا للملوك وإن ... أناله الدهر منهم فوق رتبته
واعلم بأن له يوما تمور به ال ... أرض الوقور كما مارت بهيبته
هارون وهو أخو موسى الشقيق له ... لولا الوزارة لم يأخذ بلحيته
ومنه قوله مما كتب إلى المستنجد (( 2 ))
: [من البسيط]
يا ماجدا جلّ قدرا أن نهنّئه ... لنا الهناء بظل منك ممدود
الدهر أنت فيوم العيد منك وما ... في العرف أنا نهني العيد بالعيد
13- ومنهم: شهاب الدين النسائي، أبو المؤيد، محمد بن أحمد بن علي بن عثمان بن المؤيد الخرندزي
(( 3 ))
* كتب الإنشاء للدولة الخوارزمية، وكبت الأعداء بالصولة العجمية، وكان ذا فصاحة بلّغته شغاف الأرب، وسوّغته نطاف الأدب كالضرب، وفرغته لاقتطاف بدائع العرب؛ وصنف سيرة سنيّة (( 1 )) تسمع وقائع سيوفها المشرفية في الرقاب، وتبصر صنائع معروفها وقد مضت عليها الأحقاب، وفاء بعهده لتلك الدولة التي والاها وخدمها، وأولاها ما شرّف بغرره خدمها، فلم يدع مما يبهج حرفا ولا يدع للسان الطيب اللهج عرفا، بعبارة صاغها بلطافة، أعجب من الفريد، وأعجل في القلوب تأثيرا من لواحظ الغيد.
* ومن نثره قوله من كتاب كتبه إلى الديوان العزيز مع رأس طغرل (( 2 )) ، وصل بغداد في الرابع والعشرين من ربيع الأول، سنة تسعين وخمسمئة، افتتحه بقوله تعالى هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ
(( 3 )) قال فيه:
وردت المراسم الشريفة بردع ذلك المارق الخائن، والمنافق الحائن، الذي استمرأ مرعى بغيه، واستعذب آجن غيّه، وأدلج في ليل ضلالته، وخبط في عشواء جهالته، شاربا من آسن الطغيان نهلا وعلّا، غير مراقب في الله ذمة ولا إلّا، مستسهلا للخطر الجسيم، مغترا بحلم الحليم غير مبال بانسلاخه من الدين، وخروجه عن زمرة المسلمين؛ نبذ أمر الله وراء ظهره، ولم يخش أليم عذابه، ولا راقب وبيل عقابه، فراسله الخادم داعيا له إلى الطريق اللاحب، ومشيرا عليه
باعتماد الواجب، مهيبا به إلى طاعة الإمام، وعارضا عليه تجديد الإسلام، أو الاستعداد للمصافّ، والرجوع إلى حكم الأسياف، فخيره بين هذين الأمرين، وحكّمه في أحد القسمين، وكلاهما عنده خطة خسف، ومورد حتف؛ فلما أبى إلا إصرارا على خطيئته، وإمرارا لحبل منيته وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
(( 1 )) دلف إليه الخادم في كتيبة شهباء من جنود الإمام، مقنعة بالزرد المحبوك، محتفّة بالملائكة، محفوفة بالملوك، يتألق حديدها، وتتذامر أسودها، وتئن كالجبل العظيم، والليل البهيم، ضاربة رواقات العجاج، ممتدة الأطناب في الفجاج، وكأن ظللها ليل ولهاذم الرماح نجوم، ودخان الأسنة نار، والصوارم جحيم؛ وكأن رماحها آجال إلا أن الممنايا في أوائلها، وحديدها نار إلا أن المنايا تجول في مناصلها؛ ولم تزل ترجف وفوقها جيش من النسور والعقبان، ويدأب بين أيديها جيش من السباع والذؤبان، وأرثها شخص المنون وهو عريان، إلى أن وافى ذلك المخذول وقد جمع للّقاء، واستعد في جيش جم تضيق بهم قذف البيداء، قد استلأموا للقتال، واستلموا كعبة الضلال، إلا أن الله صب عليهم الخذلان، لما تراءى الجمعان، وبرز الكفر إلى الإيمان، فتلا الخادم عليهم:
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
(( 2 )) ولم يكن إلا كنغبة خائف أو لمعة خاطف، حتى انجلت جند الله عنهم وهم كأعجاز نخل خاوية، وأصول ذاوية، لا يعرف لهم قتيل من دبير، ولا يفرق بين مأمور وأمير، وأنفذ الله حكمه في الطاغية، وعجل بروحه إلى الهاوية، وملك الخادم بلادهم، وحاز طريفهم وتلادهم، ونساءهم وأولادهم، وبادر بإنفاذ رسول مبشرا، وأنفذ معه رأسه وطبله وعلمه،
ليلعم أن قد كسر وطل دمه، والخادم ينهي أن وراءه بلادا شاسعة، ومدنا واسعة، وهو بعيد الأيام، ولا يمكنه طول المقام.
قلت: وسلك هذا النّسائي مع سلطانه مهمها يعزف الجن في بيدائه، وتضيع الريح في أرجائه، في يوم تتململ أفاعيه في رمضائه، وتسجن وحشه في فضائه، يذوب به حصا الآكام، ويلفح الوجوه أشواظ الضرام، وقد صرّ الجندب، وصكّ وجه الغدير الطحلب، وصح أن الصدى قد قام يبلغ والحرباء تخطب، ولا ورد إلا راكد الشراب، أو مورد كأنه هجر الأحباب، كأنما صب على وجهه الزيت الذائب، أو ذرّ الكبريت للشارب، لا يهنأ برده، ولا يسوغ ورده، فقال له سلطانه: صف ما نحن فيه، فقال على البديهة: [الرجز]
قذفت بالعبّس وجه المهمه ... رميت منه مشبها بمشبه
والشمس قد أذكت ضرام نارها ... لكنه في موقد من أوجه
والقفر خاف لا يبين طرفه ... واضحها للعين كالمشتبه
وجندب الأرض بها مبلغ ... وخاطب الحرباء كالمبتده
والورد لو يشرب عصفور به ... على فسيح غدره لم يروه
مقتّر مقدر مكدر ... تقصر عنه صفة المشبه
فاستحسن أبياته، وأجازه عليها بلدا بعمله.
وسايره وقد لمع برق فائتلق، كأنه غرة في أدهم أو أبلق، أو سلاسل من ذهب وما لها حلق، لا يني غمامه ينهمر انهمارا، ويلد إثر القطار قطارا، وهو يجلو الظلماء بضوء جبينه الشرق، ويمتد من أرجائه ذهب ثم يتحدر من حافاته ورق؛ فأمره أن يقول فيه، فقال: [الرجز]
أنعت برقا في الدجى يأتلق ... كأنه في جلدتيه بلق
يجلو الدجى له صباح شرق ... يرفضّ منه وابل مغدودق
كأنه جود المليك المغدق ... أو أنه من كفه متدفق
طورا بدى حما وطورا علق* ومن شعره قوله: [المتقارب]
وإني لفي قيد هذا الزمان ... لكالدّرّ إذ بات حشو الصدف
وإني على الرغم من حسّدي ... لأسلافي الصّيد نعم الخلف
فإن كان أنكر قدري الزمان ... فداهرة صدرت عن خرف
فعن أمم تنجلي عمّتي ... كبدر الدجى بعدما قد خسف
وتأتي المقادير منقادة ... تقول: عفا الله عمّا سلف
14- ومنهم: ابن أبي الحديد، عز الدين، عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد الحسين بن أبي الحديد، المدائني، أبو حامد
(( 1 )) .* كتب في ديوان الخلافة، وكبت من برع في المقال خلافه، وكان ذا لسن وبراعة، ورسن ممتد في البراعة؛ وكان من غلاة الشيعة، وولاة مقالات الرفض الشنيعة؛ رأس في الاعتزال، وكيس جدل يتفقأ سمنا بالهزال، على أنه كان
يظهر التمذهب للشافعي، وكان أصوليا لا يحبس لسانه بالعي، مع أنه كان بالبيان يسحر، وبالجمان يسخر.
وهو الذي عاب على ابن الأثير الجزري في (( المثل السائر )) ووضع عليه (( الفلك الدائر )) كما قدمناه في ترجمة المذكور، وما قصر في المناقشة، ولا عذر في المعاجلة له والمباطشة.
* ومن نثره قوله: وبعد، فقد عرض بالديوان العزيز كتابك أيها الزعيم، وخطابك وأمير المؤمنين عليم، وشرحت ولاءك وذلك حبلك الوثيق، وكذلك إخلاصك القديم، وانتماؤك إلى الباب الأشرف، وهذه عقيدة أخذتها عن سلفك وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
(( 1 )) نعم، ولا يلقنها إلا ذو فعل كريم، من ذي سلف كريم،؛ وبرز الأمر الأشرف عن الديوان العزيز بتلقي واردك بالكرامة التي عدّيت بها رتبة كل نظير، وأصبحت وعلى رأسك شربوش وتاج، وأنت صاحب تخت وسرير، وستجاب من ديوان الوزارة المشرفة مفصلا عن فصول كتابك، وحسبك حسبك شرفا تتشرف به من الديوان العزيز، إذ كان هذا من خطابك.
ومنه قوله:
وانتهى أمر الجزري إلى أنه قلع قلع الجزر، وما أغناه ما تكهن أو حزر، وهذا معجل كل مائق، وله مؤجل يأتيه يوم تقوم الخلائق.
ومن نثره قوله في تقليد قاض: وأرفع المناصب وأعلاها، منصب الحكم العزيز، الذي يجتبي الشرع في
ندبه، ويجتني السمع ثمرات كل شيء من جنبه، ويعرف به الحلال والحرام، ويتصرف في أوامر ذي الجلال والإكرام، وإن أحق من ألقي زمام أحكامه إليه، من تفرد بما لديه، وفاز بسهم معلى من العلوم، وأخذ من فنونها بنصيب معلوم، دأب نفسه في تحصيل نفائسها، واجتلاء غرائسها؛ فكم من أحاديث نبوية يعرف السقيم فيها من الصحيح، والعدل من رجالها من الجريح، وعلم الرواية على تشعبها، والأسانيد وطرقها، في حالتي تسهلها وتصعبها؛ وكم تفاسير كشف حقائقها، ومشكلات تأويل أظهر تحسين إيضاحه طرائقها، وكم فروع مسائل أصّلها، وأصول فقه حواها وحصّلها.
وكنت أيها القاضي فلان، لك فخر بعلم علمها لا يباهى، وورع لا تماثل فيه ولا تضاهى، وإفادة ينصب الطلبة لاستفادتها، وتشره الأسماع لحسن إيرادها واستعادتها؛ فلذلك أعهد عليك في القضاء بمدينة كذا، وألق من علومك ما يلاقي من أجله ذوو الطلبة للاستفادة، واعلم أنك حصلت على السعادة الدنيوية، فاعمل على الأخروية، فإنها أعلى السعادة، واجر على عادتك [في] التحرز في الأحكام، وامض على سننك في الاحتياط في كل نقض وإبرام، وأرع يراعك كل ما يفتقر أن يرعى، وكل ما يجب أن يمعن فيه النظر عقلا وشرعا؛ ثم والعدول فلتعتبر أحوالهم، وألزمهم بكل ما هو أجمع وأحوى لهم، فبهم تؤخذ الحقوق وتقام الحدود، وهم أمناء الله في أرضه، حيث هم على خلقه شهود، ومن وصايا العلم في تحقيق مسائل الخلاف لك عناية، فها عادة لا تقطع، وعدة لا تستدفع، وهي للمكمل الأدوات، المبرز بجميل الصفات، تذكرة تبدؤك نصائحها، وتتضح لديك مصالحها، فخذها نصب عينيك وتجاه أمرك، وأدم إحضارها في قضاياك ومرورها على فكرك.
* ومن شعره قوله: [الكامل]
بالله ضع قدميك فوق محاجري ... فلقد قنعت من الوصال بذاكا
وأطل معاتبتي فإن مسامعي ... تهوى حديثك مثل ما أهواكا
لا عانقتك من البرية كلها ... إلا يدي اليمنى وبند قباكا
كلا ولا رشفت رضابك بعدما ... قد ذقته إلا التي تهواكا
ومنه قوله في مليح جعل عارض الجيش، وخلع عليه خلعة خضراء (( 1 )) : [مخلع البسيط]
وأهيف كالقضيب قدا ... في خضر أثوابه يميد
قبلته باعتبار معنى ... لأنه عارض جديد
* واتفق له سرى ليلة برقها قد سرى، موهنا كوجيب الفؤاد، وموهما بأن طرفه لم يكتحل برقاد، كأنه فرس معار أشقر، أو نار تشب ضرمة وما خفي منه أكثر، والرباب دون السحاب كخليع من الفتيان يسحب مئزرا، وأمّ رؤوم على الأرض تدهن لمم الثرى، فقال: [الطويل]
أسري وومض البرق يخفق قلبه ... ويذكي له في الليل قدح زناد
ويوهمني أن ليس يكحل عينه ... رقاد، بلى قد كحلت برقاد
ودون الغوادي للرباب جلاجل ... تزور وهادا من عليّ نجاد
تزور بمبتل الحيا هامد الثرى ... وترشف ثغر النور ريق غواد
ثم لما أبهم عليه الأمر وأشكل، ولم ينخ راحلته فيعقلها ويتوكل، وقد سرى في ليل يخفي ظلامه قصد السبيل، ويملأ هوله صدر الذليل، ويفترس غوله خلب الغرير فكيف الدليل، تململ وتضجر، وقال لم يتصبر: [السريع]
ما لي ولليل وظلمائه ... ومهمه يحار فيه الدليل
كأنني في لجة غارق ... يا قوم قولوا لي كيف السبيل؟
ومن شعره أيضا مما أنشدنيه شيخنا أبو الثناء الحلبي (( 1 )) ، قوله: [البسيط]
أفدى الذي زارني والخوف يقلقه ... يمشي ويكمن في العطفات والطرق
قبلت أطراف كفيه على ثقة ... بالأمن منه وخديه على فرق
فكان في أخريات السكر مضطربا ... إذا أراد انتظام اللفظ لم يطق
لله ما أحسن الصهباء منعمة ... علي إذ علمته طيبة الخلق
أهدت إليه سرورا نلت معظمه ... كالفعل ينصب مفعولين في نسق
وقوله: [الكامل]
أعدى البياض إلى مجاوره ... ما ذاك إلا أنه مرض
هلا تيسر للسواد كذا ... وكلاهما في حكمنا عرض
وقوله: [الكامل]
يا من يدلس بالخضاب مشيبه ... إن المدلس لا يزال مريبا
هب ياسمين الشعر عاد بنفسجا ... أيعود عرجون القوام قضيبا
وقوله على الجادة في تفضيل السيف على القلم: [الطويل]
وما تدرك الأقلام شأو مهند ... يضيء إذا ما قام بين الكواكب
وأنّى لها وهي التي في طروسها ... تخر على الأذقان سود الذوائب
وكم بين من يبكي إذا ما انتدبته ... لأمر وبين الضاحك المتلاعب
وقوله في عكسه على طريقة ابن الرومي في المغايرة: [الطويل]
وما تطرق الأقلام في الطرس ذلة ... ولكنها حيات رمل قواتل
ومن أين يلقى السيف بعض فعالها ... وآثارها من غير جرح عوامل
إذا كان بين المرء والسيف حائل ... فليس عن الأقلام والمرء حائل
وقوله مما كتب به إلى بعض أصحابه وقد فصد: [البسيط]
يد تسيل المعاني بين أسطرها ... ما عودت غر مس الطرس والكاس
تجري دماء الأعادي وهي سالمة ... أنّى جرى دمها من مبضع الآسي
سهّلت يا وارث العليا المقام له ... أم كان فاصدها من أشجع الناس
كأنما شق منها رأس مبضعه ... بحرا من الجود أو طودا من الباس
وإذ ذكرناه فلننبه على ذكر أخيه:
15- موفق الدين، القاسم بن هبة الله، أبي المعالي
(( 1 )) * وكان باقعة في الاعتزال (( 2 )) ، ومعقلا للاختزال، دويهيّة تصفرّ منها
الأنامل (( 1 )) ، وتزور مقل السيوف والعوامل.
وقفت من نثره على قوله:
ولي بيان في وصف مجده لا يكلّ، ولسان في ذكر مناقبه لا يذل، وسهمي لا يخطئ غرضه، وفعلى لا يردي إلا معترضه، إلا أنني لو واصلت الأمداد، وزاحمت الأطواد، وأرسلت السحب، وراسلت الشهب، لما وفيت حقه المتعين، ولا قلت إلا الحق البين.
ومن شعره قوله (( 2 )) : [البسيط]
يصحّني حبّه [طورا] وينكسني ... فكم أصح من البلوى وانتكس
وقوله (( 3 )) : [الكامل]
يا هاجري لما رأي شغفي به ... ما كان حق متيم أن يهجرا
إن الذي خلق الغرام هو الذي ... خلق السلو فلا يغرك ما ترى
وقوله (( 4 )) : [البسيط]
أبدت من الشّعر في تشبيه وجنتها ... لما أحاط بها سطر من الشّعر
كالظل في النور أو كالشمس عارضها ... خط من الغيم أو كالمحو في القمر
وقوله فيما أنشدنيه شيخنا أبو الحسن الكندي (( 1 )) (( 2 )) : [الخفيف]
قد بدا ما تسر فيما تقول ... إنما أنت عاشق لا عذول
رابني منك في ملامك تكثي ... ر لصبري ببعضه تقليل
وحديث ملجلج فيه للقل ... ب على السّر آية ودليل
يا رعى الله شادنا أمست الأض ... داد فيه للحين وهي شكول
قسم البدر بيننا فله النو ... ر وعندي محاقه والذّبول
إنما أنت مهجتي واتخاذي ... بدلا عن حشاشتي مستحيل
ومنها:
ثروتي فوق همتي ومرامي ... فوق طولي وساعدي مغلول
(( 3 )) وقد رواها شيخنا أبو الثناء الحلبي لأخيه الموفق (( 4 )) ، وكلاهما ثبت، ولعل الكندي أدرى بطرق الرواية.
16- ومنهم: ابن بصاقة، فخر القضاة، أبو الفتح، نصر الله بن هبة الله بن عبد الباقي بن الحسين بن يحيي الغفاري، الكناني
(( 5 )) .
كتب للناصر داود بن عيسى (( 1 )) ، ووزر وجلس معه في صدر الإيوان والطرد، ونشأ وتأدب بالشام، وأومضت له بارقة كانت تشام، ثم صرف عن وزارة الناصر عنانه، ونفض منها بنانه، لأمور نقمها، وشرور خاف نقمها، وكان يحذر سوء خلائق مالكه، وتوعر طرائق مسالكه، فطالما أظلم جوّه، وأعتم دوّه، فتسلل منه بمخيلة ذبت في السراء، ودلت على الضراء، فخاف مساورة ذلك الأرقم، وترك مساقاة الشهد به خوفا من العلقم، وكان طود حجا وحجاج، وطوق جيد وحجاج، زينة إلى فصاحة شب على إرضاعها، وسماحة تولّى حفظ مضاعها، وبلاغة كانت حلية لنظامه، وحلة لإحلاله في الصدور وإعظامه؛ ووزر جدي رحمه الله بعده، ثم عاف تلك الدولة ففارقها في ليلة قمراء مسودة، لأمور ما هذا ميقات شرحها، ولا مرقاة صرحها؛ فأما ما لابن بصاقة:
* فمن نثره قوله:
وأما الأبيات الجيمية، الجمة المعاني، المحكمة المباني، المعوذة بالسبع المثاني، فإنها والله حسنة النظام، بعيدة المرام، مقدمة على شعر من تقدمها في الجاهلية وعاصرها في الإسلام، قد أخذت بمجامع القلوب في الإبداع، واستولت على المحاسن فهي نزهة الأبصار والأسماع، ولعبت بالعقول لعب الشمول، إلا أن تلك خرقاء وهذه صناع، فإذا اعتبرت ألفاظها كانت درّا منظوما، وإذا اختبرت معانيها كانت رحيقا مختوما، جلّت بعلوها عن المغاني المطروقة، والمعاني المسروقة، ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة، فلو وجدها ابن المعتز
لأجرى زورقه الفضة في نهرها، وألقى حمولته العنبر في بحرها (( 1 )) ، وألقى تشبيهاته (( 2 )) بأسرها في أسرها، ولو لقيها ابن حمدان لاغتم فرمى قوس الغمام، وانبرى زي السهام، وتغطى من أذيال الغلائل المصبغة بذيل الظلام (( 3 )) ، ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته قاصرة، وكرته خاسرة، وأيقن أن وحوشه غير مكسورة، وعقبانه غير كاسرة؛ فأين الجزع الذي لم يثقب من الدرّ الذي قد ينظم ويهذب (( 4 )) ؟ وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي؟ فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة، وتشفي القلوب العليلة بأدوية هذه الأنفاس الصحيحة.
وأما الأبيات فهي هذه (( 5 )) : [الكامل]
يا ليلة قطّعت عمر ظلامها ... بمدامة صفراء ذات تأجج
بالساحل الباقي روائح نشره ... عن روضه المتضوع المتأرج
واليم زاه قد هدا تياره ... من بعد طول تقلّق وتموج
طورا يدغدغه الشمال وتارة ... يكرى فتوقظه بنات الخزرج
(( 1 ))
والبدر قد ألقى سنا أنواره ... في لجه المتجعد المتدبج
فكأنه إذ قدّ صفحة متنه ... بشعاعه المتوقّد المتوهّج
نهر تكون من نضار مائع ... يجري على أرض من الفيروزج
قالها الملك الناصر داود، وبعث بها إليه يعرضها عليه؛ وهي أبيات يحق لها أن توصف بجودتها وشرف قائلها، وإن لم تحل الذروة، ولا أو شكت؛ ثم نعود إلى تتمة ما نذكره:
فمن قوله:
يقبل الأرض، وينهي أنه فارق مالك رقه مرارا، وما وجد لفراقه من الألم ما وجده هذه المرة، وبعد عن جالب رزقه، فانضرّ ولا مثل هذه المضرة، حتى لقد توهم أنها فرقة الأبد، وداخله من الأسف ما لم يبق معه صبر ولا جلد، وكلما شرع في الصبر أبى الذكر أن يحدث له صبرا، وكلما سهل عليه الأمر لم يزده تسهيله إلا عسرا؛ والله تعالى يسهل من اللقاء كل صعب عسير، ويجمع شمل المملوك بمالكه وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.
ومنه قوله:
المملوك يشافه أرض مالكه بقبول خضوعه، ويبل ترابها بوابل دموعه، ويستقل فيضها ولو أنه من سيل نجيعه، لما ناله من الحادث المؤلم الملم، والخطب المظلم المدلهم، بانتقال الولد العزيز، الملك العزيز؛ فلقد ورد المملوك من الكتاب الوارد بنعيه مشرعا كدر الموارد، عسر المصادر (( 2 )) ، وحضر منه مجمعا كثير
البوادي والحواضر، فياله ناعيا أصم الأسماع وأصماها، وأقذى العيون بل أعماها، وجرح القلوب فأدماها، وما أهمل سحب الجفون لكن أهملها وأهماها، وتبّا له من نغيص نغص الدنيا على أربابها، وإن كانت معشوقة محبوبة، وكره الحياة عند أصحابها مع أنها شهية مطلوبة، وكان الأولى بالمملوك أن يصرف عن ذكر الحادثة صفحا، ولا ينكأ بتجديده بالقرح قرحا، ولا يقصد لباب الجزع بعد انغلاقه فتحا، ولا يطلع التعزية ليلا وقد طلعت التسلية صبحا.
ومنه قوله:
وينهي ورود المثال الكريم، فوقف منه على اللفظ البليغ والمعنى البديع، وعلم عند تدبره أنه فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
(( 1 )) ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
(( 2 )) وتصور أن كاتبه قد جاوز البحر فأتحفه بجواهره، بل جاور الملك فأسعفه بعساكره؛ وصدق تصوره كون ألفاظه جواهر وكنانة كتائب، وعجبت لخروج الدر من العذب حتى تذكرت أن عادة البحر العجائب؛ وأما ما أمر به من النيابة عنه في خدمة مولانا الوزير، فقد ناب عنها لكن مناب تراب التيمم عن الماء الطهور، وأنهى مشافهاته، وأدى من جملها في الساعة الواحدة ما لا يفصل في عدة من الشهور؛ وأما أحوال المملوك، فإنه من صدقات الديوان ما يعدم سوى النظر إلى طلعة مولانا التي هي عديمة النظير، ولا يشتهي غير الفوز بخدمته، وذلك هو الفوز الكبير؛ وكل هذا برفع محل مولانا لمحلي، ولأجله لا لأجلي: [الطويل]
أضمّ قضيب البان من أجل قدها ... والثم ثغر الكاس أحسبه فاها
إلا أن المملوك قد أطال الإقامة في دار المقامة، ونال الكرامة حتى يكاد يسأم الكرامة، وله أسوة بالقائل وقد طالت حياته: سئمت تكاليف الحياة (( 1 )) ؛ وإذا أغرقت المياه وإن كانت عذبة شكيت المياه.
ومنه قوله: وينهي ورود المثال الكريم، بالنبإ العظيم الذي أصمى القلوب، وأصم المسامع، وأوقف الخواطر، وأجرى المدامع، وضيق على النفوس مجرى الصبر الواسع، وفزعت الآمال فيه إلى الكذب، فما أجدى جزع الجازع من نعي الإمام الطاهر النقي، العلم الزاهر الزكي، خليفة الله المستنصر بالله، بوأه الله جنان عدنه، وأسكنه غرفات أمنه، وانتقاله عن الغمة الضيقة إلى الرحمة الواسعة، ومصيره من الدار المفرقة إلى الدار الجامعة؛ فأظلم بها الأفق لكسوف شمس الضياء، ودجا ليل الجو لخسوف قمر العلياء، وضحيت وجوه المكارم لتقلص تلك الأفياء، وكادت تنفطر لفقده السماء ذات البروج بقضاء نحبها، وبكته بدموع قطرها من جفون سحبها، حتى خدت خدود المروج، وشقت للأرض جيوب تربها فألبسها حدادا من بياض الثلوج، فياله خطبا عم الوجود باسره بأسره، وحص جناح الإيمان بحصه بل بكسره، وعرف كل عارف بفظاعة نكره، وقضى لكل قلب بتجمع همه وتقسم فكره، وأعاد الإسلام غريبا كما بدأ أول عمره؛ لكن أقرن به الخبر الذي سر السرائر وجلّى الدياجر، وثبت القلوب بعد أن بلغت الحناجر، بولاية مولانا الإمام المحتوم الطاعة، خليفة الله في أرضه، والقائم بسنة الإيمان وفرضه، أمير المؤمنين المستعصم بالله ابن خليفته ووليه، وابن عم رسوله ونبيه، فأجلت بوائق الحادث الجلل، وقضت بانقباض الوجل، وانبساط الأجل،
وحصل العطف والتوكيد بهذا النعت وهذا البدل، فالحمد لله الذي تدارك بالجبر كسر الإسلام، وحسم بالبرء موادّ الآلام، وأزال باليقين عوارض الأوهام، وعاجل بالرتق فتق الأيام؛ فيالها دعوة أجاب داعيها كل مبصر وسامع، وأمّن عليها كل ساجد وراكع، وتليت آياتها في كل مصر جامع، وتلقّى العبد هذه النعمة بالشكر الذي استغرق غاية جهده ونهاية وسعه، وأكثر الحمد لله على ما أولى من جزيل منّه وجميل صنعه، وسارع إلى تلقي المثال الكريم باتباعه وامتثاله، وأخذ البيعة على نفسه وشيعته ورعيته، وأعلن بالدعاء لإمامه، على منابر بلاده، التي هي من إنعامه، ولولا أنه في مقابلة عدو الدين لما قنع في تأدية فرض العين بسنة النيابة، وكان يسعى إلى الباب الكريم بعزيمة وارية غير وانية، ويشفع هجرته الأولى إلى الحرم الشريف بهجرة ثانية.
ومنه قوله في توقيع لقاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل يحيى بن الزكي العثماني (( 1 ))
:
ونحا سيرة أجداده فما عدل عنها ولا حاد، وفضل بالفضائل فما عد غيره في الجم الغفير إلا كان معدودا في الأفراد والآحاد، فإذا تولى أمرا بلغ فيه أقصى الأمل والإرادة، وإذا باشر مهما استقصى الغرض فلم يبق موضعا للزيادة؛ فرأينا أن ننوله من رتب السعادة ما رأيناه له أهلا، وأن نؤتيه منا فضلا، وأن ننصبه بين أهل بلده حاكما، وننضيه لحسم مواد المخاصمات صارما، ونحمله من أعباء المناصب ما يكون بحقوقه قائما، ويرتضى منه لتدبير عوالي المراتب طبا خبيرا، وإماما عالما.
ومن قوله في خطبة صداق المراجعة:
رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
(( 1 ))
الحمد لله جامع الشمل بعد الشتات، وواصل الحبل بعد البتات، ومحيي الأرض بعد الممات، ومنزل الماء الثجاج من المعصرات لإخراج الحب والنبات، والعالم بما كان وما يكون وما مضى وما هو آت؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة تضاعف الحسنات، وتمحو السيئات؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالآيات البينات، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار وأزواجه الطاهرات، صلاة باقية بعد نفاد الأزمنة وفناء الأوقات؛ وبعد:
فالنكاح من السنن التي أمر الله بها، وندب إليها، ورغّب رسوله صلى الله عليه وسلم فيها، وحض عليها، فقال تعالى في كتابه العزيز المنزل على أفضل أنبيائه ورسله، الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله:
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
(( 2 )) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المخصوص بالشفاعة والكرامة (( 3 )) : (( تناكحوا تناسلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة )) وقد جعل الله تعالى للزوجين أن يتواصلا وأن يتقاطعا، وأن يتباينا وأن يتخالعا، ورخص لهما في المراجعة بقوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا
(( 4 )) وكان من قضاء الله السابق علمه، وقدره المارق سهمه، ما ذكر في هذا الكتاب المقرون
بالبركة رقمه، المعجون بالسعادة ختمه، كذا وكذا.
ومنه قوله، وهو حل بيت المتنبي، وهو (( 1 )) : [الكامل]
إن القتيل مضرجا بدموعه ... مثل القتيل مضرجا بدمائه
قتيل (( 2 )) الجفون الفواتر في سبيل حبه، كقتيل السيوف البواتر في سبيل ربه، إلا أن هذا يغسل بدموعه، وهذا يزمل بنجيعه، وهذا في حال حياته ميت يرمق، وهذا في حال مماته حي يرزق.
ومنه قوله في حل )) أبيات ابن الرومي (( 4 )) : [الكامل]
وحديثها السحر الحلال لوانه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ودّ المحدث أنها لم توجز
شرك العقول وفتنة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
لا جناح على من شغف بفاترة الجفون، فاتكة العيون، عليل لحظها، صحيح لفظها، تعد السقام الشفاء من قربها، وتوقع الأنام في شرك من هدبها؛ وإن أثبتت طعنت من ناضر غصن رطيب بعامل ذابل، وإن رمقت رشقت عن قوس حاجب بنبل نابل، وإن نطقت فاستمع لما أنزل على الملكين ببابل، فهو السحر الحلال، مع قتله النفوس عمدا؛ والعذب الزلال؛ إلا أنه أن يزيد المرتشف له وقدا، والعاقل للعقول فلا تجد من وقوعها في عقاله بدّا، يؤمن على طويلة الملك، وكل طويل سواه مملوك، ويود سامع قليله لو أنه بالكثرة متصف، وبالزيادة
مشمول، يلهي المشتغل عن قضاء أشغاله، ويعوق عن مضي استعجاله بنزه النواظر في رياض حسنها الناظرة، وتغرق الخواطر في بحار ذهنها الزاخرة، تقيد الألباب ولو أساءت، وعهدنا الإنسان بالإحسان يتقيد، وتصيد القلوب طوعا وكرها، فاعجبوا من غزالة تتصيد.
* ومن شعره قوله (( 1 )) : [مخلع البسيط]
يقول لي ما دحوه لما ... فازوا وما فزت بالرغائب
مالك فينا بغير عين؟ ... قلت: لأني بغير حاجب
فإن تعجبتم لكوني ... وردت بحرا عذب المشارب
ولم أنل من نداه ريّي ... فالبحر من شأنه العجائب
ومنه قوله (( 2 )) : [السريع]
غبت عن القدس فأوحشته ... لما غدا باسمك مأنوسا
وكيف لا يلحقه وحشة ... وأنت روح القدس يا عيسى
ومنه قوله في الصّوم: [الطويل]
وما خاتم طول النهار لباسه ... وعند دخول الليل ينضى ويخلع
وأعجب شيء أن يسموه خاتما ... وما دخلت فيه مدى الدهر إصبع
ومنه قوله في قصب السكر: [الكامل]
جعلت فداك هل لك في حبيب ... مجيب في الوصال بلا محال
نقي الثغر معسول الثنايا ... له ريق ألذ من الزلازل
يقام عليه حد القطع ظلما ... ولم يسرق ولم يتهم بمال
ويعصر كعبه من غير ذنب ... فيبدي الشكر من كرم الخلال
ومنه قوله في السيف (( 1 )) : [الطويل]
وأبيض وضاح الجبين صحبته ... فأحسن حتى ما أقوم بشكره
شددت يدي منه على قائم بما ... أكلفه يلقى الأعادي بصدره
إذا نابني خطب شديد ندبته ... فيهتز منه مستقلّ بأمره
صبور على الشكوى فلو دست خده ... على حدة فيه وثقت بصبره
(( 2 ))
ومنه قوله في الرمح (( 3 )) : [الطويل]
عصيّ ثقيل إن أطيل عنانه ... مطيع خفيف الكلّ حين يقصّر
ترى منه أمّيّا إلى الخط ينتمي ... ومغرى بغزو الروم وهو مزنّر
عجبت له من صامت وهو أجوف ... ومن مستطيل الشكل وهو مدور
ومن طاعن في السن ليس بمنحن ... ومن أرعن مذعاش وهو موقر
ومنه قوله في الإبرة: [الطويل]
ومسمومة بالضد من أخواتها ... إذا زال عنها سمها ليس تنفع
إذا لدغت لم يدخل القلب إبرة ... لخوف وإن كانت تمض وتوجع
ترى خلفها مهما تمشت ذؤابة ... تجر وإن الرأس منها لأقرع
تحلت بضيق العين وهي سخية ... لها خلع بين الأنام توزع
وإن أجل الناس قدرا وقدرة ... ليلبس ما تنضوه عنها وتخلع
ومنه قوله في صاغرة الإراقة: [المنسرح]
يا سيدا لم تزل أوامره ... فرضا على العبد فهو ممتثل
هل لك عند الماء في أمة ... بيضاء حمراء ما بها خجل
إن تدنها تأت وهي صاغرة ... أو تقصها لا يغيظها الملل
تنكحها كلما أردت ولا ... يضجرها منك ذلك العمل
تحبل في ليلها فإن تركت ... إلى غد زال ذلك الحبل
وهي إذا فتّشت فلا دبر ... يولج فيه لها ولا قبل
ومنه قوله (( 1 )) : [المتقارب]
وعلق تعلقته بعد ما ... غدا وهو من سقطات المتاع
فغرقني منه نوء البطين ... ورواه مني نوء الذراع
ومنه قوله في المحفة (( 2 )) : [الطويل]
وحاملة محمولة غير أنها ... إذا حملت ألقت سريعا جنينها
منعمة لم ترض خدمة نفسها ... فغلمانها من حولها يخدمونها
لها جسد ما بين روحين يغتدي ... ولولاهما كان الترهب دينها
فقد شبهت بالعرش في أن تحتها ... ثمانية من فوقها يحملونها
ومنه قوله في الإبرة (( 3 )) : [الطويل]
وعارية لا تشتكي البرد في الشتا ... على أنها منهوكة الجسم بالبرد
إذا زال عنها سمها زال نفعها ... وكان دواء السم في ذاك بالضد
ومنه قوله في الميل: [الطويل]
ومعتدل في شكله وقوامه ... وليس له مثل وإن كان كالغصن
يسن وإن لم يرهف السن حده ... على أنه كالسيف سل من الجفن
ومنه قوله في المشط (( 1 )) : [الطويل]
بعض بأسنان وليس له فم ... ويثغر أحيانا وليس بذي ثغر
رأى الزهد رأيا فاغتدى متجللا ... على جسمه العاري بمسح من الشعر
17- ومنهم ولده (( 2 )) ، وهو محمد بن نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، أبو عبد الله
(( 3 )) * فطرة ذكاء غذي بلبانها، وغدا في ورق الشباب يهتز اهتزاز قضبان بانها؛ طلب العلياء والشبيبة ممدودة الطراف، والحبيبة غضة الأطراف، وكان دأبه في أدب يوشيه، لطرب ينشيه، بفكر ينديه، لبكر يهديه، فأهداها خفرات، وأبداها مسفرات، من غرز وسام ودرر لا تسام، نثرها نثر الجمان، ونظمها قلائد في جيد
الزمان، فقدحت الأنوار، وفتحت بين نرجس المجرة أعين النوار، فطابت بها الأيام بكر وأصائل، وطالت بسحبها الأيام غدر وخمائل، وكان مخالفا لمذهب أبيه في التيه الذي مقت لأجله، ووقت ميقات الحب لنجله.
ذكره أبو العباس ابن العطار، وقال: ولد بالموصل في رمضان، سنة خمس وثمانين وخمسمئة. وله كتاب (( غرة الصباح في أوصاف الاصطباح )) وكتاب (( الأنوار في نعت الفواكه والثمار )) (( 1 ))
وله نثر رائق، ونظم فائق.
* ومن نثره قوله:
بين المشوق وبين الحمام مناسبة في شجو تعبيره لا في شجو ضميره، فهو يعلن نحيبه تألما، وهي تعلن بعتابها ترنما، وفرق بين الأشجان الملهبة الأضالع، والألحان المطربة للمسامع، وقد زعم قوم أنها تذكر عهدا، وتجدد وجدا، وهذا شأن من كانت عهوده منسية الأيام، ومن لم يكن له من وجده حمامة لم يهتج لتغريد الحمام، ولست براض أن أرعى للإخوان عهدا يفتقر إلى تذكار، وأضمر لهم وجدا يحتاج إلى تجديد آثار، وأشواقي إليهم على النوى بين الأشواق التي تذهب بجلد الجلد، وتوري زناد الصبابة تحت الحشا الصلد، وإذا صافحت برد الموارد، وجدت حر الغليل في ذلك البرد، وإن زاد غيرها بحديث سعد، وكذلك هي في ارتياحها إليه والتياحها عليه.
ومنه قوله يصف سحابة:
خفقت بها بنود الرعود، وأطردت فيها خيول السيول؛ فالسحاب بها بين سائر ونازل، وواضع وحامل.
ومنه قوله:
ولقد وافيتها في زمن المشمش الذي له المثل السائر والذكر الدائر، فرأيت منظر أبهاء، ومخبر اشتهاء، ذا لون ذهبي وشكل كوكبي، وعرف مندلي، وطعم عسلي، فهو يتمزق للطافة جلده، ويزهي بلذة طعمه، وعظم قدّه.
ومنه قوله:
وصل الورد على يد مشبهه عرفا، ومخجله وصفا؛ وما أقول إلا أني جرت في التشبيه، فعدت على خاطري بالتنبيه، وقلت: أين الورد الذي تناله الأيدي بتناولها، وتبذله بتداولها، من ورد لا يجنى إلا بالعيون، ولا ينال إلا بالظنون؟.
ومنه قوله:
كأنما خلقت أغصانها منابر لخطباء الغرام، وصوّرت أوراقها محاجر لدموع الغمام، وخرطت أزهارها مجامر للمندل الرطب، وقدر أقحوانها فما لمؤشر الثغر العذب، والطير (( 1 )) ما بين متطلع من وكنه، وقائم على غصنه، من كل مفوّف الطيلسان، ذا طوق يزهى به على طوق العقبان، يترنم خلال أوراق الغصون، فيلتقي شأن المتيم بين الشؤون: [الطويل]
يصلن بنوحي نوحهن وإنما ... بكيت بشجوي لا بشجو الحمائم
ومنه قوله في البنفسج والورد:
أنا حبيب النفوس، وتاج الرءوس، والعطر الموضوع في الجيوب، واللون الذي يشبه عذار المحبوب، ولئن ذممت بأن لباسي لباس السواد، فإن هذا من شيم أهل
الوداد؛ فأقبل الورد في عسكره وجنوده، خافقة ألسنة عذباته وبنوده، محمر الوجنات من الغضب، منكرا على البنفسج ما جناه من سوء الأدب، فجال في ميدان المفاخرة وصال، وهتف بالبنفسج وقال: [الكامل]
أعلي يفتخر البنفسج جاهلا ... وإلي يعزى كل فضل ينهر
وأنا المحبب في القلوب زمانه ... وبمقدمي أهل المسرة تفخر
كيف أطعت هوى نفسك الأمارة، حتى افتخرت بحضرة الأمارة؟ ألست صاحب الاسم المعجم، والرداء الذي ليس يعلم؟ بينا ترى ناضرا، ويرى الطرف عنك نافرا، تهلك من الفخر، إلا أن تشبه بالعذار إذا بقل، والكبريت إذا اشتعل، ولم تحظ من هذين الوصفين إلا بالصيت المذموم، لأن هذا إحراق النار، وهذا تسويد الخد الملثوم، على أن بعض البلغاء قد أنكر تشبيهك بالعذار، ونزع عنك ضعة هذا الثوب المعار، فقال: [الكامل]
ومهفهف لما بدا في خده ... شبه البنفسج وانطفا توريده
غم البنفسج حين شوه خلقه ... وغدا على مبيضه تسويده
لكن أنا مرتقب الأيام، ومنتظر الأعوام، وأيامي أيام الأفراح، ومراوح الأرواح، لا يشرق الربيع إلا بورودي، ولا تشبه خدود الغيد إلا بخدودي.
ومنه قوله:
وبينما الغمامة تطلق لسانها، وتذكر إحسانها، إذ عارضتها الشمس، فخرجت من أثوابها، وقالت هذه منة على الأرض، أنا أولى بها، وأنا معجزة الجبار، وعروس الفلك الدوار، ومربية الأزهار والثمار، ومصلحة ما أفسده تابع الأمطار؛ على أن للمطر يدا لا تنسى، وطبّا به جراح الرق يوسى؛ فإنه مخرج الأرض من موتها إلى نشورها، وموقد فيها مصابيح نورها، تزف إلى عرائس
الرياض وافي مهورها، ويظهر ما في بطون الأرض من الكنوز إلى ظهورها، قام بنسج أبرادها، ورد أرواحها إلى أجسادها، فهي المقدمة تهيج، وتهتز وتنبت من كل زوج بهيج.
* وأما نظمه، فلم أقف له منه على قصيدة مطولة فأذكرها متما ولا مختارا، إلا بائية مختصرة ستأتي؛ ومن مقطعاته قوله: [الرمل]
لمع البرق فهاجت لوعة ... لفؤاد بالتجني متعب
فتخال الجو من لمعته ... حبشيا في رداء مذهب
وهذا معنى مطروق، يشبه الليل بالحبشي، ولكن حسنته هذه التتمة التي جاءبها، ولا شيء أحسن من ردائه المذهب هنا؛ وإن نظر قول المعري، حسب الليل زنجيا جريحا.
وله: [الكامل]
في روضة سلت بها أنهارها ... من كل ماضي الشفرتين مهند
قد صيغ فيها فضة بيد الضحى ... وأتى الأصيل فصاغه من عسجد
وله: [الطويل]
ولم يطلع البدر السماء لأنه ... رأى بيننا بدرا له يخجل البدر
تغنى وأسباب السرور تمده ... وفي لفظه درّ وألحاظه سحر
وله: [الرجز]
أما ترى الليمون يب ... دو في خلال الورق
بظاهر من ذهب ... وباطن من ورق
تحوطه غلائل ... من أخضر إستبرق
إذا دنا الليل لنا ... جلا ظلام الغسق
وله في المشمش: [السريع]
والمشمش الغض الجني بدا ... بين الغصون كأنجم السحر
إن رمت أن أجنيه يشغلني ... طيب المشمّ ورونق النظر
(( 1 ))
سبحان خالقه وجاعله ... نزه العيون وعسجد الثمر
وهذه الكلمة حسنة لولا كاف التشبيه في (( أنجم )) فإنها قذى في عين هذه العروس، ودعامة ملحقة في هذا البيت.
وأما قوله: وعسجد الثمر، فمطرب؛ وكذلك كلمة العماد (( 2 )) نثرا، وهي قوله: كأنما خرط من الصندل، أو خلط بالمندل.
عدنا إلى ابن الضياء الجزري.
وله: [الوافر]
وكمثرى حبوت به الندامى ... تزيل تقطب الوجه العبوس
كأكواب صغار من زجاج ... وقد ملئت بصفرة خندريس
وله: [السريع]
قد أسفر الصبح لنا عن نقاب ... ورقت الكأس وراق الشراب
فقم بنا نشرب من قهوة ... يلمع للشرب كلمع السراب
(( 3 ))
من قبل أن تلقط شمس الضحى ... من أعين النرجس ورد السحاب
أما ترى الخمر وإيماضها ... كالسيف والكأس لها كالقراب
فهزّها في كأسها هزة ... تجن بها أثمار شرخ الشباب
وقوله: [الرجز]
وروضة طليقة حباء ... غناءة مخضرة جنابا
(( 1 ))
ينجاب عن نورها كمام ... ينحط عن وجهه نقابا
بات بها مبسم الأقاحي ... يرشف من طلها رضابا
وله: [السريع]
السحب تبكي والثرى ضاحك ... بكاء صب ملّ من جفوته
والزهر قد فتح أزراره ... كأنه استيقظ من رقدته
وله: [الكامل]
هب النسيم على الغصون فخلتها ... مثل الأحبة ساعة التوديع
وبكيت من وجدي وفرط صبابتي ... حتى سقيت أصولها بدموعي
وله: [الرجز]
والشمس خلف الغيم كال ... حسناء خلف المعجر
تبكي إذا ما احتجبت ... من شدة التحسر
لها النعامى نفس ... والدمع ماء المطر
تسفر أحيانا لكي ... تحظى ببعض النظر
كأنما تنثر في ال ... أرض نجوم السحر
أو ذهب منتثر ... على بساط أخضر
وله: [الكامل]
نثر النسيم الطل من أغصانه ... والروض بين مذهب ومفضض
فتخاله فوق الغدير وقد طفا ... حببا يدور على شراب أبيض
وله: [الكامل]
والروض ساه باسم مستعبر ... خضل بطلّ سمائه مطلول
والفصل معتدل فيا عجبا له ... كيف النسيم يمرّ وهو عليل
وله: [السريع]
في روضة تطرب أغصانها ... سجع طيور في ذراها فصاح
قد فتح الزّخّر أحداقه ... [و] قبل الطل ثغور الأقاح
وتحسب الأنهار في جريها ... قد حمت الزهر ببيض الصفاح
ودغدغ الغيث بطون الثرى ... فابتسمت فيه ثغور الأقاح
وكلما غنت هزاراتها ... شقت جيوب النور هوج الرياح
وله: [الرجز]
إني رأيت بالأراك هتّفا ... تزعم أن عندها ما عندي
تبكي بلا دمع وأبكي بدم ... شتان بين وجدها ووجدي
وله: [الوافر]
تغني يا حمامة فوق غصن ... ثنت أعطافه ريح الشمال
فإنك كلما غردت صوتا ... أميل من اليمين إلى الشمال
وله: [مجزوء الكامل]
زهر البهار بلونه ... يزهو على شمس النهار
بهر العيون بحسنه ... فلذاك سمي بالبهار
وله: [السريع]
أما ترى نرجسنا قائما ... وهو لنا في ليلنا حارسا
قد فتح الأحداق مستيقظا ... فظل يخشى أن يرى ناعسا
حتى إذا قبّلت من اشتهي ... تراه من فطنته ناكسا
وله: [المنسرح]
والماء بين الرياض تحسبه ... قد جرد البيض وهو يحميها
وكلما غنت الطيور بها ... تراقص الزهر في نواحيها
وله (( 1 )) : [مخلج البسيط]
للروض عند الصباح طيب ... نمت إلينا به الجنوب
واستمتع الطرف من كراه ... فملّت المضجع الجنوب
والطير فوق الغصون يدعو ... طاب لكم وقتكم فطيبوا
والكأس في كف ذي قوام ... يخجل من لينه القضيب
لولا لباس يقيه طرفي ... لكاد من لحظه يذوب
ما سعد الوالدان فيه ... إلا لتشقى به القلوب
راح إذا الراح أبرزتها ... صبا إلى شربها اللبيب
لها إذا الماء جال فيها ... في قعر كاساتها وثوب
إذا سرت في عروق شخص ... هانت على قلبه الخطوب
وقائل: تب، فقلت: كلا ... هيهات عن شربها أتوب
إذا استقام الأنام طرا ... قل لي: لمن تغفر الذنوب
(( 1 )) وله (( 2 )) : [الخفيف]
فهي شمس لكن بغير مغيب ... ولهيب لكن بغير انطفاء
18- ومنهم: ابن قرناص، محيي الدين (( 3 )) .
وهو من أهل حماة؛ ووقفت له على بديع رقم بغرائب النوار حماه، بيانا كالجوهر المعدود، وإحسانا كلّ سمع به معقود؛ كأنه شخص الحبيب بدا لعين محبه، أو طيف الخيال وأدني في قربه؛ وسمعت له كلما كلّما قرأتها استجدتها، وفقرا لقرى المسامع، مهما قدمت لك استزدتها.
* فمن نثره قوله:
وسار في فرسان كالأسود، إلا أن براثنها السلاح، وجنود كالطيور، إلا أنها تسبق الرياح، حتى أتى فلانة، ورتب عليها نوب اليزك (( 4 )) ، للمخايلة لا للمخاتلة، وانتظر أن يخرج إليه صاحبها متضرعا، أو يقصد إليه متخضعا، لأنه إنما قصده غضبا لله، لما انتهكه من محارمه، وأقامه لما رأى العدل الذي شرع في هدم معالمه؛ وشفقة على خلق الله الذين بسط عليهم منذ وليهم أيدي مظالمه؛ فلما أبى إلا الطغيان، والتمادي في مهالك العصيان، واغتر بأصحابه الذين هم معه بأجسامهم وعليه بقلوبهم، ووثق برعاياه الذين كانوا أوقعوا معه بذنوبهم،
فلصق الجيش المنصور بالسور المقهور، فدنا وتدلى، ورأى الخصم عين القصم، فعبس وتولى، فكشفت الستور، وهتكت حجابه، وتبرج كل برج فحسر الزراقون لثامه، وأماطت النقابون نقابه، وطلعت على الأسوار المنيفة من الأعلام الشريفة كل راية صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، وأيد الله الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين.
ومنه قوله:
فلم تر إلا شجرة قائمة على أصولها، وكروما خاوية العروش، وسقيط البلح المبثوث، وجبالا كالعهن المنفوش.
* ومن شعره قوله: [الرجز]
خذه إليك أدهما محجلا ... من يعل يوما متنه فقد نجا
يريك من تحجيله ولونه ... (( طرة صبح تحت أذيال الدجى ))
(( 1 )) ومنه قوله: [الخفيف]
من لقلبي من جور ظبي هواه ... لي شغل عن حاجر والعقيق
خصره تحت أحمر البند يحكي ... خنصرا فيه خاتم من عقيق
ومنه قوله: [الكامل]
جرح الفؤاد غداة جاء مجرحا ... ظبي من الأتراك معسول اللمى
أيلام عاشقه لفرط بكائه ... وعليه أعين درعه تبكي دما
ومنه قوله: [الكامل]
وكأن مسطولا غريرا قد غدا ... يرعى الحشيشة من جآذر جاسم
(( وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم ))
(( 1 )) ومنه قوله: [الطويل]
إلى الله أشكو داحسا قد أضرّ بي ... بوخز حكى وخز الرماح المداعس
(( 2 ))
وإني لفي حرب إذا بات ضاربا ... عليّ ومن يقوى على حرب داحس
19- ومنهم: ابن العجمي، كمال الدين، أحمد بن عبد العزيز الحلبي، أبو العباس (( 3 ))
* كتب الدرج في أيام الناصر بن العزيز (( 4 )) ، فرقم ديباجها بالتطريز، وفضل فرادها وأزواجها بالتبريز، وكان صدر رئاسة وبدر عرفان وسياسة، لاقت العلياء بمعاطفه، وراقت الفضائل في كؤوس معارفه، من قوم وهبتهم الثريا سيادتها، وحبتهم جارة الشمس سعادتها، فثنت الجوزاء إليه عنانها، وأنقدته النجوم أعيانها، فجعلته الدول حلية للبّتها، وشية لأيامها، وقد نفضت عليها الليالي صبغ لمتها.
وقدم دمشق في أوائل دولة الظاهر بيبرس وكتب بها، ثم طلب إلى مصر
واستكتب، واستعتب لحظه الناقص فأعتب؛ وله الآن يقتنى بقية العبق في المشام، والشهب في آخر الظلام.
ومن نثره قوله:
ولم يكن إلا كلمح البارق الخاطف، أو شرف الطائر الخائف، حتى علونا جدارها، وتسورنا أسوارها، وهذه قيسارية (( 1 )) كان ريد أفرنس (( 2 )) قد أحكم عمرانها فألحق بالسماء أرضها، وأبرم أسباب تحصينها إبراما منعه نقضها، وجعلناها أمام ما نقصده من الثغور الساحلية، لتعلم الفرنج المخذولين أن قصدنا بحصونهم أمام ما نقصده من الثغور الساحلية شامل، وعزمنا إليهم من كل جهة واصل، وأننا لا بد أن نغرق ببحر عساكرنا ما بأيديهم من الساحل، لتتفرق عزائمهم فلا ينصب إلى جهة واحدة، وتذهل خواطرهم، فتتوهم كل فرقة من الجيوش إليها قاصدة.
ومنه قوله:
وكنا لما شمخت بأنفها إباء، ورفعت رأسها منعة واستعصاء، وكلّنا (( 3 ))
باستلانة جانبها، ورياضة مصاعبها، كل طويل الباع، رحب الذراع، مضطلع بأمر الحصر أي اطلاع، فقذفها بشهب نجومه، وواصلها بتوالي رجومه، حتى عرف منها موقعه، واستبان من أبراجها موضعه، وألان من شامخها جامحه وممتنعه، فلم يزل يقبل ثغرها حتى أثغر (( 4 )) ، ويصادم ركبها حتى خرّ، وجاء
ما لاصقه على الأكثر، وفي ضمن محاذاتها بالمجانيق، تخللنا حولها الأرض طرقا وأسرابا، وصيرناها إلى الخنادق أنفاقا وأبوابا، وصبر جنود الله حتى وصلوا بالحجارة إلى جدارها، فجاذبوا أذيال بنائها الشامخ، وحلوا عقد أساسها الراسخ، فتعلقوا بأبراجهم تعلق قرار لا لانتصار، ولاذوا بمعاقلهم لياذ رعب لا توهم اقتدار، وأذعنوا بلسان الاستعطاف فأجبناهم على أن يبقوا تحت أيدينا أسارى، وأغمدنا عنهم السيوف إلا من سبق في قتله السيف العذل، وأتاه الموت قبل تحقيق الأمان على عجل، وقد فتح الله على المسلمين حصنا كان عليهم وبالا، وحل عنهم من معقله عقالا، وخفف عن أعناق محاذيه من سوء جيرته أعباء ثقالا، ثم أمرنا بهدمها حتى عاد ما كان يرى منها شاهقا للعيان لا يكاد يدرك باللمس، وأصبحت خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس.
ومنه قوله:
فنصبنا عليها من المجانيق كل صائب سهمه، ثاقب نجمه، محرق لشياطين الكفر رجمه، يهد ويهدم، ويردي ويردم، ويوهي ويوهن، ويسر بإردائه ويعلن، لم تنصب عوامله على سور متصل إلا هدمته، ولا مدت أسبابه على مبنى رفع واستغلق بابه إلا كسرته، ولم يزل يرمي غاديتها بالقارعة، ويصمي أسماعها بأحجاره الطائرة الواقعة، وأقبلنا بالمجاهدين إليها، فأحاطوا بها إحاطة الخاتم بخنصره، والسوار بمعصمه، وأمطرنا عليها بسحب القسي وبلا غرقهم بدافق أسهمه، فتجلد أعداء الله وجلدوا، وتعاقدوا على الموت وتعاهدوا، وأرسلوا من جروخهم سهاما لا يردها رادّ عن الأجسام، ولا يكسر عينها ما تصم، الأعضاء من تظاهر الآلام، وإذا شوهدت راعت الناظر، فلم يدر أعمد هي أم سهام؟
وشفعوها بضمّ أحجار صمّت لها أسماع الدرق، وكسرت بها رؤوس البيض،
وفقئت أعين الحلق؛ وصبر أولياء الله، ولم يزالوا حتى ألحقوا النقابين بجدارها؛ وبوؤوهم المقاعد تحت أسوارها، وأضرموا نارا طاف بأهل السعير سعيرها، ونطقت عما أكنه ضميرها، فانحل من عقود بنيانها ما كان متسق النظام، ونبذ من شمل بروجها ما كان حسن الالتئام، وكانت لا تلوي جيدا صعرا، فألصق خدّها وهي راغمة بالرّغام.
20- [ومنهم] : ابن الأثير الحلبي، تاج الدين، أبو جعفر، أحمد بن سعيد (( 1 ))
* رأس المعالي وتاجها، ولقاح المعاني ونتاجها، كان معدن الجلالة، وموطن الرقة والجزالة، ولم يزل بدر الفضائل وكمالها، وصدر المحافل وجمالها، ونفس المآثر وعنصرها، وخاتم المفاخر وخنصرها؛ صحب الأيام مسالما، وقاسم الليالي على النجوم الزهر مساهما، واكتنف البلاغة فقلدته تقليد العموم، وقدمته تقديم الإمام على المأموم، وخدم الدول فأولته إنعاما، وخولته مواهب طالما أخدمته للزمان عاما؛ وكان نداه موارد ملكها، ونهاه عطارد فلكها، فأرته وجوها وساما، وأرضته مصرا وشاما، فأهدى من فرائده ما (( 2 )) ابن العزيز، فاستخدم في ديوان الإنشاء واستكتب، واستعتب له الحظ لو يعتب، ثم نقل إلى الباب الظاهري، فكان هناك أحد المتخذين الأعيان، والمتحدين بسحر البيان، وولي في الأيام الأشرفية كتابة السر بالحضرة السلطانية، فلم يتم الشهر حتى مات، ودفن بغزة، فأغمدت المنايا منه عضبا، ووهبت منه إلى جانب البحر الملح بحرا عذبا،
وكان هلالا للشهر، وروضا يلقط من أفنائه الزهر.
* قال شيخنا أبو الثناء: كان يبطئ ولا يخطئ. وقال: كان اعتناؤه بالألفاظ أكثر من المعاني.
قلت: ويدل على هذا ما يرى، وقد وقفنا على كثير منه وأكثره متزن، لو تجسد لاختزن؛ كأنه في تساويه سجع الحمامة، أو وقع الغمامة.
وحكي (( 1 )) أنه لما أناخ هولاكو على شاطئ الفرات، وفرش خوفه الخدود لمواطئ العبرات، وقطعت من تلك الدولة الأواصر، وأصبحت ومالها قوة ولا ناصر، كان الناصر بن العزيز قد جهز ولده إلى أردو هولاكو بطرف بعثها، وكتاب حل في سطوره عقد السحر ونفثها، كتبه له هذا الكاتب المذكور، واستشهد فيه بالبيت المشهور (( 2 )) : [البسيط]
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
فلما عرضه على الملك الناصر قال له: هذا كتاب لا يلام دونه القاصر، وكان الأنسب في هذا المكان لو استشهدت فيه بقول ابن حمدان (( 3 )) : [الطويل]
فدى نفسه بابن عليه كنفسه ... وفي الشدة الصماء تفنى الذخائر
وقد يقطع العضو النفيس لغيره ... ويدخر للأمر الكبير الكبائر
(( 4 ))
فأقر له بالصواب وعلى نفسه بالخطإ، وبدل الاستشهاد بما قال، ثم ما أنقذ ذلك الكتاب من عثرة ولا أقال.
* ومن نثره قوله:
كتابنا هذا والمرقب (( 1 )) في قبضة ملكنا، وربوعه قد عادت أطلالا، والأسياف التي كانت في أيدي أهلها قد جعلناها في أعناقهم أغلالا، وقد علم المجلس ما كانوا يحدثون به نفوسهم ويشبعون (( 2 )) به رؤوسهم؛ واستفزهم من يحسن لهم في الطمع أمورا، ويعدهم الأباطيل وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
(( 3 )) وكان المانع أولا، ما كان من اضطراب الأمور، والتقاء الجيوش، واختلاف الآراء، وتغير النيات، إلى أن أمكن الله عز وجل من كل مناوئ منافر، وظفرنا من الأعداء بكل كافر، وكل من هو للنعمة كافر، ونحن مع ذلك نحيط بما يمكرونه علما، ونملي لهم ليزدادوا إثما، فلما تلمحنا مخايل النصر، سرنا إليها سرى الخيال الطارق، وأسرعنا نحوهم كما تسرع لمحة البارق، ولم نزل نوقد لهم البواتر، وندير عليهم الدوائر، ونشتت لآرائهم شملا، ونقطع من مكائدهم حبلا، ونفض لعزائمهم جمعا، وتكون جنودنا واقفة بإزائهم، فيخيل إليهم من خوفهم أنها تسعى، إلى أن أدركنا فيهم الثأر، وأطفأنا بهم النار، وضربنا عليهم الذلة، وجمعناهم جمع القلة، وأصبح ما كان يحميهم، يتحاماهم، وقلنا:
يا سيوف، دونك وإياهم؛ وكانت هذه القلعة مكانها في جوار النجم، وفناء اليم، يقدمها الجبال، ويعصمها البحر، وتحجبها الأودية، ويحصنها الوعر، وتحف بها سيوف لا تكلّ، وآمال لا تمل، وآجال يحفظونهم ولا يضيعونهم، وقوم يعصون الله ويطيعونهم؛ وسطرناها وبلادهم مهدومة، وجموعهم مهزومة، ويد الله فوق أيديهم، والخذلان من كل ناحية يناديهم.
ومنه قوله:
وبعد فإن الرتب شرفها بمتوليها ومتوقلها يزيد، والعقد ما امتاز على السلوك إلا بواسطة حسبها نظام كل فريد، والمملكة جمالها وزيرها، وقوامها مشيرها، وأمورها تكون ضياعا، وحزمها يكون مضاعا، مالم تؤازرها يد وازر شديد، ورأي سعيد، وقلم يقلم ظفر الملم ويقوم بعبء المهم، ويجري بالأرزاق ويدخرها، ويقتني الأموال العظيمة لمن يستصغرها؛ ولولاه لما افتخرت الدول، ولكانت مضطربة لولا ابتناؤها على الأقلام والأسل؛ وكان أولى من عول على تدبيره، واهتدى في الأمور بنوره، أهل العلم، فإنهم المذكورون لمن ملك، والمستفتون في الأرواح والأموال ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك، ويسترشد بهم من إذا ضلت الآراء، وأظلت الأهواء، وطلّت الأنواء، وتحكمت الأدواء، وتقسمت الأضواء، وكان فلان هو المعني بهذه المدح، والجدير بأن تجلى عليه هذه الملح، وتجمل بإلقاء دروسه صدر كل إيوان، وبتصريفه مكان كل ديوان، وتحاسدت الوزارة والأحكام عليه، إلى أن نالت الوزارة منه نحتها، منشدة: [الطويل]
هو الجد حتى تفضل العين أختها.
ومنه قوله:
يقبل اليد، لا زالت أقلامها محسنة في سفارتها، وكتبها لا تسلك إلا بخفارتها، والخدمة إذا لم يكن معها ذمام لا يؤمن عليها شنّ غارتها، وينهي ورود مشرفته التي أبهجته بما أسمعته، وأدت الأمانة فيما استودعته وحملت إليه الرياض زواهر، وأغنته بما أهدى إليه ذلك البحر من الجواهر، وقبل الرسالة والرسول، وقبل الحامل والمحمول، وأعاد الجواب وهو من خوف التقييد على
وجل، وكتبه والقلم من حياء المماثلة لا يكاد يرفع رأسه من الخجل، فيعرضه مولانا على فكره النقاد، ويتصفحه بنظره الذي زمام الفضل به منقاد، ويسبل عليه ستر معروفه الذي [ ... ] (( 1 )) ، ويعيره نفحة أنفاسه التي يكاد يفوح المسك من عرفها الشذي، والله يشكر له الإحسان الذي لا يبلغ الوصف مداه، ويحرس عليه من الفضل ما ملكت يداه، ويفديه بكل مقصر عن شأوه، فلا أحد إذا إلا فداه.
ومنه قوله (( 2 )) :
يقبل اليد الشريفة المحيوية المحبوبة إلى كل قبلة، المحتوية على الكرم الذي هو للكرماء قبلة، لا زالت مخصوصة بفضائل الإعجاز، والبلاغة التي كل حقيقة عندها مجاز، والإحسان الذي يظن الإطناب في وصفه من الإيجاز، وينهي ورود مشرفته التي أخذت البلاغة فيها زخرفها، وأشبهت الرياض منها أحرفها، وأبانت عن معجزات البراعة، ومثلت له السحر كيف ينفث في عقد تلك اليراعة، وأبانت مجاري فضله على مثل الجمر وأفردته بالرتبة التي لا يدعيها زيد ولا عمرو، وعلمته كيف يكون الإنشاء، وأعلمته أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء؛ فوقف المملوك عليها وقوف من أفحمه الحصر، وتطاول لمباراته فيها، وكم يطول من في باعه قصر؟ واستقدم القلم في جوابها فأحجم، واستنطق لسانه ليعرب عن وصفها فأعجم، وقال لحسنها الذي استرق القلوب: قد ملكت فأسجح (( 3 )) ؛ وبلغ الغاية في نفسه التي قصرت عن شأوها، ومبلغ نفس عذرها
مثل منجح (( 1 )) ، ومن أين لأحد تلك البديهة المتسرعة، والروية التي هي عن كل ما ينتحى وينتحل متورعة، والمعاني التي قطف نوارها أبكارا، والغرائب التي بحرها لا يهدي الدر إلا كبارا، والخاطر الذي (( 2 )) يستجدي الفضلاء من سماحته، واللسان الذي يخرس البلغاء عند فصاحته، والقلم الذي هو مفتاح الأقاليم، والطريق الذي كلّ فيه ضل ولو أنه عبد الحميد أو عبد الرحيم (( 3 )) ، والكتابة التي تشرق بأنوار المعاني، فكأنها الليلة المقمرة، واليد التي إن لم تكن الأقلام فيها مورقة فإنها مثمرة؛ ومولانا أوتي ملك البيان، واجتمع له طاعة القلم واللسان، وخطبت الأقلام بحمده على منابر الأنامل، وأخذت له البيعة بالتقدم على كل فاضل ولو كان الفاضل (( 4 )) ، وأصبح محله الأسنى، وأسماؤه فيها الحسنى، وجاء من المحاسن بكل ما تزهى به الدول، وأصبحت طريقته في هذا الفن كأنها ملة الإسلام في الملل، وعرف الإشارة إلى حلب وما صنعت بها الأيام، وما أشجى من ربعها الذي لم تبق فيه بشاشة تستام، ووقوف مولانا على أطلالها، وملاحظته الآثار التي أعرضت السعادة عنها بعد إقبالها، وتفجعه في دمنها، وتوجعه لتلك المحاسن التي أخذتها الأيام من مأمنها، وإنه وجدها وقد حلت عراصها، وزمت للنوى قلاصها، وغربانها في رسومها ناعبة، وأيدي البلاء والبلى بها لاعبة (( 5 )) : [الطويل]
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا ... ولا نحن من فرط الأسى كيف نسأل
فشكر الله موقفه في تلك الدمن، ورقته التي قابل بها جفوة الزمن، ورأى هذا العهد الذي تمسكت منه الآن بحسب، ورعى له حق الدمع الذي جرى فقضى في الربع ما وجب، ومن للملوك بوقفة في رسومها، واسترواحة بنسيمها، وسقياها بدمعه، وتجديد العهد بمغناها الذي كان يراه بقلبه فأصبح وهو يراه بسمعه، ولقد علم الله أن الأحلام ما مثلتها لعينه إلا تأرقت، ولا ذكرتها النفس إلا تمزقت، ولا تخيلتها فكرة فاستقرت على حال من القلق، ولا جردتها الأماني لخياله إلا وراحت مطايا الدمع في السبق (( 1 )) : [الطويل]
ولا قلت إيه بعدها لمسامر ... من الناس إلا قال قلبي: آها
على أنه قد أصبح من ظل مولانا في وطن، وأنساه أنسه من خف ومن قطن، وشرف بخدمته التي تعلي لمن أخدمها منارا، واستفاد من الأيام التي أخذت منه درهما فأخذ عوضه دينارا، وأصبح لي عن كل شغل بها شغل، فاسأل فؤادي عني، وما ذكرت حبيبا إلا كنت الذي أعني: [الطويل]
وإن نظرت عيني سواك تلثمت ... حياء بأردان الدماء مع الدمع
ولو أني استطعت خفضت طرفي، ولو وصفت ما عسى أن أصفه من الشوق لكان الأمر فوق وصفي: [الطويل]
وإني في داري وأهلي كأنني ... لبعدك لا دار لدي ولا أهل
وعرف المملوك الإشارة إلى هذه السفرة ومتاعبها، والطرق ومصاعبها، والثلوج التي (( 2 )) شابت منها مفارق الجبال، والمفاوز التي يتهيب السرى فيها طيف الخيال، والمرجو من الله تعالى أن تكون العقبى مأمونة، والسلامة فيها
مضمونة، وكأن مولانا بالديار وقد دنت، والراحة وقد أذنت، والتهاني وقد أشرقت بوفودها تلك الرحاب، والرياض وقد أبدت من ملحها ما يكفر به ذنب السحاب، والأنس وقد أمسى وهو مجتمع القوى، والرحلة وقد ألقت عصاها واستقرت بها النوى (( 1 )) .
ومنه قوله في كتاب كتبه عن الملك المنصور (( 2 )) إلى ابنه الملك الأشرف (( 3 )) بفتح المرقب:
أعز الله نصرة الجناب العالي الولدي، الملكي الأشرفي الصلاحي، عضد أمير المؤمنين، ولا زالت جيوشه تفتح من الممالك حصونها، وتبتذل مصونها، وتستنشر من السعادة غصونها، وتطوى لهم الأرض، ولا يبعد عليهم مرمى يعملون إليه العزائم وينضونها، ويقصون أجنحتها بالشكر ويفضّونها، تهدى إليه كل ساعة خبر جنوده وما ملكت، وخيوله وما سلكت، وسيوفه وما فتكت، ومهابته وما أخذت، ومواهبه وما تركت؛ وتبدي لعلمه الكريم أن الهمم بها تنال الممالك، وترتقى المسالك؛ وقل ما ظفر بالمراد وادع، وكل أنف لا يأنف المساءة فهو أحق الأعضاء بالمجادع، ولم نزل نمثل في أفكارنا الصورة التي أقدم عليها أهل حصن المرقب في مبدأ الأمر، عند اضطراب النيات، وضعف البينات، وغرور الأيمان الكاذبة، واستمالات الخيالات الجاذبة، ونأخذ في أمرهم الظاهر
بالرخصة دون العزيمة، ونعمل على ما لو تمثل لهم صورة لجرّوا منه ذيل الهزيمة، ونستر ما تسدده إلى نحورهم من سهم، ونريهم أنا ندفع في صدور الحقيقة بالوهم، ونعرض عن مناقشتهم في الحساب وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
(( 1 )) ومتى لم يؤاخذ المسيء بفعله، ويعرف مقدار جهله، استدام طمعه، واستقام طلعه، وحركته دواعي الشره والشرة، وتخيل السلامة في كل مرة؛ فلم نزل نتربص بهم ريب المنون، ونترك منهم ما كان في جنب ما يكون، إلى أن آن إمكان الفرصة، وجمعنا لهم بين الشرقة والغصة، فأنفذنا إليهم المرمى، وأعددنا مسعانا في طاعة الله غنما، إذ كانت مساعي الملوك غرما، ووصلنا السير بالسرى، وطرقناهم كما يطرق الكرى، وأوطأناهم حوافر الخيل، وجئناهم مجيء السيل، وظللنا عليهم ظلل الغم، وغشيهم منا ما غشي فرعون وجنوده من اليم، مع كون مكانهم قد جمع لهم منعة البر والبحر، وحل منهم بين السحر والنحر، تصدّ الرياح الهوج عنه مخافة، ويرجع عنه الطرف حسيرا لبعد المسافة، فلم يكن بأسرع من أن فاجأناه، وحللنا بعرصته وهاجمناه، وأحاطت به رجال الحرب، وشافهته بخطاب الخطب، وعسكرنا بحمد الله قد ملأ الفجاج، واستعذب الأجاج، وقاسمهم الرماح، وأعطاهم الأسنة وأبقى الزجاج، يتعرض أبطاله المنايا وإن كانت عرضا، ويقول كل منهم: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
(( 2 )) . فلم يزل القتال ينوبهم وسهام المنون تصيبهم، وسحابها يصوبهم، والمجانيق تذلل سورتهم، وتسكن فورتهم، وترميهم بنجومها، وتصمهم برجومها، وتقذفهم من كل جانب دحورا، وتعيد كلا منهم مذموما مدحورا، وتشير إليهم أصابعها بالتسليم لا بالسلم، وفتنتابهم
ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ
(( 1 )) إلى أن فتحناها ولله الحمد عنوة، وحللنا مكائدهم فيها عقدة عقدة، ونقضناها عروة، وسطرنا هذه البشرى، وأعلام النصر قد خفقت عليها بنودها، وذلت لها علوج الكفرة وكنودها، والسيف من دمائهم يقطر، والصليب خزيان ينظر، والآذان مكان الناقوس، والقراء موضع القسوس، والكنيسة قد عادت محرابا، والجنة قد فتحت للمجاهدين فكانت أبوابا، وكنا نود أن يكون الولد معنا في هذه المشاهد، وأن ينظرها بعين المشاهد، وإنا لنرجو أن لا يكون ممن يستلين المرقد، وإن لم نحضره هذه الغزوة فيتأهب للأخرى فكأن قد.
ومنه قوله من كتاب كتبه إلى صاحب اليمن بفتوح طرابلس:
هذه الخدمة بما تسنى من فتوح طرابلس الشام، وانتقالها بعد الكفر إلى الإسلام، وهو فتح طال عهد الإسلام بمثله، وقدح فتّ في عضد الشرك وأهله، لم يجل أمره في خلد ولا فكر، ولا رقت إليه همة عوان من النوائب ولا بكر، مرت عليها الأيام والليالي، وعجز عنها من كان في العصر الخوالي، ولم تزل الملوك تتحاماها، وإذا خطرتها الظنون في بال تخشى أن تحل حماها، ولما أفضى الله إلينا أمر الملك، وأنجى بنا من الهلك، عاهدنا على أن نغزو أعداءه برا وبحرا، ونوسع من كفر به قتلا وأسرا، ونورد المشركين موارد الحرب المفضية بهم إلى الهرب، ونجليهم عن البلاد جلاء طوائف المشركين عن جزيرة العرب، فجئناهم وزلزلنا أقدامهم، وأزلنا إقدامهم، وبرزنا لشقائهم بشقاقهم، وسددنا عليهم أنفاق نفاقهم، وقصدناهم في وقت تجمعت فيه أشتات الشتاء، وطرق خفية المدارج، أبية المعارج، صيفها شتاء، وصباحها مساء، شائبة المفارق بالثلوج،
منهلة المدامع من عيون الجبال على خدود المروج، مزررة الجيوب على أكمام الغيوم التي ما للابسها من فروج، ولم تزل أقران الزحف، في غدران الزعف (( 1 )) ، ترميهم بالقوارص، وتأتيهم من البأس بما ترعد منه الفرائص، وتقلب لهم ظهر المجن، وتطرق أفئدتهم من الحرب بكل فن، وتقرب الأسواء من الأسوار، وتمزج لهم الأدواء في الأدوار، إلى أن وهى سلكها، ودنا هلكها، وسفل منها ما علا، ورخص ما غلا، وفتحناها وأنخناها، وخليناها وقد أخليناها، فأمست كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ، وأصبحت حصيدا كأن لم تغن بالأمس.
وهذه المدينة لها سمعة في البلاد، ومنعة ضربت دون العزم بالأسداد؛ فتحت في صدر الإسلام في ولاية معاوية بن أبي سفيان، وتنقلت في أيدي الملوك، وعظمت في زمن بني عمّار، وبنوا بها دار العلم المشهورة في التواريخ، فلما كان في آخر المئة الخامسة وقدّر ما قدّر من ظهور طوائف الفرنج بالشام، إذ استولوا على البلاد، امتنعت هذه المدينة عليهم مدة، ثم ملكوها في سنة ثلاث وخمسمئة، واستمرت إلى الآن، وكان الملوك في ذلك الوقت ما منهم إلا من هو مشغول بنفسه، مكب على مجالس أنسه، يصطبح في لهوه ويغتبق، ويجري في مضمار لعبه ويستبق، يرى السلامة غنيمة، وإذا عن له وصف الحرب (( 2 )) ، لم يسأل إلا عن طريق الهزيمة؛ أموال تنهب، وممالك تذهب، ونفوس قد تجاوزت حد إسرافها، وبلاد تأتيها الأعداء فتنقصها من أطرافها، إلى أن أوجد الله من أوجده لنصرة دينه، وإذلال الشرك وشياطينه، فأحيا فريضة الجهاد بعد موتها، ورد ضالة الملك بعد فوتها؛ ونرجو بقدرة الله أن نجلي ديارهم من ناسهم، ونطهر الأرض من أدناسهم، ونجدد للأمة قوة سلطانها، ونعيد كلمة الإيمان إلى أوطانها؛
والله تعالى يثبت في صحائفه أجر السرور بهذه المتجددات، التي يعظم بها أجر الحامد الشاكر، ويجعل له أوفى نصيب من نومن (( 1 )) الغزوات، التي أنجد فيها بهممه؛ والإنجاد بالهمم مثل الإنجاد بالعساكر.
* ومن شعره يداعب ابن البصري الكاتب، وكان رديء الخط: [البسيط]
للمجد خط حكى في القبح صورته ... ناهيك من خطأ باد ومن خطل
لم يلقه أحد إلا وينشده ... رميت يا دهر كف المجد بالشلل
وقوله: [المجتث]
أنبئت أن كتابا ... بعثته مع رسولي
ملأته منك طيبا ... فضاع قبل الوصول
21- [ومنهم] : شهاب الدين، أبو محمد [يوسف] بن كمال الدين أبي العباس أحمد بن عبد العزيز بن العجمي
(( 2 )) ، المتقدم ذكر أبيه.
* قائل كلم حسان، وقائد كرم وإحسان، سليل صدور كرام، ورسيل سحب مغدقة وبدور تمام، من بيت في حلب الشهباء رفع على صهواتها، ولزت به
الخضراء وسائر أخواتها، أعاد الصبح العشاء، وكتب الإنشاء، وصرف أوامر الوزارة، وقاسم الوزير حسناته لا أوزاره، وكلامه عذب المساغ، للقلوب به شغل وفراغ، كأنما نشر به حلى أو صاغ، وكان بريئا من ظلمة التعقيد، كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد.
* ومن نثره قوله في توقيع كتبه لقاض اسمه يوسف (( 1 )) :
لأنه المستوجب بهجرته إلينا تحقيق ما نواه، وإنه يوسف الفضل الذي لما قدم مصر قيل لشيمنا الشريفة: أكرمي مثواه، وأرته أحلامه من الأماني ما جعلناه صدقا، وأنجز الله تعالى له منها ما قال معه: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
(( 2 )) .
فليعتصم من طاعة الله بأقوى حبل، ويقف عند مراضيه ليجتبيه ويتم نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبل، وليتمسك من أسباب التقوى بما يكون له جنة، ويحرص على أن يكون الرجل الذي عرف الحق فقضى به، وكان المخصوص من القضاة الثلاثة بالجنة، ويجعل داء الهوى عنه محسوما، ولحظه ولفظه بين الخصوم مقسوما، ولا يأل ما يجب من الاجتهاد إذا اشتبه عليه الأمر، أن يعلم أنه إن اجتهد وأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، وصوب الصواب واضح لمن استشف بنور الله برهانه، وليتوكل على الله في قصده، ويثق، فإن الله سيهدي قلبه ويثبت لسانه، وليجعل الاعتصام بحبل الله تعالى في كل ما تراود عليه النفوس من دواعي الهوى معاذا، ويتبصر من برهان ربه ما يتلو عليه عند كل داعية: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا
(( 3 )) .
ومنه قوله:
وينهي أنه وردت عليه مشرفة شريفة، وتحفة ثمنها على الأعناق ثقيلة، وبمواقعها من القلوب خفيفة، فقبلها المملوك ولثمها، ونثر عليها درر قبله ونظمها، ونقل معناها إلى قلبه فشف، ونقد ذهبها الخالص وأعاذه من الصرف، وانتهى إلي ما تضمنه من صدقات مولى ملك رقه، وأتاه من الفضل فوق ما استحقه، وأنزل له الكواكب فتناولها بلا مشقة، وآوى إلى حمى حرمه، وتغطى عن عين الخطب بستور نعمه، ورأى فيه الأزاهر وشم شذاها، والجواهر وضم إلى العقود حلاها، وشكر هذه المنن ومن والاها، وسبح لمن وهب من يحبه هذه البدائع وأتاها، وعمل بما أمره به مولاه في أمر تلك الورقة، وسدد سهمها إلى الغرض وفوقه، وتحجب لها فأخلى الطريق وطرقه، وعرضها في مجلس الوزارة الشريفة ونشر إستبرقه، وبرز المرسوم بالكشف، ويرجو أن يتكمل بالتوقيع، ويكمل بالتأصيل والتفريع، ثم يجهزه المملوك إلى خدمته الكريمة كما أمر، وما أخر الجواب هذه المدة إلا ليجهزه معه، فتعذر وما قدر.
ومنه قوله:
أول من عاودته عوائد فضلنا بمحابها، وتلقته صدور عوارفنا برحابها، ونقلت مكارمنا أطماعه من لامع سرابها إلى نافع شرابها، من هاجر ولاءه إلى حرم دولتنا القاهرة، وكان من أنصارها، وبادر في هيجاء أعدائها، فأغرقهم وأحرقهم بتيارها وبنارها، وتشوقت المسامع إلى ما تشتهيه، فكان ذكره الجميل من أعظم أسباب مسارها؛ والفارع ذروة هذه الصفات، القارع مروة هذه الصفاة، المجلس الفلاني، لأنه جامع محاسنها بمفرده، والحامي لسرحها ببطش يده، ورامي غرضها بصفاة مقصده؛ حمى الأطراف وحاطها، ورفع بهمة فعلق بالثريا مناطها،
وكان واحد أولياء الدولة بأسا لا يكل شباه، وعزما لا يوفر كاهل الريح يقتاد جنائبه ويركب صباه، وفضلا جاملا جامعا فاق فيه كل شبيه إلا أباه.
ومنه قوله:
ولا زال بابه الكريم للآمال ملاذا، وجنابه المحروس من حوادث الأيام معاذا، وثوابه وعقابه لوليه وعدوه هذا لهذا، وهذا لهذا، وينهي أن مولانا- ولله الحمد- قد جبله الله على فعل الخير وجعله من أهله، وحبب إليه الإحسان ومكن من فعله، خصوصا من ينتمي إلى خدمته الشريفة ويلجأ إلى ظله، ومملوكه فلان ممن يعد نفسه من الأرقاء، ويرتمي إلى موالاته التي هي درجات السعادة والارتقاء، وما تهجم المملوك بهذه الخدمة إلا لما كان عند نفسه المثابة، ولا ثقل على خاطره الشريف إلا لوقوع ذلك من مكارم مولانا بموقع الإصابة، وقد جعل المملوك السؤال مفتتح عبوديته لمولانا وموالاته، بحسنة قد أهداها إلى صحائف حسناته.
22- ومنهم: أحمد بن أبي الفتح محمود الشيباني كمال الدين، أبو العباس
(( 1 ))
* بحر يقذف الدر، وأفق يطلع النجوم الغرّ، وكان للدنيا جمالا، وللدين كمالا، جعل للبيان سحرا، وللطيب شحرا، وقدمته الدولة على الرؤساء، وعظمته على الخلطاء والجلساء، وكانت الملوك تنزله منزلة لسانها ويمينها، وتحله محلة ترجمانها وأمينها، وظلت تصرف به البأس والندى، ويتصرف في الأولياء والعدى آونة تحسب نسيبه سؤالا، ويجود بسيبه نوالا، وآونة تحز بقصبه الغلاصم، ويجر بكتبه لجذّ الأيدي والمعاصم، وطالما فتحت به المعاقل الأشبة، وساقت سرجها السوام في رياض النجوم المعشبة، ثم قفلت الممالك بأقاليده، وقفلت المسالك بتقاليده واصطفته الرئاسة لقربها، وأصفت له السياسة موارد شربها، وكتب كتب السر أكثر عمره، وصرف ديوان الإنشاء مدة بأمره وكان بدمشق عينا لأعيانها، وزينا وحلية لبيانها، راقيا للإيوان، رائسا للديوان، وكان عمّي ثم أبي لا يعتمد كل منهما إلا على أمانته، ولا يرنح فكره إلا بإيضاحه وإبانته، وخطه أبهج من الروض الأريض، وأزين من النقش المخضر على معاصم الغواني البيض، وله من كثرة الاطلاع ما حقق له المآرب، وصدق أنه الشمس ضوؤها يغشى المشارق والمغارب، ولم يكن أكثر منه اتّضاعا في ارتفاع، وتنازلا وهو في اليفاع، لا يجد في نفسه حرجا لأحد، ولا مضضا ممن أنكر حقه وجحد، لا يضره أي مكان حله، ولا يضره لبس عباءة أم حلة، وكان يتعرف إلى الله عساه ولعله، ويتعرض لقضاء حوائج الناس لله لا لعلة، هذا بلا تكلف يشق عليه في عرضه مطلوب، أو يشق به لعرضه أردية أو جيوب، مع ملازمته تلاوة يؤنس بها جانب الجامع المعمور، ومرآة يشرق بها وجه النهار ويعمر قلب الديجور، وعمل زاك صحب به الأحياء، وجاور سكان القبور.
ومن نثره قوله:
طالما حل الرتب العالية بجليل مقداره، وحلى المناصب العالية بجلي أنواره، وما شب على معاطف مناقبه ذوائب فخاره، وهامت الأفكار في أودية محامده وما بلغت وصف محله ومقداره، وافتخر قلم الفتيا براحته، فتباعد السيف عن قربه خوفا من مهابته، وسدد إلى الحق سهام أحكامه، فأصابت الأغراض وعالج الأفهام بإفهام كلامه، فشفى صحيحه الأمراض، وكان فلان ثمرة هذه الدوحة النضرة، ونشر هذه الروضة الخضرة، فرسم بالأمر العالي أن يفوض إليه تدريس المدرسة الأمينية بدمشق، فليكتب بها دروس فضله التي لا تدرس الأيام آثارها، ويغرس في قلوب طلبتها حب فوائده ليجتني ساعة غرسها ثمرها، لتصبح هذه المدرسة كنيفا ملئ علما، وقليبا حشي فهما، وفلكا تبدي شمسا وتخفي نجما، وكنانة تخرج من طلبتها في كل حين سهما.
قلت: هذا من توقيع كتبه في الأيام الكاملية حين خرج سنقر الأشقر على الملك المنصور لقاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، وقد أخذت الأمينية (( 1 )) له من نجم الدين بن سني الدولة. (( 2 ))
عدنا إلى ابن العطار:
ومن إنشائه رسالته التي سماها (( رصف الفريد في وصف البريد )) : أما بعد حمد الله البر، المسير في البحر والبر، والصلاة على من علا البراق،
واخترق السبع الطباق، وعلى آله وصحبه الذين سبقونا بالإيمان، وعلى التابعين لهم بإحسان:
فإنه لما كانت النفوس مولعة بحب العاجل، متطلعة إلى الاطلاع على المستقبل من الأمور والآجل، لم تزل أنفس الخلفاء والملوك وأنفس الأكابر من الأمراء والعظماء به كلفة صبّة، وإلى استعلام أحوال ممالكها وعساكرها ورعاياها منصبة، وعلم مثل ذلك من خلق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فبردهم في الآفاق ضاربة، وطلائعهم تارة بالمشارق طالعة وآونة في المغارب غاربة، كرة في أبحار السراب تعوم، وأخرى بالآفاق كأنها نجوم: [الطويل]
تروح فتغدو في الصباح طريدة ... وتغدو فتبدو في الظلام خيالا
تستطلع لهم خبرا، وتطوي وتنشر بساط الأرض وردا وصدرا، وتعوض أسماعهم بما تنقله إليهم أثرا، عما فات أعينهم مشاهدة ونظرا: [الكامل]
فلهم وإن غدت البلاد بعيدة ... طرف بأطراف البلاد موكل
(( 1 )) من كل فتى قد هجر الكرى، وأشبه البدر فلا يمل من طول السرى: [البسيط]
وخلّف الريح حسرى وهي جاهدة ... ومرّ يختطف الأبصار والنظرا
قد أعدّ للسفر في ليله ونهاره من الخيل كل أشقر صباح، وأشهب مساء، وأصفر أصيل، وأدهم ليل: [مخلع البسيط]
وألجم الصبح بالثريا ... وأسرج البرق بالهلال
وسابق الضلال فهي تزور عنه ذات اليمين وذات الشمال، فلا تزال من ورائه
مشرقا قبل الزوال، ومغربا بعد الزوال، موكل بفضاء الأرض يذرعه (( 5 )) متوقع أن كل بلد يقطعه: [الكامل]
وكأنما اتخذ البروق أعنة ... وكأنما اتخذ الرياح جناحا
فمما أنبأ الكتاب العزيز من تطلع المرسلين والأنبياء، إلى سرعة الاطلاع من الأمور والأنباء، ما ورد في قصة سليمان عليه السلام من طلبه سرعة إتيان عرش بلقيس، ووصوله قبل ارتداد طرفه إليه، وقد نقل عن نوح عليه السلام استبطاؤه الغراب وإردافه له بالحمام (( 1 )) ؛ هذا وقد ضرب المثل ببكور الغراب (( 2 )) ، وخروجه في الظلام؛ ولولا اعتقاد موسى الكليم عليه السلام أنه للباري جل جلاله أرضى، لما قال: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
(( 3 )) وفي سيره، بأهله ومسراه، ناداه ربه بالوادي المقدس: إني أنا الله؛ وما انعقد على رهن السباق والإجماع، إلا لما فيه من فضيلة الإسراع؛ ولم يكن الشيطان الرجيم بمطرود، لو جرى على سجيته في العجلة، وبادر في السجود، ولا سيما وقد خلق الإنسان من عجل؛ وما يعلو المدرك المسرع من أنوار الجذل، وما يغشى المبطئ من فتور الخجل، ومن كمال فضيلتي الحج والعمرة، ما هو واجب أو مستحبّ من الرمل وشتان ما بين المبطئة والسريعة، ويا بعد ما بين الساقة والطليعة: (( 4 )) [البسيط]
وربما فات قوما جل أمرهم ... من التأني وكان الحزم لو عجلوا
وكثيرا ما قيل في القوم: وعداك ذمّ، وتخطاك لوم، وتحرك تعش، وسر في البلاد تنتعش؛ وقال سبحانه وتعالى لخلقه: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ
(( 1 )) هذا وأشرف الدراري الكواكب السواري، وما الجواري في البحر كالسواري، وهل أجن إلا الماء الواقف؟ وهل طاب إلا الماء الجاري؟: [الوافر]
وإن لزوم عقر البيت موت ... وإن السيرفي الأرض النشور
والقعود مع العيال قبيح، ومن يمن النجاح سرعة التسريح: [مخلع البسيط]
والمهد أسكن للصبي ... بحيث جاء به ومرّا
وبفضيلة السير في البلاد والانتقال، بلغ البدر درجة الكمال، وأمنت الشمس المنيرة من الملال: [الكامل]
والصقر ليس بصائد في وكنه ... والسيف ليس بضارب في جفنه
ولولا ضرب إخوة يوسف في الأرض، لما نجا أبوهم من حزنه، وقد جعل الله رحلتي الشتاء والصيف للإيلاف، وركني الحج والعمرة للسعي والطواف، وفي استخلاف من لا يستطيع التحيّز للضرورة خلاف: [البسيط]
والمرء ما لم يفد نفعا إقامته ... غيم حمى الشمس لم يمطر ولم يسر
وسعة الخطوة دليل الإقبال، وسبيل إلى بلوغ الآمال، ولا ريب أن العز في النقل (( 2 )) ، وفي بلاد من أختها بدل (( 3 )) : [البسيط]
لو كان في شرف المثوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل
والحركة ولود، والسكون عاقر، وقد ورد أن الله رحيم بالمسافر، وأنه للخضر عليه السلام خليفة (( 1 )) ، وناهيك شرفا بهذه الرتبة المنيفة، ولا إنافة على رتبة الخلافة؛ والسيف إن قرّ في الغمد صدي، والليث لولا الوثوب ردي، ولو يستوي بالقيام القعود لما ذكر الله فضل الجهاد، ولولا انتقال الدّرر عن البحور، لما عوضت من الحور بالنحور، وكثيرا ما ورد في الكتاب العزيز النهي عن التباطؤ، والحث على الإسراع: [الوافر]
وليست فرحة الإيّاب إلا ... لموقوف على ترح الوداع
[من الخفيف]
إن فيه اعتناقة لوداع ... وانتظار اعتناقة لقدوم
وهذا وكم بين رتبة الاتباع ورتبة الاختراع والابتداع، وبين جمود الروية وتوقد الابتداء وكلالة الرقاد وحدة الانتباه، وشتان ما بين عقلة المشيب ونشطة الشباب، وحسبك بأنك تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
(( 2 )) ، وقد علمت فائدة الإسراع بمن لا علم عنده ومن عنده علم الكتاب، وبحركة النبض يستدل على حال القلب، ولولا إدامة الترويح عليه لغم من الكرب، ولا يقاس موقف المأموم بمقام الإمام، وإذا كانت الشجاعة في الإقدام، كذلك السلامة في الانهزام، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الأفلاك دائمة الحركات، وأرسل الرياح مبشرات، وللسحائب مسيرات، وبأرزاق العباد جاريات، وأقسم سبحانه وتعالى بالعاديات وبالمرسلات، وللإسراع سخر لمحب
الخير عليه السلام الريح والطير، هذه غدوها شهر ورواحها شهر، وهذه تستطلع له أنباء الملوك فتستنزلهم على حكم الذل والقهر، ولذلك درجت الملوك الحمام ورتبت البريد، فبلغت بهما في الوقت القريب ما تريد من غاية المرام البعيد، وقربت لهم مستبعدات المطالب، وأطلعتهم بسرعة الإعلام على نهايات العواقب، فبلغت هذه بسرعة إيصال البطائق، ما لم يكن أحد من البشر بطائق، وارتفعت محلقة في الهواء، وحلقت مسخرة في جو السماء، وما خفقت بأجنحتها إلا وقد وافت بالبشرى مخلقة وما أخفقت، وما خضبت كفها وتطوقت إلا للسرور وصفقت، وما حفظت العهود من الأسرار، وما ردها الحنين إلى الأوكار، وما قطعت مسافة في ساعة من نهار، وما وما وما، ولا عرجت طائرة نحو السماء إلا وقد ذكرت عهودا بالحمى، إلا أن بطائقها ربما نقلت من جناح إلى جناح، وحصل بنقلها أعظم خطر وأوفر جناح، وكشف خدرها، وأذيع سرها، فغدت مذاعة السرائر، وكانت محجوبة عن مقلة كل طائر، وذاك حافظ لما استودع من الأمانة المؤداة، أمين على ما حمل من النفقات والمشافهات، إلى الأجانب وأهل المودات، حريص على إيصال كتبها، صائن لها في حربها، صيانة الصوارم في قربها، والعيون بهدبها، يوصلها بطيها مختومة بخاتم ربّها، فهو السهم الخارج عن كبد القوس، لا يزيغ عن الغرض، وتلك ربما جرحها الجوارح، وعرض لها بالبنادق من اعترض؛ وصدها عن بلوغ المرام، غموم الغمام، وعموم الظلام، وقطع (( 1 )) طريقها، وحتم تعويقها، وقضى وحكم عليها بالتأخير، لأنها فيهما لا تطير، وذاك في الليل والنهار، والصحو والغيم يسري ويسير، ولذلك لا تسرح الحمام في المهام، إلا ويرسل تحتها البريد، مؤرخ بتاريخها فهو لها وعليها سائق وشهيد، وهي وإن شهد لها المترنم المنتدم، بالفضل والتقدم، والفضل
للمتقدم، فربما تقدمها البريد وسبق، وكثيرا ما توافيا فكأنما كانا على ميعاد فجاءا معا، في طلق كفرسي رهان، وشريكي عنان، وافتن فيه الناظرون وهو يحضر، فإصبع يومئ إليه بها وعين تنظر، هذا وكم شابت لقعقعة لجامه النواصي، وزينت لمقدمه البلاد والصياصي، وسرى وجفن البرق خوفا وطمعا يغامز ويختلج، فلذلك تارة ترد بما النفوس به تبتهج، وتارة بما الصدور به تنحرج، وتشاهد بما ينزل من السماء وما في الأرض يلج، وسرى وعيون القطر دامعة، وسيوف البرق لامعة، وسيول العيون للطرف قاطعة، ونبال الوبل في أكباد الأرض صادعة، ووافى المنازل والخيول بها طالعة، وبعد أن أصبحت طائرة أمست تحته واقعة، وكم حال دون (( 1 )) مرامه من أوجال أو حال، وعلق لثق ووهق زلق، يمنعه في سوقه من استرسال، بأوثق شبحة وشكال، وعام في أملاق إلى الذقن لا إلى الوسط، وتقطر فوافى ويده مغلولة إلى عنقه وكانت مبسوطة كل البسط، أو بات بعد أن كان راكبا نازلا، وبعد أن كان محمولا لسرجه وجرابه على كتفه حاملا، وسرى وطرفه بالسماء موكل، ونزل بمنزل ليس له بمنزل، وليس به ما يشرب ولا به ما يؤكل: [الرجز]
بمهمه فيه السراب يلمح ... وليله بجوه مطرّح
يدأب فيه القوم حتى يطلحوا ... ثم يظلون كما لم يبرحوا
كأنما أمسوا بحيث أصبحوا [الكامل]
يمشي زميلا للظلام وتارة ... ردفا على كفل الصباح الأشهب
ويعدو كالحبال يمشي إلى ورا، ويغدو فلا يسأل عن السّليك ولا عن
الشنفرى، أو جاءت به عنس من الشام تلق، بعد أن كان يطوي الأرض بسوقه ويخترق، وقد فلى الفلا، وقيل له: هكذا هكذا وإلا فلا (( 1 )) : [البسيط]
يوما بحزوى ويوما بالعيق ويو ... ما بالعذيب ويوما قصر تيماء
وتارة ينتحي نجدا وآونة ... شعب الغوير وأخرى بالخليصاء
فكم قطع أرضا وركب ظهرا ووجد رفقا، ولم يكن كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وقلما جهز إلا في مصلحة من مصالح المسلمين العامة، الشاملة للأمة المحمدية من الخاصة والعامة؛ ما آب من سفر إلا إلى سفر وما سفر في مهم إلى بلد فقيل: إنه سفر ولكنه ظفر: [الطويل]
كأنّ به ضغنا على كلّ جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كل جانب
ورد مبشرا وللمسار في الوجود مسيرا، فأزال العناء، وأنال المنى، وأفاد الغنى، وانثالت عليه الجوائز والتشاريف من ههنا ومن ههنا: [البسيط]
ما درت الشمس إلا جاء يقدمها ... وفي المغارب منه قبلها أثر
وكاد لشدة إحضاره، يسبق أذني جواده في مضماره، فتراه لسرعة سيره، لا يرتد طرفه عن أمد حتى يتعداه إلى غيره، فهو أبدا يسبق طرفه إلى ما يرمق، وما يستولي طرفه على أمد إلا ويتجاوزه ويسبق، فيكاد يأخذ مغربا من مشرق، فيبلغ غاية الأقطار، ويخترق من الآفاق حجب الأستار، حتى يقال: إنه ما سار ولكنه طار، وفي الأرض طار: [السريع]
قال له البرق وقالت له الر ... يح جميعا وهما ما هما
أأنت تجري معنا؟ قال: إن ... نشطت أضحكتكما منكما
أنا ارتداد الطرف قد فتّه ... إلى المدى سبقا فمن أنتما
ولم يزل البريد مرتبا فيما تقدم وسلف من الأيام؛ ومعاوية أول من أحدثه في الإسلام، وأحكم أمره الذي حكم البلاد شرقا وغربا، ونظر إلى السحابة فقال:
أمطري أنى شئت، فخراجك إليّ يجيء (( 1 )) ؛ وعلم أنه من أعظم مهمات الملك العظام، فقال: ربما فسد بحبسه ساعة تدبير عام: [الطويل]
فدانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامه فيما يريد قيام
لا سيما في هذا العصر، وعدو الدين قد أمر أمره، واستشرى شره، وامتدت أطماعه في البلاد، وسرى فيها منه الفساد، مسرى السم في الأجساد، وهو أولى الأمور التي لا يستأذن عليه، وقد وافى مسرعا، والذي يقال له: لعا، إذا قيل لسواه لا لعا: [البسيط]
وجاء منه بقرطاس يخب به ... فأوحش القلب من قرطاسه فزعا
وقد أقام الله بهم للإسلام، بالديار المصرية والشام، كل شهم أمضى من سهم، وأبعد غاية من نجم: [الوافر]
إذا جارته شهب الأفق قالت: ... أعان الله أبعدنا مرادا
محمود الطرائق، مقبول الخلائق عند الخلائق، خفيف الحركات، مسارع إلى الحركات، قصيف يرجح به ظله، خفيف على ظهر المطية حمله، وإذا كان الناس أرواحا وأجساما، فهو روح كله، عارف بالآداب، والسلوك، للمثول بين يدي الأمراء والسلاطين والملوك، عذب العبارة، خفي الإشارة، منجح السفارة، كتوم الأسرار، موفق الإيراد والإصدار، صادق اللهجة، ثابت العدالة، مليّ بأداء
السلام وإبلاغ الرسالة، ليست معرفته على آداب السفر مقصورة، جامع بين أدب النفس وأدب الدرس، حسن الاسم، وضي الرسم (( 1 )) ، سوي الوسم، سريع إلى الداعي، مبادر إلى امتثال الأوامر والدواعي، ما يفوه بالجواب إلا ورجله في الركاب، فهم، متى رسم لهم بالسفر يسارعون، وإلى الإجابة يهرعون، وعلى الخدمة أنفسهم يعرضون كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
(( 2 )) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
(( 3 ))
[البسيط]
لا يستقر بهم ربع ولا سكن ... كأنهم فوق متن الريح نزّال
ما ندب منهم ندب لهم إلا وبادر مطيعا، وما غاب إلا ثاب سريعا، فما ماثله في السير ذكوان، ولا ضاهاه حذيفة بن بدر وقد ساق هجان النعمان (( 4 )) : [الكامل]
ألف النوى حتى كأن رحيله ... للبين رحلته إلى الأوطان
والله سبحانه وتعالى يطوي البعيد لمن يشاء من خلقه، ويسهل العسير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
إلا أن حضور النيات التي بها انعقاد الأمور الدينيات، لا يحصل إلا بالثبات والأناة، والطمأنينة في الركوع والسجود كمال الفرض فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
(( 5 )) وكما ورد في التنزيل النهي عن
التباطي، ورد النهي عن التسرع وسببه، فقال عز من قائل: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
(( 1 )) ونهى عن العجلة تارة في الخير وتارة في الشر، قولا جزما، فقال سبحانه وتعالى فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
(( 2 )) وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
(( 3 )) ، ولا ريب أن الثبات من الله تعالى، والعجلة من الشيطان الرجيم، وأن الله عز وجل امتنّ بالتثبت على النبي الكريم، فقال سبحانه وتعالى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
(( 4 )) : وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
(( 5 )) كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
(( 6 )) وإن ورد عن سليمان عليه السلام طلب الإسراع في الكتاب المبين، فكذلك ورد عنه التثبت في قوله تعالى: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
(( 7 )) وبماذا يصف الواصف، أو ينعت الناعت، فرق ما بين العجلة والتأني؟ وبين البروج المتقلبة والبروج الثوابت؟ وبالتأني يحصل التأتي، ويكون المرء من أمره على بصيرة، ويشاهد في مرأى مرآة فكره صورة الخيرة، ويأمن من تردد الحيرة، وقد قيل: أصاب متأن أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد، وحصل على أنكاد وأي أنكاد، ولولا التأني قبل إرسال السهم لم تحصل به النكاية، ولولا التثبت قبل إطلاقه ما وصل إلى الغرض ولا بلغ الغاية، فالعجلة والندامة فرسا رهان وشريكا عنان، وإن حمد المجلي يوم الرهان؛ وما
زالت ثمرة العجلة الندامة، وربما كانت الهلكة في العجلة، وفي التؤدة السلامة، وفي الثبات والأناة ما لا يحصر من أمر العواقب في سائر الحالات؛ وأسرع السحب في الجهام، وما الإقدام في كل أمر من الشجاعة، ولا الثبات من الإحجام: [البسيط]
والحرب ترهب لكن الأناة لها ... عند التأيّد أضعاف من الرهب
لا يا من الدهر بأس الجمر لامسه ... وقد يروح سليما لامس اللهب
والتسرع خرق، والأناة حلم ووقار، والتثبت دليل القدرة من الله عز وجل مثبت القلوب والأبصار، وفرق سبحانه وتعالى بين الشجرة الثابتة والشجرة التي ما لها من قرار.
وما كان الثبات في شيء إلا زانه، ولا التسرع في أمر إلا شانه؛ ومع العجل الزلل، ومع الزلل الخجل، ومع الخجل الوجل، ومع الوجل الخلل الجلل.
وللثبات وثبات وأي وثبات، وقليلا ما حصل النصر والظفر إلا بالكمين والبيات؛ وقد حكم الصادر والوارد، والمداني والشارد، وأقر المعترف والجاحد، واعترف الصديق والعدو والحاسد، وسار في الأقطار والآفاق، وبلغ من بمصر والشام والروم والعراق (( 1 )) : [الطويل]
وسار به من لا يسير مشمرا ... وغنى به من لا يغني مغردا
ما حصل للإسلام والمسلمين من الانتفاع، ولعدو الدنيا والدين من الوهن والضعف والاندفاع، بثبات المقر العالي الجمالي، كافل الممالك الشريفة الشامية، أعز الله أنصاره، ومقامه على المرج، مع قوة الهرج وكثرة المرج، وأنه قام بذلك للدين نصيرا، وللملك ظهيرا، وأخذ هو ومن أقام بخدمته من العساكر
الشامية بقوله سبحانه وتعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً
(( 1 )) : [الوافر]
سديد الرأي لا فوت التأني ... يلم به ولا زلل العجول
يعيب مضاءه وقفات حلم ... كعيب المشرفية بالفلول
وقد كان العدو المخذول يظن أنه يركن إلى الإحجام، ويتربص الدوائر والعرصات من سهام الأيام، فأخلف الله ظنه، وعجل هلاكه، وضعفه ووهنه، وتحقق أنه الطود الذي لا يلتقى، والسور الذي أحاط بالشام فما إن يتسوّر ولا يرتقى، فأجفل إجفال الظليم، وطلب النجاة لنفسه ولم يلو على مال ولا حريم، وحفظ الله تعالى بثباته الإسلام، ورفه خواطر أهل الديار المصرية، وصان أهل الشام، وعادت العساكر المصرية إلى بلادها، عود الصوارم إلى أغمادها، والأجفان إلى رقادها، والجنوب إلى مهادها، وافتدى بالسلطان الشهيد قدس الله روحه كما مضى وسبق، وجاءت النصرة بحمد الله تعالى كما أراد لا كما اتفق، وأصبح وأمسى يثني عليه عدوه، فيقول حاسده: صدق؛ وبدل الله المسلمين بالأمن بعد الأوجال وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ
(( 2 )) . وكان من خبر كذا وكذا.
قلت: ولشهاب الدين محمود في معنى ذلك:
أما بعد حمد الله، ميسر أسباب النجاح، وجاعل قوائم العاديات في مصالح الإسلام كقوادم ذات الجناح، فهذه تطوى لها الأرض كما تطوى لذي الصلاح، وتلك يتسع لها مجال الفضاء كما يتسع لمرسلات الرياح، وربما تساويا في سرعة
القدوم، وامتازت الخيل في سرى الليل بمشابهة الفلك ومشاركة النجوم، إلا أن الخيل يعينها قوة راكبها وثباته، ويغريها بالسبق حدة عزم راكضها وثباته، ويطوي لها شقة الأرض حسن صبره على مواصلة السرى، ويقرب لها النازح طول هجره لطيف الكرى، حتى إن بعض راكبي بريدها يكاد يعثر طوق ليله بذيل صاحبه، ويلتبس على ناظره ومنتظره غدوه في المهمات برواحه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي كان الرعب يتقدمه مسيرة شهر إلى العدى، والوحي يأتيه من السماء بخبر من راح لحربه أو اغتدى.
فإنه لما كان البريد جناح الممالك، ورائد المهمات الإسلامية فيما قرب أو نأى من المسالك، وبه تنفذ المهمات في أوقاتها، وتتوافق الحركات فيما يتعين من ميقاتها، وتعرف أحوال الثغور على اتساع أطرافها واختلاف جهاتها، كان المبرز في ذلك من عرف منه السبق وألف، وسلم له التقدم في السرعة من نظرائه فما ارتيب في ترجحه ولا اختلف، فكأنه شهاب يتوقد في سمائه، أو برق تألق في أذيال الغمام بسرعة وميضه وانطوائه.
ولما كان فلان ممن جلى في هذه الحلبة، وبرز في ارتقاء هذه الرتبة، فبلغ إليها غاية لا يشق غبارها المثار، ونشر منها راية لا يتعلق منها الريح الخوافق بسوى مشاهدة الآثار، فسار على البريد في قوة الهواجر المثبطة وشدتها، وقصر الليالي المعينة على السوق وتقارب مدتها، من دمشق المحروسة إلى الديار المصرية في يومين ونصف، فكان له بذلك مزية على أقرانه، ودرجة لا يرتقي إليها إلا من جاراه إلى مثلها في ميدانه؛ وسأل من علم ذلك أن يكتب له خطه بما علمه، وأن يشهد له بما تحققه من هذه الحركة التي رفعت بين الأكفاء علمه.
عدنا إلى ابن العطار:
ومنه رسالته في البندق أولها: أما بعد حمد الله على ما أسبغ من نعمائه، ووالى من آلائه، وأباح الإنسان من شرائه، وفسح له فيما يتدرب به ليوم هيجائه، ويعده من قوة لدفع الصائل عليه من أعدائه، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم أنبيائه وعلى آله وصحبه وخلفائه وحلفائه، ما مدّ الكف الخضيب وتر البرق لقوس الغمام، وحلق طائر الفجر نحو الغرب من وكر الظلام، فإن الصيد مما اتفقت الشرائع المختلفة على تحليله، ولهجت النفوس الأبية، بتقديمه على سائر الملاذ الرياضية، وتفضيله مع أنه الراحة التي لا تنال إلا بتجشم التعب، والمسرة التي لا تدرك إلا بعد النصب واللغب، وألذه من القلوب موقعا، وأمكنه من النفوس موضعا، ما أدركه المرء بنفسه واكتسابه، لا بمشاركة بزاته وفهوده وكلابه؛ ولذلك أجهد نفوسهم فيه كثير من الملوك والخلفاء، ولم يرضوا بالصيد من وجه الأرض، فعمدوا إلى الصيد من كبد السماء، ولم يجدوا ذلك إلا في صرع الطائر الجليل، الذي لا يشترك فيه صغير مع كبير، ولا حقير مع جليل، ولو لم يكن فيه مع حصول المراد، إلا السلامة من التقطر عن الجياد، لكان أولاها بالاختيار، وأحقها عند الاختبار، وأنفوا من بقايا كسائر، كأشلاء الذئاب، وفضلات ما أكلته الفهود، وولعت به الصقور، وولغت فيه الكلاب، فعمد كل منهم إلى الانفراد في رمائه، وصرع كل طائر يتخبط في ذمائه، مخلّق بدمائه، مراصد بارتقائه لعيون الأوتار في التفافه وتحليقه، حذر في حالتي اجتماعه وتفريقه، وتغريبه وتشريقه، وإذا فكر اللبيب فيما أودعه الباري جلّ جلاله من القوى فيها، ظهر له أسرار ما أخفاه من بدائع صنعه بين قوادمها وخوافيها.
فمنها التّم (( 1 )) ، الذي هو أتمها صورة، وأعظمها سورة، قد علا على الغيوم لرمي بنادق النجوم، وخاض بحر الظلام، وعبّ فيه، وأخذ منه قطعة بساقيه وقطعة بفيه، حتى ورد على جبال من برد، فاكتسب منها رياشه، واكتسب من بياضها أرياشه.
ثم الكيّ (( 2 )) ، الذي هو في طيرانه، واعتنانه في مضماره واستنانه، كالفارس في ميدانه، كأنه النجم في حالة الرجم، لو عارضه السماك لاقتلعه، أو الحوت لابتلعه.
ثم الإوز (( 3 )) ، الذي يمشي متبخترا، وينقر متحذرا، كأنما يدوس على مثل حد السيف ويمتاز على أبناء جنسه برحلة الشتاء والصيف، يبيت على فرد رجل واحدة، ويرمق موهما أن عينه راقدة، وليست براقدة.
ثم اللغلغ (( 4 )) ، الذي يوافي من بلاد الخزر، ولا يتقي من البندق سهام القدر، ولا يخشى أن تصيبه عين من الوتر، لا يحارب إلا بسحر الجفون من خزر العيون، ولا يستجن إلا من تدبيج الصدر بزرد موصون.
ثم الأنيسة (( 5 )) ، تتهادى تهادي الطاووس، وتختال اختيال العروس، حتى تلتقط حبات القلوب، وتصيد سوافر النفوس؛ كم قطعوا في طلبها من أنهار نهار، وسمحوا بإنفاق أكياس النجوم من خزائن الليل وما فيها من درهم ودينار، فما فازوا بوصالها، ولا ظفروا إلا من على وجه الماء بطيف خيالها.
ثم الحبرج (( 1 )) ، الذي تهادى في مشيته غير مروع، وكأنما على كتفيه بقايا من صدأ الدروع، لم يتدرع بمقاصة الأنهار، ولا أوى إلى ظل الأشجار، بل برز كأنه مناجز، يشير ألا هل من مبارز.
ثم النّسر (( 2 )) ، الذي علا عليها شأنا، وغدا لها سلطانا، وسار فيها بالعفاف عن دمائها أجمل السير، وتحصن من قنة الجبل بقبة السماء، فأصبح صاحب القبة والطير، حتى لقد ضج الأبد من عمر لبد، (( 3 )) لما طالت صحبته له على رغمه واستعان به النمروذ في الصعود إلى السماء على زعمه، فما ظنك بفتية تقصد صرع من هذه قواه، ومن جملة أنجم السماء أخواه، لو صارعه عقاب الجو لصرعه، أو عارضه أحد النسرين لما قدر أن يطير معه.
ثم العقاب (( 4 )) ، التي اشتهر منها الشهامة والضراوة، حتى اشتهر ما بينها وبين الحية من العداوة، فإنها توسد فرخها لحوم الأرانب، وما عنقاء مغرب عندها إلا كبعض الجنادب، وطالما حلق وراء كل جيش عصائب منها تهتدي بعصائب (( 5 )) ، من كل لقوة ذي دكنة وقوة، تخال الغواني ضمختها بالغوالي، أو درعتها الغوادي مدرعة الليالي (( 6 ))
: [الطويل]
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
وأما التي تجهل بأسباقها، ولا تجهل بأعناقها، فنقول:
ثم الكركي (( 1 )) ، الذي فاق العقاب في قوة طيرانه والنسر، وأم مصر من الدربندات (( 2 )) ، ولم يبعد على عاشق مصر، نجعت من أقصى البلاد وآفاقها، خوارج في طلب أقواتها وأرزاقها.
ثم الغرانيق (( 3 )) ، التي لا تبرز إلا محمرة الحدق، لقوة الغيظ وشدة الحنق، حذرة من قوس الرامي وبندقه، مدرع كل طائر منها محبوك الزرد من مغرزه إلى مفرقه.
ثم الضّوع (( 4 ))
الذي زاد على الطيور طولا وعرضا، وأعد للدفاع من مغرزه ما هو أنكى من السيف والسنان وأمضى، وطالما رام الرامي إلحاقه بإرسال البنادق وراءه، فأتعب جياد القسي وأنضى، كأنه قطعة من الغيم تصرفها الرياح، أو بقية الغلس من الليل على وجه الصباح، وكأنما ورد مرة نهر المجرة، ورعى نرجس نجومه كرة، وخاف أن يكون له إليها كرة.
ثم المرزم (( 5 )) ، الذي يبارز بجوشن مورد وجؤجؤ مزرد، كأنه صرح ممرد، كأنما خرج من الهيجاء في طلب النجاء، وبه رشاش من الدماء، فتبصر فإذا الطير مسخرات في جو السماء.
ثم السّبيطر (( 1 )) ، الذي يبارز مبارزة الشجاع، ويلتقم الأفعوان والشجاع، قد تبدأ الرماة بصدره وبنحره، وليس جوشنه من جناحيه إلا قدامه ووراء ظهره.
ثم العناد (( 2 )) ، الذي اشتد بأسا، واختار شعار الخلفاء لباسا، وما سمح بإظهار ذوائبه وأشرافها، إلا ليعلم أنها من عظماء الطير أشرفها، قد تحلى من الحدق المراض، بالضدين من السواد والبياض، وما منها إلا ما يزاحم النجوم بالمناكب، كأنه يحاول ثأرا عند بعض الكواكب، لا يبرز إليها رام إلا راجلا وهو مشمر للذيل، غارق إلى وسطه في وحل وسيل، يصرع فارسا من السماء على أشهب الصبح وأشقر البرق، وأدهم الليل.
ومنه قوله:
وأعلى في الخافقين خوافق أعلامه، وبسط على البسيطة قوادم عدله وخوافي إنعامه، حتى لا تشرق شمس إلا على ما ملكت يمينه، ولا تلقاه ملك إلا خضع له بالسجود جبينه.
المملوك يقبل الأرض، ويجمع بين الطهورين، صعيدها الطيب، وسحابها الصيب، وينهي ورود المثال الشريف، فتناول منه كتاب أمانه باليمين، وأعطي بمبايعته اليمين، ولثمه وهو موضع رغبات اللاثمين، وورده فرأى العجب، إنه البحر العذب، ولا يقذف من الدر إلا الثمين.
ومنه قوله:
وكانت المملكة الحلبية من ممالكنا بمنزلة السور على البلد، والروح من
الجسد، وقد علم تعلق الروح بالجسد، واتفق لها الانتقال إلينا، ولنا بها إلى ربه الانتقال، وأصبحت من يميننا في اليمين، وكانت وهي من الشمال في الشمال، ولم نر لها إلا من غذي بلبانها، وعني بشأنها، وعد فارس حلبتها يوم رهانها، فطالما طمحت إليه بنظرها، واحتمت به من غير الأيام وغررها، فكفاها الأمور الجسام، وحمى حماها وكيف لا تحمى وهي ذات جوشن بالحسام، ولم يزل طامح نظره حولها يدندن، ولهجة أمله بها تلجلج، وعنها لا لا ترن (( 1 )) ، رأينا إنالته هذا المطلوب، وقضينا له منها حاجة كانت في نفس يعقوب، وحكمناه من ذلك فيما طلب، ومثله من حلب الدهر أشطره، ونال الزبدة من حلب.
وكان الجناب الحسامي هو الجناب المخصب لرائده، العالي عن مسامتة مستاميه ويده، فخرج أمرنا العالي أن يفوض إليه نيابة السلطنة المعظمة بالمملكة الحلبية، وقلدناه أمورها، ومن أحق من الحسام بالتقليد؟ وجردناه للانتصار به، ويظهر أثر الحسام عند التجريد، وليتفقد الجيوش ولا يفسح لهم في الركون إلى الأعذار والميل، وليتل عليهم وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ
(( 2 )) ولا يستخدم إلا كل شهم شهد الوقيعة، إذا قفل الجيش كان ساقة، وإذا توجه كان طليعة، والبريد والحمام، هما رسل المهام وأعلام الإعلام، وأرسلهما في كل مهم معا، وليجمع بين تجهزهما وإن لم يجتمعا، وليرتب أمورهما على أجمل الأوضاع، ليتوافيا على انفراد واجتماع، فكثيرا ما سبق البريد السائر، وجاء قبل الطير الطائر، فبلغ المرام، وعاق الحمام الحمام.
ومنه قوله:
أعز الله أنصار المقام، ولا زالت مكارمه كالبحر تقذف لمن جاز به بدرّه، والروض يسابق من مر عليه بنشره، والمسك يبادر من دنا منه بعطره، والغيث الذي لا يقتصر على سائله بفيض قطره.
المملوك يقبل الأرض التي من حل بها نال الغنى، ومن خيم بدارها نال المنى، وما اجتاز بها إلا من وافاه إسعافه وإسعاده، وما سار أحد في الآفاق إلا ومن إنعامها راحلته وزاده، وينهي ورود كتاب فلان، يصف إحسان مولانا إليه وإنعامه، وما تعجل في مقامه الأمين من دار الكرامة، وإقامته به وبعسكره في حالتي توجهه وعوده، وشكر سحابه العميم وجود جوده، وشكر المملوك عنه صدقات ملل لا يخلو نازل من إكرامه، ولا راحل من إنعامه، ولا يزال في الإقامة والظعن، إما يؤويهم إلى كنفه أو يرسل عليهم ظلة من غمامه، وتلك سجية مولانا التي جبلت على الإحسان إلى كل إنسان، واصطناع المعروف إلى المعروف وغير المعروف، والله تعالى يوزع الدهر شكر مولانا الذي شمل بره الأنام، وسطرته أنامل الحمد في صحائف الأيام.
ومنه قوله:
ووصلنا معه طرابلس، فنزل بساحتها، وجعلها للعساكر المنصورة موطن راحتها، وموطن إباحتها، وقد تكفل البحر لها بالامتناع، وضمن لها ما يزيد على حصانة القلاع، وأمدها من بلاد الفرنج كل يوم بمدد، وواصلها بالمراكب الكثيرة العدد، بما يزيد على أمواجه في العدد، فوصل رسل أهلها وتوسلوا بالذرائع، وبذل الأموال والقطائع، وعمارة المئذنة والجامع، فلم يقنع منهم بغير الإسلام، أو تسليم البلد بجملته، وإعادة القبلة من شرق بيعته إلى قبلته، فاعتصموا بالأسوار، وركنوا للقتال من وراء الجدار، وأطلقوا نحو كل سهم من
المنجنيق يشير عليهم بنانه بالإيمان، ويميل تارة إليهم وتارة إلينا ويميد كالنشوان، فنصبنا مجانيقنا قبالة مجانيقهم التي نصبوها من وراء أسوارها، ولم تزل ترميهم حتى عاد السور رميما، والحجر الذي كان بأعلى الأبراج في أسفل الخندق هشيما، وكثيرا ما كانت تتبر مجانيقهم فتقضي عليهم ببوارهم، وتبشرهم من أول أمرهم بإدبارهم، وتصيبهم قارعة بما صنعوا أو تحل قريبا من دارهم، فرجعت عليها العساكر المنصورة، وفي عاجل الوقت ملكوا الباشورة، فعلموا أنه لم يبق سوى الإسار، أو القتل أو الفرار، فالتبست على كل منهم مذاهبه (( 1 )) : [الطويل]
فراحوا فريقا في الإسار وبعضهم ... قتيل وبعض لاذ بالبحر هاربه
فهجمت العساكر المنصورة عليها هجوم الليوث الضواري، وعاجلت أكثرهم عن الالتجاء إلى المركب أو الاعتصام بالصواري، وتصرفت فيمن بقي منهم يد القهر، وتنوعت فيهم من القتل والنهب والسبي والأسر.
ومنه قوله مما كتبه إلى أبي الفضل بن عبد الظاهر (( 2 )) : [السريع]
سقى وحيّا الله طيفا أتى ... فقمت إجلالا وقبّلته
لشدة الشوق الذي بيننا ... قد زارني حقا وقد زرته
وافى من الجناب العالي المحيوي، آنس الله المملوك بقربه، وحفظ عليه منزلته من قلبه، وهداه إلى الطريق الذي كان قد ظفر فيها بمطلب البلاغة من كتبه، ولا شغله بسواه حتى لا يسمع غير كلامه، ولا يرى غير شخصه ولا ينطق إلا بذكره لغلبة حبه، ولا رآه في المنام، ولا رآه في خفية واكتتام، ولا شاهده بدعوى
الأحلام، بلى فإن المنى أحلام المستيقظ، وهو به طول المدى حالم والناس نيام، ولا ينكر الإخلال بالمكاتبة على نائم، والقلم مرفوع عن النائم، غير أن المملوك الظاهري أماته الشوق فانتبه، بعد ما زاره بعينه، وهو لا يتأول ولا سيما في أمر ما اشتبه، وما كانت زيارته له إلا منافسة له بظنه أن المملوك علقت به سنة الكرى، ومناقشة لطلبه زور الخيال حقيقة لما سرى، لينفي الوسن عن نظره، ثم ينصرف على أثره، ولما سجدت له الأجفان ظن بها سنة فزارها منبها، وما كان إلا ساهيا بمزاره عن خدمته، فلا ينكر على جفنه السجود لما سها، ولكم غلة للشوق أطفأ حرها بمزاره، وأغلق به أشراك الأجفان خيفة من نفاره، وعقله بحبائل جفنيه خشية أن تنزع يد اليقظة حبيبه من جنبيه، وضمها على خياله ضم المحب للعناق يمينه على شماله، ولكن ما فاز بالعناق إلا يد ويدان، وعناق المملوك للطيف من فرط الوجد بأربعة أيد من الأجفان، وإن لم تؤخذ هذه الدعوى منه بالتسليم وقيل: ما زاره بل استزاره فكر له في كل واد يهيم، فبلى وحقه لقد صدق مرارا؛ إن الكريم إذا لم يستزر زارا (( 1 )) ؛ وتالله لقد وافاه ووسده على حشاه ويمناه، متشبثا بأذيال دجاه، وفجأه فوجده على أبرح الوجد الذي عهده، إلا أن ضيف الطيف ما اهتدى إلا بنار أشواقه، وما سرى بل سار في ضياء من بارق دمعه، وما يوري قدحا من سنابك براقه، وتسور أسوار الجفون، وخاض السيول من العيون، كيف لا وهو يتحقق أن لقاءه المراد، وإذا هو نام زاره طيف كرى في الرقاد.
* فأجابه ابن عبد الظاهر (( 2 )) : [السريع]
في النوم واليقظة لي راتب ... عليك في الحالين قررته
تفضل المولى إذا زاره ... طيفي خيالي منه أن زرته
ورد على المملوك، أدام الله نعمة الجناب العالي الكمالي، ولا أسهر جفنه إلا في سبيل المكارم، ولا سهدها إلا في تأويل رؤيا مغارم الفضل التي يراها من جملة المغانم، وجعله يتغمر بحلمه هفوة الطيف، وكيف لا يحلم الحالم- كتاب شريف حبب إليه التشبيه بنصب حبائل الهدب من الجفون، والاستغشاء بالنعاس، لعل خيالا في المنام يكون (( 1 )) ، وليغنم اجتماعه ولو في الكرى، وتصبح عينه مدنية وإن مضى عليها زمن وهي من القرى، وينعم طرفه من التلاقي بأحسن الطرف، ويقول: هذا من تلك السجايا، أظرف الهدايا، ومن تلك المزايا ألطف التحف، ويرفع محل الطيف فيرقيه من الهدب في سلالم، بل يمطيه طرف طرفه ويجعلها له شكائم، لا بل يرخيها لصونه أستارا، ولا يصفها بأنها دخان إذ كان يجل موطن الطيف الكريم أن يؤجج نارا، ويعظمه عن أنه إذا أرسل خياله رائدا، أن تتعبه المناظر، وأن يكلفه مشقة بسلوك مدارج الدموع، إذ هي محاجر، ثم يخشى أنه يحصل نفور من التغالي في وصف الدموع بأنها سيول، فيهوّل من أمرها ما يهول، ويقول: هل الدمع إلا ما يرش به بين يدي الطيف؟ وهل الهدب على تقدير أنها دخان إلا ما لعله يرتفع لما يقرى به الضيف؟ وعن إبراد الأجفان بهذا، وإسخان العيون بهذه، وهل هما لإيلاف الخيال إلا ما يقصده من رحلة الشتاء ورحلة الصيف؟ ثم يحتقر المملوك إنسان عينه عن أنه يلزمه هذا الأمر تكليفا، ويتدبر قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
(( 2 )) ويقول له: لا تطيق القيام بما لهذه الزورة للزوم من الوظيفة، لأن
النوم سلطان وخليفة، وأنى بذلك مع خليفة الحبيب، ويد الخلافة لا تطاولها يد؟ والعيون في الصبا زورتها حقيقة، ويمكن ألا توصف إلا بأنها ضعيفة، فنقول: كم مثلي إنسان تطاول لاستزارة الطيف حتى طرق؟ وكم خيال أتى على أعين الناس فجاء محمولا على الحدق؟ وكم محب درأ عن النوم بشبهة تغميض الأجفان عن غير غمض حد القطع على السرق؟ ثم يأخذ في طريقة غير هذه الطريقة، ويرى الاكتفاء بالمجاز عن الحقيقة، وإذا أقامت العين الحجة في تصويب استزارة الخيال يقول: ما هذه من الحجج التي تسمى وثيقة، ويرى أن تمثل الشخص الشريف في الخاطر قد أغناه عن أنه يتقلد منه الكرى، وكفاه أنه ينشد: [الكامل] سر الخيال بطيفه لما سرى
ولم يحوجه حاشاه إلى أنه يزور له محضرا، ولا أنه ينشد:
أترى درى ذاك الرقيب بما جرى (( 1 ))
اللهم إلا أن يورد مورد العين أنفع ما يدخر، والعين الصافية ما برح عندها من الخيال الخبر، وإذا كان القلب متولي الحرب مع الأشواق، فكيف يشاحح الخيال على أنه متولي النظر؟ فحينئذ يشتاق إلى الوسن، ويمد له من الهدب الرسن، ويزور ويستزير، ويقصر ويتلو وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
(( 2 )) ويذهب لأجل ذلك مذهب من يرى أنه يقدم على الأيام الليالي، ويعظمها لأنه مظنة هجمة الخيال، ويجعل جفونه أرض تلك النجمة التي تغلب عليها، وما برحت تغلّب لها أرض الجبال؛ وأما النيل فكم احتقره المملوك بالنسبة إلى كرم مولانا ونواله، وتكرّه
مذاقه بالإضافة إلى زلاله، وتحقق أن مقياس راحته هو الذي يستسعد به الأمم، وأن الأصابع من الأصابع الكريمة، والعمود القلم، وأن طالب ورد ذاك تعب، وطالب جود سيدنا مستريح، ويكفي واصف نواله له وهو غاية المديح.
* وأمّا ما لابن العطار من شعر فكتب أبو الفضل عبد الله بن عبد الظاهر إليه (( 1 )) : [البسيط]
لا تنكرن على الأقلام إن قصرت ... له مساع إذا أبصرتها وخطا
فعارض الطرس في خدّ الطّروس بدا ... من أبيض الرمل شيب فيه قد وخطا
فقال ابن العطار يجيبه (( 1 )) : [البسيط]
أقلام فضلك ما شابت ولا قصرت ... له مساع إذا أنصفتها وخطا
بل عارض الطرس لما شاب غيّره ... بعشبة قبل شيب فيه قد وخطا
ومنه قوله في رثاء الظاهر بيبرس البندقداري (( 2 )) : [الكامل]
بكت القسي لفقده حتى انثنت ... ولها عليه من الرنين تحسر
ولحزنها بيض الصفاح قد انحنت ... وتبيت في أغمادها تتستر
أرخت ذوابله ذوائبها أسى ... ولرنكه وجه عليه أصفر
ولواؤه لبس الحداد فهل ترى ... كان الشعار لفقده يستشعر
ملك بكته أرائك وترائك ... وملائك وممالك لا تحصر
ولكم بكته حصنه وحصونه ... ونزيله ونزاله والعسكر
من للمالك بعده من كافل ... كم حاطها بالرأي منه مسور
قد حرك الثقلين هول مصابه ... فالظاهر المودي أو الإسكندر
23- ومنهم: محمد بن عبد الله، شرف الدين، أبو محمد بن فتح الدين أبي الفصل، ابن القيسراني، القرشي، المخزومي
(( 1 )) * صدر إيمان وعلا، وبدر زمان أضاء الظلم وجلا، مجيل قداح من الأقلام، ومجيد اقتداح يشقق عن البرق جيوب الظلام، حلف زهد وورع، وجدّ طال به الأنام وفرع، وكان قريع علم لم يدعه إذ رأس، وفقه طالما ارتبط عليه ودرس، من بيت يتمسح بأركانه، ويتمسح من إمكانه، ولم يزل أهله أهلة كتاب، وأهل سنة وكتاب، وخدموا الدول، وختموا بالأمانة الأيام الأول، وكانوا كتاب إنشاء وحسّاب، وأصحاب إرث واكتساب، وأرباب فخار بنفوس وانتساب، ومنهم جماعة حلوا الممالك فوشوا حبراتها، ووشعوا بذائب النضار أصلها وبكراتها، وكانوا أهل مدائح علقت كالسحاب، وعقت البحر وتعلقت بالسحاب، مع نسب في آل المغيرة، لا تطمع في سرح كواكبه مواكب الصباح المغيرة، وكان يتروى ثم يأتي بنثر يفوق كثيرا، ويضحي على ورقه سقيط الطل منثورا، مع قضاء باء بيمن نقيبتها، ويجيء بدارين في حقيقتها، مع مروءة ما غبنه فيها شريك، ولا فتنه عنها سطا سلطان ولا مليك، وكان يجلس بين يدي كافل الممالك لقراءة قصص المظالم، وهو يقرأ القرآن الكريم، فإذا مر بآية سجدة استقبل القبلة وسجد، وربما استدبر كافل الممالك لأجل اتباع القبلة، فوجد عليه لهذا، وقال لعمّي في الاستفال به، فكان يدرأ عنه حده، ثم يوصيه فلا تفيد الوصايا عنده، بل يقرأ فإذا مرت به آية سجود سجد، وما عليه أن لا يجد في نفسه عليه أو وجد، مع ما كان هذا الرجل في إنابة الأدنين من كبراء شمخت بهم المناصب، وشدخت هامة المناصب.
* ومن نثره قوله:
وبعد، فإن أولى ما عظم في النفوس، وازدانت به المحافل والطروس، الشرع الشريف، وبه زجر أهل الاجتراء والاجتراح، وتحقن الدماء وتستباح، ولهذا تعين أن لا يحل ذروته السنية، ورتبته العلية، إلا من انعقد الإجماع على أنه للولاية متعين، وأن موجب استخلاصه واختصاصه للمباشرة بين؛ ولما كان فلان هو العالم الذي ليس لفضله جاحد، والفقيه الواحد الذي هو أشد على الشيطان من ألف عابد، والذي عادل دم الشهداء مداده، وماثل البحر الزاخر مدده في الفضائل واستمداده، وباشر قضاء القضاة وقضاء العساكر المنصورة بالشام المحروس مدة متطاولة، وشكرت مباشرته المنصبين، وحكم بأهليته لما قامت البينة من خبره وخبره بشاهدين، وبرأت من عيون الأعيان إحكام الأحكام ولا أثرة بعد عين، وأبدع في تقريبه المسائل وتقريره وتحويره، وتحيّل حتى قيل: هو في العلو والعلوم شريك القاضي شريك، وبأنباء الشريعة المطهرة هو الخبير الذي ينبيك؛ وبلغنا أنه في هذه المدة حصل له في أثناء البحث ما أزعجه وأحرجه، وعن خلقه الرضي أخرجه، وامتنع من الحكم أياما، ولم يجر له في الأمور الشرعية لسانا ولا أقلاما، فاقتضى اعتناؤنا بالشريعة المطهرة، إشخاصه إلى بين أيدينا (( 1 )) ، واستعلام سبب ذلك يقينا، وأن نصرح له بتجديد توليه تولية مناصبه، وتأكيد رفعة يكف بها مناصبه.
ومنه قوله:
وينهي أن المشرف العالي ورد إليه فتنسم أرواح قربه، وأوجد مسرات قلبه، وأعدم مضرات كربه، وأبهجه الكتاب بعبير رياه، وألهجه الخطاب بتعبير رقياه،
فرأى خطه وشيا مرقوما، ولفظه رحيقا مختوما، ووجده مختوما على درر كلامية، وبشر منامية، وحديث نفس عصامية، نرجو من الله أن نشاهد ذلك أيقاظا، ونكون لأنبائه حفاظا
ومنه قوله يصف يادة النيل: وأقبل يعب عبايه، ويكاثر البحر المحيط انسكابه، ويطاوله وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ
(( 1 )) وأمر زيادته يعظم عن الشرح ويكبر، ومشاهده لقدرة الله فيه يتلو وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
. (( 2 ))
وقد تلقته البلاد تلقي المحب لحبيبه، والعليل المرتقب لطبيبه، وهو كلما حل بقعة صد صدا، وأجدى جدا، وكلما حباها بأصبع شكرت له يدا، وكان قد وصل في أثناء ذلك المفرد من الأعمال القوصية مخبرا بوفائه، واقتضى مذهبنا الشريف الحكم بخبر المفرد، والعمل بما عنه يروى وإليه يستند، ومع ذلك حصل التثبت إلى أن نقل هذا الأمر من الخبر إلى العيان، واستحق خليج مصر أن يفك عنه الحجر، ويجري مطلق العنان، ومن غرائب هذا البحر وإن كثرت فيه الغرائب ومنه الغرائب، أنّه كلما تكدر تتبسم له الثغور وتفتر، وأنه نيل أزرق وبصبغه تروق البلاد وتخضر، وسطرناها والخواطر الشريفة واثقة بسقيا أمنت من فوتها، والعيون ناظرة إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها، والديار المصرية قد غدت للري في أكمل زي، وأبدت تموج الحلل وتبرج الحلي، وزهت حسنا بالزيادة في الحسنى، وتلا على ساكنها لسان الرحمة وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
(( 3 )) فالمجلس يحمد الله لما أعاده على الوجود من إشراقه وأنسه،
ويستديم النعمة بالشكر وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
(( 1 ))
والله تعالى يجعل هذه الرحمة إلى جهاته حسنة التفريج، مناظره بها ناضرة الرياض في التدبيج، مظهرة فيها معنى قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
(( 2 ))
ومنه قوله:
وينهي ورود المشرف العالي، فاطلع من جواهر الألفاظ ما لو شاهده البدر لما أسفر، أو سمع به عبد الحميد لأحب أن لا يذكر، فتنزه في رياض كتابته التي أينعت أغصانها؛ وأبهجت بفنونها أفنانها، فلولا حلها وحرمة السحر لقلنا سحرا، ولولا أنه شغل الأعناق بمننه لقلدناها- إذ هي الدر- نحرا.
ومن قوله يذكر النيل:
وأمست التّراع من تراع، وأصبح الجدب مع ما كان فيه من القوة وقد أخذ في النزاع، وحققت به عروس مصر أن يزيد كقطرة في بحرها إذ يزيد (( 3 )) وأن باناس (( 3 )) لا ترفع به خلجانها من رأس (( 4 )) وأن ثورا (( 3 )) لو حف به شرب لما كمل دورا، وأن كل رابية منها تربي على الربوة والنيرب (( 4 )) وكل برق ما عدا برق سحابها الهاملة خلب، وأنها تخلب القلوب بالملق، وتسلب الألباب بالحدائق لا الحدق، وأن البسطة في البسطة (( 5 )) ، والنزهة في ربيعها إذا نسج بسطه، وأنها
عما قليل تتجلى في حللها النضرة، وتتبين أنها لا ما عداها الدنيا إذ هي الخضرة.
24- ومنهم: محمود بن سلمان بن فهد، الحلبي، الكاتب، شيخنا العلامة، حجة الكتاب، فرد الزمان، شهاب الدين، أبو الثناء (( 1 ))
* جبل أدب لا مطمع في ارتقائه، وبحر علم لا مطمح إلا إلى ما يؤخذ من تلقائه؛ رقى السماء وتلقى من ربه كلمات علم بها الكتّاب الأسماء؛ ناضلت الدول بأقلامه، وكلمت ملوك العدى بكلامه، فحظي ببرها، وخطب لحفظ سرها، وتقدم باستحقاقه، واستعبد الكلام الحر باسترقاقه، وأقام بالشام ثم بمصر فطاب به الواديان كلاهما، وأغدق نوؤهما وكلؤهما، وكان كاتبا لا يعرف له نظير، ولا يعرف مثله في الزمن الأخير، تعين بدمشق فكان للكتاب والدا، وتفرد بمصر فبقي سهما في الكتابة واحدا، وكان بابل سحر، وعنبر شحر، وعانة مدام، وغاية إقدام، وغابة أسد ذي ظفر دام، لم يزل نجي ملك همام، ورسيل بحر وغمام، بكتب طالما أينعت روضة زهر وأفق سماء، نرجسه الثريا ومجرته النهر؛ وكان لا يرضى بدارات الأقمار لزهره كمامة، ولا بالهلال لظفر قلمه قلامة، بأدب دق على الأدباء، ورق فنسب الجفاء إلى الصهباء، فأشفق الشفق أن يكون لكؤوس كلمه مدامة، ودخان الند أن يكون على عنبر سطوره غمامة، وكان في الديوانين يتصدى لمهمات الإنشاء، فكم أطال لوجوه الأيام غررا، وقلد أعناق
الممالك دررا، من تقاليد لو شيدت العماد لماماد، أو حبا بفضلها الفاضل لأنطق الجماد، أو أثرت ابن الأثير لاستغنى مما يثير، أو بنى على أبكارها ابن بنان لما ضم له على قلم بنان، أو خلّت شيئا لابن الخلال، لتاه بكرم الخلال، أو خصت ابن أبي الخصال بخصلة لطال بها وصال، وكسر على النصال النصال، إلى نظم وطئ بأخمصه الطائيين، وأفنى بخلود الذكر مدة الخالديين، بما أهدي إليه وترك الكندي مضللا، وخلى العزيز في قومه ابن أبي سلمى مذللا، حتى لو وسم عبيد بولائه في القريض لما قال: حال الجريض (( 1 )) ، فأما في توليد المعاني ففات ابني هاني (( 2 )) ، ونهض جده وسقط صريع الغواني؛ فمن نسيب نسي به القديم، وغزل ذكر به كل غزال ورئم كل ريم، ورثاء أسكت النائحتين الديلمي وذا النسب الصميم (( 3 )) ، وتشبيه ثلّث الملكين ابن المعتز [و] تميم (( 4 )) ، إلى تباس (( 5 )) أرهب العسكري في (( الصناعتين )) ، وفلك جرض (( 6 )) الراغب والجاحظ في البراعتين، وكان في كل منهما إماما، وسح في كل منهما غماما، بسجع كم غازل على أيكه حماما، وأعطى الغواني على حلي ذماما، وشق على لبة النهر أطواقا، وأرخى على أنامل الغصون أكماما؛ ثم ولي بدمشق صحابة ديوان الإنشاء، وأطلع في الصباح نجوم العشاء.
وهو شيخي في الأدب، وإن لم يكن لي أبا مثل أب، لزمته منذ قدم دمشق حتى مات، أقرأ عليه وأقرئ مما لديه، ومن حواصله أنفقت وجمعت وفرقت،
وسددت إلى الغرض وفوقت؛ وأقول ولا أخشى: فمهما وصفته به من المحاسن صدقت، لأن الرجل أشهر من الشمس، وذكره أسير من (( قفانبك )) ، قد أنجد ذكره وأتهم، وأعرق وأشأم، وغنى به الملاح والحادي، وغني به سكان الجبل والوادي، هذا إلى ما له من المشاركة في علم الحديث، وحفظ المتون والرجال، والاطلاع على آراء الناس ومذاهب الأمم في الملل والنحل، وفرق الخلاف ومواضع الاختلاف، وضبط التاريخ، واستحضار الوقائع، وذكر نوب الدهر، وتصاريف الزمان، وأيام العرب والعجم، ومعرفة النسب ودول الخلفاء والملوك وأحوال الوزراء والكتاب والشعراء، ومشاهير الأمة والأعيان من أهل كل علم، والمقدمين في كل فن والمبرزين في كل صنعة، وأسماء الكتب المصنفة والمجاميع المؤلفة، وإجادة النظر في معرفة الخطوط، والإلمام بكتابة المكاتيب الحكمية والشروط، إلى معرفة الأمثال الجاهلي منها والمولد، والملوكي والسوقي، وأمثال الخواص والعوام، والعربي منها والعجمي، والأصل في ضرب كل مثل، مع إتقان قوانين الديوان مما لم يجمعه سواه، ولو تفرد بواحد منه كفاه، وبه انتفع كتاب زمانه وتخرجوا عليه، وتدربوا بين يديه.
أخذ الفقه عن ابن المنجّا، والنحو عن ابن مالك، والأدب عن ابن الظهير؛ وتنقل في الوظائف، وطلبه عمي إلى الديار المصرية بعد محيي الدين بن عبد الظاهر على معلومه، وكتب بين يدي الوزير ابن السلعوس، وقل أن كتب مدة مقامه بالحضرة مهم جليل إلا من إنشائه؛ وعين لقضاء الحنابلة بمصر فامتنع، حتى بعث إلى دمشق صاحبا لديوان الإنشاء، وأقام بها حتى مات.
ومن تصنيفه كتاب (( حسن التوسل إلى صناعة الترسل )) و (( منازل الأحباب )) و (( أهنى المنائح في أسنى المدائح )) من نظمه في المديح الشريف النبوي، زاده الله
شرفا، ولم يكن مثله في إعطاء كل مقام حقه موفّى، من غير زيادة ولا نقص؛ وذكر ملاحم الحروب على إفراط التهويل، في رقة الغزل، للطف تخيله، ودقة تحيله، واستعاراته، وغرائب تشبيهاته.
ومن نثره قوله في توقيع لابن جماعة، بتدريس المدرسة المجاورة للشافعي:
وهو يعلم أن ذكر هذه البقعة سار في الآفاق، جار على ألسنة الرفاق، قدر شامية الشام ونظامية العراق، وأنها جمعت من العلماء أعلاما، ومن الأمة أئمة، لولا شرف البقعة لتفرقوا في الأرض هداة وحكاما، فلا يقف في العلم عند غاية، وليجد في طلب النهاية، وإن لم يكن للعلم نهاية، وليمثل نفسه ماثلا بين يدي من نسبت إليه، ويقيم روحه مقام من جلس للقراءة عليه، وليبث ما استودعه من أسرار مذهبه ليسبر عنه من معدنه، وينقل الفضل إلى الأوطان من مظنته وموطنه، وليلق بها عصا السرى، فإنها منزلة لا ينوي من بلغها سيرا، وليحمد الله على ما وهبه من بضاعته، فإنه من يرد الله به خيرا. (( 1 ))
ومنه قوله في تقليد وزير:
وليبدأ بالعدل، فإن الله قدمه على الإحسان، وحلى بهما أيامنا، ويجانب الظلم وأهله، فإن الله أرهف بمحوه من الوجود سيوفنا وأقلامنا، ويقرنه بالإحسان، فإن الله رفع بهذا منار ملكنا وأعلى بذا أعلامنا، ويمد خزائن الأموال بمكنون تدبيره، ويعد لمهمات الدولة القاهرة ذخائر تصرفه الجميل وحسن تأثيره، وليزن ذلك بالرفق، فإنه مع الخبرة أجدى من العنف وأجدر، وإذا رام المنبتّ بلوع الغاية، فإن المتثبت أقوى منه على ذلك وأقدر، فإن النماء مع العدل كفرسي رهان، وليس الخبير من حصل الأموال بالظلم بل من حصلها والحق عزيز
والباطل مهان، وليتحر الحق المحض فيما أمر بأخذه رفقا ويناقش على حقوق بيت المال، فإنهما سواء من أخذ لغيره باطلا أو ترك له حقا، وليجتهد في عمارة البلاد، فإنها على الحقيقة معادن الأرزاق، وكنوز الأموال التي لا ينفدها الإنفاق.
ومنه قوله:
وقلدته مهابتنا سيفا يلمع مخايل النصر من غمده، وتشرق جواهر الفتح في فرنده، وإذا سابق الأجل إلى قبض النفوس، عرف الأجل قدره فوقف عند حده؛ ومتى جرده على ملك من ملوك العدى، وهنت عزائمه، وعجز جناح جيشه أن تنهض به قوادمه، وعلم أن سيفنا على عاتق الملك الأغر نجاده، وفي يد جبار السماوات قائمه.
ومنه قوله:
وسرنا بالجيش الذي لا يدرك الطرف حده، ولا الوهم عده، وكأن ذوائب السحاب عذب بنوده، وكأن شوامخ الآكام مناكب أبطاله ومواكب جنوده، وما قصد عدوا إلا ونازلهم قبل خيلهم خياله، وقضى عليهم وعده ووعيده، قبل أن ترهف أسنته أو ترعف نصاله؛ وإذا لمع حديده وخفقت عذبه وبنوده، قيل هذا غمام تلهبت بوارقه، ودمدمت صواعقه؛ أو بحر تلاطمت أمواجه، أو سيل غصت به فجاجه، وعكس أشعة الشمس اضطرابه وارتجاجه، وما علا جبلا إلا وألحق صعوده إليه جريه بالصعيد، وما منع الريح مواجهته إلا لتسمع صهيل خيله بأقصى الروم من أقصى الصعيد.
ومن قوله:
وما رهج العدو المخذول بالحركة ورمي الصيت؟ فإن عدة العاجز الصياح،
وقوة الجبان في القول، والقول يذهب في الرياح؛ وقد علموا أنهم ما قدموا إلينا إلا وكان أحد سلاحهم الهرب، ولا طمعوا في النجاح وكان لهم في غير الحياة أرب، يبالغون في الاحتشاد، والجازر لا يهوله كثرة الغنم، ويستكثرون من السواد، ووجود من لا ينفع أشبه شيء بالعدم، فقوتهم ضعيفة، ووطأتهم خفيفة، وثباتهم أقصر من حل العقال، وصبرهم أسرع من الظل في الانتقال، وخيولهم لا تطيع أمر أعنتها إلا في الفرار، ورماحهم لا تحمل كل أسنتها إلا للخور والانكسار، وسهامهم لا عهد لها بالمقاتل، وصفاحهم كل شيء من القصب غيرها يمكن وصفه بأنه قاتل؛ فإن دلاهم الشيطان بغروره، فسيبرأ منهم سريعا، وإن أطمعهم في اللقاء فستردهم كلام سيوفنا كأقسام الكلام الثلاثة:
هزيما أو أسيرا أو صريعا.
ومنه قوله رسالة طردية:
لا زال يمنه يستنزل العصم من معاقلها، ويسمع السهام الصم ما تحدث به حركات الطير عن مقاتلها، ويلجئ ضواري الوحش إلى سيوف أوليائه لترقرق ماء الفرند فيها بمناهلها، وينهي أنه سار إلى ما واجه وجه إقباله، متيمنا بسعده الذي ما برح يعتلق بحباله، ومعه:
من الجوارح كل بازي شديد الأسر، صحيح على ما اتصف به من الكسر، ينظر من بهار، ويخطر في ليل رقم به أديم نهار، ذي صدر مدبّج، ورأس متوج، ومخلب خطوف، ومنسر كصدغ معطوف، أسرع من هوج الرياح، وأقتل من عوج الصفاح، ينحط على الطير من عل، ويسبق إلى مقاتل الوحش كل رام من بني ثعل.
ومن الضواري كل حام أسبق من السهم، وأخف في الوثبة من الوهم، ذي
صدر مجدول وساعد مفتول، وأنياب عصل، وظفر أقطع من نصل.
ومن الفهود كل أهرت الشدق، ظاهر الحدق، بادي العبوس، مديّر الملبوس، شثن البراثن بأنياب كالمدى، ومخالب كالمحاجن، قد أخذ من الفلق الغسق إهابا، وتقمص من السماح والبخل جلبابا، يضرب المثل في سرعة وثوب الأجل به وبشبهه، وتكاد الشمس مذ لقبوها بالغزالة لا تطّلع على وجهه، يسبق إلى الصيد مرامى طرفه، ويفوت لحظ مرسله إليه، فلا يستعمل النظر إلا وهو في كفه، وتتقدمه الضواري إلى الوحش، فإذا وثب له تعثرت من خلفه.
ومعنا غلمة نحن بسهامهم منها أوثق، وهم بإصابة شواكل المراد من كل ما ذكر أحذق؛ إذا أخذ كل منهم حنيته أرانا القمر في القوس، وإن نظم رميته قيل: هذا حبيب وإن لم يكن ابن أوس (( 1 )) ، فما لاح طائر إلا وله من السهام أجل، ووراءه من رجل الجوارح زجل؛ إن أخطأ هذا أصاب هذاك، وربما كان لهما (( 2 )) استهام في تحصيله واشتراك؛ وإن سنح وحش، فالسهام أدنى إلى وريده من قلادة جيده، فإن فات فالكلب أعرف باختلاسه منه بكناسه، وأسرع إلى احتباسه من رجع أنفاسه، وإلا فالفهد أسرع إلى لحاقه من أجله، وألزم لعنقه لو كان يعقل من عمله، وظللنا بين قدير معجل، وقديد مؤجل، نمش بأعراف الجياد كفوفنا (( 3 )) ، ونقري من صواف الطير وأصناف الوحش ضيوفنا، وكنا بين صيد تحصل وآخر يترقب، وغدونا (( 4 )) : [الطويل]
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
وقد أرسلنا إليه من ذلك ما يتحقق به إن نمته أمارنا وأوري نارنا، ويستدل به على حسن ظفرنا في سفرنا، وإنارة توفيقنا في طريقنا؛ والله تعالى لا يخلي منه مكان تأييد، ويبلغه من السعادة فوق ما يريد.
ومنه قوله:
وإن المخذولين أقبلوا كالرمال، واصطفوا كالجبال، وتدفقوا كالبحار الزواخر، وتوالوا كالأمواج التي لا يعرف لها الأول من الآخر، فصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمة بددت شملهم، وعلمت الطير أكلهم، وحصرتهم في الفضاء، وطالبت أرواحهم الكافرة بدين دينها فأسرفت في القضاء، وحصدت سيوفنا المنصورة ما يخرج عن وصف الواصف، وكانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وأحاطت بهم كتائبنا المنصورة فلم ينج منهم إلا من لا يؤبه لهم من فريقهم، وقسمتهم جيوشنا المؤيدة من الفلوات إلى الفرات، بين القتل والأسر، فلم يخرج عن تلك القسمة غير غريقهم، وأعقبتهم تلك الكسرة أن هلك طاغيتهم أسفا وحسرة وحزنا على من قتل من تلك المقاتلة، وأسر من تلك الآسرة، وأماته الرعب من جيوشنا المنصورة فجاءة، واستولى عليه الوجل، فجاءه من أمر الله ما جاءه.
ومنه قوله مما كتب بمآل ملك سيس (( 1 )) :
وتبادر إلى الطاعة قبل أن يبذلها فلا تقبل، ويتمسك بأذيال العفو قبل أن يرتفع دونه فلا تسبل، وتعجل بحمل أموال القطيعة، وإلا كان أهله وأولاده في
جملة ما يحمل إلينا، ويسلم ما عدا عليه من فتوحنا، وإلا فهو يعلم أنها وجميع ما تأخر من بلاده بين أيدينا.
ومنه قوله:
هذه المكاتبة إلى فلان، لا زال مأمون الغرة، مأمول الكرة، مجتنيا حلو الظفر من كمام تلك المرّة المرّة، راجيا من عواقب الصبر ما يسفر له مساء تلك المساءة عن صبح المسرة، واثقا من عوائد نصر الله بإعادته ومن معه في القوة والاستظهار كما بدأهم أول مرة، أصدرها وقد اتصل به بناء ذلك المقام الذي أوضحت فيه السيوف عذرها، وأبدت به الكماة صبرها، وأظهرت فيه الحماة من الوثبات والثبات ما يجب عليها، وبذلت فيه الأبطال من الجلاد جهدها، ولكن لم يكن الظفر إليها، وكان عليهم الإقدام على غمرات الحرب الزبون، والاصطلاء بجمرات المنون، ولم يكن عليهم إتمام ما قدّر أنه لا يكون، فكابرت رقاب الأعداء في ذلك الموقف السيوف، وكاثرت أعدادهم الحتوف، وتدفقت بحارهم على جداول من معه، ولولا حكم القدر لانتصفت تلك الآحاد من تلك الألوف، فضاق بازدحام الصفوف على رجاله المجال، وزاد العدد على الجلد، فلم يفد الإقدام على الأوجال مع قدوم الآجال، وأملى للكافرين بما قدّر لهم من الإنظار، وحصل لهم من الاستظهار، وعوضوا بما لم يعرفوه من الإقدام على ما ألفوه من الفرار وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
(( 1 )) وقد ورد أنهم ينصرون كما ننصر، وإذا كانت الحروب سجالا، فلا ينسب إلى من كانت عليه، إذا اجتهد ولم يساعده القدر، أنه قصر، مع أنه قد أشهر ما فعله في مجاله من الذب عن رجاله، وما أبداه في قتاله من الضرب الذي ما تروّى فيه خصمه إلا
بدره بارتحاله، وأن الرماح التي امتدت إليه أخرس سفه ألسنة اسنتها، والجياد التي قدمت عليه جعل طعنه أكفالها مكان أعنتها، فأثبت في مستنقع الموت رجله (( 1 )) ووقف وما في الموت شك لواقف (( 2 )) ، ليحمي خيله ورجله، حتى يجيز أصحابه إلى فئة مأمنهم، وأقام نفسه دونهم دريئة لمن بدر من سرعان القوم أو ظهر من مكمنهم، وهذا هو الموقف الذي قام له مقام النصر إذ فاته النصر (( 3 )) ، والمقام الذي أصيب فيه من أصحابه آحاد يدركهم أدنى العدد، فقد فيه من أعدائه مع ظهورهم ألوف لا يدركهم الحصر؛ وكذا فليكن قلب الجيش كالقلب، يقوى بقوته الجسد، وإذا حقق اللقاء فلا يفرعن كناسه إلا الظبي، ولا يحمي عرينه إلا الأسد، وما بقي إلا أن تعفو الكلوم وتثوب الحلوم، وتندمل الجراح، وتبرأ من قلوب المضارب صدور الصفاح، وتنهض لاقتضاء دين الدّنى من غرمائه المعتدين، وتبادر إلى استنجاز وعد الله، فإن الله يمحّص المؤمنين ويمحق الكافرين؛ والليث إذا جرح كان أشد لثباته، وأمد لوثباته؛ والموتور لا يصطلى بناره، والثائر لا يرهب الإقدام على المنون في طلب ثأره، والدهر ذو دول، والزمان متلون، إن دجت عليكم منه بالقهر ليلة واحدة، فقد أشرق لكم منه بالنصر ليال أول؛ فالمولى لا يلتفت إلى ما فات، ويقبل بفكره على تدبير ما هو آت، ويعد للحرب عدته، ويعجل أمد الاستظهار ومدته، ولا يؤخر فرصة الإمكان، ولا يعد ذكر ما مضى فإنه دخل في خبر كان، ولا يظهر بما جرى عجزا،
فإن العاجز من ظن أنه يصيب ولا يصاب، ولا يتخذ غير ظهر حصانه حصنا، فلا حرز أمنع من صهوة الجواد، ولا سلم أسلم من الركاب؛ وليعلم أن العاقبة للمتقين، ويدرع جنة الصبر ليكون من النصر على ثقة، ومن الظفر على يقين؛ فإن الله مع الصابرين، ومن كان الله معه كانت يده الطولى، وإذا لاقى عدو الله وعدوه فليصبر لحملته، فإن الصبر عند الصدمة الأولى؛ والله تعالى يكلؤه بعينه، ويمده بعونه، ويجعل الظفر على عدوه موقوفا على مطالبته له بدينه.
ومن قوله في مثله على الطريق المعتاد في ذم المهزوم:
هذه المكاتبة إلى فلان، أقاله الله عثرة زلته، وأقامه من حفرة ذلته، وتجاوز له عن كبير فراره من جمع عدوه على قلته؛ بلغنا أمر الواقعة التي لقي فيها العدو بجمع قليل غناؤه، ضعيف بناؤه، كثيف في رأي العين جمعه، خفيف في المعنى وقعه ونفعه، أسرع في مفارقة المحال من الطل في الانتقال، وأشبه في مماثلة الوجود بالعدم من طيف الخيال؛ يحفّون منه بقلب واجب، ويهتدون من تجريبه وتهذيبه برأي بينه وبين الصواب حاجب، ويأتمون منه بمقدم يرى الواحد ممن عدوه كألف، ويتسرعون منه وراء مقدم يمشي إلى الزحف ولكن إلى خلف، جناح جيشه مهيض، وطرف سنانه غضيض، وساقة عسكره ظالعة، وطلائعه كالنجوم ولكن في حال كونها راجعة، تأسف السيوف بيمينه على ضارب، وتأسى الجنائب حوله إذ تعد لمحارب فتغدو لهارب، وإنه حين وقعت العين على العين، وأيقن عدوه لما رآه من عدده وعدده بمعاجلة الحين، أعجل نصول العدى عن وصولها، وترك غنيمة الظفر لعداه بعد أن أشرف على حصولها، تناديه ألسنة الأسنّة الكرة الكرة، ولا يلتفت إلى ندائها، وتشكو له سيوفه الظمأ وقد رأت موارد الوريد فيعيدها إلي الغمود بدائها؛ فمنح عدوه مقاتل رجاله، وأباحهم كرائم مال جنده وماله، وخلى لهم خزائن سلاحه التي أعدها لقتالهم،
فأصبحت معدة لقتاله، فنجا منجى الحارث بن هشام (( 1 )) ، وآب بسلامة أعذب منها- لو عقل- شرب كأس الحمام، واتسم بين أوليائه وأعدائه بسيمة الفرار، وكان يقال: النار ولا العار، فجمع له فراره من الزحف بين النار والعار، وعاد بجمع موفور من الجراح، موقر من الإثم والاجتراح، لا علم بما جرى عند أسيافهم، ولا شاهد بمشاهدتهم الوغى غير مواقع الظبا في أكتافهم، فبأي جنان يطمع في معاودة عدوه، وهذا قلبه وهؤلاء حزبه؟
وذلك القتال قتاله، وذلك الحرب حبه؟ وبعد، كان له حمية يتطهر آثارها، أو أريحية فيشب نارها، أو أنفة فستحمله على غسل هذه الدنية، وتبعثه على طلب غايتين، إما شهادة مريحة أو [عيشة] هنية؛ والله تعالى يوقظ عزمه من سنته، ويعجل له الانتصاف من عدوه قبل إكمال سنته.
ومنه قوله:
فكم مل ضوء الصبح مما يغيره، وظلام النقع مما يثيره، وحديد الهند مما يلاطمه، والأجل منا يسابقه إلى قبض الأرواح ويزاحمه.
ومنه قوله:
وكفى السيوف فخرا أنها للجنة ظلال، وإلى النصر مآل، وإذا كان من بيان الحديث سحر، فإن بيان حديثها عمن كلمته هو السحر الحلال.
ومن قوله في قريب من معناه:
حسب ألسنته الأسنة شرفا، أن كشف خبايا القلوب يذم إلا منها، وأن بث
أسرار الضمائر تكره روايته إلا عنها، فمكرر حديثها في ذلك لا يفضي إلى الملال، وإن لم يكن حسن حديثها الذي يسحر الألباب مما يحل، فليس في الحيث سحر حلال.
ومنه قول في قريب من معناه إلا أنه جعله في البلاغة:
البلاغة تسحر الألباب حتى تحيل العرض جوهرا، وتخيل الهواء المدرك بالسمع لانسجامه وعذوبته في الذوق نهرا، لكنه سحر لم يجن قتل المسلم المتحرز (( 1 )) ، فنتأول في حله؛ وإذا كان من الحديث ما هو عقلة المستوفز (( 1 )) ، فهذه أنشوطة نشاطه البليغ، وحل عقال عقله.
ومنه قوله:
خطه شكر للعقول، وفتنة تشغل المطمئن بملاحة المرأى المكتوب عن فصاحة المسموع المقول، ولو لم يكن البيان سحرا لما تجسدت منه في طرسها هذه الدرر، ولو لم يكن بعض السحر حلالا، لما انجلى ظلام النقس عما يهدي به من هذه الأوضاح والعذر.
ومنه قوله مما كتب به إلى أمير سرية:
ولا زال أخف في مقاصده من وطأة ضيف، وأخفى في المطالبه من زورة طيف، وأسرع في تنقله من سحابة صيف، وأروع للعدي في تطلعه من سلة سيف، حتى تعجب عدو الدين في الاطلاع على عوراته، من أين دهي وكيف؟
وتعلم أن أول قسمة اللقاء حصل عليه في مقاصده الحيف، أصدرناها إليه نحثه
على الركوب بطائفة أعجل من السيل، وأهول من الليل، وأيمن من نواصي الخيل، وأقدم من النمر، وأوقع على المقاصد من الغيث المنهمر، وأروع في مخاتلة العدى من الذئب الحذر، على خيل تجري ما وجدت فلاة وتطيع راكبها مهما أراد منها سرعة أو أناة، تتسنم الجبال الصم كالوعل، وإذا جارتها البروق غدت وراءها تمشي الهويني كما يمشي الوجي الوحل (( 1 )) ، وليكن كالنجوم في سراه، وبعده ذراه؛ إن جرى فكالسهم، وإن خطر فكالوهم، وإن طلب فكالليل الذي هو مدرك، وإن طلب فكالجنة التي لا يجد ريحها مشرك؛ حتى يأتي على عدو الدين من كل شرف، ويرى جمعه من كل طرف، ولا يسرف في الإقامة عليه، إلا إذا علم أن الخير في السرف؛ وليحرز جمعهم، ويسبق إلى التحرز منهم بصرهم وسمعهم، وينظرهم بعين منعها الحزم أن ترى العدد الكثير قليلا، وصدها العزم أن ترى العدو الحقير جليلا، بل ترى الأمر على قصه، وتروي الخبر على نصه، وإن وجد مغرورا فليأخذ خبره، وإن قدر على الإتيان بعينه، وإلا فليذهب أثره، ولا يهج فيما لديه نار حرب إلا بعد الثقة بإطفائها، ولا يوقظ عليه عين عدو، مهما ظهر له أن المصلحة في إغفائها، وليكشف من أمورهم ما يبدي عند الملتقى عورتهم، ويخمد في حالة الزحف فورتهم، وليجعل قلبه في ذلك ربيئة طرفه، وطليعة طرفه، وسرية كشفه؛ والله تعالى يمده بلطفه، ويحفظه بمعقبات من بين يديه ومن خلفه.
ومما كتبه إلى بعض نواب الثغور:
أصدرناها ومنادي النفير قد أعلن بيا خيل الله اركبي، ويا ملائكة الرحمن اصحبي، ويا وفود الظفر والتأييد اقربي؛ والعزائم قد ركضت على سوابق الرعب
إلى العدى، والهمم قد نهضت إلى عدو الإسلام فلو كان في مطلع الشمس لاستقربت ما بينها وبينه من المدى، والسيوف قد أنفت من الغمود فكادت تنفر من قربها، والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب، فتشوقت إلى الارتواء من قلبها، والكماة وقد زأرت كالليوث إذا دنت فرائسها، والجياد قد مرحت لما عودتها من الاشتغال بجماجم الأبطال فوارسها، والجيوش وقد كاثرت النجوم أعدادها، وسايرتها للهجوم على أعداء الله من ملائكته الكرام أمدادها، والنفوس قد أضرمت الحمية للدين نار غضبها، وعداها حر الإشفاق على ثغور المسلمين عن برد الثغور وطيب شنبها، والنصر قد أشرقت في الوجود دلائله، والتأييد قد ظهرت على الوجوه مخايله، وحسن اليقين بالله في إعزاز دينه قد أنبأت بحسن المآل أوائله، والألسن باستنزال نصر الله لهجة، والأرجاء بأرواح القبول أرجة، والقلوب بعوائد لطف الله بهذه الأمة مبتهجة، والحماة وما منهم إلا من استظهر بإمكان قوته وقوة إمكانه، والأبطال وليس فيهم من يسأل عن عدد عدوه بل عن مكانه، والنيات على طلب عدو الله حيث كان مجتمعة، والخواطر مطمئنة بكونها مع الله بصدقها، ومن كان مع الله كان الله معه، وما بقي إلا طي المراحل، والنزول على أطراف الثغور نزول الغيث على البلد الماحل، والإحاطة بعدو الله من كل جانب، وإنزال نفوسهم على حكم الأمرين الأمرّين، من عذاب واصل وهم ناصب، وإحالة وجودهم إلى العدم، وإحالة السيوف التي إن أنكرتها أعناقهم فما بالعهد من قدم، واصطلامهم على أيدي العصابة المؤيدة بنصر الله في حربها، وابتلاؤهم من حملاتها بريح عاد التي تدمر كل شيء بأمر ربها.
فليكن مترقبا لطلوع طلائعها عليه، متيقنا من كرم الله تعالى استئصال عدوه الذي إن فر أدركته من ورائه، وإن ثبت أخذته من بين يديه، وليجتهد في
حفظ ما قبله من الأطراف وضمها، وجمع سوام الرعايا من الأماكن المخوفة ولمها، وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه من مسالك الأرباض المتطرفة ورمها؛ فإن الاحتياط على كل حال من آكد المصالح الإسلامية وأهمها، فكأنه بالعدو وقد زال طمعه، وزاد ظلعه، وذم عقبى مسيره، وتحقق سوء منقلبه وضميره، وتبرأ من الشيطان الذي دلاه بغروره، وأصبح لحمه موزعا بين ذئاب الفلاة وضباعها، وبين عقبان الجو ونسوره، ثقة من وعد الله الذي تمسكنا منه باليقين، وتحققنا أن الله ينصر من نصره، وأن العاقبة للتقين.
ومنه قوله:
هذه المكاتبة إلى فلان- أتبع الله ما ساءه من أمرنا مع العدو بما يسره، وبلغه عنا من الانتصاف والانتصار ما يظهر من صدق الصفاح وألسنة الرماح سره وأراه من عواقب صنعه الجميل ما يتحقق به أن كسوف الشمس لا ينال طلعتها، وأن سرار القمر لا يضره- توضح لعلمه أنه ربما اتصل به خبر تلك الوقعة التي صدقنا فيها اللقاء، وصدمنا العدو صدمة من لا يحب البقاء، وأريناه حربا لو أعانها التأييد فللت جموعه، وأذقناه ضربا لو أن حكم النصر فيه إلى النصل أوجده مصارعه وأعدمه رجوعه، وحين شرعت رياح النصر تهب، وسحاب الدماء من مقاتلهم تصوب وتصب، وكرعت الصفاح في موارد نحورهم، وكشفت الرماح خبايا صدورهم، ولم يبق إلا أن تستكمل سيوفنا الريّ من دمائهم، وتقف صفوفنا على ربوات أشلائهم، وتقبض بالكف من صفحت الصفاح عن دمه، وتكف بالقبض يد من ألبسته الجراح حلة عندمه، أظهروا الجزع في عزائمهم، وحكموا الطمع في غنائمهم، فحصل لجندنا إعجاب أعجل سيوفنا أن تتم هدم بنيانهم، وطمع منع فوارسنا أن تكف عن النهب إلى
أن نصير من ورائهم، فاغتنم العدو تلك الغفلة التي ساقها المهلكان العجب والطمع، وانتهز فرصة الكرة التي أعانه عليها المطمعان إبداء الهلع وتخلية ما جمع، فانتثر من جمعنا بعض ذلك العقد المنتظم، وانتقض من حزبنا ركن ذلك الصف الذي أخذ فيه الزحام بالكظم، وثبت الخادم في طائفة من ذوي القوة في يقينهم، وأرباب البصائر في دينهم، فكسرنا جفون السيوف، وحطمنا صدور الرماح في صدور الصفوف، وأرينا تلك الألوف كيف تعد الآحاد بالألوف، وحلنا بين العدو وبين أصحابنا بضرب يكف أطماعهم، ويرد سراعهم، ويعمي ويصم عن الآثار والأخبار أبصارهم وأسماعهم، إلى أن نفسنا للمنهزم عن خناقه، وأيأسنا طالبه من لحاقه، ورددناه عنه خائبا بعد أن كانت يده متعلقة بأطواقه، وأحجم العدو مع ما يرى من قلتنا عن الإقدام علينا، ورأى منّا جدّا كاد لولا كثرة جمعه يستسلم به إلينا، وعادوا ولنا في قلوبهم رعب يبيتهم وهم الغالبون، ويدركهم وهم الطالبون، ويسلبهم رداء الأمن وهم السالبون؛ وقد لمّ الخادم شعث رجاله، وضم فرقهم بذخائر ماله، وأمدهم بنفقات حلت أحوالهم، وأطلقت في طلب عدوهم أقوالهم، وسلاح جدد استطاعتهم، وأعان شجاعتهم، وخيول تكاد تسابقهم إلى طلب عدوهم، وتحضهم على أخذ حظهم من اللقاء، كأنها تساهمهم في أجر رواحهم وغدوهم، وقد نضوا رداء الإعجاب عن أكتافهم، واعتصموا بعون الله وتأييده لا بقوة جلدهم، ولا بحدة أسيافهم، وسيعجلون العدو إن شاء الله عن اندمال جراحه، ويتعجلون إليه بجيوش تسوؤه طلائعها في مسائه، وتصبحه كتائبها في صباحه، والله تعالى لا يكلنا إلى جلدنا، ولا ينزع أعنة نصره من يدنا.
ومنه قوله مما كتبه على لسان مولود إلى أبيه، ولم يكتب به:
يقبل الأرض ابتداء بالخدمة من حين ظهر إلى الوجود، وتشوقا إلى امتطاء
صهوات الجياد بين يدي سيده قبل المهود، وتمنيا أن يكون أول شيء يقع عليه نظره من الدنيا وجه مولانا الذي تعلو بنظره الجدود، وتتيمن برؤيته كواكب السعود، وينهي أنه يعجل السوق على صغره، وكأن كمال المسرة به أن يقع نظر مولانا الشريف عليه قبل البشرى بخبره، لتلقى عليه أشعة سعادة مولانا في ساعة ظهوره، ويكسى قبل أن تلقى عليه الملابس من إشراق محيّاه حلل نوره، ويكون أول ما يلج مسامعه صوت مولانا يحمد ربه على الزيادة في خدمه، وتكثير من يضرب بين يديه في الحرب بسيفه، ويقف في السلم أمامه على قدمه؛ فإن من يكون نجل مولانا تنطق بالنجابة مخايله، وتدل على الشجاعة سماته قبل أن تدل عليها شمائله؛ والهلال سيصير في أفقه بدرا منيرا، والشبل سيعود كأبيه أسدا هصورا؛ والله تعالى يهب العبد عمرا يبلغ به من طاعة مولانا ما يجب عليه، ويرزقه عملا صالحا يتقرب به إلى ربه وإليه.
ومنه قوله رسالة كتبها في البندق (( 1 )) :
الرياضة- أطال الله بقاء الجناب الفلاني، وجعل حبه كقلب عدوه واجبا، وسعده كوصف عبده للمسار جالبا، وللمضار حاجبا- تبعث النفس على مجانبه الدعة والسكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم في الركون إلى الوكون، وتحضها على أخذ حظها من كل فن حسن، وتحثها على إضافة الأدوات الكاملة إلى فصاحة اللسن، وتأخذ بها طورا في الجد وطورا في اللعب، وتصرفها في ملاذ السمو في المشاق التي يستروح إليها التعب، فتارة تحمل الأكابر والعظماء
في طلب الصيد على مواصلة السرى، ومقاطعة الكرى، ومهاجرة الأوطار، ومهاجمة الأخطار، ومكابدة الهواجر، ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر، وذلك من محاسن أوصافهم التي يذم المعرض عنها؛ وإذا كان المقصود من مثلهم جدّ الحرب، فهذه صورة لعب يخرج إليه منها، وتارة تدعوهم إلى البروز إلى الملق، وتحدوهم في سلوك طريقهم مع من هو دونهم على ملازمة الصدق ومجانبة الملق، فيعتسفون إليها الدجى إذا سجى، ويقتحمون جرف النهار إذا انهار، ويتنعمون بوعثاء السفر في بلوغ الظفر، ويستصغرون ركوب الخطر في إدراك الوطر، ويؤثرون السهر على النوم، والليلة على اليوم، والبندق على السهام، والوحدة على الالتئام.
ولما عدنا من الصيد الذي اتصل بعلمه حديثه، وشرح له قديم أمره وحديثه، تقنا إلى أن نشفع صيد السوانح برمي الصوادح، وأن نفعل في الطير الجوانح بأهلة القسي ما تفعل الجوارح، تفضيلا لملازمة الارتحال، على الإقامة في الرحال، وأخذا بقولهم: [البسيط]
لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرة ... إلا التنقل من حال إلى حال
فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتشير من الأفق الغربي إلى جانب رمسها، وتغازل عيون النور بمقلة أرمد، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريض إلى وجوه العوّد (( 1 )) ، فكأنها كئيب أضحى من الفراق على فرق، أو عليل يقضي بين أصحابه بقايا مدة الرمق، وقد اخضلت عيون النّور لوداعها، وهم الروض بخلع حلّته المموهة بذهب شعاعها: [البسيط]
والطل في أعين النوار تحسبه ... دمعا تحير لم يرقأ ولم يكف
كلؤلؤ ظل عطف الغصن متشحا ... بعقده وتبدى منه في شنف
يضم من سندس الأوراق في صرر ... خضر ويجني من الأزهار في صدف
والشمس في طفل الإمساء تنظر من ... طرف غدا وهو من خوف الفراق خفي
كعاشق سار عن أحبابه وهفا ... به الهوى فتراءاهم على شرف
إلى أن نضى المغرب عن الأفق ذهب قلائدها، وعوضه عنها من النجوم بخدمها وولائدها، فلبثنا بعد أداء الفرض لبث الأهلة، ومنعنا جفوننا أن ترد النوم إلا تحلة.
ونهضنا وبرد الليل موشع، وعقدة مرصع، وإكليله مجوهر، وأديمه معنبر، وبدره في خدر سراره مستكن، وفجره في حشا مطالعه مستجن، كأن امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطا مسك وصندل وكأن ثرياه لامتداده معلقة بأمراس كتان إلى صم جندل (( 1 )) : [الطويل]
ولاحت نجوم الليل زهرا كأنها ... عقود على خود من الزنج تنظم
محلقة في الجو تحسب أنها ... طيور على نهر المجرة حوّم
إذا لاح بازي الصبح ولت يؤمها ... إلى الغرب خوفا منه نسر ومرزم
(( 2 )) إلى حدائق ملتفة، وجداول محتفة، إذا حس النسيم غصونها اعتنقت عناق الأحباب، وإذا فزّك من المياه متونها انسابت في الجداول انسياب الحباب، ورقصت في المناهل رقص الحباب، وإن لثم ثغور نورها حيته بأنفاس المعشوق،
وإن أيقظ نواعس ورقها غنته بألحان المشوق؛ فنسيمها وان، وشميمها لعرف الجنان عنوان، ووردها من سهر نرجسها غيران، وطلها في خدود الورد منبعث، وفي طرر الريحان حيران، وطائرها غرد، وماؤها مطرد، وغصنها تارة يعطفه النسيم إليه فينعطف، وتارة يعتدل تحت ورقائه فتحسب أنها همزة على ألف، مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن، وتباين الترتيب؛ إذ كلما اعتل النسيم صح نشر الروض، وكلما خر الماء شمخ القضيب: [الكامل]
وكأنما تلك الغصون إذا انثنت ... أعطافها رسل الصبا أحباب
فلها إذا افترقت من استعطافها ... صلح ومن سجع الحمام عتاب
وكأنها حول العيون موائسا ... شرب وهاتيك المياه شراب
فغديرها كأس وعذب نطافها ... راح وأضواء النجوم حباب
تحيط بملق (( 1 )) نطافها صاف، وظلال دوحها ضاف، وحصاها لصفاء مائها في نفس الأمر راكد، وفي رأي العين طاف؛ إذا دغدغها النسيم حسبت ماءها بتمايل الظلال فيه يتبرج ويميل، وإذا اطردت عليه أنفاس الصبا، ظننت أفياء تلك الغصون فيه تارة تتموج وتارة تسيل، فكأنه محب هام بالغصون هوى، فمثّلها في قلبه، وكأن النسيم كلف غار من دنوها إليه فميّلها عن قربه (( 2 )) : [مجزوء الكامل]
والسرو مثل عرائس ... لفت عليهن الملاء
شمرن فضل الأزر عن ... سوق خلا خلهن ماء
والنهر كالمرآة تب ... صر وجهها فيه السماء
وكأن صواف الطير المبيضة بتلك الملق، خيام أو ظباء بأعلى الرقمتين قيام، أو أباريق فضة رؤوسها لها فدام، ومناقيرها المحمرة أوائل ما انسكب من المدام، وكأن رقابها رماح أسنتها من ذهب، أو شموع أسود رؤوسها ما انطفأ، وأحمره ما التهب، وكنا كالطير الجليل عده، وكطراز العمر الأول جده: [الكامل]
من كل أبلج كالنسيم لطافة ... عف الضمير مهذب الأخلاق
مثل البدور ملاحة وكعمرها ... عددا ومثل الشمس في الإشراق
ومعهم قسي كالغصون في لطافتها ولينها، والأهلة في نحافتها وتكوينها، والأزاهر في ترافتها وتلوينها؛ بطونها مدبجة، ومتونها مدرجة، كأنها الشولة (( 1 ))
في انعطافها، أو أرواق الظباء (( 2 )) في التفافها، لأوتارها عند القوادم أوتار، ولبنادقها في الحواصل أوكار، إذا انتصبت لطير ذهب من الحياة نصيبه، وإن ينصب لرمي بدت لها أنه أحق بها من نصيبه، ولعل ذاك الصوت زجر لبندقها أن يبطئ في سيره، أو يتخطى الغرض إلى غيره، أو وحشة لمفارقة أفلاذ كبدها، أو أسفا لخروج بنيها عن يدها، على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء، وشفعت لخصمها التحذير بالإغراء: [البسيط]
مثل العقارب أذنابا معقدة ... لمن تأملها أو حقق النظرا
إن مدها قمر منهم وعاينه ... مسافر الطير فيها وانبرى سفرا
فهو المسيء اختيارا إذ نوى سفرا ... وقد رأى طالعا في العقرب القمرا
ومن البنادق كرات متفقة السرد، متحدة العكس والطرد، كأنها خلطت من المندل الرطب، أو عجنت من العنبر الورد، تسري كالشهب في الظلام، وتسبق
إلى مقاتل الطير مسددات السهام: [البسيط]
مثل النجوم إذا ما سرن في أفق ... عن الأهلة لكن نورها راء
ما فاتها من نجوم الليل إذ رمقت ... إلا ثبات يرى فيها وأضواء
تسري فلا يشعر الليل البهيم بها ... كأنها في جفون الليل إغفاء
وتسمع الطير إذ تهفو قوادمه ... خوافقا في الدياجي وهي صماء
تصونها جراوة (( 1 )) كأنها درج درر، أو درج غرر، أو كمامة ثمر، أو كنانة نبل، أو غمامة وبل، حالكة الأديم، كأنما رقمت بالشفق حلة ليلها البهيم: [السريع]
كأنها في وصفها مشرق ... تنبت منه في الدجى الأنجم
أو ديمة قد أطلعت قوسها ... ملونا وانبعثت تسجم
فاتخذ كل لها مركزا، وتقاضى من الإصابة وعدا منجزا، وضمن له السعد أن يصبح لمراده محرزا: [السريع]
كأنهم في يمن أفعالهم ... في نظر المنصف والجاحد
قد ولدوا في طالع واحد ... وأشرقوا من مطلع واحد
فسرت لها من الليل علينا من الطير عصابة، أظلتنا من أجنحتها سحابة، من كل طائر أقلع يرتاد مرتعا، فوجد ولكن مصرعا، وأسفّ يبغي ماء جماما، فورد ولكن سما منقعا، وحلق في السماء يبغي ملعبا، فبات هو وأشياعه سجدا للقسي وركعا، فتباركنا بذلك الوجه الجميل، وتداركنا أوائل ذلك القبيل.
فاستقبل أولنا تمّا (( 1 )) تمّ بدره، وعظم في نوعه قدره، كأنه برق كرع في غسق، أو صبح عطف على بقية الدجى عطف النسق، تحسبه في ائتلاف المنى غرّة نجح، وتخاله تحت أذيال الدجى طرّة صبح (( 2 )) ، وعليه من البياض حلة وقار، وله كرة من عنبر فوق منقار من قار، له عنق ظليم، والتفاتة ريم، وسرى غيم يصرفه نسيم: [المتقارب]
كلون المشيب وعصر الشبا ... ب ووقت الوصال ويوم الظفر
كأن الدجى غار من لونه ... فأمسك منقاره ثم فر
فأرسل عن الهلال نجما، فسقط منه ما كبر بما صغر حجما، فاستبشر بنجاحه، وكبر عند صياحه، وحصله من وسط الماء بجناحه.
وتلاه كيّ (( 3 )) نقي اللباس، مشتعل شيب الراس، كأنه في عرانين شيبه لا وبله كبير أناس (( 4 )) ، إذا سفّ في طيرانه فغمام، وإن خفق بجناحه فقلع له بيد النسيم زمام، ذو غببة (( 5 )) كالجراب، ومنقار كالحراب، ولون يغر في الدجى كالنجم، ويخدع في الضحى كالسراب، ظاهر الهرم، كأنما يخبر عن عاد، ويحدث عن إرم: [الكامل]
إن عام في زرق الغدير حسبته ... مبيض غيم في أديم سماء
أو طار في أفق السماء ظننته ... في الجو شيخا عائما في ماء
متناقض الأوصاف فيه خفة ال ... جهّال تحت رزانة العلماء
فثنى إليه الثاني عنان بندقه، وتوخاه فيما بين أصل رأسه وعنقه، فخر كمارد انقض عليه نجم من أفقه، فتلقاه الكبير بالتكبير، واختطفه قبل مصافحة الماء من وجه الغدير.
وقارنته إوزة، حلتها دكناء، وحليتها حسناء، لها في الفضاء مجال، وعلى طيرانها خفة ذات التبرج، وخفر ربات الحجال، كأنما غبت في ذهب، أو خاضت في لهب، تختال في مشيها كالكاعب، وتنأى في خطوها كاللاعب، وتعطو بجيدها كالظبي الغرير، وتتدافع في سيرها مشي القطاة إلى الغدير (( 1 )) : [الطويل]
إذا أقبلت تمشي بخطرة كاعب ... رداح وإن صاحت فصولة خادم
وإن أقلعت قالت لها الريح ليت لي ... خفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادم
فأنعم بها في البعد زاد مسافر ... وأحسن بها في القرب تحفة قادم
فلوى الثالث جيده إليها، وعطف بوجه قوسه عليها، فلجت في ترفعها ممعنة، ثم نزلت على حكمه مذعنة، فأعجلها عن استكمال الهبوط، واستولى عليها بعد استمرار القنوط.
وحاذتها لغلغة (( 2 )) تحكي لون وشيها، وتصف حسن مشيها، وتربي عليها بغرتها، وتنافسها في المحاسن كضرتها؛ كأنها مدامة قطبت بمائها، أو غمامة شفت عن بعض نجوم سمائها: [السريع]
بغرة بيضاء ميمونة ... تشرق في الليل كبدر التمام
وإن تبدت في الضحى خلتها ... في الحلة الدكناء برق الغمام
فنهض الرابع لاستقبالها، ورماها عن فلك سعده بنجم وبالها، فجدت في العلو مغذة، وتطاردت أمام بندقه، ولولا طراد الصيد لم تك لذة (( 1 )) ؛ وانقض عليها من يده شهاب حتفها، وأدركها الأجل لخفة طيرانها من خلفها، فوقعت من الأفق في كفه، ونفر من في بقايا صفها عن صفه.
وأتت في إثرها أنيسة (( 2 )) آنسة، كأنها العذراء العانسة، أو الأدماء الكانسة، عليها خفر الأبكار، وخفة ذوات الأوكار، وحلاوة المعاني التي تجلى على الأفكار، ولها أنس الربيب، وإذلال الحبيب، وتلفت الزائر المريب من خوف الرقيب، ذات عنق كالإبريق، أو الغصن الوريق، قد جمع صفرة البهار إلى حمرة الشقيق، وصدر بهي الملبوس، شهيّ إلى النفوس، كأنما رقم فيه النهار بالليل أو نقش فيه العاج بالآبنوس؛ وجناح ينجيها من العطب، يحكي لونه المندل الرطب، لولا أنه حطب: [المتقارب]
مدبجة الصدر تفويفه ... أضاف إلى الليل ضوء النهار
لها عنق خاله من رآه ... شقائق قد سيجت بالبهار
فوثب الخامس منها إلى الغنيمة، ونظم في سلك رميه تلك الدرة اليتيمة، وحصل بتحصيلها بين الرماة على الرتبة الجسيمة.
وأتى على صوتها حبرج (( 3 )) يسبق همته جناحه، ويغلب خفق قوادمه
صياحه، مدبّج المطا، كأنما خلع حلة منكبيه على القطا، ينظر من لهب ويخطو على رجلين من ذهب: [المتقارب]
يزور الرياض ويجفو الحياض ... ويشبه في اللون كدر القطا
ويهوى الزروع ويلهو بها ... ولا يرد الماء إلا خطا
فبدره السادس قبل ارتفاعه، وأعان قوسه بامتداد باعه، فخر على الألاءة كبسطام بن قيس (( 1 )) ، وانقض عليه راميه، فحصله بحذق، وحمله بكيس.
وتعذر على السابع مرامه، ونبا به عن بلوغ الأرب مقامه، فصعد هو وترب له إلى جبل، وثبت في موقفه من لم يكن له بمرافقتهما قبل، فعن له نسر ذو قوائم شداد، ومناقير حداد، كأنه من نسور لقمان بن عاد (( 2 )) ، تحسبه في السماء ثالث أخويه، وتظنه في الفضاء قبته المنسوبة إليه، قد حلق كالفقراء رأسه، وجعل مما قصر من الدلوق الدكن (( 3 )) لباسه، واشتمل من الرياش العسلي إزارا، واختار العزلة فلا تجد له إلا في قنن الجبال الشواهق مزارا، قد شابت نواصي الليالي وهو لم يشب (( 4 )) ، ومضت الدهور وهو من الحوادث في معقل أشب: [الطويل]
مليك طيور الأرض شرقا ومغربا ... وفي الأفق الأعلى له أخوان
له حال فتاك وحلية ناسك ... وإسراع مقدام وفترة وان
فدنا من مطاره، وتوخى ببندقه عنقه، فوقع في منقاره، فكأنما هدّ منه
صخرا، أو هدم به بناء مشمخرا (( 1 )) .
ونظر إلى رفيقه مبشرا له بما امتاز به عن فريقه؛ وإذا به قد أظلته عقاب كاسر، فكأنما أضلت صيدا أفلت من المناسر، أو حطت فسحاب انكشف، وإن أقامت فكأن قلوب الطير رطبا ويابسا، لدى وكرها العناب والحشف، (( 2 )) بعيدة ما بين المناكب، إذا أقلعت لجت في علو، كأنما تحاول ثأرا عند بعض الكواكب (( 3 )) : [المتقارب]
ترى الطير والوحش في كفها ... ومنقارها ذا عظام مزاله
فلو أمكن الشمس من خوفها ... إذا طلعت ما تسمت غزاله
فوثب إليها وثبة ليث قد وثق من حركاته بنجاحها، ورماها بأول بندقة فما أخطأ قادمة جناحها، فأهوت كعود (( 4 )) صرع، أو طود صدع، قد ذهب بأسها، وتذهب بدمها لباسها، وكذلك القدر يخادع الجو عن عقابه، ويستنزل الأعصم من عقابه، فحملها بجناحها المهيض، ورفعها بعد الترفع في أوج جوها من الحضيض، ونزلا إلى الرفقة، جذلين بربح الصفقة.
فوجد التاسع قد مر به كركي طويل السفار، سريع النقار، شهي العراق،
كثير الاغتراب، يشتو بمصر ويصيف بالعراق، لقوادمه في الجو هفيف، وأديمه لون السماء طرأ عليها غيم خفيف، تحنّ إلى صوته الجوارح، وتعجب من قوته الرياح البوارح، له أثر حمرة في رأسه كوميض جمر تحت رماد، أو بقية جرح تحت ضماد، أو فص عقيق شقت عنه بقاء ثماد، ذو منقار كسنان، وعنق كعنان، كأنما ينوس على عودين من آبنوس: [السريع]
إذا بدا في أفق مقلعا ... والجو كالماء تفاويفه
حسبته في لجة مركبا ... رجلاه في الأفق مجاذيفه
فصبر له حتى جازه مجليا، وعطف عليه مصليا، فخر مضرجا بدمه، وسقط مشرفا على عدمه؛ وطالما أفلت لدى الكواسر من أظفار المنون، وأصابه القدر بحبة من حمأ مسنون، فكثر التكبير من أجله، وحمله راميه على وجه الأرض برجله.
وحاذاه غرنوق (( 1 ))
حكاه في زيه وقدره، وامتاز عنه بسواد صدره، له ريشتان ممدودتان من رأسه إلى خلفه، معقودتان من أذنه مكان شنفه (( 2 )) : [السريع]
له من الكركي أوصافه ... سوى سواد الصدر والراس
إن شال رجلا وانبرى قائما ... ألفيته هيئة برجاس
(( 3 )) فأصغى العاشر له منصتا، ورماه ملتفتا، فخر كأنه صريح الألحان، أو نزيف بنت الحان، فأهوى إلى رجله بيده وأيده، وانقض عليه انقضاض الكاسر على صيده.
وتبعه من المطار صوغ (( 4 ))
كأنه من النضار مصوغ، تحسبه عاشقا قد مدّ
صفحته، أو بارقا قد بث لفحته: [السريع]
طويلة رجلاه مسودة ... كأن منقاره خنجر
مثل عجوز رأسها أشمط ... جاءت وفي رقبتها معجر
(( 1 )) فاستقبله الحادي عشر ووثب، ورماه حين حاذاه من كثب، فسقط كفارس تقطر عن جواده، أو وامق أصيبت حبة فؤاده، فحمله بساقه، وعدل به إلى رفاقه.
وأقرن به مرزم (( 2 ))
له في السماء سمي معروف، ذو منقار كصدغ معطوف، كأن رياشه فلق اتصل به شفق، أو ماء صاف علق بأطرافه علق: [الهزج]
له جسم من الثلج ... على رجلين من نار
إذا أقلع ليلا قل ... ت برق في الدجى سار
فانتحاه الثاني عشر متمما، ورماه مصمما، فأصابه في زوره، وحصله من فوره، وحصل له من السرور ما خرج به عن طوره.
والتحق به شبيطر (( 3 ))
كأنه مدية مبيطر، ينحط كالسيل، ويكر على الكواسر كالخيل، ويجمع من لونه بين ضدين، يقبل منهما بالنهار ويدبر بالليل، يتلوى في منقاره الأيم تلوي التنين في الغيم: [البسيط]
تراه في الجو ممتدا وفي فمه ... من الأفاعي شجاع أرقم ذكر
كأنه قوس رام عنقه يدها ... ورأسه رأسها والحية الوتر
فصوب الثالث عشر إليه بندقه، فقطع لحيه وعنقه، فوقع كالصرح الممرد أو الطراف الممدد.
وأتبعه عناز (( 1 ))
أصبح في اللون ضده، وفي الشكل نده، كأنه ليل ضم الصبح إلى صدره، أو انطوى على هالة بدره: [البسيط]
تراه في الجو عند الصبح حين بدا ... مسود أجنحة مبيض حيزوم
كأسود حبشي عام في نهر ... وضم في صدره طفلا من الروم
فنهض تمام القوم إلى التتمة، وأسفرت عن نجاح الجماعة تلك الليلة المدلهمة، وغدا ذلك الطير الواجب واجبا، وكمل به العدد قبل أن تطلع الشمس عينا أو تبرز حاجبا، فيالها ليلة حصرنا بها الصوادح في الفضاء المتسع، ولقيت فيها الطير ما طارت به من قبل على كل شمل مجتمع، وأصبحت أشلاؤها على وجه الأرض كفرائد خانها النظام، أو شرب كأن رقابهم من اللين لم يخلق لهن عظام، وأصبحنا مثنين على مقامنا، منثنين بالظفر إلى مستقرنا ومقامنا، داعين المولى جهدنا، مدّعين له قبلنا أوردّنا، حاملين ما صرعنا إلى بين يديه، عاملين على الشرف بخدمه والانتماء إليه: [الطويل]
فأنت الذي لم يلف من لا يودّه ... ويدعو له في السر أو ندّعي له
فإن كان رمي أنت توضح طرقه ... وإن كان جيش أنت تحمي رعيله
والله تعالى يجعل الآمال منوطة به وقد فعل، ويجعله كهفا للأولياء وقد جعل.
ومنه قوله مما كتبه جوابا عمن قيل من ادعى إليه في البندق: ولا زالت قدمة فضله مذهبة الفواتح بالفتوح، منبضة بالنجوم عن قوس عزم،
مذ تشبه به هلال الأفق لم يجسر نسر السماء الطائر أن يلوح، منبئة عن فتكات اهتمام، لا ذو الجناح أمامه بناج، ولا يسلم منه مثار الوحش الجموح، مطرزة حلة الظلام برداء شفق، نشره في الأفق من صوب صابية دم الطير المسفوح، صدرت هذه المكاتبة تتلقى بالقبول وجه قصده الجميل، وتقابل سعد طائره الميمون بواجب الود الجليل، ويثني على عزمه الذي ما برح يسري في بردة اليمن إلى رواتبه كل فخار، ويثني أعنة الثناء إلى هممه التي استخارت التوفيق في الادعاء إلى قديم مجدنا الذي تتشرف به الأقدار، فجاد وتشكر سداد مقصده الذي لا يخفي مواقع إصابته الليل، واشتداد ساعده الذي أسبل الجناح على رجل حامله في الأفق إسبال الذيل، معلمة أن مكاتبته الكريمة وردت منبئة عن طروقه مظان الاسترواح، وسراه إلى مواطن النجح التي يحمد فيها عند الصباح، في رفقة من أولياء دولتنا، ما فيهم إلا من حسبه في الولاء صميم، وحديث مجده في إصابة مواقع الصواب في الخدمة قديم، مرهفا عزمة ما رأى نجوم أهلتها النسر الطائر إلا أصبح كأخيه واقعا، ولا نهضت إلى باسط جناح تهينه في أفق السماء إلا خرّ بين يديه متواضعا، وأن السعد هيأ له مقاما يستنزل فيه عظيم الطير من عواصم الأفق، وتسلك فيه رسل قوسه إلى أرواح ذوات الجناح المحلقة في الفضاء أقرب الطرق، وأنه حين مرّ به من اللغالغ صفّ قد أوثق بعضه القدر، وأوثق أوله بدرة عزمه، والبدر لمن بدر، أرسل أعزه الله عن كبد القوس ابنها فأنت، وخطب إلى نفس تلك العصبة من الطير نفسها فما ضنت، وصرع لغلغة مليحة مليحة، فأصابها في أقوى قوادمها إصابة صحيحة صريحة، فأهوت إلى بين يديه من مكامن مكانها، وحملها القديم الذي أشار إليه رافعا بالقسم بعلي لشأنها فتمنى كل تم (( 1 )) لو حصل كما حصلت، وود كل صوغ (( 1 )) لو صيغت عيونه في جملة
حليها التي فصلت، وأنه ادعى لنا بهذه النسبة التي تثنت بالقبول أحكامها، وتقضى بانتساج الأواصر حكامها، وقد علم بذلك جميعه، وأفضنا في شكره، وأفضينا إلى غاية الثناء الجميل عند ذكره، وسررنا ببلوغ الوطر وحصول الظفر، وتفاءلنا أنه كذلك ينزل على حكم سيوفنا كل من كفر، وقابلنا ذلك بوجه القبول المبتهج، وأمضينا حكم هذا الانتماء الملتحم والانتساب الممتزج، ومن أولى منه بهذا الفخر الذي انتضمت عقوده، وتقابلت في أفق مجده سعوده؛ فليأخذ حظه من بشرى هذا القبول وبشره، حبرة خبره الذي يتضوع الوجود بنشره، والله تعالى يجعل مطالبه مقرونة بالنجاح، قادمة إليه بأنباء السعود على أوثق قوادم وأثبت جناح.
ومنه قوله في النيل:
وأجرى الخلق على عوائد كرمه، وأجرى لهم بقدرته من حجب الغيب مواد نعمه، وأعلى لديهم موارد نيلهم، حتى ما كان يشرب معروق ساقه من نيلهم بتناول الماء بفمه، وأمر البحر فأقبل بالفرج القريب من الأمد البعيد، وأذن له في الرفع عن محله، فسجد على الترب شكرا وتيمم الصعيد، وإن لم يبق به الآن على وجه الأرض صعيد، وأقبل بعد تقصير عامه الماضي بوجه عليه حمرة الخجل، وعزم سبق سيفه إلى المحل العذل بالأجل، وحزم أدرك الجدب موجه قبل أن يقول سآوي إلى جبل، واستظهار على كل ما علا من الأرض حتى إن الهرمين باتا منه على وجل، ومهد الأرض التي كانت ترقبه فهوّلها المنظر على الحقيقة، ووطئ بطن الثرى فنتج الخصب بينهما، وذبح المحل في العقيقة، وتجعد على الآكام فخيل للعيون أنها تسيل، وشيب مفارق الثرى ببياض زبده، وعادة بياض الشيب أن يخضب بورق النيل، فيستقبل نعم الله التي سيسم الأرض وسمها،
ويولي النعم وليها، ويأتي بالركاب أتيّها، حتى تغص بالنعم تلك الرحاب، ويظن لعموم ذي البلاد الشامية أن نيل مصر ركب إليها على السحاب.
ومنه قوله في مثله:
صدرت، ونعم الله قد عمت، وآلاؤه مع تحقق المزيد قد تمت، والسيل قد بلغ في تتبع بقايا القحط الربى، والنيل قد عمّ بنيله حتى كلل مفارق الآكام، وعمم رؤوس الربى، وحمى الأرض من تطرق المحول إليها فأصبحت منه في حرم، وظهرت به عجائب القدرة، ومنها أن ابن ستة عشر بلغ إلى الهرم، وبث جوده في الوجود، فلو صور نفسه لم يزدها على ما فيه من كرم (( 1 )) ، وتلقت منه النفوس أبهج محبوب طرد ممقوتا، ووثقت من حمرته بالغنى والمنى، إذ لم يدر أياقوتا يشاهد أم قوتا، وجرى في الوفاء على أكمل ما ألف من عادته، وظهر بإشراقه وعموم نفعه، ظهور الشمس، فألقى على الأرض أشعة سعادته، وبلغ الله به المنافع فزعزع الجبال الشم ولم يتجاسر على الجسور، وأقطع الخصب الأرض كلها، فله كل بقعة مثال مرأى ومنشور منشور، وبعث إلى كل عمل من سراياه جنوده عارضا مغضبا على المحل، ما يخطر إلا وسيفه مشهور، وجرى الأمر في التحليق على عوائد السرور، وعلقت ستارة المقياس لا للإخفاء على عادة الأستار بل للإشاعة والظهور، واستقر حلم المسرة على السنن المعهود، وعاذ الناس به عند مرورهم إذ ذاك برحمة الله يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
(( 2 ))
وها هو الآن يرفع إلى كل تلعة على جناح النجاح، ويخيف السبل وما عليه حرج، ويقطع الطرق وليس عليه جناح.
ومنه قوله يبشر بركوب السلطان بعد تقطر كان حصل له عن جواده: ولا زال مبشرا من النصر بما يقر عين الهدى، ويكمد قلوب العدى، وينذر أهل الكفر من ركوبنا اليوم بطلائع ركابنا عليهم غدا، ويسر حزب الإيمان من أخبار موكبنا الشريف بيوم كفر الدهر ذنب إساءته بالأمس وافتدى.
صدرت تخصه ببشرى عمت بشائرها، وسرت بالمسرات الكاملة بوادرها، وتأرجت الأرجاء، فلولا أمانة الكتب لقيل: تمت بأسرار السرور ضمائرها، وطارت بها محلقات التهاني في الوجود، ووجب بسببها وجوب سجود الشكر على كل مؤمن يتعبد عند تجدد النعمة بفرض السجود، وذلك أنه قد علم ما كان حصل من تأخر ركوبنا هذه الأيام، بسبب ما كان حصل من التقطر الذي كانت عاقبته بحمد الله مأمونة، وكبوة الجواد بحسن المآل فيه ميمونة (( 1 )) ، بما ألفنا من عوائد تأييد الله وعونه مضمونة، وكان تأخر الركوب في تلك المدة اللطيفة لموافقة آراء الحكماء في خدمة المزاج، وملاطفة العلاج، وقد منّ الله سبحانه وتعالى في كمال الصحة، وشمول العافية، وزوال البأس وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
(( 2 )) ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، وسطرناها مبشرة بركوبنا الذي خضعت له أعناق الكفر والشقاق، وسارت به ركائب البشائر ونجائب التهاني في الآفاق، وضاقت به فجاج الأرض بأولياء الطاعة، فلولا سلوكهم آداب الخدمة في الترجل بين أيدينا زلزل ركض خيلهم بمصر أطراف العراق، فكان ركوبنا في موكبنا المنصور يوم كذا، وكان يوما مشهودا، ووقتا من مواسم الزمن معدودا، ربت فيه النعم على الحصر، ورفل به الدين في حلل التأييد والنصر، وسرى إلى أرواح العدى رعبه، وعزّ به في كل أفق دين الإسلام وحزبه، وتحقق به
العدو الذي أملى له أن حركته حركة الذبيح، وجمعه الذي ألفه الشيطان بغروره للتكسير لا للتصحيح، وتضاعف شوقه إلى الجناب العالي في ذلك الموكب الذي أخذ فيه الأولياء من المسرة بأوفى القسم وأوفر النعم، ورفلوا فيه في مطارف الحبور، واتخذوه بينهم عيدا سموه عيد السرور، وقد عجلنا بإعلامه بذلك لعلمنا بمحبته الصادقة، وموالاته التي هي بمحض الصفاء ناطقة، ولأنّا نعلم مضاعفة سروره بها، وأدائه نذور الشكر بسببها، فليسر الأولياء بإشاعتها، وتتقدم بضرب البشائر في وقتها وساعتها؛ والله تعالى يضاعف إقباله، ويبلغه من النعم أمنيته وآماله.
ومنه قوله في تقليد لنائب البيرة (( 1 )) بالاستمرار: وعلم العدو أنه الندب الذي كثرت في سبيل الله أيامه، وما قصده العدو إلا وتمنى الذهاب، وحث للهرب الركاب، وقنع من الغنيمة بالإياب، وولى جمعهم الأدبار، ولم يعد إلى أهلهم سوى الأخبار، وما أقدموا عليه إلا وقد جعل الرعب من بين أيديهم سدا، ومن خلفهم سدا، فهم لا يبصرون، وما قاتلوه بعد ما قابلوه إلا أن الله طمس على قلوبهم، وإخوانهم يمدونهم في الغيّ ثم لا يقصرون، وكم أرسلوا في أيامه إلى الثغر السوابق، فضرب بينهم بسور، وطارت إليهم من كنانة بأسه حمام الحمام بأجنحة النسور، وسرت سراياه في بلاد العدو فسبقها الرعب إليهم، وأحاط النهب بما لديهم، واستولى عليهم الذعر حتى صاروا يحسبون كل صيحة عليهم، واطلع على خفايا أحوالهم، فما أجمعوا أمرا إلا وعلموا به إذ يأتمرون، ولا مكروا مكرا إلا أظهره الله عليهم، والله أعلم بما يمكرون.
وكان فلان هو الذي ما شام معه العدو بارقة ثغر إلا وأمطرتهم (( 2 )) من الوبال
بوابل، وأوقعهم من النكال في كفة حابل، فاقتضت الآراء الشريفة أن يزداد أمره تمكنا، وقدره تحليا بالنعمة وتزينا، وسره استقرارا بعلو رتبته وتوطنا، وثغره تحسبا، بما افترّ من النعمة وتحصنا، ولذلك رسم بالأمر الشريف، لا زالت الثغور بمهابته تبتسم، والجنود تتحكم بسطواته في ذخائر العدى وتقتسم، أن نجدد له هذا التقليد الشريف باستمراره في النيابة بالبيرة على أجمل عوائده، وأكمل قواعده، لنهوضه في مصالح الإسلام والمسلمين بما أحصى الله ونسوه، وإجراء عليه بما ألفه سلفنا الطاهر من رشد كفايته وأنسوه، ولأنهم غرسوه في هذا الثغر لتنتمي به المصالح، ويتعين أن يتعاهد بالإحسان سقيا ما غرسوه؛ فليتلق هذه النعمة بباع الشكر المديد، ويبرق بعلو الهمة إلى المزيد من فضل الله عليه، فإن لديه المزيد، ويجرد على من جاوره من العدى سيف عزمه، فإن نصر الله بأسيافنا أقرب إليه من حبل الوريد، ويجعل سراياه طلائع جيوشنا المنصورة، فإنها قد تكون بأقصى الممالك، وما هي من الظالمين ببعيد، ويكون متيقظا للعدو في حال سكونه، فإنه قد يتحامل الجريح ويتحرك الذبيح، والحازم من تراه في الأمن في درعه (( 1 )) ، فلا تبدو ليلة إلا وهو لها متيقظ في العدو وإن غفل، مشمّرا له عن ساق العزم وإن أسبل ملابس غروره ورفل، فإنه إذا فعل ذلك لم يلحقه ندم ولا لوم، والخاسر من جلبت عليه تعب سنة راحة يوم، وليكن وله من الكثافة في كل فريق فرقة ناجية، ومن القصاد بكل طريق عصبة بأسرار القلوب مناجية، ليعلم ما يأتي وما يذر، وإذا لم يأت بعدوه حراك فما يضر مع الأمين مبيته على حذر، وليضم الأطراف التي يطمع العدو بها في فرصة يختلسها أو دنية يفترسها، وليتعاهد منه رجال الثغر بالإحسان الذي يؤكد طاعتهم، ويجرد قوتهم في
الجهاد واستطاعتهم، فإنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وتقربوا بالجهاد في سبيله إليه، ولا يدع بالثغر مملوكا نصرانيا، فإنه يطلع على الأسرار، ويتطلع إلى الكفار، ولعبد مؤمن خير من مشرك، أولئك يدعون إلى النار.
ومنه قوله: وينهي أنه أرسل طيها قصيدة تنوب عن حضوره، وتعتذر لقصوره، وتنبئ عن مساهمة خاطره لخاطره الكريم في مساءته وسروره: [الطويل]
ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسى ... بكى بعيون سرّها وقلوب
ولما سام المملوك قلمه السعي في ذلك، مال إلى النفور، وجنح وقال:
ما عادتي أن أسعى إلى هذا الجناب الشريف إلا في التهاني والمدح؛ فقال له المملوك: إن مساء تلك المساءة أوجب أجرا، واستقبل من المساء فجرا؛ فكتب ما يقف الخاطر الشريف على مضمونه، ويتحقق به أن لمضمار حقه مدى تقف جياد القرائح من دونه.
ومن قوله: يقبل الأرض رافعا مجاب الدعاء، فاسحا مجال الولاء، ناشرا على أعطاف الطروس حلل الثناء، مبشرا نفسه والمسلمين، بما منّ الله به من قدوم مولانا تحت ألوية الظفر والنصر، محبوا بيمن العزمات التي قسمت أعداء الله وبلادهم بين الحصد والحصر، متوسلا إلى الله تعالى أن يجعل عزماته المرهفة في سبيل الله، حيث سلكت ملكت، وسيوفه المجردة على أعداء الله، أين سفرت من الغمود سفكت.
ومنه قوله من توقيع حسبة: وبعد، فإن أولى ما أنعم فيه نظر الاختيار، وأمعن فيه تدبر الارتياد
والاعتبار، أمر تعم الأمة منافعه، وتتم به بركات الرزق الذي تدر بالتقوى منابعه، ويزال به الغش عن الأمة في الملابس والمطاعم، ويذاد به البخس في المكيال والميزان اللذين هما من أظهر المضار وأخفى المظالم، وتراعى به الهيئات الدالة على إتمام المروءة وإكمالها، وتدحض به النقائص التي تنتقد على أرباب المكانات في أقوالها وأعمالها؛ ولما كانت الحسبة هي الأمر الذي اشترك عموم نفعه، والمعنى الذي نبه على حصول الاضطرار إليه في إباحة الشيء ومنعه، والسبب الذي يحسم به مواد الأذى في التعرض إلى البيوع الفاسدة، والإقدام على مزج الأقوات النافقة بالكاسدة، والتحرز من الغش في الأشياء التي لا يترك صانعها هو وأمانته، ولا يقنع منها بسوى اليقين، وإن غلبت على واضعها عفته وصيانته، فإن البلوى بها قد تعم، والحزم بها في ترك التقليد؛ وإذا كانت الأفراد لا تظهر مع الهيئة الاجتماعية، فبين من يتحراها بالمباشرة، وبين من يتلقاها بالقبول، بون بعيد؛ فلذلك يتعين أن يكون مباشرها ممن هدته العلوم الدينية إلى ما يعتمد من مصالح لا يخرج فيها عن حكمها، وحدته القواعد الشرعية إلى ما يستند إليه فيها من عوائد لا يعدل بها عن وسمها الشريف ورسمها.
وكان فلان هو معنى هذه الألفاظ المجملة، وسرّ هذه المقاصد التي كان يحتاج إيضاحها من ذكره إلى التكملة، وبتجاربه للفضائل قوة في الحق لا تستفزها الرقى، واستقامة في الإنصاف لا تميلها الأهواء عن سنن التقى؛ ورسم بالأمر الشريف أن يفوض إليه نظر الحسبة الشريفة، تفويضا يمضي حكمه في مصالحها، ويجمل نظره في داني الأمور ونازحها؛ فليفعل في ذلك ما تقتضيه هذه الرتبة من منع احتكار، وقطع أسعار، وتفقد ما يصنع من منسوج ومرقوم ومشروب ومطعوم ومجلوب ومخزون ومكيل وموزون ومعدود ومذروع وباق على هيئته ومصنوع، ويجعل لذلك حدا في الجودة معلوما، وقدرا في القيمة
مفهوما، ووصفا في العلو والدنو والتوسط بينهما مرسوما.
ومنه قوله توقيع خطابة: وبعد، فإن صهوات المنابر لا تستقل بكل راكب، ولا تستقر إلا تحت كل فارس يزاحم شرف علمه الكواكب بالمناكب، ولا تذعن إلا لمن إذا امتطى أعوادها أطال في المعنى وأطاب، وإذا قال: أما بعد لم تختلف الآراء في أنه دل على الحكمة بفصل الخطاب، وإذا ذكر بأمر الله أصحب كل قلب جامح، وغض كل طرف طامح، ورد كل عبد عن طاعة ربه نازح، وأصغى من صغى منه إلى قول مشفق في الله صالح، وخرجت الموعظة منه على لسان صادق فلم تعد حبات القلوب، وتتبع كلامه أدواء الضمائر فشفاها، ولا داء أوجع من الذنوب، ووثقت النفوس في أنه قول إمام عصره فتلقته بالتسليم، وجلست العلماء تحته للاقتداء بفوائده، فكان على الحقيقة فوق كل ذي علم عليم؛ وأحق المنابر بارتياد من يصلح لاقتعاد غاربها، وأولاها بالصدود عمن برز في صورة خاطبها، ما كان من أعظمها رفعة، وأكرمها بقعة، وأفخمها جماعة وجمعة، وأقدمها شهرة في الآفاق وسمعة، وأعجبها بناء وأنباء، وأحملها عن أئمة الأمة أثقالا وأعباء، وأكثرها زجلا بالتلاوة والأذكار، وأعمرها بالقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار؛ ولما كان المسجد الجامع بدمشق المحروسة هو الذي زاحم الأرض المقدسة بمنكبيه، فلو كان للمساجد الثلاثة رابع لشدت إليه الرحال، وتحقق بالرفعة التي لا تسامى أن نور المشكاة تشرق من أرجائه فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ* رِجالٌ
(( 1 )) تعين أن نختار لها من هو رجل المنابر، وبطل المحابر، وهو فلان الذي شفت مواعظه القلوب وأثمرت بالتقى، واستلت سخائم الصدور، واستقرت من المصلي على النقا،
ورسم بالأمر الشريف أن يفوض إليه الإمامة بالمسجد الجامع بدمشق المحروسة، والخطابة بمنبره الكريم، عملا بالأولى في التقديم، واحتياطا للإمامة التي هي أثبت دعائم الدين القويم، فليحل هذه الرتبة التي لم تقرب لغيره جيادها، وليحل هذه العقيلة التي لا تزان بسوى العلم والعمل أجيادها، ويرق هذه الهضبة التي يطول إلا على مثله صعودها، ويلق تلك العصبة التي تجتمع للاقتداء به حشودها؛ ويعلم أنه في موقف الإبلاغ عن الله تعالى لعباده، والإنذار بما ورد عن الله ورسوله على مراد الله ورسوله لا مراده؛ وتحت منبره من الأعيان من إن تلقّ غيره القول بتقليده تلقاه بانتقائه وانتقاده؛ فيعتصم بالله في قوله وفعله، ويتيقن أن الكلمة إذا خرجت من القلب لا تقع إلا في مثله، وليجعل خطبة كل وقت مناسبة لأحوال مستمعيها، متناسبة في وضوح المقاصد بين إدراك من يعي غوامض الكلام ومن لا يعيها، وليوشح خطبته بالدعاء لإمام عصره، ومالك أمصار الإسلام مع مصره، وللأمة بعموم تخصيصه وحصره، وهو يعلم أنه يكون في المحراب مناجيا لربه، واقفا بين يدي من يحول بين المرء وقلبه، فليلجأ إلى الله تعالى في الإعانة بالإخلاص على هول مقامه، ويسأله التثبيت بالعصمة في مستقره ومقامه، وليراع من وراءه من أهل التكليف، وتكثّر جماعتهم بتجنب ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا من ترك التخفيف، ولينظر في عموم استطاعتهم دون خصوصها؛ فإن فيهم العاجز وذا الحاجة والضعيف، وليحافظ على فروض الكفايات الوازعة، والسنن التي ينادى لها: الصلاة جامعة، وليغرس في كل قلب حبه، ليقوموا إلى الائتمام به وهم فارهون، وليعمل في البداة في ذلك بصلاح نفسه، فقد جعل صلى الله عليه وسلم ممن لا تجاوز صلاتهم آذانهم من أم قوما وهم له كارهون.
وله مما كتبه على قصيدة:
فليس فيها بيت دخل في شفاعة أخيه، ولا معنى يثبت على غير قواعد الصحة أواخيه، ولا كلمة يصلح في مكانها سواها، ولا قافية أوهى السناد ركنها أو أضعف الإقواء قواها، وكل بيت منها بيت قصيد يعقد بالخناصر عليه، أو سلك فريد يشار ببنان البيان إليه، أو مقر معنى رئيس تجلس نفائس المعاني بين يديه.
* وأما نظمه، فمنه: [البسيط]
هذا ولم يبق لي في لذة أرب ... إلا اجتماعي بأصحابي وألزامي
وأين هم خلفوني مفردا ونأوا ... فبت أسهر أجفاني لنوّام
وأين نيل مرامي من لقائهم ... ضاق الزمان وهيّا سهمه الرامي
ومنه قوله: [الكامل]
ملك يوطد ركنه من ملحد ... أو معند بجداله وجلاده
ألف الوقائع والسرى دون الكرى ... فقصور لذته ظهور جياده
يروي لسان سنانه في حربه ... خبر المدرّع عن صميم فؤاده
متيقظ العزمات يعجل بأسه ... جيش العدو بها عن استعداده
ومنه قوله: [البسيط]
بانوا بقلبي وقلبي سار يتبعه ... فلست أطمع منهم في خيال كرى
ويح المحب الذي سارت أحبته ... عنه ولم يقض من توديعهم وطرا
وخلفوه يناجي الركب بعدهم ... فلا يبلّغه عن ركبهم خبرا
بانوا فصوّح نبت الروض بعدهم ... هذا وقد غادروا دمعي به غدرا
ومنه قوله يعزي ببنت: [الطويل]
وكم أوجه قد غبن في ظلمة الثرى ... ولم يرها في ظلمة الليل كوكب
ولا كالتي في المجد خالات أمها ... رقية بنت الهاشمي وزينب
ومنه قوله (( 1 )) : [المتقارب]
رأتني وقد نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا
وقالت: بعينيّ هذا السقام ... فقلت: صدقت وبالخصر أيضا
ومن قوله: [الكامل]
ورأيته في الماء يسبح مرة ... والشعر قد رفت عليه ظلاله
فظننت أن البدر قابل وجهه ... وجه الغدير فلاح فيه خياله
ومنه قوله (( 2 )) : [السريع]
وسرت به في البحر جارية ... سوداء يسبق سيرها الشهبا
لو أن حكم البحر طوع يدي ... لأخذت كل سفينة غصبا
ومنه قوله: [الطويل]
أقول له والغصن يشبه قده ... أداعبه والظبي يحسب إياه:
أفيك سوى ذا الوجه تسبي به الورى؟ ... فقال: وهل في البدر إلا محياه
ومنه قوله (( 3 )) : [الطويل]
مضوا فاسترد الدهر أنسي الذي مضى ... كأن له عندي بقربهم قرضا
وبانوا فآلى البان لا مال بعدهم ... ولا عانقت أغصانه بعضه بعضا
ومنه قوله: [السريع]
هنّئت بالطفل الذي استرجعت ... به العلى ما ضاع من دينها
تكاد تخفى الشمس إن قابلت ... طلعته خوفا على عينها
ومنه قوله: [الرمل]
دع فؤادي والصبا إن الصبا ... عالجت سكر فؤادي فصحا
وأعد لي ذكر من حل الحمى ... فعسى يرجع قلب نزحا
يا أخلائي ومن حسّن لي ... كلفي فهو الذي قد نصحا
أرشدوني هل قضى حق الهوى ... من ببذل الروح فيه سمحا
ومنه قوله يرثى شيخه مجد الدين بن الظهير: [الطويل]
بكته معاليه ولم ير قبله ... كريم مضى والمهلكات نوادبه
ولا غرو أن تبكي المعالي بشجوها ... على المجد إذ أودى وهن صواحبه
أما والذي أرسى ثبيرا وحلمه ... لقد طاش حلمي يوم زمّت ركائبه
وقفنا وقد جد الوداع عشية ... فممسك دمع يوم ذاك وساكبه
أنودع نفس المجد بيتا مصرعا ... طويلا على زواره متقاربه
ظننت بأني مخلص في وداده ... وأخطأ وهمي، أسوأ الظن كاذبه
رجعت وأمسى الجود يصحب نفسه ... إلى رمسه فالجود- لا أنا- صاحبه
ومنه قوله (( 1 )) : [الكامل]
قل لي عن الحمّام كيف دخلتها ... يا صاحبي لتسر خلا مشفقا
أدخلتها وأولئك الأقوام قد ... شدوا المآزر فوق كثبان النقا؟
ومنه قوله يصف قناة احتفرت وأنبط ماؤها لقرية المعيصرة: [البسيط]
أعرتها نظرة غراء لو لمحت ... سحائب الصيف لانهلت غواديها
فأصبحت مثل ظهر الأرض باطنها ... نورا كأن الثريا ركبت فيها
يكاد يقطعها الساري على فرس ... ركضا وليس تدانيه أعاليها
تبدو على الترب من بطن الثرى فترى ... تقبل الأرض إجلالا لمنشيها
ومنه قوله: [المتقارب]
إذا دغدغتني أيدي النسيم ... فملت وعندي بعض الكسل
فسل كيف حال قدود الملاح ... وعن حال سمر القنا لا تسل
ومنه قوله يمدح المنصور لاجين أيام نيابته بالشام، ويذكر إحراقه نصرانيا تعرض إلى مسلمة في رمضان: [الكامل]
يا من به وبرأيه وروائه ... بلغ المراد الدين من أعدائه
يا كافل الإسلام قبلك لم يقم ... هذا المقام سواك من كفلائه
أرسلتها بالعدل أحسن سيرة ... بك يقتدي من كان من أكفائه
وغضبت للإسلام غضبة ثائر ... لله غير مشارك في رأيه
وحميت سرح الدين من متخلس ... رجس يسن الغدر في استخفافه
أخفى سراه للحريم ومادرى ... أن الإله وأنت من رقبائه
جمع الخيانة والخنا في الأرض وال ... إشراك بالرحمن فوق سمائه
فأمرت أمرا جازما بحريقه ... ورأيت أن القتل دون جزائه
طهرت من دمه الثرى وقذفته ... في النار إذ هي منتهى نظرائه
ورفعت قدر السيف عنه وإنه ... ليجل عن تنجيسه بدمائه
أرعبت أهل الشرك منه فكلهم ... يلقى خيالك واقفا بإزائه
وسلبتهم طيب الحياة فمن غفا ... ألفى دبيب النار في أعضائه
أو لو تخيل في المقام بحرمة ... خشي الحريق ومات في أعقابه
يا داعي الإسلام صنت السرب أن ... تدنو كلاب الشرك من ضعفائه
ما غرت إلا للإله وخلقه ... من فتك شر عبيده بإمائه
واستشهد الشهر الشريف فإنه ... يثني بما أبديت في أثنائه
عظمت حرمته وأهلكت الذي ... لم يرع حق الله في آنائه
فاسلم لهذا الدين تحرس سربه ... وتغص جفن الشرك منك بمائه
فاشكر إلهك بالذي ألهمته ... فيما فعلت يزدك من نعمائه
ومنه قوله يهنئ بإبلال من مرض: [مجزوء الكامل]
صحت بصحتك الأماني ... وضفت بها حلل التهاني
وجرى شفاؤك والسرو ... ر كما جرى فرسا رهان
برء أتى وضنى مضى ... فهما علينا نعمتان
ولكل يوم سجدة ... للشكر لا بل سجدتان
ومنه قوله في وداع الحجرة الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: [الكامل]
يا سيد الثقلين دعوة من أتى ... يسعى إليك ولو على الأجفان
فارقت ربعك أولا لأداء ما ... كتب الإله علي في القرآن
ورجعت أضحك للتواصل مرة ... أخرى وأبكي للفراق الثاني
ومنه قوله وقد أشرف على مكة المعظمة: [الطويل]
أقول لصحبي والفيافي كأنها ... صحائف خطت بالمطي سطورها
دعوا طيّ عرض البيد بالسير والسرى ... فهذا حمى ليلى وهاتيك دورها
ومنه قوله: [الرمل]
قاتل الله رفيقا بالحمى ... أنفد الأدمع واستبقى الغراما
غار من برق الثنايا فسقى ... وجنة الصب ولم يسق البشاما
وكئيب في الحمى تحسبه ... ظله الناحل وجدا وسقاما
يرقب الأرواح إن هبت صبا ... علّها أن تبلغ الحيّ السلاما
ومنه قوله: [الطويل]
كأني بكم والبيد تطوى لديكم ... وقد فزتم دون المتيم باللقا
وقد عبرت عن وجدكم عبراتكم ... إذ الدمع منك ثم أفصح منطقا
ومنه قوله: [الطويل]
سلوا الركب هل مروا بجرعاء مالك ... وهل عاينوا قلبا تركت هنالك
وأحسبه ما بين سلع إلى قبا ... أقام وإلا فهو ما بين ذلك
ومنه قوله: [الطويل]
إذا البرق من تلقاء كاظمة عنا ... أذاب الحشا منّا وذاد الكرى عنا
حسبناه إيماض الثغور على النقا ... وليس به لكنه قارب المعنى
متى قال حادينا رويدا فبينكم ... وبين الحمى مقدار يومين أو أدنى
وهبنا له شطر الحياة فإن أبى ... ولم يرضه ما قد وهبنا له زدنا
ومنه قوله: [الخفيف]
هل لحي إلى اللقاء سبيل ... وجيوش الفناء فينا تجول
أو يلذ المقام ثاو بدار ... ليس يدري متى يكون الرحيل
مزمع للمسير عنها ولا زا ... د وإن كان فهو نزر قليل
شغّلته وفرّغت من لهاها ... يده فهو فارغ مشغول
ومنه قوله: [مجزوء الكامل]
ولي الدجى وكأنكم ... بسنا الصباح وقد تنفس
وغدا رداء دجى تدث ... ر بالكواكب وهو أطلس
علق الظلام بذيله ... فكأنه ثوب مقندس
والشمس تبدو في المور ... رد أولا ثم المورّس
كالخود تجلى في الثيا ... ب تظل تخلعها وتلبس
ومنه قوله: [البسيط]
تبدي السماء لنا معنى الحمى بسنا ... ناء قريب سفور الوجه محتجب
إذا ظمئنا توهمنا مجرتها ... نهرا طفت فيه أكواب من الشهب
كأنها روضة حفت أزاهرها ... بجدول من نمير الماء ذي شعب
أو حلة من بديع الوشي معلمة ... بالنور معقودة الأزرار من ذهب
ومنه قوله: [الطويل]
عسى وقفة بالركب يا حادي الركب ... لأسأل ما بين المحامل عن قلبي
فعهدي به لما استقلت ركابكم ... وقد قال للساري إلى طيبة سربي
(( 1 ))
وقد تقعد الأقدار من قل حظه ... على أنه وافي الهوى واقر الحب
ولكنني لم أتهم في تأخري ... على كثرة الأسباب شيئا سوى ذنبي
ومنه قوله (( 2 )) : [الطويل]
أسرّوا إلى ليلى سراهم فما انجلا ... وبات كطرفي نجمه وهو حيران
كلانا غريق في الدموع وفي الدجى ... كأن دموع العين والليل طوفان
(( 1 )) ومنه قوله (( 2 )) : [الطويل]
كأن الدراري والنجوم ودارة ... حوته وقد زان الثريا التئامها
حباب طفا من حول زورق فضة ... بكف فتاة طاف بالراح جامها
كأن سهيلا والنجوم وراءه ... صفوف صلاة قام فيها إمامها
ومنه قوله في الرثاء: [الطويل]
أبحر الندى طود المعالي وإنه ... ليغني عن التصريح باسمك من يكني
حللت برغمي في الرغام وإنه ... لمن تحته يبلي ومن فوقه يضني
أمر على مغناه كي يذهب الأسى ... كعادته الأولى فيغري ولا يغني
وأقسم أن الفضل مات لموته ... ويخطر في ذهني أخوه فأستثني
ومنه قوله: [الطويل]
شربت بكأس ما رآها أخو أسى ... ولا ذاقها قبلي محب ولا بعدي
فكرر بسمعي ذكر سفح طويلع ... وبان المصلى منعما واحد لي وحدي
ومنه قوله: [الكامل]
بانوا وخلفني الأسى في ربعهم ... أبكي الطلول مصرحا ومعرضا
ولو استطعت فراقها لتبعتهم ... فزمامها بيدي وما ضاق الفضا
ومنه قوله وهو من باب المغايرة: [الكامل]
ولقد ذكرتك والفوارس نحونا ... تترى فمدرع وآخر حاسر
فنسيت حبك عند ذاك مخافة ... ووددت أني في الهزيمة طائر
ومنه قوله: [البسيط]
من حاتم عنده واطرح [به] فبه ... في الجود لا بسواه يضرب المثل
(( 1 ))
أين الذي بره الآلاف يتبعها ... كرائم الخيل ممن بره الإبل
لو مثّل الجود سرحا قال حاتمه: ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل
ومنه قوله: [البسيط]
يا راكب الناقة الوجناء مشتملا ... ثوب الظلام كنجم لاح في أفق
يؤم قبل ازدحام الركب طيبة كي ... يطفي الجوى أو يروي غلة الحرق
كن لي رفيقا لأسعى نحوها عجلا ... إما على صحن خدي أو على حدقي
عساك تحيي بما توليه من كرم ... روحي وتدرك ما تلقاه من رمقي
وإن أتيت فقل: خلفت مرتهنا ... بالشوق يأتيك إن طال المدى وبقي
ومنه قوله: [المتقارب]
بلغت مرادي ونلت المنى ... وزاد سروري وزال العنا
فماذا الذي أرتجي بعد ذا ... وهذا الرسول وهذا أنا
فبشراك بشراك يا ناظري ... تملّى وإياك أن تغبنا
فحيث التفت رأيت الرسول ... وآثاره من هنا أو هنا
تملّى فهذا مكان الحبيب ... وهذا التواصل قد أمكنا
وخل الدموع إلى وقتها ... وإن حسن الدمع عند الهنا
وختمت ذكر شيخي رحمه الله بهذه الأبيات، المتضمنة للمديح الشريف، لنختم بالصالحات عمله؛ وإني لأؤمل أن يحسن به في دار الكرامة نزله، وأن لا يخيب في الله وفي رسوله صلى الله عليه وسلم أمله خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
(( 1 ))
25- ومنهم: عليّ بن محمد بن سلمان بن حمائل، الشيخ الإمام، جمال الدول، علاء الدين، أبو الحسن
(( 2 )) * أهل هذا البيت بجدّتهم للأم (( 3 )) ، من بيت صلاح ما فيه شبهة لمن يذم، وكتب الإنشاء منهم جماعة، وتلقوا بالفطرة سر هذه الصناعة، فنفذوا لسلطان البراعة، ونفثوا سحر البيان في عقد اليراعة، وكان هذا الرجل نسيج وحده في العوارف الحسان، ونسيب جده- أعني غانما- غانما للإحسان، مع ملابسته للدول في أمورها، وممارسته لها في أحوال حزنها وسرورها، إلا أنه كان يحجزه دينه، ويحجبه يقينه، وكان أقوم أهل بيته برئاسة لاكبر فيها، ورياضة لا كدر لصافيها، ومروءة كانت تلذ له ولو أدت إلى الخطر، وأبدت الأهوال دون الوطر،
ووقع على القصص فأولى مننا، وأجرى الله به الخيرات زمنا، ولم يقصد إلا وجه الله بفعله، ولا أسدى المعروف إلا لأهله، ثم مات غالب من جرى لهم به ذلك المعروف، وبقي في بقاياهم، وحصل به الملوك الذين كتب عنهم الآخرة ببعض دنياهم؛ ولم يكن أسرع منه إلى أداء حق واجب، ولا أدعى لصحبة صاحب، ولا أسبق إلى عيادة مريض، وتشييع جنازة، وتنويع كرامة وغزارة، مع ملازمة الصلاة في الجماعة، وتعهد للمسجد لو قدر لما غاب عنه ساعة، ومداومة تلاوة لا يفتر من تردادها، وصلوات لا يخل بأورادها؛ هذا وبابه مفتوح، وسحابه ممنوع، وتجشّمه مع جلسائه مطروح وتجهّمه بالنّسبة إلى غيره خفّة روح، لبشاشة وجه تروي غلة الصادي، وسعة صدر تفيض على رحاب النادي، وسرعة إجابة تعاجل صوت المنادي، مع يد في هذا الشأن لا يخونها بنانها، بل يزينها بيانها.
* ومن نثره ما تتعب القرائح في أثره، قوله يصف قلعة (( 1 )) : ذات أودية ومحاجر، لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرا، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا، ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم بما لها من الأبراج، ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر المحيط، إلا أن هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء (( 2 )) ولا حرّ الهواجر، وقد توعرت مسالكه، ولا يداس فيه إلا على المحاجر، يتفاوت ما بين مرآه العلي وقراره العميق، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه، وكأنما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
))
ومنه قوله، ولقد أحسن في وصف القلم، فقال:
القلم الذي كم أعان من هو قارئ للحروف، ومن هو لصنوف الضيوف قاري، وهو الراكع الساجد في ملازمة الخمس طاعة للباري، شق لسانه فنطق، وأنار صباحه وعليه جلابيب الغسق، ثم خضع له السيف، وزاره معنى تخيله لما مد، وهكذا في الظلام زور الطيف، ولم يزل يعظم ويتسوّد، ويحكي الرمح فيتخطر، والغصن فيتأود، ويقيم فلا يقتات، ويسافر فيتزود.
ومنه قوله:
فسارعوا إلى إنجاد من نازله العدو من إخوانكم المسلمين وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
(( 1 ))
وامضوا عليهم بقدمكم وإقدامكم، وانصروا الله بجهادكم واجتهادكم، فإنكم إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
(( 2 )) وكتاب الله أولى ما عمل به العاملون، قال الله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
(( 3 )) .
ومنه قوله: قد تجردوا عن العلائق، واشتغلوا بخدمة المخلوق (( 4 )) عن الخلائق، وبرئوا من التكلف، وزهدوا في عرض الدنيا، فهم من الذين تعرفهم بسيماهم ويَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
(( 5 ))
ومنه قوله يصف الكرة: وانتهى إلى حديث الرغبة في تلك اللعبة، وهي الجارية التي لم تزل بالضرب دانية شاسعة، مبتذلة من الطراد والإبعاد، دائرة في أرض الله الواسعة، فلم تزل أيدي الأيّدين، وحملات المؤيدين، خافضة لها رافعة، تالية في مجال القتال إلى النجم، فإذا وقعت الأرض تلا لها: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ
(( 1 )) ، من الشجر الأخضر كونها، وإذا سأل عنها سائل، قيل صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها
(( 2 )) ، لا تزال الفوارس إليها كالجهاد بالجياد تتعادى، وعليها مع المرافقة والمصادقة بالتنافس تتعادى، تشبه الهامة الملقاة بين أرجل الجياد في الحرب، ولا تزال هاربة من طالبيها لكثرة ما يقع فيها من الضرب، تنفر من الأبطال نفور حمر مستنفرة فرت من قسورة (( 3 )) ، وتتواثب عليها الرجال تواثب الليوث الضاربة الضارية، فكم لهم من الكرّة على تلك الكرة.
ومنه قوله في توقيع رجل يعرف بالجمال إبراهيم: فليعمل بتقوى الله في هذه الأعمال، آتيا فيها من حسن التأني كل ما يليق أن تشاهده العيون من الجمال، وهو أدرى بما يعتمده، إذ هو الصدر الذي كل أحد بعلمه عليم، والرئيس الذي لا يخفى بين الرؤساء، وهل يخفى مقام إبراهيم؟
ومنه قوله من كتاب كتبه:
يقبل اليد، لا زالت بمننها مواسية، ولكلوم القلوب بطب كلامها آسية،
ولعهود محبيها على ممر الأيام، وإن نسيها من نسيها،: غير ناسية، وينهي ورود الكتاب الكريم، فتسلى عن كل من حجبه النوى، وتملى بنضارته ومحاسنه عن وجه بالجفاء قد جف، وعصر بالذم قد ذوى، وعلم الإشارة العالية إلى أمر الحبيب النازح، والذي جد في الصد وكان غير مازح، وإنه استدل من كلام المملوك على شدة موجدته لبعده، وعدم صبره عن استجلاء وجهه، واعتناق قده، ودعا بعودة ذلك الغائب قبل أن يذوي عوده، ورجوعه قبل أن تنطفئ بطلوع الذقن سعوده، وقد تحقق تفضله، وهو نعم من أمّه الشاكى وأمّله (( 1 )) : [الطويل]
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
ومنه قوله في كتاب إلى قاضي القضاة إمام الدين القزويني (( 2 )) : أدام الله الأنس بقرب الجناب العالي القضائي الإمامي، وجعله للمتقين إماما، ورأيه للصواب زماما، ولقّاه بمنّه حيث يحل تحية وسلاما؛ ورد المشرف الكريم الذي تلقاه بقلبه قبل يده، وحل منه بمحل روحه من جسده، وناظره من أسوده، وسر بما تضمنه من أخبار قربه، وبما دل عليه من فنون فضله الذي المملوك منه على بينه من ربه، ويحقق الإشارة الكريمة في تعويض قضاء القضاة إلى نظره الكريم، وحصول التعويل في ذلك على مقامه الذي يتشرف به كل عظيم، ولقد نال هذا المنصب من جلالة قدره ما سر به واغتبط، وتحقق بمصيره إليه أنه على الخبير به سقط، ووصل التقليد الشريف، وقبل وقوبل بالامتثال، وحصل السرور به وعم، وكمل به هناء القلوب وتم، وعرض له من الارتياح إلى لقائه، ما سلبه القرار، وعظم به الشوق عنده أعظم ما يكون، إذا دنت الديار من
الديار (( 1 )) ، ولولا ما يعلمه من التصدي لمهمات الإسلام، لما نابت في قصد لقائه الأقلام؛ والله تعالى يقدمه قدوم البدر بروج سعوده، ويديم في المعالي سموه إلى الغاية التي لا مزيد على غايتها في صعوده.
* ومن شعره قوله، [الطويل]
بكيت بدمع فاق دمع الغمائم ... وناحت لنوحي ساجعات الحمائم
على جيرة جار الزمان لفقدهم ... ومن بعدهم جاورت غير ملائم
مضت لي بهم أيام أنس حميدة ... نعمت بها دهرا كأحلام نائم
وإني بأرض الشام أشتاق أرضهم ... إذا لمع برق لاح منها لشائم
فلله أيام الصبا حيث لا نرى ... وقارا لنا إلا بخلع العمائم
ومنه قوله (( 2 )) : [الطويل]
وكم سرحة لي في الربى زمن الصبا ... أشاهد مرأى حسنها متمليا
ويسكرني عرف الشذا من نسيمها ... فأقضي هوى من طيبه حتف أنفيا
وأسأل فيها مبسم الروض قبلة ... فيبرز من أكمامه لي أيديا
فلله روض زرته متنزها ... فأبدى لعيني حسن مرأى بلاريا
غدا الغصن فيه راقصا ونسيمه ... يكر على من زاره متعديا
ترجلت الأشجار والماء خر إذ ... نسيم الصبا أضحى [به] متمشيا
تغنت لديه الورق والغصن راقص ... فيعرق وجه الأرض من كثرة الحيا
وهذه أبيات لله من سمع مثلها! لو حصلت لابن خاقان لجعلها واسطة
(( قلائده )) أو ابن بسام لاتخذها من أفضل (( ذخيرته )) (( 1 )) .
ومنه قوله (( 2 )) : [البسيط]
فعد نفسك من أهل القبور بها ... فعن قليل إليه سوف تنتقل
واذكر مصارع قوم قد قضوا ومضوا ... كأنهم لم يكونوا بعد ما رحلوا
يا ليت شعري ما قالوا وقيل لهم ... وما الذي قد أجابوا عند ما سئلوا
ومنه قوله (( 3 )) : [مجزوء الرمل]
سلب المهجة مني ... بالجفون الفاترات
لو يزور البيت لم ير ... م الحشا بالجمرات
* وكنت قد بعثت له درجين أحمرين من الورق، ثم لم أعد أجهز له بعدها شيئا، فكتب إلي: [البسيط]
يا من مكارمه عمت فكم شملت ... ذا فاقة ما بقي منه سوى الرمق
قد كنت أرسلت لي درجين لونهما ... من حمرة مثل لون الشمس في الأفق
وبعد ذلك لم أفرح بمثلهما ... من سيدي لا ولا شيء من الورق
فبعثت إليه درجين أحمر وأبيض، وكتبت إليه معهما: [البسيط]
أمسك سحابك لا يفضي إلى الغرق ... فقد كفى منه صوب الوابل الغدق
بدائع من علاء الدين بت بها ... ألذ في طيب تقبيل ومعتنق
مطلوبه ورق مني ويا عجبا ... من الغصون إذا احتاجت إلى الورق
وقد بعثت به تجلى الخدود له ... في أحمر شرق أو أبيض يقق
وما علي إذا أرسلت رائده ... وعاد بالشهب مخبوءا أمن الأفق
هذا عليّ وهذا جود راحته ... يا من رأى البحر والأنواء في نسق
26- ومنهم: عبد الباقي بن عبد المجيد بن أبي المعالي متّى بن أحمد بن محمد ابن عيسى بن يوسف (( 1 )) ، القرشي، المخزومي أبو المحاسن، تاج الدين، المعروف باليماني، المكي مولدا.
* أحد مشاهير الأدباء، وأحد جماهير الأولياء، سرحة فضائل، ودوحة علم يتفيأ ظلالها عن الأيمان وعن الشمائل، بحر يؤخذ منه درّة (( 2 )) بلا ثمن، وروض (( 2 )) تجد منه روح الرحن من قبل اليمن، قدم مصر قديما ثم الشام، وأقام بدمشق مدة، ثم هفت به ريح يمانية، وذهب بلبه برق علانية، فسلبب قرارا، وغلب استقرارا، وعاد إلى وطنه آئبا، وعاود سكنه لا ذاما ولا عائبا، واتصل بالملك المؤيد داود، ووصل منه بثقة ودود، فعول عليه وقلده كتابة السر لديه، وبقي حتى انمحى من أديم السماء هلاله، وأضحت في تلك الأفياء ظلاله، فقربه قريبه الملك الظاهر قربا حقده الملك المجاهد ابن الملك المؤيد، فأخذ أمواله واجتاحها، ونزف أمواهه وامتاحها، وتطلبه ليردي به، ففر وسكن مصر، ثم ما
استقر فقصد دمشق، ثم أتى القدس الشريف واستوطنه، واتخذ المسجد الأقصى موطنه، ورأيته به بين علوم ينشر جناحها، وتعبدات يضيء في حندس الليل صباحها.
* ومن نثره قوله من رقعة كتبها إلي، قال فيها: وكتب المملوك في يوم توقدت جمرته، وطالت في نهار القيظ حجوله وغرته، وناره على الأكباد موقدة، لو لم يكن إلا لأن المملوك فارق سيده، ونسيم المملوك سموم، وشربه يحموم، وحشاه تكاد تذوب، وجفنة كراه في نهاره وليله مسلوب، وهيهات ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
(( 1 )) .
فكتب عنها إليه جوابا منه: وكتبتها واليوم قد طار في أفقه جناح الشعاع، وأوهم الصبا وغر برقه اللماع، وصر الجندب في نواحيه، وسكت الطير بعد تلاحيه، وغرق في آله الليل، وعرف بسواده في كف ماحيه، والشمس في كبد السماء ترمي بشرر كالقصر، والأصيل قد آلى أن لا يميد ولا يجنح للعصر.
ومن نثره- أعني السماني- قوله: وينهي أنه بلغه وفاة الولد، وأن الله نقله إليه ولم يعلق بشيء من الذنوب، وجعله ذخيرة وفرطا لمولانا، يوم يجازى كل امرئ بما قدم من سالف العمل المحسوب، فلقد جرّع الأحشاء صابه، وجرح القلب ساعة التفريق مصابه، وقطع الأكباد فقده، وأورث الأحزان بعده، فياله من قرة عين أورثها القدر قذى الأجفان، وغصن سؤدد اقتطفه قبل الإزهار يد الأحزان، وهلال حسن اعتور نوره
الحدثان، وثمرة جود أودعدت مدارج الأكفان، وربع أنس أمسى صاحبه بالخطوب خللا، وقادح أمر أضحى بيان أمره جللا، على أن الخطوب لا تزاحم إلا ثبيرا، ولا تعاند بورودها إلا كبيرا، وفي سجاياه الكريمة خلال قل أن تكون [في] غيره من الناس، وصفات تفرد بها وهي الثبوت عند هجوم الباس، ولئن غاب من سماء علائه هذا النجم الزاهر، وذهب أثره المنير الباهر، فكم في فلك محامده من نجم سيادة بأنوار الرئاسة ساطع، وكوكب فضل ما يقال له: هذا غارب حتى لا يقال لأخيه هذا طالع.
ومنه قوله من كتابق كتبه إليّ: وينهي أنه كان من خدم هذا البيت الشريف، والغني بسمة ولائه بين أوليائه عن التعريف، وقد سارت مدائحه في هذه البقية العمرية مغربة ومشرقة، ومنجدة ومعرقة، يهجم بها وجفنه لبعده عن باب سيده لا يذوق غمضا، ولا يعرف ليلا أقبل أو يقضى، وقصارى مناه أن لا يقبل فيه قول حاسد، أو جاهل، حاشا المجلس الشريف، أو عالم معاند؛ ومولانا يعذر المملوك، فإنه كتب هذه الضراعة والليل قد أسفر دجنه، والسهر قد ترسم المملوك حتى تغير ذهنه، والمملوك ما يتغير في هذا البيت المعمور العمري ظنه.
فكتبت له جوابا منه: وانتهى إلى هنا، والنسيم في السحر قد هلهل ثوب الظلام، وسحب رداءه على أعقاب ذيول الغمام، والجوزاء قد انتشرت تحت مسبح السرطان، وشعاع الشمس المحمر قد غرق في مقلة الأسد الغضبان، والديك قد طلع على شرف الجدار، وصاح في الليل منه جاويش النهار، والمصابيح قد فرغ سليطها، وكثر في ضوء الصباح تخليطها، فوقف المملوك وقفة الحيران، وتململ تململ
الغيران، وأراد أن يطيل القول بقدر ما يدعوه إليه رائد الشوق، ويحمله على أن يحمل السمع الكريم فوق الطوق، ثم رجع فعاتبه فكره الطليح، وجاذبه قلمه الطريح، وأنبه أدبه، وقال له: قد آن لك أن تريح الرجل من تطويلك وتستريح.
ومنه قوله- أعني اليماني- في كتاب يزعمه في معنى الكتاب يزعمه في معنى الكتاب الفاضلي بفتوح القدس:
هذا وعلوم الديوان العزيزة محيطة باستيلاء أهل التثليث على البيت المقدس، والمسجد الذي هو على التقوى مؤسس، وأنهم جعلوه مفزع طريدهم، ومقر شديدهم، ومعقل رهبانهم، ومعلم أديانهم، ومقر طالبهم، ومنتجع هاربهم، ومنهج شرعتهم، وعمود بيعتهم، وعكاظ نفاقهم، وموسم شقاقهم:
وبادي سمارهم، ومظهر شعارهم، ومنار منارهم، وملتقط أخبارهم، ومنزل أحبارهم، مع أن طوائف الفرنج ببيعته طائفة، وأمم النصارى على دين الصليب به عاكفة، لا يعرفون عن الإنجيل غير ما بدّلوه، ومن القرب غير ما مثلوه، فنهض إليه الخادم في جحفل من أولياء الدولة القاهرة، يرون الموت مغنما، والسلامة مغرما، والهزيمة عارا، والإدبار نارا، ما حلوا بأرض إلا وأنبتت من ساعتها قنا، ولا نازلوا حصنا إلا بلغوا من شماخه المنى، بايعوا الله على إخماد الكفر جهارا، وعاهدوه على أن لا يذر ماضي سيوفهم على وجه الأرض من الكافرين ديارا، فلما شاهدنا رفعتها، وميزنا علوها ومنعتها، رأينا معهدا أخذ الشيطان على أهله أن لا يخفر لهم عهدا، وعلما أمسى لدين النصرانية على ما ادعوه فردا، قد كملوا عدتها وعديدها، واستخدموا للمحاربة شقيها وسعيدها، وإذا رأوا على أرجائها حفيرا أضحى بجمالها سوارا، ولحمايتها من التطرق إلى منازعة نزعها أسوارا؛ بناء ولكن تقصر عن مماثلته يدان، وإتقان هو بلا شك من صنعة الجان، وعمارة ولكن من ساحر عنيد، وتدبير ولكن عن رأي شيطان مريد، وتماثيل يخيل إلينا
من سحرهم أنها تسعى، وصحراء أرض ليس لمن أقام بها ظل هناك ولا مرعى؛ فاسترقينا مكانا دلنا عليه حسن الإيمان، نصبنا على أرجائه منجنيقا هدر بازله، وهثم ثغر تلك الأبنية نازله، وتجسدت عصيه حيات تلقف ما صنعوا، وفرقت ما جمعوا، وظل لنا ولهم يوم ولا كيوم ذي قار، وحرب ولكن أين حزب أهل الجنة من حزب أهل النار، سيوف مخروطة، وأيد منا ومنهم بالدعاء مبسوطة، وعجاج انعقد مثاره، وقسطل ولكن استعر بحوافر الصوافن أواره، بذلوا أنفسهم دونها، وراموا ولو بهلاكهم صونها، وعلا شرفاتها منهم أمم لا تحصى، وجمع آلت يد المنيّة لعددهم لابد تستقصى، ولم تزل المنايا تسخن بقوة الله ذلك الحفير، وتورد سكان تلك البقاع بعون الله سوء المصير، ثم سارت رجّا فتنا، وجال النقب في أرجائها، وبلغت الأماني من النصر غاية رجائها، وصيرناها بالحديد، والطلل الدارس بعد المشيد، وحملنا عليهم بقلب رجل واحد، فانطمس محكم التثليث، واستبان طريق الواحد، وتفرق من بها بين أسير أثقلته أغلاله، وقتيل غرته بالإقدام آماله، وطريد لا يعرف له مكانا، وخائف كلما تبدّى له مرأى ظنه إنسانا، وفتحناها بكرة الجمعة، وغدت أعلام الخلافة المعظمة على بقايا شرفاتها خافقة، وأطلاب الإسلام لاستئصال شأفتهم متلاحقة، وقام خطيبنا على صهوة المنبر الأقصى مرتجلا، وصاغ أوصاف المواقف المعظمة والمواطن المكرمة لجيده حلى، وذكره الحرب وكان ناسيا، وألان له بالمواعظ قلبا كان لعدم الادّكار قاسيا، وأعدنا إليه ما كان يعهده من الجمع، وتقدمنا بهدم ما استحدث من البيع، وشيدنا ما دثر من مشهد، اعتمدوا تخريبه ومعبد، وأ تستنقذنا معالم الصخرة الشريفة من الإشراك، فعادت إلى أخوة الحجر الأسود، وهذا الفتح وإن كان المقصود منه مكانا مخصوصا، فهو فتح يشتمل على مدن عامرة، ورباع غير عامرة، وقلاع مرفوعة، وفاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقرى ظاهرة، وركبان
واردة وصادرة، وهذا المسجد شقيق الحرمين، وثالث الرحلتين، ومعبد الأنبياء، وموطن بركة الأولياء، فلله درة فتحا أقر نور الدين في ناظره وشعار الإسلام في مشاعره.
قلت: ووقفت له على رقعة ذكر فيها يوما، أصبح والثريا فيه كأنها في بروج المطالع، كف جود تختمت في رؤوس الأصابع (( 1 )) ، والصباح جام لجين ملأته أشعة الشمس خمرا، والمجرة بحر مزبد يقذف القواقع درا، والنسر قد ضجر مما حام، وسهيل قد تقدم خوفا من الزحام، وقد عارضت وسط السماء الشعرى، كأنها ياقوتة في مذرى، والجوزاء قد مالت كشارب قهوة لم تمزج، أو حسناء تنفست في المرآة إذ نظرت محاسنها ولم تتزوج. (( 2 )) .
والرقعة هذه مضمونها وهو: أسعد الله مولانا بهذا اليوم الذي تمثلت ثرياه صورة كأس يطاف به على الجلاس، وأتى نسره إلى المجرة حائما على الورود، رازئا كأنه مجهود، والجوزاء مسبلة الذوائب، وسهيل لها خاطب، والشعرى شعرها وغدائرها الغياهب، ومد الله عمر مولانا ومتعه بشرف المناقب.
* وبهذا ذكرت قولي من قصيدة وهو: [الكامل]
شق الصباح غلالة الظلماء ... وجلا النهار غدير كل سماء
لولا كواكب في الصباح تأخرت ... كحمامة مبثوثة في ماء
بصبيحة رقت حواشي هدبها ... ووشى النسيم بها إلى الأنواء
حتى تجلت مثل خود ختّمت ... بالنجم تحت مظلة الجوزاء
وبدا سهيل ثم والشعرى تلي ال ... ياقوتة الصفراء بالحمراء
وكأنما زهر المجرة روضة ... قد كللت بجواهر الأنداء
والنسر في شفق الصباح مشمّر ... كي لا يبل لباسه بدماء
عدنا إلي اليمني:
ومن شعره قوله يذم مدينة عدن (( 1 )) : [الكامل]
عدن إذا رمت المقام بربعها ... فلقد تقيم على لهيب الهاويه
بلد خلا من فاضل وصدوره ... أعجاز نخل إذ تراها خاويه
وقوله: [الوافر]
إذا حلت أيادي البرق رمزا ... على كنز العمام سقين حرزا
وأمطرت الغيوم خيول سيل ... على وجه الثرى يجمزن جمزا
أثرن بياته فكسا ربوعا ... تعرت عن ملابسهن خزا
وباع المشتري لما توالى ... محبته لكف الأرض بزا
وأطلعت الرياض نجوم نور ... فتغريها أيادي الشرب حزا
وولى عسكر الظلماء هزما ... أخافت من سنان البرق وخزا
فحينئذ ترى عقد الثريا ... على جيد الحمائل قد تجزا
فما هذا التأني يا نديمي ... لقد خالفت إذ حالفت عجزا
وجام الشرب ينسب للثريا ... وشمس الراح نحو الكرم تعزى
فواصلني بها فلعل دائي ... يزول إذا شربت الخمر مزا
على نهر المجرة والدراري ... عيون حولها يبدين غمزا
فجرد جيش لهوك يا خليلي ... لغزو غنيمة من قبل تغزى
27- ومنهم: عبد الله بن علي بن محمد بن سلمان، عرف بابن غانم، جمال الدين، أبو الفضل، المقدسي. (( 1 ))
* شاب برع وبهر، وطلع مثل الكواكب وظهر، وما أعرف في أي وقت اشتغل، ولا متى ألهب سعفه واشتعل، كأنما لقن سحر البيان من حين ولدته أمه، وبزغ في الأفق نجمه، وأتى بلطائف الشباب، وتلاءم في الكؤوس جائل الحباب، هذا إلى حسن خط كأنما نمنمة عذاره، وقيام حسنه عند المحبين بأعذاره، وهذا كله في مدة أقصر من رجع النفس، وأسرع من قدح الزناد للقبس، في زمان أعجل من إيماء المليح، وأقل من مقام الضيف عند الشحيح، لكنه لما جاء بالألفاظ يبهر حسنها، ويرجح وزنها، ظن أنه قد انتهى، وتناول بإحدي يديه القمر وبالأخرى السها، فترك الطلب، وقد كان له انتصب، واستنزف ثمده البلى حتى نضب، وكان يشغله ما يشغل الشباب، ويصرفه عن الثبات على حال ما يصرف النسيم الهاب، فكان لا يرى مستقرا قدر دقيقة، ولا رجع طرف حقيقة، فكان يعيبه التهور ويزينه كثرة التصور؛ وما سلّم حتى ودّع، ولا تلقته القوابل حتى شيّعه من شيّع.
* ومن نثره قوله في جواب كتبه عن نائب الشام تنكز (( 1 )) إلى نائب طريق في معنى الحريق الذي حصل بدمشق في سنة أربعين وسبعمئة:
أعزّ الله أنصار المقر الشريف، وحرس بره الذي يتحرى، وحبوه الذي يتسرع إلى القلوب ويتسرى، وأمره الذي يبرد بنداه كل كبد حرى، وسره الذي إذا ناجته خواطر الإشفاق والإرفاق أنشدهما: قفا نبك من ذكرى (( 2 )) .
المملوك يقبل الباسطة الشريفة تقبيلا يبرد به الغليل، ويداوي بطبه الفكر العليل، وينهي ورود مشرفة تتضمن أمر الحريق الذي حصل بدمشق في هذه المدة، حتى أحرقها بناره، وحفّ جنّتها بالمكاره، وسلّ عليها سيف الضرام، وحكم عليها حكم الدهر على الكرام، وأطلع في وجه شامها لغير الحسن شاما، وكاد يأتي عليها لولا تدارك لطف الله ب يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
(( 3 )) وهجم على جيرون (( 4 )) فغير دهشتها، وعلى الخضراء (( 5 )) فرمى فرشتها، وعلى اللبادين فكسر قلبها، لأنه كان زجاجا، وعلى الوراقين فما شعرت حتى صار باللهب كلّ ورّاق سراجا، وكل طلحية وقد تفرق طلحها المنضود، وكل كراسة وقد ردّ (( 6 )) وجوهها البيض وهي سود، وأضحى فم الفوارة يصاعد جمرات أنفاس، وسوق النحاسين يرسل منه، إلى سور الجامع شواظ من نار ونحاس، وكل محبوبة
بالطرائفيين وقد رأت مكروهها، وكل براعة دهماء وقد ابيض بالنار فودها، فلذلك سودت الدوي وجوهها، وغادر كل دكان دكا، فأوسع قوائم العمد وأضلاع السقوف كسرا وفكا، وأقعد بيت الساعات إلى قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة، وكاد يصلى به من يصلي، ويقبل على صف العابدين فيولي، واهتزت المئذنة بحمى نافض، وتشعث وجه المشهد الأبي بكري، فكأنما أصابته عين الروافض، وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورقّ صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المئذنة بنار على علم، وما زالت مراءات اللهب حتى خربت المنار، وصف بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار، فيا لها داهية عمت المسلمين، ومصيبة سودت وجه الدنيا فبيض الله وجه الدين، وواقعة لها اقتربت الساعة، وقارعة لولا المعوذات لما قبلت فيها شفاعة، ويا لها عينا دخلت على هذه الأسواق فحلت، ويدا استجدت منها محاسنها فأعطتها وما تخلت؛ كانت لعمارتها رمانة فأمست جلنار، وكانت محاسنها ليس عليها غبار، فأصبحت لا تعرف من الغبار، وما سكت لهذه النار لسان، ولا خفي لها شخص ولا عيان، ولا نشفت الدموع التي أطفأتها، ولا بردت ضلوع القياسير التي دفأتها، حتى طلعت شمس الفتنة من غربها، وتعالت أصوات النائبة عن قربها، وأتى النقص من جهة الزيادة، وسعى الداء بما وسع العيادة، فصار سوق الكفت كفاتا، وسوق الخام رفاتا، وخرجت قيسارية القاس عن القياس، وتوارد الإياس والرجاء في أمر البلد بمجموعه ولكن غلب الإياس، فركب المملوك بنفسه ومن عنده من الأمراء، وبأيديهم أسلحة المعاول، وعلى عواتقهم لقطع عنق النار سيوف الجداول، فكم من رأس داسته النار دوسا، وكم من قدّ وقوس تصرفت فيهما، فصار القوس قدّا والقدّ قوسا، وكم من أوتار أخذت منها الأوتار، وكم من سهام نفذت لها في قلب الإسلام كما شاء
الكفار، وكم من حلقة انفضت، وكم من عين بيضاء اسودت، وعين سوداء ابيضت، وكم من لجام دخل فيه لسان النّار فلاكه، وكم من بحر سرج رمى عليه اللهب شبكه فأكل أسماكه، وبقي المملوك كلما دار إلى دار سبقه إليها المقدار، أو أشار إلى دكان تداعت منها الأركان، هذا والصاغة تعوذ عين ذهبها من عين لهبها، والمئذنة ترجف فرائص تختها من مصرع أختها؛ وتدارك الله الحال بلطفه، ومن بإطفاء ذلك الحريق، ولولا منّه لم نطقه ولم نطفه؛ ولم تقتصر الحال على هذين الحريقين، بل تتابع بعدهما لهما أمثال، وما يشك المملوك في صدق ما أشار إليه مولانا من تلك الحكايات، وضربه من الأمثال، فإنه ما يسعر هذه النار إلا عدوّ أزرق، ومن أحرق قلبه بحريق جانب من معبده فلا غرو إذا أحرق.
ومنه قوله: [الكامل]
يا سادة نزحوا دموعي عندما ... نزحوا وعهدي منذ ذلك عام
أو ما وجدتم ريّ دمعي عندما ... وافاكم من ناظريّ غمام
(( 1 ))
كيف اعتقدتم سلوتي عن ذكركم ... أيطيب إلا بالكمال كلام
ها أنتم في ناظري ما دمت يق ... ظانا وتجلوكم لي الأحلام
أشجى فراقكم دمشق فغصنها ... قلق إذا ناحت عليه حمام
ونزلتم الشهباء فاختالت لأن ... علمت بأن النازلين كرام
طابت بكم ويطيب كلّ حمى غدا ... يعزى لإبراهيم فيه مقام
وينهي ورود مثاله الكريم، بعد أن وجد عن بعد ريحه، وشام برقه العالي، قبل أن يأتي قميصه بالبشرى الصريحة، وأحسن الخاطر بسروره الزائر، وإن كان ما كل روايات الخواطر صحيحة فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ: هذا مِنْ فَضْلِ
رَبِّي
(( 1 )) وصدقت ظنون حبي، ويا أيتها الأيام التي قد طال بيني وبينها عتب النوى حسبي، ثم عطف على الكتاب الكريم يغازله، ويصاعد فيه نظر اللوم وينازله، ويقول له: أين لطف الترسل إذ عدمنا لطف الكلام؟ قد احترقنا بنار إبراهيم ولا برد ولا سلام، قد أخذ بفراقه لذة أيامنا نهبا، وقد كنا ونحن بالشّعراء لا نطيق جفاءه، فكيف وقد ركب علينا الشهباء، وشرع في فنون العتب ينسقها، وفي حمول الشكوى يوسقها، إلى أن فض لطيمة الطرس، ففاح عبيره، ولاح حبيره، وباح بالبيان صغير لفظه وكبيره، فكل زهرة حرف عليها للحسن ندى، وكل غصن سطر طفا حب القلوب عليه نقطا، وبدا يود ابن هلال (( 2 )) لو استعار منه معنى الكمال، ويتطلع ياقوت (( 3 )) إلى أن يكون فضا لخاتمة الذي ختم به على هذا السحر الحلال، ويتهافت المسك على أن يكون به تحرير ذلك الحرير، ويخلع صوف ذلك الغزال، فلما رأى المملوك نسمات تلك المحاسن قد ناوحت الهبوب، وتراوحت بالشمال والجنوب، وأنشد لسان حالها، ومن أين للوجه الجميل ذنوب؛ قبل بشفاعة حسنه الأعذار، ونادى حرب العتب: ضعي الأوزار؛ وعاود وصف الشوق فيقول: ما الربيع على أنس البلاد به، وتحلّى عاطل الروض بذهبه، واستطال صاحي الطير بخيامه المضروبة، حيث حبال الشمس من طنبه؛ بأشدّ من شوق المملوك إلى تلك المحاسن، التي من رأى خط شبابها تحقق أنه ما محاه آسن، وقد آن للملوك أن يهرب من الاستهداف لهذه الأوصاف، وألا ينسبه إلى انحراف كل قليل الإنصاف، وما أكثر القليل ذكر مولانا المقام،
ومقامه فشوّق وما ذوّق، وعرض ببيتين أنشرا من لسان المملوك وقلمه ميتين، فخذا حذوهما في اللفظ، وتصرف في المعنى، وقال في معنى ما مولانا بصدده من ملازمة الاشتغال: [الوافر]
أقمت مجاورا في كسر بيتي ... لأن تنقلي داء عقام
إذا رزق الفتى عقلا ودينا ... ودنيا برّة طاب المقام
آخر تتمة:
مللت من المقام على خمول ... وحل من الهموم بي انتقام
ولو أني سعيت لكسب مال ... حلال طاب لي فيه المقام
وإذا وصلت المقامة تمت المقامة، وإلا فكلام المملوك خبط عشواء، في هذه الحالة نسق الملوك من كتابه عرف الأدب الوردي فتنهد، وارتاح إلى ذلك الدّين الذي عري المملوك من فضله، مع أنه ما برح حتى للرياض بالكسوة يتعهد، فيا شوقي إلى دنانيره وقد ألقاها الشرق في بناني، وإلى وجناته الوردية وقد وقفت نصب عياني، ولكن ما أفعل في سوء الحظ، غايتي أن ألومه، ومولانا يعرض عليه لهفاتي، وما يخفي عنه طريق أكرومة.
ومنه قوله: وينهي ورود البشرى التي ملأت الوجود بشرا، والوجود نشرا، وأقامت بالسرائر سوقا أضحت تباع به البشائر وتشرى، بما حصل لمولانا من الإقبال الشريف الذي تعددت تشاريفه، وتحددت تكاليفه، وتزيدت على وسع الآمال مصاريفه، من تيجان عمام اعتدلت فوق مفرقه، وألوان فراج أحرق في سمّور سجفها زركش النجوم، فلاحت تلك اللمع من محرقه، ومن هالات طرحات كأنما كن لشهابه المشرق فلك تدوير، ومن أبدان سنجاب حكت ببياض البطون
وزرقة الظهور طلوع الشمس في يوم مطير؛ فقابل المملوك وسائر المماليك المحبين هذه النعمة بحقها من الشكر، وأفاق بهبوب نسيمها، وإن كان غرامه في هذه المدة بمطالعة (( مسالك الأبصار )) لا يدعه يفيق من السكر، فلله هذا الحبيب المشنف، والغريب المصنف، والمنوع المنور، والدهر الذي هو بأهله من لدن آدم مصور؛ حرس الله هذا الجمع الصحيح، وهذا الفصل الذي نثر من الدر في حجور التراجم كل مليح، وهذا السياق الذي سير الشموس من الطروس على نجائب، وهذا الوفاق الذي حصله بين البر والبحر، وحدث عن العجائب بعجائب، فما كان للمملوك دأب في هذه المدة إلا التقاط درره من أصداف الأوراق، واجتناء ثمره من غصون تلك السطور، وكله قد راق، فإن اعترضته عنبرة ثناء فتّها على جمر الشوق فتا، أو عارضته عرائس تصانيف الأولين أقام تلك المجلدات الخمس فتصير ستا، والمرجو من الله تعالى رؤية ذلك الوجه الكريم على ما يسر الأولياء ويسوء الأعداء، وحاشاه أن يكون له أعداء.
* ومن شعره قوله في مليح نظر إلى الشمس عند غروبها مضمنا: [الرمل]
وغزال غازل الشمس وقد ... وقفت فوق ثنيات الأصيل
فتعوضناه منها بدلا ... (( وتفارقنا على وجه جميل ))
ومنه قوله غير مضمن: [السريع]
وذي دلال حسنه وافر ... تقصّر الأوصاف عن كنهه
رنا من الشمس وقد غربت ... بفاتر اللحظ إلى شبهه
ففوضت في الحسن من بعدها ... ولاية العهد إلى وجهه
ومنه قوله مضمنا: [المنسرح]
ورب ظبي مخضر شاربه ... رطب حواشي اللمى موردها
(( 1 ))
قال وشمس الأصيل قد وقفت ... على ثنايا الأصيل تنشدها
كعاشق سار عن هواه ففي ... مقلته دمعة يرددها
(( قفا بها قليلا علي فلا ... أقل من نظرة أزودها ))
ومنه قوله: [الكامل]
نعس الحبيب فقيل: ماذا شأنه ... فأجابهم بالحاجب المقرون
وبطرة أشرت وطرف أدعج ... كالنون فوق العين تحت السين
* فهؤلاء أعيان كتاب المشارقة، ممن مات وفات، وبقي منه ما ينشر العظام الرفات، وأكثرهم قد جهل قبره وفني، وما فني ذكره ولا بره، خلا عمّي الصاحب شرف الدين أبي محمد عبد الوهاب رحمه الله، فإنني ذكرته في كتاب (( فواضل السمر في فضائل آل عمر )) إذ لم يكن بدّ من ذكره هناك مع أقربائه، وسلف أهل بيته وآبائه، وكذلك والدي تغمده الله برحمته، وإن كان دون أخيه قدر مقال لا مقام، ودرّ نظام لا انتظام، وسيأتي ذكر جماعة من أهل هذا البيت في الكتاب المذكور، ومنه يعرف خبر كل معروف غير منكور، على أنني بشهادة الله لآنف لي ولسلفي أن ننحاز إلى هذه الفئة، أو نلم كرى بعيونها المغفية؛ ولله المعرّي حيث يقول (( 2 )) : [البسيط]
دع اليراع لقوم يفخرون به ... وبالطوال الردينيات فافتخر
فهن أقلامك اللائي إذا كتبت ... يوما أتت بمداد من دم هدر
فأما الأحياء بالجانب الشرقي، ممن يطلق عليه هذا الاسم بالاستحقاق، فبقية:
28- ومنهم: زين الدين الصفدي، أو حفص، عمر بن داود بن هارون بن يوسف الحارثي
(( 1 )) * من بيت قضاء وخطابة ببلاد صفد والساحل من زمان الفتوح، وهم أهل قرى لا يغلق بابهم المفتوح، وفيهم بنين (( 2 )) من يضيف الوارد والصادر، ويطيف كرمه بالعاجز والقادر، على قلة يسار، وخلة إعسار، وبرع هذا الرجل فيهم وتأدب، وتذهب أدبه وتهذب، وأتقن علم العربية، وتم له تمام الفضائل الأدبية، إلى فقه درّسه، وفضل نوّعه وجنّسه، وعلم معقول أدركه بمجرد التصور، ووازع إيمان منعه فيه من التهور، واطلاع أشرف من يفاعه، وأطل عليه من شرف ارتفاعه؛ كل هذا إلى ذكاء يتدفق سيله، ويعرف من بين النجوم سهيله، وتفرد بمعرفة التنفيذ للمهمات قل من يحسنها، أو يحير جوابا حيث ينطق ألسنها، هذا مع خط كأنما ألحف جناح الطاووس، أو تلألأت تحت جنحه أشعة الشموس، وحسن مصاحبة تطمئن بها النفوس، ومواظبة على علا يسود بها ويسوس؛ صحبته من قديم، وعرفه أولياء الأمر، وتنبه ذكره ثم رقد، وهب لهب صيته ثم خمد، وجرى ماء حظه يتدفق ثم جمد، ورتب في كتابة الدرج في عدة مواضع من الممالك في أقرب مدة من الزمان، واشتهر برجاحة العقل والكتمان، ووفور الفضل والأدب، ثم كتب الإنشاء بدمشق ثم بمصر، فأنشأ غر التقاليد ورقم برودها، ونظم ما استجدت منه أجياد الحسان عقودها، وحضر بين
يدي المقام الشريف؛ وكان عندي موضع الثقة، وقدمته لأهليته، ثم بعد أن رفعت ذلك الشعار، وخلعت ذاك الرداء المعار، وقلت: الموت ولا العار، لبث قليلا ثم تبعته عوادي الضراء، وروعته في وسط السراء، ثم كان في صفد بين قومه إلا أنه لا يجد قوت يومه، وبقي حيا ميتا، لا يملك بيتا، ثم انفرجت حلقة ضائقته، وعادت لوامع شارقته، وفسح له في سكنى دمشق، فعاد إلى صدور مجالسها، ثم كتب في ديوان الإنشاء بها، وحل مفاخر رتبها، فتبلل عودها بأندائه، وأشرقت سعودها باستظهاره على أعدائه، ثم طلب إلى مصر ووقع بالدست، وهو الآن جمال الأوان، وكمال الديوان، وبيده الأزمة، وإليه الأمور المهمة، وفضله يستحق التتمة.
* ومن نثره قوله في ورقة كتبها إلى والدي: وينهي أن إحسان مولانا وصل إلى ذلك الفقير الصالح، الذي من قرية نين، وهي قرية المملوك التي أخرجته، وإنما خدمته للبيت العمري هي التي خرجته، وإلى طبقات الناس درجته، وقد بقي يعوزه كتاب كريم إلى مشدّ صفد، نظرا لكتاب الكريم الذي صار في يده إلى نائبها، والمملوك يسأل الصدقة عليه بالمطلوب، وأن يكون كتابا حسنا يعيره مولانا سماحة كرمه وقلمه، ويلحفه جناح جاهه وكلمه، صدقة على المملوك دونه، ويدا يقبلها ويقبّلها ممتنة غير ممنونة، والوحى الوحى، وقد ضجر المملوك وهو استحى؛ والله يرفع درجة مولانا، حتى يكون على الكواكب مستفتحا، ولنظره في حديقة المجرة منزّها، وبعرف نرجسها مترنحا.
ومنه قوله في تهنئة بعود الركاب السلطاني من الحج: وجمع الحجيج في سنتهم الواحدة بين حجتين، وكتب لمناسكهم بيمنه أجر مصلي القبلتين، وتمّ لتوجههم بأنواره الهدى والنور، وحصلوا من صفقته
الرابحة على تجارة لن تبور، ووقاهم لفح الهجير تطوفهم بالكعبتين، ذات المقام وظله، وأمّنهم العقبى تمسكهم بالعروتين، من (( 1 )) البيت العتيق وفضله، وعشوا إلى ضوئين من ناره التي هي أم القرى، ومكة المسماة في الذكر القديم أم القرى، فهذه المهاجرة التي جددت السنة بمحمدها، والمثابرة التي أعلنت الألسنة بمدح سؤددها، وهو الجدير بأن يوفيها من استبشاره وشكره أكمل وظيفة، وأن يقدر موقعها حق قدره، وإن كان مما لا تطيق الأمة تكليفه.
ومنه قوله وقد أهدى إليه صاحب له طبق مشمش مع غلام مليح: وصل البر الذي زاد على منتهى الطلب، وأشهد النواظر بين يدي قضيب البان كرات الذهب، وجاء بالبدر وقد اتسق، والنجوم وقد ركبت في دائرة الطبق، فبهت لدنو صور الكواكب من اللمس، وتسيير القمر في منازل الأرض، وهو الذي لا ينبغي أن تدركه الشمس، ثم تأمل وتملى، واستجلى واستحلى، وقال: شكرا للمرسل والرسول، ويا حسن الحامل ويا لذة المحمول؛ أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه، ومرحبا بكرم جمع بين تنوعه وتسرعه، أين الأمل من هذه الغاية؟
وكيف غفل الدهر حتى تناهى في الإحسان إلى هذه النهاية؟ مولى يسعى إلى عبده، وغصن يجيء بثمرة تميس في أوراقه من برده.
ومنه قوله في ذكر الدواة: وقد أرسلها مشتعلة بالشيب مفارق رأسها، مستعدية على وضعها الذي انتزع روحها باستمداد أنفاسها، واستحال عليها مع الدهر حتى عكس النقب في روعها من قرطاسها، فهي بيضاء إلا أن السواد كان أنقى لسمائها، وناجية عندها أن الغرق أسكن لروعتها من نجاتها، وأملها أن يسودها يد لك لا تسوّد إلا من النفس، وأن تديل لها من سالب صبغتها وهو الطرس، فيطيل لسان فمها،
وهو القلم يمج على حواشيه لعاب الظلماء في لهوات الشمس.
ومنه قوله: أمر وفاء النيل؛ وذلك أنه عند تسطيرها ورد المثال الشريف يتضمن نبأه بسطوره التي كأنها جداوله، وأنه جاد لمؤمله بنفسه التي ليس في يده غيرها، فكأن المسؤول لا شك سائله، وما أظنه إلا حيا نزل دون تلك الديار مهابة لمن حلها من مطايا الغمام، وأحلها من أجله أن يلم بها ركبا، فمشى على وجهه إليها تناهيا في الإكرام، ولم يزل يجري لمستقر له، ويضمه شيئا فشيئا إلى أن أدرك آخره أوله، ووارده في كل ساعة يشهد بنجاح رأي الرائد على التحقيق، ومخلّقه المتواري لحجاب الماء يومئ بإصبعه إلى حسن العاقبة على أنه في حالة الغريق، ولو قدر على المقال لظهر خافيه، ونطق بتوفية عوائده، وأنى ينطق والماء ملء فيه؛ حتى إذا تكمل سمو أمواجه حالا على حال، وتنور أقاصي الأرض من ثنية المقياس، فأدناها النظر العال، لم يملك طبعه السيال أن غطى مساوئها البادية، ورأى ظمأها إليه مع القصور عنه، فنقع بانتقاله إليها غلة كبدها الصادية، وكان له الفضل على الثرى والورى في ذلك المسعى، وقالت ألطاف الله المتتابعة: هذا الماء وسيتلوه المرعى، وكان هواؤه المعتدل على اعتلاله عدلا، فحمّل قلب كل غدير ما أطاق، ولم تبق عين بقعة كانت فارغة إلا وكلها عند نظرة الدمع مآق.
ومنه قوله: وينهي أنه لو أمكن دفاع القضاء، أو قبل غريم الموت المتقاضي أخذ الفداء، لحمي هذا المحترم بأنصار الرجال، لا بجواري العيون المحزونة، ولصرفت عنه المهج يد المنون ببذل نفوسها المصونة، فقد كان والله شقيق الشمس رفعة وهدى، ومباري غرة البدر في النديّ، ورسيل الغيث في الندى، وإن أمسى الزمان لتواري
شخصه آية ليل ما محيت، وظلة غيم رأيت عليها لمحة بارق لمعت ثم زويت؛ فلعهدي وهو بآية نهار حياته المبصرة أحسن (( 1 )) اجتلاء، وأبهى وأبهر بين المشاهد في المعنى والصورة رؤية ورواء؛ طوبى له حل في أمنع جوار، وحصل على سعادة في دار القرار، يفرح بها من إرث شقوة الحزن في هذه الدار، والمملوك منذ سمع نعيه يحسد صم الرماح، ويتزود من سواد مقلته ودمعها، في ظلمة باك من فقد نورها على الصباح، وما أدعو لمولانا وحده إلى سنة العزاء المشروط، ولا أقول له: مهلا ليذهب بك فرط الجزع على أخيك مذهب القنوط، وإنما أشرك نفسي معه في التعزية والتسلية، وأتجلد وإن كان لا جدل على نفوذه هذه الرمية المصمية، فأتعلل وأتمثل بقول الأول: [الطويل]
ولو لم أكن منكم لعزيتكم بكم ... ولكن حظي في المصاب جليل
إلا أن أخصه لاختصاص نسبه، وأفرده بجامع أدبه، فلا أجمع لأقسام الكمال من أدبه، وأستشهد بأن أنشد: [الطويل]
ومن يك ذا نفس كنفسك حرة ... ففيه لها مغن وفيها له مسلي
ومنه قوله (( 2 )) : وينهي ورود المشرف الكريم ووقت الصوم قد حان، وهلاله في عنان السماء مرخى العنان، يشار إليه للبيان بالبنان (( 3 )) ، كأنه الطليعة وهي الراء من أول رمضان، أو الساقة وهي النون من آخر شعبان، أو الخائف اختفى عن العيان، وترامته الأبصار فاستعان، أو طالب حاجة مع الشمس أدركه الليل فوقف وقفة الحيران، أو كوة في غار فغار، أو رقيب وقد اختبأ ليطلع عن مغيبات الأسرار، أو
الحاجب لا جرم أنه حجب عن الإفطار، أو كأنه ما انهار من جرف النهار، أو المخلب الصائل على النظار، الصائد ما جاوره من النجوم لتتكمل فيه الأنوار، وتتم باجتماعها إليه في صورة الأقمار، أو المنجل الحاصد للأعمار، القاصد حتى ما علا نهر المجرة من الأنهار، أو طوق لم ينضم، أو مبدأ عمامة لمعم، أو قرط خانته العلاقة فانقطع، أو ما انخرم معه في شحمة الأذن لما وقع، أو علامة عضة، أو قلامة مبيضة أو قطعة من سوار فضة، أو تشريف نوارة غضة، أو شفة فتاة بضة، أو حافر جواد حلّى أرضه، أو وطأة حاف خلى من أثر كعبه بعضه، أو درهم فيه ثلمة، أو دينار مخسوف الجانب لحكمة، أو تمثال، عشر في ختمة، أو نصف دائرة من خط بيكار ما أتمه، أو عرجون قديم، أو ما مال من كأس نديم، أو شطر من كرة مقسومة، أو ضاحك أسنانه مهتومة، أو هالة والت قطرا منها غير مركومة، أو لثام على حنك، أو زورق من ورق حمولته من عنبر الحلك، أو حجل نزع من ساق، أو روق راجع من الأرواق (( 1 )) ، أو ما انحل من الخصر من النطاق، أو وقف من عاج، أو صدع في زجاج، أو جدول منعطف، أو قفل في فلاة قد حذف، أو لبة فؤاد، أو غصن أثقله الثمر فانآد، وعقد سماءه بأرضه أو كاد، أو ثغرة في سور، أو فم قدح مكسور، أو نوى محفور، أو فخ منصوب على طول الدهر، أو عرق مغروس، أو بعض ما في ريش الطاووس من المنقوس، أو حلقة منقوصة، أو أذن ريم مقصوصة، أو ضفيرة معقوصة، أو خاتم زال فصه ففغر، أو ما انداح من رمية في صفحة الماء بحجر، أو طية من أعكان، أو سرة محققة في كشح ريان، أو ذؤابة مردودة، أو حزة من بطيخة مقدودة، أو خيزرانة ملتقية غير معقودة أو قوس محني القرى، أو عروة مفكوكة من العرى، أو فتر مرفوع، أو طيلسان مقور مقطوع، أو قبضة إبريق مخلوعة، أو آلة للطيب مصنوعة، أو يد
التفت على عناق حبيب، أو شعرة مشيب فضلت من خضيب، أو ما أحاط من الإكليل بالجبين، أو محراب لبعض المصلين، أو سالف تحسين، أو مشقة قاف أو سين، أو ما اندفع في جؤجؤ السفين أو أحد الجفنين، أو عذار حول الخدين، أو رأس من كتابة صاد لم يلتحم، أو عين أو دال منقلب، أو طاء منفصل الطرفين، سقط ألفه المنتصب، أو مبسم مثقوب، أو تعريقة جيم مكتوب، أو عقرب شائلة، أو شعلة نار لعبت بها الريح الجائلة، فهي مائلة، أو حية ملتوية، أو صولجان مقصوف لم يبق منه سوى الحنية، أو ترقوة بدا عظمها، أو طارة غرض خرق هيآتها سهمها، أو فلكة مغزل مشظاة، أو دفّ أمسكت كف سوداء على أعلاه، أو ما تحت تنفس [المرأة في] المرآة (( 1 )) ، أو قنطرة منكوسة الوضع في البنيان، أو طبق قائم أخذ من حافته شيء فبان، أو غرة في أدهم من الخيل، صانعت بها الشمس عن نفسها لخاطف الليل، أو رداء أسبله الشرف فكف الغرب منه الذيل، أو صعدة، أو مكان ورقة من وردة، أو قفل على تجليد، أو إحدى المطيفين بالوريد، أو لبب مركب، أو كوز مرتب، أو قتب مجرد أو سرج مؤكد، أو قربوس منه مفرد، أو واحدة من خشكنان، أو حدقة نجلاء من إنسان، أو طعنة ميّلها بسنان، أو سيف لان في يمين ضارب، أو مطرح القلادة من ترائب الكاعب، أو المملوك مما شفته الأشواق، وصنعته به عوادي الفراق، أو ما خدّه في خدّه الدفع المهراق؛ وكان للناس اشتغال باستقبال الهلال، وقلب المملوك في اشتغال مما عنده من البلبال، ومن ضنى جسده البال، وحالت الأحوال وما استحال، وبات وطرفه يتملى من المشرق الكريم حظا ماله مثال، وتأمل منه لفظا بمعاينه تضرب الأمثال، وتقلب وجهه في أفقه الدال على ودّ صح، فليس به اعتلال.
ومنه قوله: وعلمنا ما ذكره من أمر الصقر الذي وقع له، وما لحظه فيه من القبول، فأرسله وحمله إلى حيث حمله، ووصل وقد طرز رقوم المحاسن حلله، وزانته بديباجة مكملة، وحلية مكللة، خالصا كالذهب، متوقدا كشرارة لهب، موشى الصدر كما طفت على الكأس فواقع الحبب، أو كروضة منها ما لم يخرج من الآكام، ومنها ما هب مع النسيم حين هب، حسن الاستعداد للتدريب، مدركا فإذا دعي يجيب، مظفرا كجد مهدية فلا يخيب، وقد قبلناه تبركا بما يهديه، واشتغلنا به اشتغالا حقق ما لحظه من القبول فيه، ورفعناه من يدنا الشريفة إلى رتبة لا يصل معها، وإن كان بغيرها يتيه، وقدمناه على ما عندنا من الجوارح على كثرة عددها، وغزارة مددها، كتقدم المقام على الملوك الصائلة في عديدها وعددها، فلو رآه وله في حلاوة الالتفات تشوف الريم، وفي طلاوة الإنصات دل الأغيد الرخيم، وإلى أغراض مرسله تشوف الواله إذا ظل يهيم، وإصابة الباع المستفيد بالسهم المستقيم، وعلى الصيد حرص الغريم على الغريم، وفي طلبه سورة الظالم وثورة الظليم، إن أعطي الكمة فحليم، وإن كشف عنه غطاؤه فبصره حديد، ورأيه حكيم، فاقترب، فيد تطلقه وأخرى تحتطب، وسابق يحصّل ما يجتذب ويجتلب، وسائق (( 1 )) يقد ثقة بعوائده ولا يرتقب؛ يهفو بقوادم أقوى من قوائم، وعزائم على النجح علائم، كأنه كبير قوم، أو ممسك لصوم، يعفو عما كسره، ويعف عن شره، إذا افترس حرس، وإذا أحرز حرز، وإذا أدرك ترك، ولكن من مخالبه في شرك، كأنه يعرف التحليل فيبقى للتذكية، أو يحب الثناء فيعمل على التزكية، حتى إذا أدى الأمانة، وقضى إدمانه، وسطا في صيانة، تنحى جانبا، وانتحى مجانبا، واحتشم هائبا، انطوى على الطوى، وأعرض مع الخوى
على ما حوى، فإذا أباحه محصّله مما يأكله، وأطلقه عما أوثقه، وخلى ما بينه وبين ما صاد، بايته باقتصاد، كأن عليه رقيبا بمرصاد، وتناول قدر الحاجة، بشهوة مهاجة، ورجع إلى الكمة بطرف غضيض، وبطش غير مهيض، وثبات بعد وثبات كطرفي نقيض، بصره ثم تصرفه بين أيدينا في صيده، وحسن تلقفه لما يعن له بلباقة كيده، ورشاقة أيده، ولا يثنى عليه ثناء من أنهب سعيه، ورام ورمى فتم مرامه وصح رميه، ونحن نشكر مكارمه التي ملأت الحقائق والحقائب، ومدت عصائب جنود وجود يتبعها من الطير والعفاة عصائب.
* ومن نظمه قوله: [الوافر]
أقول وقد سألت قصاص قتلي ... فقام لها الكرى بالاعتذار
كفاني من توفاكم بليل ... ويعلم ما جرحتم بالنهار
ومنه قوله: [الطويل]
وما مثل هذا اليوم يخلف دره ... فيخلفه بالدر بيض الغمائم
وقد عكس التشبيه فيه فعهنه ... جبال لصلع الأرض مثل العمائم
ومنه قوله وقد أهدي إليه حلواء: [الوافر]
ولما جاءني منك افتقاد ... حلا فحكى ثناءك حين يجري
حصلت بما أتى وحصلت مني ... على الحلوين من بر وشكر
ومنه قوله: [الوافر]
أتى زيد إلى الحمّام يثني ... معاطفه كما مال الرديني
فكان الماء وهو عليه جار ... يرينا لؤلؤا فوق اللجين
ومنه قوله: [الطويل]
ولما أراد الصب خطا تسابقت ... مدامع عينيه تحاول محوه
كأن بعينيه من الخط غيرة ... على وجه محبوبي إذا سار نحوه
ومنه قوله مما يكتب على عصابة ذهب لامرأة حسناء: [الوافر]
تأمل هذه الوجنات تزهى ... وقد حلّى تحلّيها الدلال
ترى شمس الضحى منها ومني ... تتوجها على الرأس الهلال
ومنه قوله (( 1 )) : [السريع]
أنزلت من أهواه في مقلتي ... صونا له من أعين الحسد
فجاء قلبي من طريق الكرى ... يسرقها منها فلم ترقد
ومنه قوله: [الكامل]
تبسم ثغرها والخال يبدو ... عليه كقلب ظمآن إليه
فقلت: الصبح؟ قالت: كيف يأتي ... وليل الخال بواب عليه
وكتب إليّ: [البسيط]
إنا لتملكنا من هيبة خرس ... في حيكم وعلينا منكم حرس
وإن خلونا وخلنا وحشة عرضت ... عذنا بأسمائكم فاعتادنا الأنس
فنحن منكم وفيكم لا يزال لنا ... من غيرة حرس، من هيبة خرس
حالان في حبكم ما حال بينهما ... عهد الهوى وعليكم ليس تلتبس
وهل علمتم وحبكم الحال واحدة ... أنا على النأي للأذكار نختلس
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ... ونترك الذكر إجلالا فننتكس
ومن لنا لو لثمنا تربكم فبها ... شفاء أكبادنا والبرء يلتمس
أرض لها قبس من نوركم وكذا ... من وطء أقدامكم يندى بها اليبس
تفديكم أنفس منا تحبكم ... حياتها منكم في موتها نفس
فكتبت إليه: [البسيط]
مرت على عجل والركب محتبس ... فما شككت بها والأمر ملتبس
وبان بان الحمى واهتز إذ خطرت ... ولاح ضوء هلال أو بدا قبس
وفاح من مسك دارين لنا سحرا ... نشر الخمائل إلا أنه نفس
وبت والليل يرميني بأنجمه ... مثل العيون ومنها أعين نعس
فقمت في غفلة النوام أشربها ... صرفا من الراح إلا أنها لعس
وما توهمت أن الليل منصرم ... حتى تجرد من جلبابه الغلس
وافت تذكر بالعهد القديم وما ... نسيته وهو لي في وحشتي أنس
ثقي سليمى بود لا يغيره ... نأي الديار ولا يذكى له الحرس
بل ما تجن جوى منه القلوب ولا ... يبدي هواه ومنه الجمر يقتبس
يا جيرة القدس ما قلبي كصخرته ... وليس لي عين سلوان فتلتمس
لم نعتقد بعدكم والله يعلم ذا ... إلا الوفاء لكم والحر محترس
قول ابن زيدون من حر الصبابة في ... (( بنتم وبنا )) وسوف البين ينعكس
(( 1 ))
عتبا وصلحا ولا يدري بنا أحد ... والودّ يبرأ أحيانا وينتكس
فسرّ عاذلنا لا كان عاذلنا ... وكان أفصح نطق العاذل الخرس
29- ومنهم: خليل بن أيبك الصفدي، أبو الصفا، صلاح الدين
(( 1 )) هو خليلي الذي أنادي، وصاحبي إذا شكرت الأيادي، والذي أنادي منه خليل الصفاء، وصديق الوفاء، والذي أرضاني عن صنيع الليالي لما أتاني بنجومها قليلا، والذي لم أخالل سواه إلا قلت لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
(( 2 )) ، والذي صحبت أبا الصفاء من وده الذي لم تشبه الشوائب، والخليل إلا أنه كان- لأحمد- أكثر مما كان عنده ابنه في النوائب، والذي عاقدني منه خليل صدق فما ذممت له ذماما، وأوقد لي من حميته نارا خليلية كانت بردا وسلاما، موسوية فلهذا ما تركت ظلاما، والذي لم يزل يرشد من خاطري مضللا، ويريني في صفائه ما أردت ممثلا، ويغنيني أن أقف عند سوى تصانيفه، وأقول: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا (( 3 )) ، وملأ مسمعي بأدبه حتى قلت يكفيكما، وأغنى ناظري بكتبه فقلت: خليلي هبّا بارك الله فيكما، وقررت له وأقررت، أنه إمام المحسنين، وبايعته واتبعته وأنا من الموقنين، وبسطت يدي فبايعت ملك البلغاء خليل أمير المؤمنين، ورتعت في مراد تصانيفه أستزيرها وقنعت بمذاكرته ولم أقل: خليلي هل من رقدة أستعيرها؛ أقسم بالله وهو آكد الأيمان، وأوثق ما يقف معه أهل الإيمان، ما إن رأيت منه آدب، ولا مع
غناه عن التحصيل أدأب، ولا أظن مثله أجمع لمدحة وآبدة، وأخبار أمم باقية وبائدة لديها واقدة، ولا مقل الفراقد عن التطلع إلى هذا، وما كسا الزمان مثله ثوبيه، ولا حمل الوجود حفيا شبهه بين جنبيه، فهو محدث يحدث بالصحيح، وتروى عنه العجائب، والمعروف وكله غرائب، كم قال وكم ألجم الحصر كل لسن، وقام بالسنة وكل سنده علي وحديثه حسن، هذا على أنه حامل فقه لا ينقل إلى أوعى منه، ومتقن علم لا يؤخذ القديم والحديث إلا عنه، نعم وأنعم به من مؤرخ ينسئ الأمم وينشر الرمم، وينشد ضوال الأنباء وقد أماتها البكم، وأقبرها الصمم، فشق أصداف اللحود عن دررهم، وكشط جلد الدهماء عن غررهم، وأوجدهم فما كتب من التاريخ وجودا ثانيا، فأقاموا به أرواحا وسئلوا فقالوا فصاحا: ساقهم في تاريخه فكأنما قاموا في صعيد واحد لديه، وأتى بهم من عهد آدم وهلم جرّا إليه، أجل، وهو أجل كاتب تخضع لطرسه مهارق السحائب، ويخشع لقلمه سيف البرق المسنون، ويسقط قلبه الواجب، وأضاء أيضا له نور حكمة، يغلب فجرها الطالع مشارق الأنوار، ويغل فكرها السابق يد القيرواني (( 1 )) إن نظمت أبكار الأفكار، ويذهب التحصيل وليس من بدره المنير درهم ولا من شمسه المشرقة دينار؛ وينبو دونه مضرب السيف ولو أن الآمدي ذا الفقر ذو الفقار، فأما ابن سناء فيخفي في طي البروق إشاراته، والرازي يرزأ كتبه، وتجف في لسان القلم عباراته، وقل أن وجد في علم أقليدس مثله من يحل إشكاله، ويجل أشكاله، ويغدو من قلّ علمه الأقلودي للأرض مقسما، ولمقادير الكواكب متوسما، بل لو وصل إلى ابن واصل علمه لقنع بما فضل، أو ابن العديم جمال الدين ما عدم ما تعنّى إليه وما وصل، وكل هذا عوله على أدبه الذي هو أغض من ورق النبات، وأحسن من تذهيب الحياء فضة خدود البنات، بقريحة
أصفى من الماء، وأورى من النجوم في الظلماء، وأغرب من عنقاء، وأطرب من ورقاء.
وكتب الإنشاء مصرا وشاما فكبت، وجرت معه القرائح إلا أنها السوابق فكبت، وطاب به الواديان، وطال الناديان، وقلد الممالك ما هو أعلق بها من أطواق الحمائم، وأعبق فيها [] جنوب الغمائم.
وله التصانيف الكثيرة الكبيرة بنفسها، الأبكار التي ما أوت إلا سرادق نفسها.
* ومما كتب لي من نثره، وأتبعه من شعره قوله؛ من ذلك كتاب كتبه بشارة بوفاء النيل، وهو: ضاعف الله نعمة الجناب العالي، وسر نفسه بأنفس بشرى، وأسمعه من أنباء الهناء كل آية أكبر من الأخرى، وأقدم عليه من المسار ما يتحرز ناقله ويتحرى، وساق إليه كل طليعة إذا تنفس صبيحها تفرق الليل وتفرى، وأورد لديه من أخبار الخصب ما يتبرم به محل المحل ويتبرا؛ هذه المكاتبة إلى الجناب العالي، تخصه بسلام يرق كالماء انسجاما، ويروق كالزهر ابتساما، وتتحفه بثناء يجعل المسك له ختاما، ويضرب له على الرياض النافحة خياما، وتقص عليه من نبأ النيل الذي خص البلاد المصرية بوفادة وفائه، وأغنى به قطرها عن القطر فلم تحتج إلى مد كافة وفائه، ونزهه عن منة الغمام الذي إن جاد فلابد من شهقة رعده ودمعة بكائه، فهي الأرض التي لا يذم للأمطار في جوها مطار، ولا يزم للقطار في بقعتها قطار، ولا ترمد الأنواء فيها عيون النوار، ولا تشيب بالثلوج مفارق الطرق ورؤوس الجبال، ولا تبيت البروق ساهرة لمنع العيون من تعهد الخيال، ولا تفقد فيها حلى النجوم لاندراج الليلة تحت السحب بين اليوم وأمس، ولا يتمسك المساكين في شتائها كما قيل بحبال الشمس، وأين أرض يخمد عجاجها بالبحر العجاج، وتزدحم في ساحاتها أفواج الأمواج، من أرض لا تنال السقيا إلا بحرب، لأن القطر سهام، والضباب عجاج قد انعقد، ولا يعم الغيث
بقاعها، لأن السحب لا تراها إلا بسراج البرق إذا اتقد، فلو خاصم النيل مياه الأرض لقال: عندي قبالة كل عين إصبع، ولو فاخرها لقال: أنت بالجبال أثقل، وأنا بالملق أطبع، والنيل له الآيات الكبر، وفيه العجائب والعبر، منها: وجود الوفاء، عند عدم الصفاء، وبلوغ الهرم، إذا احتد واضطرم، وأمن كل فريق إذا قطع الطريق، وفرح قطان الأوطان إذا كسر، وهو كما يقال سلطان، وهو أكرم منتمى، وأشرف منتدى، وأعذب مجتنى، وأعظم مجتدى، إلى غير ذلك من خصائصه، وبراءته مع الزيادة من نقائصه، وهو أنه في هذا العام المبارك، جذب البلاد من الجدب وخلصها بذراعه، وعصمها بخنادقه التي لا تراع من يراعه، وحصنها بسواري الصواري، وما هي إلا عمد قلاعه، وراعى الأدب بين أيدينا الشريفة بمطالعتنا كل يوم بخبر قاعه في رقاعه، حتى إذا أكمل الستة عشر ذراعا، وأقبلت سوابق الخير سراعا، وفتح أبواب الرحمة بتغليقه، وجد في طلب تخليقه، تضرع بمد ذراعيه إلينا، وسلم عند الوفاء بأصابعه علينا، ونشر علم ستره، وطلب لكرم طباعه جبر العالم بكسره، فرسمنا بأن يخلّق، ويعلّم تاريخ هنائه ويغلّق، فكسر الخليج وقد كاد يعلوه فوج موجه، ويهيل كثيب سده هول هيجه، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة، ويجوس خلال الحنايا كأن له فيها خبايا موروثة، ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة، وعلا زبد حركته، ولولا ظهرت في باطنه من بدور أناسه أشعتها المعكوسة، وبشّر بركة الفيل ببركة الفال، وجعل المجنونة من تياره المتحدر في السلاسل والأغلال، وملأ أكف الرجاء بأموال الأمواه، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه، وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نزلت بركاتها من الله تعالى على العباد، وهذه عوائد الألطاف الإلهية بنا، التي لم نزل نجلس على موائدها، ونأخذ ما نهبه لرعايانا من فوائدها، ونخص بالشكر قوادمها، فهي
تدب حولنا وتدرج، ونخص قوادمها بالثناء والمدح، فهي تدخل إلينا وتخرج، فليأخذ الجناب العالي حظه من هذه البشرى، التي جادت بالمن والمنح، وانهلت أياديها المغدقة بالسح والسفح، وليتلقاها بشكر يضيء به في الدجى أديم الأفق، ويتخذها عقدا يحيط منه بالعنق إلى النطق، وليتقدم الجناب العالي بأن لا يحرك الميزان في هذه البشرى بالجباية لسانه، وليعط كل عامل في بلادنا بذلك أمانه، وليعمل بمقتضى هذا المرسوم حتى لا يرى في إسقاط الجباية خيانة؛ والله تعالى يديم الجناب العالي لقص الأنباء الحسنة عليه، ويمتعه بجلاء عرائس التهاني والأفراح لديه، بمنه وكرمه.
ومن ذلك جواب كتبه عن النائب بالشام، إلى الملك الأفضل صاحب حماة، وقد أرسل مشمشا كافوريا: لا زال إحسانه كالعلم المشهور، وجوده المنظوم يهدي من الثمرات ما هو كاللؤلؤ المنثور، وبره يتحف بما هو كالشهد في الطعم واللون، وكالنجم في الشكل والنور، وكرمه يتضوع نشرا، وكيف لا وقد جاد بما ينسب إلى الكافور؛ وينهي ورود المشرفة العالية قرين ما أنعم به مولانا من المشمش الكافوري، فوقف عليها وقابل إحسانه بشكر يشرق نورا، وثناء يدير على الأسماع كأسا كان مزاجها كافورا، وواجه جوده بحمد يتلوه منه وجه الروض بمنثوره، وتجد الألسنة لمنظومه لذة تنسي الأسماع ما قاله أبو الطيب في كافوره، ومتع ناظره بتلك الكواكب التي اتسقت من العلب في أفلاك، وتنسّقت كالدرر وما لها غير حسن الرصف أسلاك، وتأملها وهي كرات بلور اكتنفها الأصيل والشفق، وركبت حين ملأت الصدور طبقا عن طبق، فأكرم بها هدية كانت بحلل الأشجار أزرارا، ولجنات الأوراق نارا؛ كيف مكنت فروعها يد قاطفها من السلب؟ وكيف أقبلت في حلة الروع والوجل وهي طيبة القلب؟
كأنها لم تكن لقسي الغصون بنادق، ولا في رقع الأوراق بنادق، فالله يشكر
لمولانا هذا الإحسان العلوي الذي جاد بالنجم زهرا، والجود الروضي الذي ملأ العيون حسنا وملأ الصدور درا، وأدام الله أيامه التي تسبق فيها الغرائب، وتستبق إلى مكارمها الرغائب، بمنه وكرمه.
ومن ذلك جواب كتبه إليه أيضا، وقد أهدى إليه رخاما ملونا: وينهي وصول الرخام الملون الذي فتح به عين هذه الدار المكونة، وأهدى إلى روضها الذاوي أزهاره الملونة، ولا غرو فإن العيون توقظها الشموس بالأشعة من المنام، والأزهار توجد بالرياض من جود الغمام، ولو لم يكن كرم مولانا سحابا، لما جاد بألوان قوس قزح، ولو لم يكن علوه كالشمس لما انبعثت عنه أنوار تلهب شعاعها في هذه الدار وقدح، وتحاشى المملوك تشبيه ذلك بالزهر، فإن هذا أبدا يانع، وذلك يؤول إلى الذبول، أو التمثيل بالأشعة، فإن هذا أبدا مشرق، وذاك بذهاب سره يحول ويزول؛ وهذه معجزة كرم لمولانا، فإن ريش الطاووس صار له جلمدا، وقوس السحاب تجسّد له على طول المدى، فلو ناظره مباه بمحاسنه لكان له الفخر، ولو حاولت المياه أن تبليه لما بالى بما لها عليه من الزخر، ولو أجرت دموعها عليه لما لابتك، فما كل باك خنساء، ولا كل جماد صخر، ولو رأته العيون لسبحت الألسن من راح له صانعا، ولو أراد بليغ أن يقوم بحقه وصفا لوجده مانعا، والله يشكر لمولانا هذا الإحسان المديد الوافر، والفضل الأفضلي الذي أنبت في الروض أزاهر.
ومن ذلك مقامة أنشأها في الحريق الذي اتفق بدمشق، سنة أربعين وسبعمئة، وسماها (( رشف الرحيق في وصف الحريق )) وهي: حكى شعلة بن أبي لهب عن أبي الزناد شهاب، أنه قال: لم تزل أذني متشنفة بأوصاف دمشق، متلذذة بماء الأقلام في ذكر محاسنها من التعليق
والمشق، حتى رأيت الحزم، شد الكور إليها والحزم، فأزمعت السير، ولم أزجر الطير، وقطعت أديم الأرض بالسير، وركبت إليها مطاء الشوق قبل مطايا السوق، ولم يتلفت القلب إلى الوطن، ولا حن النجيب إلى العطن، حتى بلغتها بعد مكابدة السرى، وإثارة العجاج من الثرى، فلما حللت مغناها وجدتها: [الكامل]
بلدا أعارته الحمامة طوقها ... وكساه حلة ريشه الطاووس
وكأنما الأنهار فيه سلافة ... وكأن ساحات الديار كؤوس
فألقيت العصا في ساحتها، وألفيت زوال التعب في مصافحة راحتها، فما سرت فيها إلى روض إلا وأجلسني من النرجس على أحداقه، وقام السرو من السرور بين يدي على ساقه، وجرى الماء في خدمتي لكرم أخلاقه، وظللني الدوح لطيب أعراقه، ومد الغصن لي ستور أوراقه، وغنى لي الحمام على عوده، ولو تأنى أو تأبى جره بأطواقه. قال:
فشفيت سقمي بنسيمها العليل، واستروحت إلى ما نقله عن بانه وبنفسجه لا إلى ما يتحمله من الإذخر والجليل، وخلت أنه بلطف مسه يلين له الجندل، وجننت بعرفه المندلي، وما رأى الناس من جنّ بالمندل، وبردت بأنفاسه حر الصبابة والجوى، وقلت: [الكامل]
أضحى نسيم دمشق حياها الحيا ... يمشي الهوينا في ظلال حماها
فكأنه من مائها وهضابها ... ما داس إلا أعينا وجباها
وقطعت بها زمنا ألذ من وصال الحبيب، وأشهى إلى النفس من التشفي بأذى الرقيب، فلا أبعد الله ما في بساتينها من شجرات، ولا قدّر الكسوف على ما فيها من كواكب الثمرات، ولا دكّ هضبات أزهارها التي تضوع بطن نعمان برياها، لا بمن مشى به من الخفرات، فإنها: [الخفيف]
شوقتنا إلى الجنان فزدنا ... في اجتناب الذنوب والآثام
قال: ولازمت جامعها الذي تحيرت العقول في تكوينه وكنهه، وحسنه الذي لم يكن فيه عيب سوى أنه لم تقع العين على شبهه، ولله من نظم درّا فيه حين قال فيه: [المتقارب]
دمشق لها منظر رائق ... وكلّ إلى وصلها تائق
وكيف تقاس بها بلدة ... أبى الله والجامع الفارق
فإنه يوقظ النائم، بحسن رخامه القائم، ويجلو بهيم الدجى حصّة الفجر من حصّه، وتروي لك زخرفته حديث الحسن بفصه، كم زهرت فيه ليلة النصف من ذبالة هي نجم توقد، وكم دار به دولاب كانت قناديله تدور مثل الفرقد، وكم طلع في سماء صحنه من ثريا، وكم تمنى من القمر لو كان بين نجومه فما اتفق له ذلك ولا تهيا، وكم جليت عروسه في عقود وقود، وكم تمتعت الأبصار فيه بوجوه تخجل البدر في ليالي السعود، وكم فيه من عمود قام على قاعدة، وكم به من منجور كغضون أوجه العجائز وأزراره ناهدة، وكم من أعطاف رؤيت في صحنه مائدة، وكم من طائر لرفع نسره مخفوض، وكم حسن بناء عند بنائه يعرب أنه مرفوض، كم أظهرت الصناع فيه بدائع لا يدعيها غيرهم ولا يتعاطى، وكم أبرزوا فيه من معجز لأنهم جعلوا الحجارة أوراقا والرخام أخياطا، قد عمر الله تعالى أوقاته بالذكر، وأراح قلب من يراه من الهم، وأراح عنه الفكر.
قال: فلما رأيت مجموعه المختار، وأن العيون تودّ لو نسج له من شعر جفونها أستار، قلت (( 1 )) : [الطويل]
تقول دمشق إذ تفاخر غيرها ... بجامعها الزاهي البديع المشيد
جرى لتناهي حسنه كلّ جامع ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
قال: فبينا نحن ذات ليلة وقد وردنا حمى المضاجع، ودخل ضيف الطيف على مقلة الهاجع، وإذا بالأصوات تعجّ، والدعوات تلج أبواب السماء وتلجّ: [الطويل]
فلو نشدت نعشا هناك بناته ... لمات ولم يسمع لها صوت منشد
فسألت عن الخبر ممن عبر، فقال: إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وانظر إلى نسج الجوّ كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع؛ فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم، ورأيت النار وقد نشرت في حداد الظلماء معصفرات عصائبها، وصعدت إلى عنان السماء عذبات ذوائبها: [من الطويل]
ذوائب لجت في علوّ كأنما ... تحاول ثأرا عند بعض الكواكب
وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ترمي بشرر كالقصر، فكم زمر أضحت لذلك الدخان جاثية، وكم نفس كانت في النازعات وهي تتلو: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ
(( 1 )) ولم تزل النار تأكل ما يليها، وتفني ما يستفلها ويعتليها، إلى أن ارتقت إلى المئذنة الشرقية، ولعبت ألسنتها المسودة في أعراض أخشابها النقية، وثارت إليها من الأرض لأخذ الثأر، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء: كأنه علم في رأسه نار (( 2 )) ؛ فنكست وكانت للتوحيد سبابة، ولمعبدها المطرب شبابة، وابتلي رأسها من الهدم والنار بشقيقة، وأدار الحريق على دائرها رحيقه: [المتقارب]
وبالأرض من حبها صفرة ... فما ينبت الروض إلا بهارا
وترقى إليها أو لو العزم من النظارة، وصبروا على النار والشعث بعد النعيم والنضارة، وكادت نارها تكون كنار القيامة وقودها الناس (( 1 )) والحجارة؛ هذا وبنفسج الظلام يذوي، ولينوفر (( 2 )) النار يشب على الماء ويقوى، حتى نثرت غصون ذوائب النار شررها في النواحي، وظننا الدخان روضة سوسن تخللها نرجس وأقاحي، وعقد الدخان سماء أخرى، وأطلع الشرار فيها كواكب زهرا، وكأن أهل دمشق دعوا طارق النيل والفرات ليقرى، وخافوا ضلاله فرفعوا له من النار في الظلماء ألوية حمرا، إلى أن أتاها البحر- لا زال نصره عجاجا، ولا برحت سيوفه تكاثر البحار أمواجا- فانكشفت لما أن رأت من وجهه سراجا وهاجا، وطفئت لما أن رأت جوده عذبا فراتا، وبأسه ملحا أجاجا، وكاثرهم بهمم أمرائه فأحكم إخمادها وتلقى بصدره من خطب الزمان ما دهى؛ ولما طلع في روض السماء ياسمين النهار، وعاد إهليلجا ما رؤي بالليل من الجلنار، وقف النادبون على الرسوم، ورأوا صنع النار التي عكست نار الآخرة، فكان لكلّ مكان منها جزء مقسوم (( 3 )) : [الطويل]
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا ... ولا نحن من فرط الجوى كيف نسأل
وأصبح باب الساعات (( 4 )) وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السنة والجماعة، وعادت الدهشة وقد آل أمرها إلى الوحشة، وحسنها البديع، وقد ثلث النار عرشه، كأن لم أر بها سميرا، ولا شاهدت من بنائها
وقماشها جنة وحريرا، قد سلط الله عليها النار التي ما لها ردة، وأحرق أزهار ثيابها الملونة بوردة؛ ونظرت إلى الوراقين وقد زال ما بها من الطرائف، وطاف عليها من الدثور والخراب طائف، فيا ضياع أوضاعها المكونة، ويا سواد وجوه أوراقها الملونة، ولمحت اللبادين وقد صارت كالعهن المنفوش، ومحيت بأيدي النار سطور كل خاتم منقوش، وأصبح أهلها كالحمائم تنوح على أقفاصها، وتود اللآلئ أنها لم تخرج إليهم من مغاصها، فما منهم إلا ربّ نعمة سلبت، أصبح بعد الجديد في خلق، أو غنيّ أمسى بعد ما ضم قفصه يكدي في الحلق، وكادت الخضراء (( 1 )) تذهب بالنار الحمراء.
قال: فلما رأيت تلك الأطلال الدائرة، ونسخ هاتيك الظلال المتصلة بالهاجرة، وخطوطها وزواياها كيف أحاط بها سوء الدائرة: قلت عند مشاهدة تلك الحال في الحال: [الطويل]
حريق دمشق قد بدا لعياني ... ليظهر لي عند البيان معاني
غدت ناره في الجو تعلو وترتقي ... كأن لها عند النجوم أماني
لقد ضوّأ الآفاق لامع برقها ... وما كلّ برق شمته بيماني
وقد كاد يمحو آية الليل ضوؤها ... ويبدي نهارا بعد ذلك ثاني
ونالت عنان الجو حتى رأيتها ... يصرفه من تحتها بعنان
وطالت إلى نهر المجرة في السما ... لتقصد شيّ الحوت والسرطان
فأبصر أهل النيل لما ترفعت ... نجوم شرار في سماء دخان
كأن دخان النار غبراء مغزل ... وكل شرار فيه مثل سنان
ولو لم تكن نار الأعادي لما غدت ... وحنّاؤها باد بكل بنان
ولا صبغت بالزعفران قميصها ... سرورا ولا طالت بكل لسان
قال: وما نفض الناس غبار ذلك الهدم، ولا رماد ذلك الصدع الشديد الصدم، حتى وقع بالمدرسة الأمينية (( 1 )) حريق ثان، ودهمت شقراء النار دهماء الظلام، ولم يوجد لعنانها ثان، فجمعت بين عين الوداع وسين السلام، وكانت كحمى أبي الطيب، فليس تزور إلا في الظلام (( 2 )) فيا لسوق الكفت كيف باد وفتت الأكباد؛ علكت النار لجمه، وكسفت نجمه، أين بأسه الشديد، ومنافعه التي لا تبيد؟ سكت زبره، ورفع خبره.
ويا لسوق الخيم، كيف ذهب، وعدم النصر على الكافرين، فتبت يدا أبي لهب، لقد تمسكت النار بأطنابه، وتجلد لها والنار تحت ثيابه، وأمسى وكل عمود غصنه مهصور، وكل خام وهو على البلى مقصور، كأن الشاعر قديما تخيل ما يحصل لها من الأوام، فقال: سقيت الغيث أيتها الخيام.
ويا لسوق القسي كيف محي من الوجود ونسي، لم يبق لقوس قلبها، ولم يعطها لباريها ربها، كأنما كان للنار عند القسي أوتار، وكأن نسخها كان محققا فجاءهم بقلم الطومار، أو كأن امتهانها كان معلقا بثلث الليل بعد ما رقت حواشيها ولم يقع عليها غبار، فكم قسي توفر من النار سهمها، وعظم بوهنها وهمها، وأقامتها النار بعد ما كانت حنايا، وأفنت قرنها وما اختلط بعظم أو الحوايا، لم تبطش ولها أيد، ولم تهرب ولها أرجل ولم تئنّ وهي مرنان، ولم تدفع الأذى عن نفسها ونفثها يقتل، ولم ينبسط لها إلى الدفع قبضة، ولم تصل إلى غرض، ولم ينبض لعرق وترها نبضة؛ قد قال لها لسان النار: هل سمعت بهذه الحادثة في ملحمة ابن عقب؟ أو اتصل بناؤها بقوس السحاب فانتظره وارتقب؛ كيف غفلت عن هذه النازلة، وأنت عدة قوم قليلا من الليل ما
يهجعون؟ وكيف نمت ولا عجب لمن نعس وهو ذو قرون؟
قال: فبينما هما في المناجاة، وتكرار المحاجاة، إذ جاء النار خير مالك، وأشرف من زهيت به الدول والممالك، فجاس خلال ضرامها، ودخل لظاها فتلقته ببردها وسلامها، وتتبع أثرها الذي آثر اقتلاعه واقتحمها، فتعلقت إذ تألقت في الجو، والفرار قدام الملوك طاعة، ولم ير تلك الساعة أحد أقرب منه إليها، ولا أسلط سطا منه عليها، وثب في جهاتها مماليكه وأمراؤه، وصغار بنيه وكبراؤه، فهم قوم: [الطويل]
إذا ركبوا زادوا المواكب بهجة ... وإن جلسوا كانوا صدور المجالس
فلم ير أسهل من خمودها، ولا أسرع من إبطال حركتها وجمودها؛ ونصر- أعز الله أنصاره- هذه الملة المحمدية، وحاز بهذه المنقبة الكرامة الأحمدية.
ولما رأيت مسك هذا الختام، وأن الجيش تعالى وانحط القتام، قلت: [السريع]
جاد ليطفي النار من اسمه ... بحر فأخفى زندها الواري
ومن يكن بحرا فلا غرو أن ... تطفا لظى منه بتيار
وقام في الله لدفع الأذى ... مؤيدا بالقدر الجبّار
وغير بدع أن يرد الردى ... بمرهف الحدين بتار
لأنه سيف ولم يدخر ... إلا لخطب طارق طار
واقتحم النار بوجه حكى ... بدر الدجى إذ لاح للساري
فانظر إليه وهو في وسطها ... تشاهد الجنة في النار
قال: ولم يزل الناس من أمر هذه النار في قلق، وحدس نفى عن قلوبهم القرار، ورمى جفونهم بالأرق، وحنق يود الصبح لو تنفس، والفجر معه لو انفلق، حتى أظهر الله تعالى أن النصارى قصدوا الجامع بذلك، وتخيلوا أن النار تلعب في
جوانب دمشق، وما الناس إلا هالك وابن هالك (( 1 )) ؛ وتوهموا أن فعلاتهم المذمومة تغطي مساوئها الليالي الحوالك، فعل من صوّر الصور بيده وعبدها، وكفر بالوحدانية وجحدها، وعكف على الخيانة والجناية، واعتمد على عقل أداه إلى أن الواحد تعالى ثلاثة، فتهيب بعض الناس رميهم بهذا الحجر وأعظم نسبة هذا الفعل إليهم، وفجر وخوف بانتصار الفرنج لأهل ملتهم، وإزاحة علّتهم، وكشف غمتهم، والأخذ بثأر رمّتهم؛ فقال من صدق في إيمانه، وكان من أنصار الإسلام وأعوانه (( 2 )) : [الوافر]
أعباد المسيح يخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا
فما كان إلا أن صممت العزمات السيفية، وعمت بإحسانها الشامل، حتى خلصت النفوس البريئة من هذه البرية، وأيقظت عين حزمها الراقدة، واستبدت مرة واحدة؛ ورسم بإمساك من أبرم هذا الأمر وحرره، وبيت على فعله وقرره، فأقروا بما فعلوا، ووجدوا ما عملوا، فضربوا بسياط كشطت غلظ الغلظ من جلدتهم، وأوهنت قوى شجاعتهم وجلدهم، كم فيهم من أسود اللّمّة فتق جلده الشيب، وخطّ وخطه على جنبه ما كان مخبوءا له في الغيب، وأقبل بعضهم يوبخ بعضا فيما أشار، ويتبرم هذا إذ يتبرأ ذاك من هذه الآثار، ويتسابون فيما بينهم، إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
))
. ولقد قلت فيهم عند التشفي، والانكفاء عن عقابهم بما يكفّ الحنق ويكفي: [الكامل]
حرثت جنوبهم وشقت أرضها ... ليلا فجاد نباتها بشقيق
وأريد تأريخ الحريق فخطه ال ... والي على أضلاعهم بعقيق
ولما أخذ سحت أموالهم، وصرف في إيجاد ما أعدموه بفعالهم، نظر في سوء منقلبهم ومآلهم، وتمام المقابلة على تجنيس أعماله، وورد المرسوم العشرين بتسميرهم على الجمال، وإظهار ما لهذه الملة القاهرة من العز والجمال، فقضى الله تعالى فيهم أمرهم، وجعلهم آية لأهل الصليب وعبرة، وأخرجوا وطباع الورى على عدم رحمتهم مجبولة، وقدموا في حلقة الناس، فخرج كل واحد منهم بجمل وست فحولة، وأقيموا رقباء للشمس كالحرباء، فليس لهم من دونها ستر منسبل، وتنوع الناس في شتمهم، فقال: أشبعتمونا شتما (( 1 )) ، ورحنا بالإبل: [الكامل]
انظر إليهم في الجذوع كأنهم ... قد فوقوا يرمون بالنشاب
أو عصبة عزموا الرحيل فنكسوا ... أعناقهم أسفا على الأحباب
وطيف بهم بياض يومين، ثم أنزلوا ليجعل كل سطل منهم دلوين، فجردوا من ثيابهم، وجمع شمل السرور بتمزيق إهابهم: [السريع]
ساقهم البغي إلى صرعة ... للحين لم تخطر على بالهم
كم أملوا المكروه في غيرهم ... فنالهم مكروه آمالهم
وسبق السيف فيهم العذل، وقال كل مسلم لمصرعهم: تركتني أصحب الدنيا بلا أمل؛ وبقيت أشلاؤهم طريحة الحفير، وألقوا في جهنم وبئس المصير.
* ومن شعره قوله: [البسيط]
أدعوك يا موجد الأشياء من عدم ... وصانع العالم العلوي والأرضي
إن كنت تعرض يوم الحشر لي عملا ... فلا تقدر له طولا على عرضي
وقوله: [السريع]
يا رب إن لم ألق منك الرضا ... عمري وحاشا فضلك الغامر
فعند حفر القبر لا تنسني ... يا حسنه نقدا مع الحافر
وقوله: [من الوافر]
يقول الفكر لي دنست ثوب الش ... شباب في غداة الشيب تتعب
وتغسله بدمعك كل وقت ... وما ينقى لأن الطبع أغلب
وقوله (( 1 )) : [السريع]
لا تسأل الناس فإني امرؤ ... ما طاب لي عرف من العرف
واقنع ولا تجمع حطاما فكم ... في الدهر للدينار من صرف
وقوله (( 2 )) : [السريع]
لا تجمع الدينار واسمح به ... ولا تقل: كن في حمى كنفي
ما الدهر نحويّ فينجو الهدى ... ويمنع الجمع من الصرف
وقوله (( 3 )) : [السريع]
يا زمنا أوقعنا شؤمه ... في محنة ليس لها كاشفه
الفضل يحتاج إلى عارف ... والحال يحتاج إلى عارفه
وقوله: [من السريع]
لا ترع للملاق عهدا ولا ... تصغ لما نمقه واختلق
فأنت تدري ما جنته يد الر ... رامي على الطير برعي الملق
وقوله مضمنا (( 1 )) : [الطويل]
يقول لنا المقياس والنيل هابط ... لنقطع آمال المنى والمطامع
(( ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع ))
وقوله: [السريع]
لا تطغ تلق الشر كالنيل إذ ... طغى وزاد الأمر في هيجه
كم جاءه بالشر شرّ إلى ... أن كسر الأضلاع من موجه
وقوله (( 2 )) : [المجتث]
لم لا أهيم بمصر ... وأرتضيها وأعشق
وما ترى العين أحلى ... من مائها إن تملق
وقوله: [البسيط]
لقد رأيت بمصر مذحللت بها ... عجائبا ما رآها الناس في جيل
تسود في عيني الدنيا فلم أرها ... تبيض إلا إذا ما كنت في النيل
وقوله: [البسيط]
قالوا: علا نيل مصر في زيادته ... حتى لقد بلغ الأهرام حين طمى
فقلت: هذا عجيب في بلادكم ... أن ابن ستة عشر يبلغ الهرما
وقوله (( 1 )) : [السريع]
قد زاد هذا النيل في عامنا ... فأغرق الأرض بإنعامه
وكاد أن يعطف من مائه ... عرى على أزرار أهرامه
وقوله: [مخلع البسيط]
قد حارب الريح نيل مصر ... وعض من غيظه الأصابع
فجاءت الريح بانزعاج ... كسّر من موجه الأضالع
وقوله: [الهزج]
وعين ماؤها صاف ... كمثل الشمس في الأوج
ولم أر قبلها عينا ... حواجبها من الموج
وقوله: [البسيط]
ركبت في البحر [يوما] مع أخي أدب ... فقال: دعني من قال ومن قيل
شرحت يا بحر صدري اليوم، قلت [له:] ... لا تنكر الشرح يا نحوي للنيل
(( 2 )) وقوله: [الكامل]
لك إن تغب شخص وذكر أصبحا ... ملكين في ذاتي وذلك لائق
فخيام جفني فوق ذا مضروبة ... ولواء قلبي فوق هذا خافق
وقوله: [السريع]
كأنما الليل إذا مادجا ... وصدّ من قلبي به مغرى
صحيفة سودا وشخصي به ... من انتحالي ألف صفرا
وقوله (( 1 )) : [الطويل]
أتاني وقد أودى السهاد بناظري ... يمزق جنح الليل بارق فيه
فقلت له: يا طيب الأصل هكذا ... أخذت الكرى مني وعيني فيه
وقوله: [الكامل]
لما رقدت أتى خيالك بغتة ... فغدا فؤادي خافقا يتموج
(( 2 ))
لو أن صحبي شاهدوني في الكرى ... والقلب يرقص في الخيال تفرجوا
وقوله (( 3 )) : [المتقارب]
ضممت خيالك لما أتى ... وقبلته قبلة المغرم
وقمت ومن فرحتي باللقا ... حلاوة ذاك اللمى في فمي
وقوله: [السريع]
عجبت إذ زارت على خفية ... من أعلم الواشي بمسراها
هذا فضول من نسيم الصبا ... فهو الذي ينقل رياها
وقوله: [السريع]
قلت له: زرني فلابد أن ... يدري بنا الواشي ويغري العذول
فالريح ما تكتم سرا وما ... يبرح ريّاك يعاني الفضول
وقوله: [السريع]
قالوا: وشى الحلي بها إذ مشت ... إليك من قبل ابتسام الصباح
فقلت: لا خلخالها صامت ... ثم تذكرت فضول الوشاح
وقوله (( 1 )) : [الكامل]
علم الوشاة بأن ريق معذبي ... راح يعيد الصب بعد هلاكه
أما أنا لم يبد هذا من فمي ... لكن هذا من فضول سواكه
وقوله: [السريع]
يقول: لما قلت هذا اللمى ... أسكرني لما ترشفت فاك
سواك ما ذاق لمى مبسمي ... أستغفر الله ذكرت السواك
وقوله: [المتقارب]
إذا شئت حليك أن لا يشي ... وقد زرت في الحندس المظلم
فردي السوار مكان الوشا ... ح وخلي سوارك في المعصم
وقوله: [الخفيف]
قال لي: لا تفه بميل قوامي ... إن تثنى واستره خوف العيون
قلت: [إن] الصبا التي قد أشاعت ... عنك هذا الحديث بين الغصون
(( 2 )) وقوله: [البسيط]
أقول: يا غصن هلا ملت نحو فتى ... فؤاده طار حتى ليس يألفه
فقال: من قال: قدي مثل غصن نقا؟ ... قلت: النسيم الذي ما زال يعطفه
وقوله مضمنا: [الطويل]
أقول لغصن البان: إن كان لم يمس ... قوامك إلا بالصبا في التنسم
فعارض حبيبي حين يثني قوامه ... وقف وقفة قدامه تتعلم
وقوله: [من السريع]
يوهمني من لين أعطافه ... بأنه لم يقس يوما علي
ويخدع البند إلى أن غدا ... يربطه الخصر على غير شيّ
وقوله: [مجزوء الكامل]
لم أنسه في روضة ... والطير يصدح فوق غصن
فأعلم الورق البكا ... ويعلّم الغصن التثني
وقوله: [المجتث]
يهتز قدك لينا ... وفي الحشا منه غصه
يغيب عني حينا ... وإن أتى جاء برقصه
وقوله: [الخفيف]
أيها الأهيف الذي قد تثني ... عطفه والتوى من اللين غصنه
لك ردف من وافر وبسيط ... لا يرى في الربا ولا الكثب وزنه
وقوله: [المجتث]
يقول ردف حبيبي ... وعطفه المتثني:
ما أنت يا غصن قدي ... ولا كثيبك وزني
وقوله: [الهزج]
لقد أضعفني حزني ... وضاعف خالقي حسنك
فها أنا لم أزن وجدي ... لأني لم أجد وزنك
وقوله: [البسيط]
ألبستها من عناقي وهي نائمة ... ثوبا يزر بلثم غير منفصل
يا خجلتا في غد منها إذا أخذت ... مرآتها ورأت ما أثرت قبلي
وقوله: [المنسرح]
يا برق بلغ رسالتي فمها ... إن أنكرتني فصف لها عللي
لأن بيني وبين مبسمها ... ليلة زارت علامة القبل
وقوله: [مخلع البسيط]
قلت له: إن بعدت عني ... تفضولت بيننا العواذل
أما ترانا لما اعتنقنا ... ما دخلت بيننا الغلائل
وقوله: [الوافر]
نظرت إلى الرياض ولي مجاز ... يؤديني إلى المعنى الحقيقي
فكم أبصرت من آس تبدى ... وما اندملت جراحات الشقيق
وقوله: [المتقارب]
عذارك والطرف يا قاتلي ... يحاكيهما الآس والنرجس
وقد صار بينهما نسبة ... فهذا يدب وذا ينعس
وقوله (( 1 )) : [الخفيف]
إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى
بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها
وقوله (( 1 )) : [الكامل]
أملت أن تتعطفوا بوصالكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا يرى
وعلمت أن بعادكم لا بدّ أن ... يجري له دمعي دما وكذا جرى
وجاءت شتوة وشّعت بروقها حاشية السحاب، ووشّت لمم الجبال الشائبة توشية الخضاب، وهدرت رعودها الصائلة، ووفت عهودها السائلة، وتوالت مدة لا يكشط فيها سماء، ولا يكشف بأيام الثلوج المصبحة ظلماء، ودامت أياما لا تفصل فصالها عن سحائب، ولا تولد بكرة يوم إلا وهي في طفولتها شائبة النواصي والذوائب، هذا ولا تصبح صبيحة ضاحك إلا ووجه الأرض عبوس، ومعطف السماء في لبوس بؤس، وقوس السحاب ترمي بقسي مالها وتر، وغدر الثلج الصافية كالبلور كلها كدر، والسقوف وقد أرقها المطر فأنهرها، والطرق قد عرفها اللثق ونكّرها، والبرد قد اشتد كلبه، ولهذا غطى جمده الماء، ولم يشتف حتى شرب العذب البارد ممزوجا بمثل الدماء.
فكتبت إليه: كيف أصبح مولانا في هذا الشتاء الذي أقبل يرعب مقدمه، ويرهب تقدمه، ويريب اللبيب من برقه المومض تبسمه؟ وكيف حاله مع رعوده الصارخة، ورياحه النافخة، ووجوه أيامه الكالحة، وسرر لياليه التي لا تبيت منها بليلة صالحة وسحابه وأمواجه وجليده، والمشي فوق زجاجه، وتراكم مطره الحثيث، وتطاول فرع ليله الأثيث، ومواقده السود الممقوتة، وذائب جمره المحمر، وأهون بها ولو أن كل حمراء ياقوتة، وتحدر نؤيه المتصبب، وتحير نجمه المتصوب؟ وكيف هو مع جيشه الذي ما أطل حتى نصب مضارب غمامه،
وظلل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه؟ هذا على أنه عرّى الأبنية، وحلل مما تلف ذمّه سالف الأشتية، فلقد جاء من البرد بما رض العظام وأنخرها، ودق فخارات الأجسام وفخرها، وجمد في الفم الريق، وعقد اللسان إلا أنه (( 1 )) لسان المنطيق، ويبس الأصابع حتى كادت أغصانها توقد حطبا، وقيد الأرجل فكانت لا تمشي إلا تتوقع عطبا، وأتى الزمهرير بجنود ما للقوي بها قبل، وحمل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصمهم منه من قال: سَآوِي إِلى جَبَلٍ
(( 2 )) ، ومدّ من السيل ما استبكى العيون إذا جرى، واجتحف ما أتى عليه وأول ما بدأ الدمع بالكرى، فكيف أنت يا سيدي في هذه الأحوال؟ وكيف أنت في مقاساة هذه الأهوال؟ وكيف رأيت منها ما شيب بثلجه نواصي الجبال؟ وجاء من البحر فتلقف ثعبانه ما ألقته هراوات البروق من عصي، وخيوط السحاب من حبال؛ أما نحن فبين أفواج من السحب تزدحم، وفي رأس جبل لا يعصم فيه من الماء إلا من رحم؛ وكيف سيدنا مع مجامر كانون وشرار برقها القادح، وهم ودقها الفادح، وقوس قزحها المتلون؟ رد الله عليه صوائب سهامه، وبدّلنا منه بوشائع حلل الربيع ونضارة أيامه، وجعل حظ مولانا من لوافحه ما يذكيه دهنه من ضرامه، ومن سوافحه ما يولده فكره من تؤامه، وعوضنا وإيّاه منه بالصيف إذا أقبل، وأراحنا من هذا الشتاء، ومشى غمامه المتبختر بكمه المسبل.
فكتب إلي جوابا: وينهي ورود هذه الرقعة التي هي طراز في حلة الدهر، والحديقة التي تذكّر بزمن الربيع وما تهديه أيامه من أنواع الزهر، فوقف منها على الروض الذي تهدلت فروع غصونه بالأثمار، ونظر منها إلى الأفق الذي كلّ كواكبه شموس
وأقمار، فأنشأت له أطرابه، وأعلمته أن قلم مولانا يفعل بالألباب ما لا تفعله نغمات الشبّابة، وأرشفته سلافا كورسها الحروف، وكل نقطة حبابة؛ وشاهد أوصاف هذه الأيام المباركة القدوم، المتصلة الظلام فلا أوحش الله من طلعة الشمس، وحواجب الأهلة، وعيون النجوم، فما لنا ولهذه السحائب السحّابة، والرعود الصخّابة، والبروق اللهّابة، والغمائم السكابة، والثلوج التي أصبحت بحصبائها حصّابة والبرد الذي أمست إبره لغضون الجلود قطّابة، والزميتا التي لا تروي عن أبي ذر، إلا ويروي الغيث عن أبي قلابة، كلما أقبلت فحمة ظلام قدحت فيها البوارق جمرتها، وكلما جاءت سحابة كحلاء الجفون رجعت وهي مرهاء لما أسبلت من عبرتها، فما هذا طوبة (( 1 )) ، إن هذا إلا جبل ثهلان، وما هذا كانون، إن هو إلا تنور الطوفان، التي متى قطن هذه الثلوج يطرح على حباب الجبال، وإلى متى تفاض دلاص الأنهار، وترشقها قوس قزح بالنبال؟ وإلى متى تشقّق السحاب ما لها من الحلل والحبر؟، وإلى متى ترسل خيوط المزن من الجو وفي أطرافها على الغدران إبر؟ وإلى متى تجمد عيون الغمام وتلحّها البروق بالنار؟ وإلى متى نثار هذه الفضة وما يرى للنجم دينار؟ وإلى متى نحن نحنو على النار حنو المرضعات على الفطيم؟ (( 2 )) وإلى متى تبكي هذه الميازيب بكاء الأولياء بغير حزن، إذا استولوا على مال اليتيم؟ (( 3 )) وإلى متى هذا البرق تتلوى بطون حياته، وتتقلب حماليق العيون المحمرة من أسود غاباته؟ وإلى متى يزمجر عتب هذه الرياح العاصفة؟ وإلى متى يرسل الزمهرير أعوانا تصبح بها حلاوة
الوجوه تالفة؟ أترى هذه الأمطار تقلب من أزيار؟ أم ترى هذه المواليد تنتهي فيها الأعمار؟ كم من جليد يذوب له قلب الجليد، ويرى زجاجه الشفاف أصلب من الحديد! وكم من وحل لا تمشي هريرة فيه الوجى! (( 1 )) ، وكم من برد لا ينتطق فيه نوم الضحى! اللهم حوالينا ولا علينا، لقد أضجرنا تراكم الثياب، ومقاساة ما لهذه الرحمة من العذاب، وانجماع كلّ عن إلفه، وإغلاق باب القباب، وتخلل الضباب زوايا البيوت، والأطفال ضباب الضباب، كل ضبّ منهم قد لزم باطن نافقائه، وقدم بين يديه الموت بداية بدائه، قد حسد على النار من أمسى مذنبا وأصبح عاصيا، وتمنى أن يرى من فواكه الجمرات عنابا أو قراصيا، فإن كانت هذه الأمطار تكاثر فضائل مولانا، فيا طول ما تسفح، وإن كانت العواصف تتشبه ببأسه، فيا طول ما تلفح، وإن كانت البروق تحاكي ذهنه المتسرع، فيا طول ما تتألق، وإن كانت قوس قزح تتلون خجلا من طروسه، فياطول ما تتأنق، وإن كانت الرعود تحكي جوانح أعاديه، فيا طول ما تفهق وتشهق، وإن كانت السيول تجري وراء جوده، فيا طول ما تجري على طول المدى وما تلحق؛ والأولى بهذا النوء الباكي أن لا يحاكي، والأليق بهذا الفصل المبغض ألا يتعرض؛ ورحم الله من عرف قدره، وكفى الناس شره، وتحقق أن مولانا في هذا الوجود ندرة.
فأجبته: وقف لمواقع القلم الشريف ووقف عليه، وتيمن بمجرد إقباله إليه، وقبّلة لقرب عهده بيديه، وعدّه لجلاء المرّة لما أمرّه على عينيه، لا برح الشهد من جني ريقه
المعلل، والطرب بكأس رحيقه المحلل، والتيه وحاشاه منه في سلوك طريقه المدلل، والجهد- ولو كلف- لا يجيء بمثل سيره المذلل، والسحاب لا يطير إلا بجناح كرمه المبلل، والروض لا يبرز إلا في ثوب زخرفه المجلل، والبرق لا يهتز إلا في مثل ردائه المشلل، والنصر يفضي لمواضيه على حد حسامه المفلل، والفجر لولا بيانه الوضاح لما أرشد دليله المضلل، والبحر لولا ما عرف من عبابه الزاخر لما ذم على غزر المادة نواله المقلل، والفخر- ولو شمخ بأنفه- لا ينافس عقده الموشح، ولا يتطاول إلى تاجه المكلل، وفهمه فهام، وعلمه فزاد صقال الأفهام، وقصر عن معرفته فما شك أنه إلهام، وانتهى في الجواب إلى وصف أنواء تلك الليلة الماطرة، وما موهت به السحب من ذهب برقها، وقتلته الأنواء من خيوط ودقها، ونفخت فيه الرياح من جمر كانونها، وأظهرت حقيقته الرعود من سرّ مكنونها، وما تبثه عارضة ذلك العارض الممطر الذي هو أقوى من شآبيبها، وأوقى مما أرقته (( 1 )) السّماء من جلابيبها، وأسرى من برقها المومض في غرابيبها، وأسرع من سرى رياحها وقد جمعت أطواق السحب وأخذت بتلابيبها؛ وسبح الملوك من عجب لهذه البلاغة التي كملت الفضائل، وفضلت عن العلم وفي الرعيل الأول علم الأوائل، وفضلت مبدعها وحق له التفضيل، وآتته جملة الفضل وفي ضمنها التفضيل، وانطقت لسان بيانه وأخرست كل لسان، وأجرت قلم كرمه وأحرزت كل إحسان، ونشرت علم علمه وأدخلت تحته كل فاضل، وأرهفت شبا حده وقطعت به كل مناظر وكل مناضل، وقالت للسحاب: إليك- وقد طبق- إليك، فإن البحر قد جاءك؛ وللنوء- وقد أغدق- تنح، فإن الطوفان قد ضيق أرجاءك؛ وللرعد وقد صرخ: اسكت، فقد آن لهذه الشقاشق أن تسكت؛ وللبرق وقد نسخ آية الليل: استدرك غلطك، لئلا تبكت؛ أما ترى هذه العلوم
الجمة وقد زخر بحرها، وأثر في الألباب سحرها، وهذه الفضائل وكيف تفننت فنونها، وفتنت عيونها، وتهدلت بالثمرات أفنانها، وتزخرفت بالمحاسن جنانها، وهذه الألمعية وكيف ذهّبت الأصائل، وهذه اللوذعية وما أبقت مقالا لقائل، وهذه البراعة التي فاضت وكلّ منها سكران طافح، وهذه الفصاحة وما غادرت بين الجوانح، وهذه البلاغة التي سالت بأعناق المطي بها الأباطح (( 1 )) ، وهذه الحكم البوالغ، وهذه النعم السوابغ، وهذه الهمم التي ترقت بتوجهها إلى السماء، فكشفت غياية عارضها، وكفت غواية البرق وقد ولع خط مشيبه بخط عارضها، حتى جلاها وأضحاها، وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها
(( 2 )) وجلا صدأ تلك الليلة عن صفيحة ذلك اليوم المشمس، وبدل بذلك الصحو المطبع من ذلك الغيم المؤنس، وأترع غدير ذلك النهار خالصا من الرنق، وضوّع غير ذلك الثرى خاليا من اللثق، وأطلع شمس ذلك اليوم يوشع جانب مشرقها، ويوشي بذائب الذهب رداء أفقها.
كما قلت: [السريع]
كأنما اليوم وقد موهت ... مشرقه الشمس ولا جاحد
ثوب من الشرب ولكنه ... طرّز منه كمّه الواحد
أستغفر الله، بل ذلك بشر ذلك البشر، بل الملك الكريم وصفيحة وجهه المتهلل الوسيم، لا بل صفيحة (( 3 )) عمله وصفيحة أمله، وأنموذج راية الثناء عليه، وصنويده البيضاء وصنع يديه؛ فلله تلك اليد المقبلة، ولله تلك اليد المؤملة،
ولله تلك المواهب المجزلة، ولله تلك الراحة التي لا تقاس بأنملة، ولله ذلك البنان الساحر، ولله ذلك البيان الساخر، ولله ذلك اللسان المدرب، وذلك البحر الزاخر، ولله ذلك الإنسان الذي طال باع عمله وطار، فأوقد ضرام ذلك الصحو شعاع فهمه، وطاب جني ثمره وجناب حلمه، وطاف الأرض صيته، ونفق كاسد الفضائل باسمه؛ لقد ألبس المملوك رداء الفخار، وعرّفه العوم وكان لا يطمع أن يشق بحره الزخار، ومحى عنه صبغ دجنة تلك الليلة، وفرج عنه لباس تلك السحب وقد ضم عليه ذيله، وفرق ذلك النور المعتلج وقد جاراه جفنه، وأجرى مثله سبله، وأطلق لسانه من الاعتقال، وأنطق بيانه فقال، وحمى له هجير الذكاء فقال، ووقفه ولولا إيقافه لغبّر على آثاره في وجه من سبق.
فكتب هو الجواب: [الكامل]
جاء الجواب يزف منه فواضلا ... ويرف في روض البيان خمائلا
أغرقت غر السحب حين وصفتها ... يا من غدا بحرا يموج فضائلا
لو لم تكن يمناك بحرا زاخرا ... ما أرسلت تلك السطور جداولا
ضرب من السّحر الحلال متى تشأ ... أخرجته فيعود ضربا داخلا
ما إن جلا راويه بحر بيانه ... إلا وزان مشاهدا ومحافلا
فمتى يروم به اللحاق مقصّر ... والنجم أقرب من مداه تناولا
أبرزته أفقا فكل قرينة ... برج حوى معناه أفقا كاملا
فكأنما تلك الحروف حدائق ... أمست معانيها تصيح بلابلا
وكأن ذاك الطرس خد رائق ... والسطر فيه غدا عذارا سائلا
مهلا أبا العباس قد أفحمتني ... وتركتني بعد التحلي عاطلا
بالله قل لي عند ما سطرته ... هل كنت تحسب أن تجيب الفاضلا
أقسمت لو جاراك في إنشائه ... ما كان ضم على اليراع أناملا
حركت منك حمية عدوية ... ملأت فضاء الطرس منك جحافلا
كم فيه من لام كلأمة فارس ... قد هزّ من ألفات خطك ذابلا
هل شئت أن تنشي الجواب سحابة ... تندى فجاءت منك سيلا سائلا
يا فارس الإنشاء رفقا بالذي ... نازلته يوم الترسل راجلا
لو رام أن يجري وراءك خطوة ... نصبت له تلك الحروف حبائلا
فاحبس عنانك قد تجاوزت المدى ... وتركت سحبان الفصاحة باقلا
والفاضل المسكين أصبح فنه ... من بعد ما قد راح فينا خاملا
فاسلم لتبليغ النفوس مرامها ... فالدهر في أبواب فضلك ماثلا
كم فيك لي أمل يروق لأنني ... أدري بأنك لا تخيب آملا
وكتبت أنا الجواب إليه: [الكامل]
وافى الكمي بها يهز مناصلا ... ويرم صبغا للشبيبة ناصلا
سبق الظلام بها ونبه ليله ... ولو انه في الفجر حلى العاطلا
حمراء قانية يذوب شعاعها ... وترى حصا الياقوت فيها سائلا
حمراء قانية تحث كؤوسها ... وقع الصوارم والوشيج الذابلا
ذهبية ما عرق عانة كرمها ... لكنها كف الكريم شمائلا
كف كمنبجس النوال كأنما ... دفع السيول تمد منه نائلا
كرم خليلي يمد سماطه ... ويشب نارا للقرى وفواضلا
ولهيب فكر لو تطير شرارة ... منه لما بل السحاب الوابلا
يذكي به في كل صبحة قرة ... فهما لنيران القرائح آكلا
عجبا له من سابق متأخر ... فات الأواخر ثم فات أوائلا
دانوه في شبه وما قيسوا به ... من ذا تراه للغمام مساجلا
ماثل به البحر الخضم فإنه ... لا يرتضي خلقا سواه مماثلا
وافت عقيلته ولو بدأ امرؤ ... فيها استقل من البروج معاقلا
جاءت شبيه الخود في حلل لها ... حمر بتذهيب الخدود لها حلى
قد خضبت بدم الحسود أما ترى ... أثر السواد بها عليه دلائلا
حلل على سحبان تسحب ذيلها ... وتجر من طرف الذبول الفاضلا
خلت الهلال يلوح طلع نقابها ... حتى نضت فرأيت بدرا كاملا
بنت القريحة ما ونت في خدرها ... حسن المليحة أن تواصل عاجلا
جاءت تصوغ من العناق أساورا ... لا بل تخوض من السيول خلاخلا
قبلتها وأعدت تقبيلي لها ... إن المتيم لا يخاف العاذلا
وأتت وجيش النوء مرهوب السطا ... ملأ الوجود له قنا وقنابلا
والبرق مشبوب الضرام لأنه ... صاد الغزالة حيث مد حبائلا
وأتت ورأس الطود يشكو لمة ... قد عممت بالثلج شيبا شاملا
وكأنما نثرت قراضة فضة ... أيدي البروق وقد خرقن أناملا
ملأت به كل الفضاء فلا ترى ... إلا لجينا جامدا أو سائلا
والأفق كالكأس المفضض ملؤه ... صهباء قد عقدت حبابا جائلا
أبناء يوم قد تقهقر ضوؤه ... وبدا ذبالا في الأصائل ناحلا
والجو منخرق القميص كأنه ... حنق يقد من السحاب غلائلا
والسيل منحدر يسيل مهندا ... إفرنده ذهب يمد سلاسلا
لله أنت أبا الصفاء فإنني ... ألقى خليلا منك لي ومخاللا
أنت الذي حلقت صقرا أجدلا ... وصممت في برديك ليثا باسلا
يا من ينفق سوق كل فضيلة ... إسأر فما أبقيت بعدك فاضلا
(( 1 )) [فكتب هو الجواب] [الخفيف]
يا فريدا ألفاظه كالفريد ... ومجيدا قد فاق عبد المجيد
(( 1 ))
وإمام الأنام في كل علم ... وشريكا في الفضل للتوحيدي
عرف العالمون فضلك بالعل ... - م وقال الجهال بالتقليد
من تمنى بأن يرى لك شبها ... رام نقضا بالجهل حكم الوجود
طال قدري على السماكين لما ... جاءني منك [عقد] در نضيد
(( 2 ))
شابه الدر في النظام ولما ... شابه السحر شاب رأس الوليد
(( 3 ))
هو لغز في ذات خدر منيع ... نزلت في العلى بقصر مشيد
هي أم الأمين ذات المعالي ... من بني هاشم ذوي التأييد
أنت كنت البادي لمعناه حقا ... حين لوحت لي بذكر الرشيد
* وهذا آخر من ختمنا به أهل قطرنا أحياء وأمواتا، ولا حفلة بمن تخطيناه فواتا، إذ كان هؤلاء هم أعيان القوم، من أول هذه الملة وإلى اليوم، ممن اشتهر لعلو قدره أو لغلو دره، وثم بقايا ما حلوا مع أحد هذين، ولا كانوا في قسميها اللذين.
وهذه جملة كافية في الكتاب المشارقة، وإنما أطلعنا من شموسهم شارقة، وهي دالة على ما بعدها من نهار يطنب في الخافقين، ويطيب ملائي النيرين الشارقين.
آخر السفر الثاني عشر من (( مسالك الأبصار في ممالك الأمصار )) ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر الثالث عشر،: فأما الكتاب المغاربة، وما لهم من نجوم غير غاربة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه الطيبين، الطاهرين؛ حسبنا الله ونعم الوكيل. هـ