العمــــــــــري
1- أويس بن عامر القرنيّ (( 13 ))
وهو أويس بن عامر بن جزء بن مالك المرادي القرني، خير التابعين.
أشرقت لياليه المقمرات، ورشقت إليه القلوب رشق الحجيج الجمرات، أزهر بين تلك النيرات، وظهر بين تلك النفوس المطهرات، وقد ذهب بعض من تكلم على الحديث؛ أنهالمعني بقوله صلى الله عليه وسلم (إني لأجد ريح الرحمن من قبل اليمن) . (( 1 ))
وكان وضحه نورا وإشراقا وظهورا، سمق (( 2 )) فما شبه به أحد ولا أقرن وسبق، وسبق سبق الجواد فما لزّ (( 3 )) به سابق في قرن، وكان سراء ذلك الصدر، وبدرا فيالتمام وعلو القدر.
2- أبو مسلم الخولاني (( 13 ))
(الزاهد سيد التابعين بالشام، أتى بصنو المعجزات، وجاء بالكرامات المنجزات، ولم يبال باقتحام الضرام، وفتح فمها للالتهام والالتقام، أوقدت له النار فخاضها مشمرا عنساقه، ومحملا قرونها مل أوساقه، ويقينه يدفع عنه آلاما، ويقول: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
(( 2 )) .
فاض لأجل موقوت، وخاض النار حتى انطفأت والياقوت ياقوت، فآب أحسن أوبة، وجاء بآية خليلية يضرب لها في أفق نوبة.
اختلف في اسمه على أقوال، أصحها: عبد الله بن ثوب
3- رابعة بنت إسماعيل العدويّة (( 13 ))
مولاة آل عتيك، الصالحة، المشهورة. (( 3 ))
كانت آية للمبصر، وغاية لم تقصر، سبقت فحول الرجال، وبسقت عند حلول الآجال، وأغرمت بحب السهر، وملكت نفسها ملك من قهر، فأصبحت لها شكيمتها (( 4 )) ،
وأصبحت مثل الصباح شيمها، ودامت في أدويتها (( 1 )) هائمة، وفوق ألويتها حائمة، إلى أن دعيت فأجابت، وجالت المهامه وجابت، فتمت إرادتها، وختمت بالخيرسعادتها، وبّأت الأرض المقدسة مدفنا، وحققت [أن رأي سواها كان يفنى] (( 2 )
4- حبيب العجميّ (( 13 ))
أتى بخوارق مثل الإعجاز، وتدفق كالسحاب في الإنجاز، وأتى من قاصية بلاد، وجزّ ناصية الليالي والآباد، حتى جال في كل مجال، ووصل إلى حيث حصّل ما حصّل،وأتى من أرض بعيد مداها، بديع هداها، لا تفهم ألسنتها الأعاجم، ولا تفهم الحدّاث عنها إلا التراجم (( 2 )) ، فجاد لها مسعى، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، فلميغلق دونه الباب،
وكم تعلّق بغباره ذوو الألباب
ومنهم:
5- أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور (( 13 ))
من كورة بلخ (( 1 )) ، [لات] بعطفيه حلل التقوى الفاخرة، وملك الدنيا فرغب في الآخرة، بلغ ما لا يتوهم، وسبق ولا غرر له وهو ابن أدهم، وكان أي رجل، لم تجرّه الدنيابحبالها، ولم تغره الدنيا بخيالها، فأعرض عن الأعراض، وبقايا سورها (( 2 )) ، وقليل ميسورها، وزهد زهدا صار فيه مثلا يضرب، ورجلا حديثه يستغرب، إلى أن قطعالأجل كما يقطع المسافر المسافة، وحطّ رحله حيث أمن المخافة
6- الفضيل بن عياض (( 13 ))
أبو علي الخراساني.
رجل رأى بعين البصيرة واطّبع، وتمثّل بصفاء السريرة هول المطلع، أسمعه النذير، وأسرعه النفير، وزجره واعظ القرآن فازدجر، وألان قلبه- وكان من حديد أو حجر-، وقدمضت عليه سنون كان سائحا في سنتها (( 1 )) طافحا بسمتها، وشبابه مقتبل، وشأنه أنه لغرّة العمر مهتبل، فردّ سيله قبل بلوغ القرآن، وأنام سيفه بعد ما فقد غراره (( 2 )) ، وذلك حين آن له المتاب، وسبق له الكتاب، فعمل بعمل أهل الجنة، وأظهر الله له من سرّه ما أجنّه
7- داود بن نصير الطّائيّ (( 13 ))
وصل إلى الغاية وبلغها، وتجنّب الغواية ومبلغها، تفقّه ثم اعتزل، وتنبّه ثم لم يزل، وقطع مدة البقاء على فرد قدم، وفرّ من الدنيا ولم يداخله ندم، وكان وشبابه غربيب (( 2 )) ،وجلبابه ما علق بريح حبيبة ولا حبيب، مجدّ في العلم وطلبه، مجدد بما يعلم دواعي طربه، يسعى إليه ولا يتكبّر، ويرعى ما يرد عليه ويتدبّر، ثم لما اضطلع من ذلك البحرالرواء، انخلع من ذلك الرداء، ولبس رتق الفقراء المبرّأ من الرياء، وطمّ طمعه فانفطم، وأحب الخلوة فكان لا يفارق ظلّ أطم.
8- شقيق بن إبراهيم البلخي (( 13 ))
من مشايخ خراسان، وقف على الحقيقة، ورتع في حضرة القرب والحديقة، فأغرق في شيمه، وأغدق من شيمه، بعد ما قضى في طلب الدنيا زمانا، وعمره خضر، وعودهنضر، وليل شبابه ما صابح فيه نهار المشيب، وناعم جلبابه ما طاح عنه رداؤه القشيب.
وأول كراماته، وما عرف من مقاماته، ردّ سيل غرامه، وقد تحدّر وأطفأ وقد ضرامه، وقد قيل: إنه عليه لا يقدر، فقدر واحتكم، وكان شقيق النفس وإن لم يكن من حكم.
9- معروف بن فيروز الكرخي: أبو محفوظ (( 13 ))
أيّ رجل وفيّ، وذي عمل خفيّ، علق بأسباب النبوة فنجا، وأشرق له شهاب الإيمان فرجا، فلم يتمسك بعصم الكوافر، ولا ضلّ بعد الأيام السوافر، فوافى مسلما، وجفا ديناكان كقطع الليل مظلما، فبريء من آلائه الممحوة، وربّي في الحنيفية البيضاء لا سوادا ولا حوّه (( 1 )) ، فصدّ وجهه عن دين أبويه، وأسلم وسلم إليه، فسعد بالدين، وصعدإلى علّيّين، فسرت في أبويه أنفاسه فأسلما، وأشركا في دحض الشرك معه وأسهما، وقد كانا جهدا على قتله، وتجرّدا لمحنته، ثم زال عن عيونهما العشا (( 2 )) ، واللهيهدي من يشا.
ومنهم:
10- أبو محمّد الفتح بن سعيد الموصليّ (( 13 ))
وتعرف بلدة فتح ب "الكاري" ، وهي قرية بشرقي دجلة.
من أقران بشر الحافي.
رجل نفض من الدنيا يدا، وأعرض عن السّحب وهي تفيض ندا، وكان لأهل الطريقة
منه فتح قريب، ومنح منه غير غريب، وكانت له الأقضية مسخّرة، والأيام المزدهية به مفتخرة، وكان لو أومأ إلى الصخر لا نفلق، أو إلى الليل لأتلق، إلى حكم تتفجّر منابعها،وسفوح تفرح السّحب مرابعها، وجواهر كلمه عند القوم (( 1 )) في مخبّآت الصّدور مخزونة، وبحبّات القلوب موزونة
11- أبو سليمان عبد الرّحمن بن عطيّة الدّارانيّ (( 13 ))
عابد، شقّت به الليالي جنح ظلماتها، وأشرقت أعماله إشراق البدور في سمائها، وله بداريا مشهد له في السنة أيام تعدّ مواسم، وليال بالوفود بواسم، يقصد بالزيارة منكل
فجّ، وتؤتى بكل ناضج وفج، وتقذف له أبحر سواكب، وتقف حوله زمر ومواكب، وترتج تلك الساحات، وتثج (( 1 )) هنالك السماحات، في كلّ ظلماء تحاكي سناء الليلةالقمراء، وتجاوب تسبيح الملائكة أصوات القرّاء
12- بشر بن الحارث الحافيّ أبو نصر (( 13 ))
زاد على الوسمي (( 2 )) ، وزان مدارعه زينة الكميّ (( 3 )) ، تحلّق بمشهد الشفق بشرى، وتألّق يوم مولده الصباح فكان بشرا، طفيء به كل مشتعل، وحفي كلّ حافومنتعل، ووقعت دونه القوادم والخوافي (( 4 )) ، واتبعت آثاره، وأثر الحافي غير خافي. سار ذكره فأوجف، وسكن
باطن الأرض فاقشعرّ ظاهرها وأرجف (( 1 )) ، وشفع بأخت كانت هي وأخواتها على الخير أعوانا
13- أحمد بن أبي الحواريّ (( 13 ))
المعروف ب "ريحانه الشام" .
قطب من الأقطاب، ورجل طار ذكره وطاب، تفرّد في الجميع، وهبّ طيبه فقيل: أمن ريحانة الداعي السميع، فعبقت بطيبه الأردان، وعلقت من نصيبه الأخدان، وهطلت لهسوافح أغرقت في يمها، ونوافح عرفت، وما تمدح ريحانة قبل شمّها. رسا مقصرا بان عن إبانته، وقص قوادم النسيم، فعلق طيبا من ريحانته
ومنهم:
14- أبو عبد الرّحمن حاتم بن عنوان الأصم (( 13 ))
ويقال: حاتم بن يوسف.
ويقال: حاتم بن عنوان بن يوسف [الأصم] . (( 1 ))
صاحب مقالات، وساحب ذيل في مقامات، وكان لأغطية الصدور كاشفا، ولتجلية البدور كاسفا، رفع له الحجاب، وصدع به الدجى فانجاب، وطالما غفر الزلل، وظفر بما
ومنهم:
15- أحمد بن خضرويه البلخيّ (( 13 ))
من كبار مشايخ خراسان. رسا رسوّ أبّان، وأظهر العجائب وأبان، أرضى الخليل، ورضي بالقليل، ورمى بباع ممتد، وساعد مشتد، حتى تردّى رداء الصلاح، وورد حيثيتفجّر معين الصباح، فوطيء العلا وأكنافها، وكان منهج نسّاك، وجدّ إنفاق وإمساك، على أنه أفاض المواهب، وأغاض البحور والعصور الذواهب، وكان على هذا مقتصدا،وللموت ساعة فساعة مترص
16- الحارث بن أسد المحاسبيّ (( 13 ))
البصريّ، أبو عبد الله.
رجل كان عن متاع الدنيا متنزّها، وباتباع الألى متشبها، لم تصبه الأيام بهزّتها، ولم تصبه الليالي منها بترتها، فخصم أطماعه من طلب متاعها، وفطم آماله من حلبرضاعها، وقنع منها بالقوت الذي ألجئ إلى أكله، ووكل أباه بطول حرنه ونكله، وترك نفسه فيما لا يطيق من شجونها، وضيق سجونها، لذنب أخرجه ليكون غرضا لنابلها،وأخرجه من الجنة بحبة من سنابلها. كان عديم النظير في زمانه، علما، وورعا، ومعاملة، وحالا (( 1 )) .
17- أبو تراب عسكر بن حصين النّخشبيّ (( 13 ))
صحب حاتم الأصم، وأبا حاتم العطار البصري. (( 3 ))
اعتدّ لمسيره واعتنى، وشده لمصيره البيت وابتنى، فلم تجذبه الدنيا بخطامها، ولم تسلبه بحطامها، فما زال يفرّ من دناياها، ولا يقرّ خوفا من طروق مناياها، وطالما ظنّتأنها تسوّل له لبس ردائها المعار، وتحمل دائها والعار، والعناية قد أحاطت به من كل جانب، وأماطت
ومنهم:
18- السّري بن مغلّس السّقطيّ (( 13 ))
خال الجنيد، وأستاذه.
رمى يده من الدنيا ونفضها، وأعطى الله عهودا ما نقضها، لم يرض بمتاع معار، ولا برضاع آخره إثم وعار، فتجنّب الزخارف، وتجلبب غير ما ألبسته من المطارف، فأماطتلك الأردية، وحلّ تلك العقد المردية، حتى خبت لديه مواقدها، وهبّت إليه بالإنابة مراقدها، والزهد يصفي له الموارد، ويصلي سواه كلّ وارد، وكم اتّجه أمثاله إلى ذلك الينبوعواشتبه حاله، حتى فضح التطبّع شيمة المطبوع
ومنهم:
19- أبو زكريّا يحيى بن معاذ الرّازي الواعظ (( 13 ))
ترك الدنيا أنكاثا، ومرّ فيها عابر سبيل لا إمكاثا، فما حطّ عن قلاصه (( 1 )) ، ولا حلّ حباله لخلاصه، فلم يعلق لها بدنس، ولا خنس فيها نجمه ولا كنس (( 2 )) ، ولم نرمحاطّ الرجال إلا على ذنابي الأفاعي، وزباني العقارب السواعي (( 3 )) ، فشدّ وانطلق، وردّ الغيث في طلق، فلم يتّخذ في هذه الدار مقيلا، ولا خال نفسه فيها مقيما ولانزيلا
20- أبو يزيد، طيفور بن عيسى بن آدم البسطاميّ (( 13 ))
بطل جاهد نفسه في الله حقّ جهاده، وأحيا ليله ونهاره باجتهاد، وزهد حذرا من دنيا صدّقها كذب، وحقّها بيد الباطل منجذب، فكان لا يسيم إبله في وخيم مرعاها، ولايطلق أمله في ذميم مسعاها، أبكاه منها الجؤار، وأشجاه (( 1 )) فيها سوء الجوار، فلم ينغب (( 2 )) من صفوها إلا رفقا، ولم ير من أخلاصها إلا مذقا (( 3 )) ، ففرّ منهاالفرار من المجذوم، وقطع منها الفروع والجذوم
21- أبو حفص عمر بن سالم الحدّاد (( 13 ))
والأصح: عمرو بن سلمة (( 1 ))
رجل كان به يستغاث، ويمطر البلد الماحل ويغاث، استقام على الطريقة، واستدام اجتناء الأعمال الوريقة، وأقبل على الله بكلّيّته، وأقبل إليه بنيّته، وقام بالتكاليف أتمّ قيام،وشرد عن جفنيه الكرى والناس نيام، حتى تجلّت له الحجب ورفعت، وزادت آماله حيث شاءت ورتعت، فدعي من أقرب مكان، وقرب فخضع لله واستكان
22- حمدون بن أحمد بن عمارة القصّار النّيسابوريّ أبو صالح (( 13 ))
خاف من مرّ الفطام، وعاف من حلو الحطام، فلم يستحلّ للدنيا ريقا، ولم يستجل لها خدّا شريقا، وتيقّن أن دون طنباتها ما يذم مختبره، ودون حلالها الشبهات، فسلّ آمالهمنها سلّا، وخلع طاعتها ولم يبايع يدا شلّا، وترك لقاحها لنتاجها، وانفتاحها لإرتاجها، وبقي- أي صار- حتى حلّ ساحة
23- أبو الحسين أحمد بن محمّد النّوريّ (( 13 ))
البغوي الأصل، البغدادي المولد والمنشأ. (( 3 ))
ذو تحقيق، لم يكن أمره فرطا، ولا عقده منفرطا، ودام مرتديا بهذا الجلباب، مهتديا حيث تضلّ الألباب، فرّ إلى الحقائق بالالتجاء، وقطع من الخلائق حبل الرجاء
24- سهل بن عبد الله التّستريّ (( 13 ))
أحد أئمة القوم، جهد لنفسه حتى خلّصها، وزهد فأبرها بالمعارف وخصّصها، فحلّ البحبوحة، وحصّل العطايا الممنوحة، وكان لله في أمره سرّ فيما يعلن ويسر، فلم تتقاذفبه البحار، ولا استخرجته المهاق (( 1 )) فحار، بل كان إذا اتسعت له الفجاج سلكها، وإذا امتنعت عليه ملكها، فقاد نفسه بأعنّتها، وقال (( 2 )) بها في جنّتها، فنعمبالثناء، وفني بالخلد في دار البقاء
ومنهم:
25- أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخوّاص (( 13 ))
علم إيمان وعدم شك، مال على القلوب إيذان من شية ذلك الطّرار، وحلية ذلك السيف الجرار، دنا شبها بأهل إخائه، وأهلة سمائه، وأفقه لا يعد النجوم من إمائه، فأهلّ منتلك المواقيت، وتملك، فعدّ جوهره من تلك اليواقيت، وكان خالصا من الأنضار، وخلاصا من ذلك الذهب النضار، حتى نزل في جدثه، ونزح الشبه مما يلقى على جثته، ولميدر بموته من فقد، ولا علم مدرج الكفن عليه على أي شيء عقد، وهيهات ... الكواكب لا تقبر، والتراب لا يكون فيه النيّر الأكبر
26- أبو القاسم الجنيد بن محمّد (( 13 ))
سيد الطائفة، وإمامهم. (( 1 ))
أفعم أودية المعارف وأفاضها، ولبس منها أسنى المطارف وفضفاضها، إلى علوم تحقّق،
وعلوّ مراتب عليها أردية النفوس تشقق. جمع بين الطريقتين، وتصدّر في جميع الفريقين، ولم يكن فيهم منكرا أنه حامل لوائهم، وحامي سرحهم عند لأوائهم، فكان هو بينهمالمنادى المفرد العلم، والواحد الفرد حلّ حيث حلّ من العظم، فاض منه بحر لم يبق منه جدول إلا اختطفه في تياره، واقتطفه ورق النّصال ببتّاره. ويحكى أنه كان لا يرى إلافي زي مريد، وزيادة تواضع ما عليه مزيد.
ومنهم:
27- أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيريّ (( 13 ))
المقيم بنيسابور.
عارف زجر نفسه ووعظها، ورأى نفسه في مرمى كل نظرة لحظها، فحلّ رموز آماله، والتمس كنوز القرآن في أمثاله، وصحب قوما اتخذوا نفوسا، وشهدوا في العلياءشموسا، في فيئه قطعوا أودية الأعمار هياما، وطاولوا ألوية الليل قياما، ولم يخدع أحدا منهم متاع الدنيا ولا استجرّه، ولا حام إلا على زهر الثريا ونهر المجرة، وأمسىوتربه يستهدى طيبا، ويندى عنبرا وعودا رطيبا.
28- ممشاذ الدّينوريّ (( 13 ))
زاهد قنع عفافا، وقمع هواه ليصبح ويمسي من الدنيا معافى، وتقرّب إلى الله بالنوافل حتى أحبّه، وملّكه قلوب الناس فلم تدع حبّه، وعبر مدة العمر لا تردّ له دعوة، ولا يعدّمعه لذي قوم حظوة، وترقّى بتجريد سرى به في الملكوت، وسما به والنجوم سكوت، ثم انتقل إلى ربه الكريم، ووسّد في تربه ميتا ميتة الكليم، وطاب قبر جنّه، وقرب نوديمنه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
29- أبو محمد رويم بن أحمد بن يزيد بن رويم بن يزيد البغداديّ (( 13 ))
إمام به الابتداء في الترتيب، والاقتداء للمستتيب، علم من الأعلام، وكرم للأخوال والأعمام. رفل من جلابيب الجنود وأنجادها، ورف ذيله على أغوار النجوم وأبجادها (( 1 )) ،وطالما تلفع بالظلماء، وتشفع برب السماء، ودام على طريقه اللاحب (( 2 )) ، حتى سقاه الموت السمام المنقع، وأتاه الحمام بما يتوقع، على أنه كان استدرك لمصيره، وتأهبلمسيره، وسبق حتى وارته حفرته ولم يفت، وأرته عين اليقين قبره وهو حي لم
ومنهم:
30- أبو مغيث الحسين بن منصور الحلّاج (( 13 ))
بحر لا يلجه إلا معذر، وأسد لا يخرجه إلا متضرر، شرب بقية الزجاجة، وطرب فوق قدر الحاجة، فانقلب سكرانا طافحا، وغلب عليه فمال طامحا، وكان ممن كتب الكتبوقراها، وبرأ الكتب ودراها، فكان يجني ثمر الغيوب، ويجري تارة مجرى المحاسن، وتارة مجرى العيوب، فلا يزال يأتي بالحكمة الصائبة، ويحدّث بالكلمة الغائبة، بكشف لايحجب، ولا يأتي بنادرة فيتعجب، لكثرة ما كان يأتي به شيئا بعد شيء، ويمد من تخييلاتها فيا بعد في، فكان لو شاء أنه أو همّ شق البحر فخاض منه طريقا يبسا، وشهبالماء فأوقد منه شهابا قبسا، وأومأ إلى الغوادي فأجابت سماؤها، وإلى الليالي فانجابت ظلماؤها، فخلب العقول أو سحرها، وخيّل أوقات الظهيرة عشيات الليالي أوسحرها، حتى أضلّ جبلا، وأضاع جملا، وأصبح مثلا، وأمسى وأمثال عقد النجوم عليه منتثلا، وكاد العراق يميد لساكنه، ويميل بمساكنه، حتى كادت بغداد تخرج فيذمامها، ويخرج من يد أيامها، والناس عليه مؤتلفون، وفيه مختلفون، وهم به لا يقصرون، أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ
31- أبو عبد الله أحمد بن يحيى (( 3 )) الجلّاء (( 13 ))
سابق بلغ المدى، وقتل أطماعه ببتّ العلائق وودى، وكان بطل كتيبة، ورجلا له كرامات عجيبة، وأخا غرائب لا تؤاخى، ولا يأتي بها الزمان وإن تراخى، طالما بهر العيونوملاها، وأظهر ما عجب الظنون وملاها، ولم يزل تبارح به غرف العرفان، ويتبلج صبح الحق حتى أدرج في الأكفان، فروّض ثرى حلّه، وسقى الله دياره غير مفسدها، وساقإليها مثل أخلاق موسدها، وطاب حيا للأتراب، وميتا في التراب مضطجعا
ومنهم:
32- أبو عبد الله محمّد بن الفضل البلخيّ (( 13 ))
أعلقته مصايد الأيام فأفلت أشراكها، ورأى الراحة في تجنب الأيام فطلب إدراكها، فلم
يسكن إلى سكن، ولا تقيد بموضع سكن، وكانت الأفلاك له مكان الاستقلال، فجانب الدنيا فلم يرمقها إلا شزرا، ولم يرم منها إلا نزرا، وألقى أثقالها تخفيفا لمحمله،وتخليصا له عند عرض عمله، فخلّصها مما كادها، وخفف عنها مادها، ولم يزل على قدم ما سألها، وحول ديم ما يفارق أوشالها (( 1 )) ، إلى أن دعاه الداعي، وأصم بهالناعي
33- أبو عمرو الدّمشقيّ (( 13 ))
أحد مشايخ الشام، بل واحدها.
زاهد كره الدنيا ولجاجها، وضاقت عليه سعة فجاجها. بطل من أبطال الرجال، ورجل يكشف له الحجاب والحجال، صدق في مقاله فأسمع، وسبق في مجاله فلم يكن فياللحاق به مطمع، وكان ذا قدم يقوم عليها الليل، وكرم لا تحمل النجوم منه إلا غثاء السيل، وفضل يعرف منه في لحن القول إذا قال، وفي أثناء الطول وكم استطال، ومدّ معهذيل الفجر فما طال، إلى تحقيق للتحقيق، وطريق أهل الطريق، وعلم كان منه ناهلا، وعلم أن الله لم يتخذ
وليا جاهلا (( 1 )) .
صحب أبا
34- أبو عليّ الرّوذباريّ (( 13 ))
[ابن شهريار بن مهرذاذاز بن فرغدد بن كسرى] .
وهو من أهل بغداد، أحيا طريقة السلف وأنعشها، وأرعد الفرائص هيبة وأرعشها، وكان يقابل منه ليث عرين، وغيث دنيا ودين، لا يقتحم عليه عاب، ولا يؤمن له رقيب حضرأو غاب، إلى دماثة خلق، وأمانة ذكر له في طرق
ومنهم:
35- أبو بكر محمّد بن عليّ بن جعفر الكتّانيّ (( 13 ))
ملك في زي بشر، وفلك لا ينكر نجومه ذو بصر، فرد رأى الدنيا تشيح عارضها، وتمد
بارضها، وسحبها محلولة الخيوط، وبروقها موصولة الخطوط، فخاف أن يصير القطر سيلا، والفجر ليلا، فحلّ بذروة لا يبلغ مرقاها، ولا يصل إليها المقصر إذا انبعثأشقاها، فسلم دينه، وأوتي كتابه بيمينه، وحق له الإعتاب، وغلبه المتاب، وسرّ بعمله وقال: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ
36- أبو إسحاق إبراهيم بن داود القصّار الرقّيّ (( 13 ))
من كبار مشايخ الشام. (( 2 ))
قنع بقليل المعاش، ومات فقيل: عاش، ولم يرد من الدنيا رياشا، ولم يرد سكنا منها ولا رشاشا، فحمل على النفس ضيمها، وترك لأهوائها تقشعها وغيمها، فلم يمدّ إليها يدا،ولا عدّ فيها أصدقاء ولا عدا، وكان يقطع الأيام مراحل، ويقذف بحر الليل ليقف على الساحل، يطلب بعنته طلاب الصائد، ويجعل تحت كل بر شركا للمصايد، فلم يقبلمعتذرا، ولا يقبل إلا
ومنهم:
37- أبو بكر الشّبليّ (( 13 ))
واسمه: دلف بن جحدر. وقيل: ابن جعفر. وقيل: جعفر بن يونس.
رجل كانت به الأيام هزّة (( 2 )) ، وللأنام عزّة، وللدنيا نضارة، وللنعمى غضارة، وسم الليالي وهي بهيمة، ونسم على رياض الدنو وهي نسيمة، فحلّ بها حيث لا يدنو المحال،فجاب السماء
وعيّوقها (( 1 )) ، وجاز زرع السنبلة وسوقها، وكان ملكا في زي بشر، وواحدا إلا أنه ثاني النجم وثالث الشمس والقمر، فلما فقد عزّ عزاؤه، ووقد ضرام الأحشا وقلّ جزاؤه،فذهب بالأجور، ومضى وكل الناس فيه مأجور، ولم نر منذ زمان أكثر من يوم موته باكيا، وباقيا لو فدي باليا
38- أبو بكر الدّقّيّ (( 13 ))
وهو: محمد بن داود الدينوري.
أشرق كالصباح مبهجا، وطرق الفلاح منهجا، فلم يبعد به الوصول، ولم يعد إلا مخضب حكم وتصرف، وحتم على من تعزّز وتشرف، هذا والخوف ملأ جوانحه، وملكجوارحه، ليلة أودعها حتى خلى كل لياليه خالية الترائب، وكل أيامه من ذهب سنابل ولجين ذائب، إذ ترك ذلك زهدا للأيام، وكرما يبخل به اللئام.
أقام بالشام، وكان من أقران أبي علي الروذباري، إلا أنه عمّر زيادة على مائة سنة
ومنهم:
39- أبو عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف بن سالم ابن خالد السّلميّ (( 13 ))
سحاب عمّت به الرحمة، وعظمت به في الصدور الحرمة، ردّ على الشيطان غروره، وردى بالحرمان إفكه وزوره، وطالما أراد اختلاسه فتستر له بأذيال النسيان، وكان أنيجري منه مجرى الدم من الإنسان، إلا أنه سكّن سورته وقمعها، وسكّت أسرته وقلعها، فخاب لديه، وخار ولم يصل
40- أبو القاسم إبراهيم بن محمّد النّصراباذيّ (( 13 ))
شيخ خراسان في وقته.
لا يفيض صدره الحفائظ، ولا يقدح أحشاءه المغايظ، علم زهد، وعلم حقيقة، أحلى من الشّهد، نفض الرقاد عن جفنيه، وكحّل بالسّهاد ملء عينيه، تصور الدنيا قعاب،وتصوب كوكب الدنايا في أفقه فغاب، حتى دعاه داعي الحمام، فأسرع البدار، وطلع كالقمر ليلة الإبدار، ففرّ إلى الفردوس من وراء الجدار، وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّبابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
. (( 4 ))
صحب أبا بكر الشبلي، وأبا علي الرّوذباري، وأبا محمد المرتعش، وغيرهم من المشايخ. وكان أوحد المشايخ في زمانه علما وحالا
16- ابن الخمّار (( 13 ))
وهو أبو الخير الحسن بن سوار بن بابا [بن بهنام] (( 1 )) .
طبيب شفى طبّه الأمراض، وكفى قربه منافيا للأعراض، لم يوجد في كلامه الفضول، ولم يوجد إلا الفصول، وقع بحدسه الصائب على الوجع، واستعاد ذاهب الصحةوارتجع، وأحسن الاستدلال بالعلامات، والاستقلال بعلاج من حيي ومات، ولم يزل وما إن طرّ شاربه (( 2 )) ، ولا استقل بحبله غاربه (( 3 )) ، مكبا على الطلب، وقد وكّل بهمنه طرفا لا يهجع، وإنسان عين بسوى فقد النظر لا يفجع، حتى انتقلت إلى أحناء صدره تلك الأوقار (( 4 )) ، وبقي على هذا حتى تقضّت تلك اللبانات والأوطار (
17- أبو الفرج بن هندو (( 13 ))
منقب عن البيان، يكشف خباءه ويبعث له في كل معنى نشاءه، وينفث فيه روحا كأنه يحس لكل فكرة نباءه، ويفتق أكمام الأدب فقل كزرع أخرج شطأه، له سرّ دقيق فتنالناس، وخمر رحيق يذهب بالباس، لا كالتي تدخل بالالتباس على الحواس، وسحر يستلذه الذوق وينقطع عنده القياس، لو أن للدهر رقته لان قاسيه، أو للجافي ذكر العهدناسيه، أو للأمل ألقى إلى قبضة اليد مراسيه، وما أعيره شهاده، ولا أميره الحسنى إلا امتاز بزياده.
22- القطب المصريّ وهو: إبراهيم بن عليّ بن محمّد السّلميّ أبو إسحاق (( 13 ))
الإمام قطب الدين، وكان قطب دائره، ومركز شهب سائره، ومظهر عجائب، ومشهر غرائب، ومبين فضائل، ومفنن خمايل، وآية فضل تدرس ومعالمها واضحة، وعلومهاناضحة، وهو- وإن كان من الغرب مرماه- فإن في المشرق منماه وهكذا صاحب تاريخ الأطباء سماه، وما عدا في هذا واجبا، ولا نكب عن الحق جانبا، إذ كان إنما استفادالمشرق، وغاية العلم الذي به ذكر، والفضل الذي عليه قصر
26- الشّهاب السّهرورديّ المقتول: يحيى بن حبش بن أميرك (( 13 ))
المقتول، والردى المختول، جاء بما سحر أعين الناس، وحيّر الألباب، فحيّر الفطن، وحيز كل الأرض إلى محل الوطن، بخوارق حملت على المخاريق، وأحلّت دمه للمريق، فأرىمالا يرى، وصوّر ما لم يوجد، وأتى بما ادّعاه بعض ذوي العقول [ ... ] (( 1 )) من المتصوفة من طي الزمان والمكان، وجاء بما لم يكن في إمكان، فخيّل ما لم يكن، وهوّن مالم يهن، وأضلّ جبلا كثيرا، واستزلّ حيلا كبيرا، ولو طال لبثه، وخلّي ماؤه الآجن (( 2 )) حتى يطول مكثه، لأكثر الفساد، وأكبر البليّة وساد، لكن الله سلّم، وذبحه وكان لوكلّم جمادا لتكلّم
1- ابن محرز
(( 5 )) محرز لغاية، ومبترز في غواية، تردد بين الحرمين، مكة والمدينة للقاء المحسنين
والإلقاء من المغنّين، ثم لم يقنع حتى أتى بلاد فارس، وجنى من تلك المغارس، وأصبح لا يدع طرفا به إلا انسجم، ولا مختارا إلا مجموعا فيه عربا على عجم (( 1 )) ، فلم يبقفي الغناء نادّة (( 2 )) حتى جازها ولا شاذة أعجزت [ص 4] من قبله من أهل الطرب حتى شانها (( 3 )) كأنّه لهذا خلق، وبه استحق التقدم، وإن سبق إلا أنّ داءه أزواهحتى كان بلقاء العيون وما رمق (( 4
29- متيّم الهشاميّة (( 2 ))
وكانت مقيم سرور، ومديم غرور، ولو مرت بأم خشف سانح، سلبت منها ما في الجوانح، كانت لبني هاشم سرّة البطحاء، ومسرّة أهل الرّوحاء، نشأت في تلك البيوت تمتعبحلولها، وتحدّ لحاظها في غلولها، إذا غنّت تجدد صبوة الهرم، وتشب صفحة الماء فيضطرم لا تخلو أيادي سراة لها من ذكر لا ينصرف سراه، ولا
يتفرق مجمع إلا ولها فضل عليه يجمع ودامت (( 1 )) .
187- ومنهم- سرور جارية العزيز (( 1 ))
وكانت لا تعدل بها امرأة، ولا تذكر بقبيح إلا كانت عنه مبرأة، وكانت جارية لامرأة بالقاهرة، علّمتها الخط وحفّظتها القرآن، وعلمتها النحو واللغة والأدب، وروّتها الأشعار،ووفّرتها على تصفح الأخبار، وأخذتها بصناعة الغناء، حتى فاقت كل جارية كانت تسمى، ولا تماثل بها ظلوم وأمثالها إلا ظلما، ورءاها العزيز زمان أبيه فهوي بها ولم يقدرعلى ملك رقها خوفا من أبيه، حتى ملك السلطنة ووليها، وكانت بينهما مدة حياة أبيه مراسلات وأشاير وعلامات وأماير
الكركيّة
مغنية الظاهر بيبرس (( 6 )) ، وكانت من أبرع الناس نطقا، وأبدع أهل الغناء حذقا، تجيد لمختلف الأصوات التآلف، وتجوز الغاية في الثقيل والخفيف، وتأتي بما بعد علىبدعة في زمانها، ولم تنفرد به فريدة في أوانها، ولا تجيء دنانير حبّة في [ص 417] ميزانها، هذا إلى قريحة قادرة، وحلاوة في نادرة، وسرعة جواب، وصنعة إتقان لا يخرجاللحن فيها عن صواب.
192- ومنهم- ابن كرّ أبو عبد الله
الشيخ شمس الدين محمد البغدادي الأصل، المصري الدار والمولد، هو في علم الموسيقى فرد لا يخلف، لحق بالأوائل وما تخلف، وأتى ببدائع الألحان وما تكلف، [ص 421] لا يختبي على مثله الوجود في بردتيه، ولا يجنى شبيه
النهار بكره وآصاله (( 1 )) بوردتيه، يطرب قبل الإنشاد، ويحرك حتى الجماد، وتخرس لديه أصواته المثاني والمثالث وما تجنح، وتهتز المغاني والأغاني وما يتزحزح، نقلمذاهب القدماء، كابن المهدي وإسحاق (( 2 )) ، وجدد طوالع تلك الأهلة التي أكلها المحاق، لا يمر به صوت مما ذكره أبو الفرج الأصفهاني إلا ويجيء به ويجيده، ويعيدهويزيده، وصنف كتابا يقال له أحسن ما صنف لجمع وشنف لسمع، وقد خطأ الفارابي (( 3 )) في هذا العلم، وأنكر عليه أهل المعرفة ثم سلموا إليه أنه إنما قاله عن علم،وابن كرّ هذا من بيت امرأة تناقل سلفه في بغداد إرثها حتى ملكها التتار، فلزم أبوه مصر، فأجري عليه راتب عاد إلى ابنه هذا بعضه، وهو الآن في زاوية قرب المشهدالحسيني بالقاهرة المعزية [أقطعها] (( 4 )) من وقفه أو وقف أبيه، وله عز نفس، وشمم عفاف، ما اتخذ هذه الصناعة الطربية إلا ريحانا له لا استرزاقا به، وله بي صحبةأعرف حقها له، كان يتردد إليّ ويتودد ويتفقد ولا ينفقه، ولقد غنى فأضحك وغنى فأبكى، وغنى فأنام، فرأيت بعيني منه ما سمعته أذناي عن الفارابي، فصدق الخبر الخبر،وحقق العين الأثر، ورأيت منه واحدا، سبحان من وهبه ما لا هو في قدرة البشر.
1- وأما أبو إسحاق فهو الصابي (( 1 ))
* وإن كان منهم وفي طبقته غير بعيد عنهم، ولكنه جوال الذكر في الكتاب، مشهور شهرة [الشمس] في يوم الصحو، تكلم وما تكلف، وتقدم ومن قبله تخلف؛ جرى علىسجيته في الطباع ودعا عاصي البيان فأطاع، ولم يقف مع السجع يرسف في قيوده، ويكلف فكره فوق قدرته، فجاء بالعاطل الحالي، وتقدم على أهل العصر الخالي، وكانحلو الجنى عذب المشارع لا يرنق مورده، ولا يطفأ موقده؛ وهو في الكتاب بمنزلة امرئ القيس في الشعراء، إمام القوم وحامل لوائهم، وكان يحفظ القرآن الكريم وينتزع منهالآيات ويستشهد بها، وكانت بينه وبين الشريف الرضي (( 2 )) صداقة مؤكدة، ورثاه لما مات برثاء أسمع الخافقين، وطلع في المغربين والمشرقين؛ وأوله ((
المعروف بالببغاء
(( 1 )) * هو رأس الجماعة، ورئيس القوم في البضاعة، ما قصر في متن تشبيهه عن ابن المعتز، ولا في ديباجة لفظه عن البختري، ولا في إحكام معانيه عن أبي تمام، ولافي كثرة تنويعه عن أبي نواس؛ علم لا يخفى، وقلم لا يحفى، عرش آداب مخضل النبات، مخضر الجنات، رأي المجد هضبة فأناف رأسها، وحلبة فأجرى أفراسها، فطرّفبطارفه التّالد، وشرّف بمطارفه الوالد، وأحيا شرف مخزوم، وقد فرع عمر عمر وفات خالد؛ توفّي الببغاء سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة.
5- ومنهم: بديع الزّمان الهمذاني (( 3 ))
* وهو نادرة الدّهر وبادرة الزهر؛ قلّ أن ولد الزّمان مثله، أو ولّد شكله؛ إن الزمان بمثله لعقيم (( 4 )) ، ولا عصبية للعظم الرميم؛ بل هو والله البديع حقا،
المعتكر (( 1 )) طرقا؛ كاد يلتهب فكره ذكاءا، وينتهب ذكره ذكاءا (( 2 )) ، كأنما كلمه حبر أو لفظه زبر؛ سجعه قصير، ونفعه كبير، من سمع حسّانه تبع إحسانه، ومن فهمبيانه، علم أن فوق السّحاب بنانه؛ وربما كاد يحكيه لو وهب، لو كان- كما قال- طلق المحيا يمطر الذّهب (( 3 )) ؛ نافح الرّياض فأخذ أنفاسها، وسافح السحائب فنثرأكياسها، بزّ الكواكب ولبس لباسها، وبذّ المدام وسلب الحميّا كأسها، فجاء بسحر عظيم إلّا أنه حلال، وخمر لا لغو فيها ولا تأثيم وفيها الخلال؛ ووراءه جرى الحريريّ لكنّهنقّح، على أنه مما ترك البديع ولقح.
9- ومنهم: القاضي الفاضل: [السريع]
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
(( 1 )) هو منهم، لا بل هم منه؛ وكلّ ما قيل في محاسن من تقدّم، فإنّما هو عنه (( 2 )) : [الطويل]
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وهو: الفاضل محيي الدّين، أبو عليّ، عبد الرّحيم بن الأشرف أبي الحسن عليّ ابن الحسن [بن الحسن] بن أحمد بن الفرج (( 3 )) ، اللّخميّ، العسقلاني المولد، عرفبالبيساني (( 4 ))
* كان سلفه من بيسان (( 5 )) ، وولي أبوه قضاء القضاة والخطابة بعسقلان،
واستخدم شاور (( 1 )) القاضي الفاضل في ديوان المكاتبات مع الموفق ابن الخلال (( 2 )) .
ومولده يوم الاثنين، خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمئة. هو والله البحر الزّاخر، والبرّ الذي ما سلك طريقه أول ولا آخر، وما مثله هو ومن تقدمه إلّامثل النّجوم طلع عليها الصّباح، والكروم أوّلها زرجون وآخرها راح؛ بل الحدائد قبل تطبيق الصّفاح، والموارد قبل تصفيق الرّياح، تقدّموا قدّامه وغرقوا في سيله، وخلقوا قبلهوجاؤوا في ذيله؛ وكلّ وصف قلت في غيره، فإنّه تجربة الخاطر، هو أكثر من كل قول، وأكبر من مقدار كل طول.
لقد صادف هذا الاسم منه الاستحقاق، لفضائله التي تبلجت تبلّج الصّباح في الآفاق؛ لقد وطّد ملك الدّولة بآرائه، جمع السّيوف والأقلام تحت لوائه؛ وكان يناضل بجلادةعن حماها؛ يرتشف الزّلال من رتق قلمه، وتلتحف الظّلال بسحب نعمه؛ وله في الإنشاء تفنّن، منه ما يروع الخيل صهيلا، ومنه ما يروق عذبا سلسبيلا؛ يفتّ العنبر علىسطوره، ويفوت الجوهر طلّ منثوره؛ تعقد رسائله راحا براح، وجنى جنّاته بجنى تفّاح، وتلتقط في مهارقه بنفسج من أقاح؛ أطرب من مناجاة النّدام، وأطيب من معاطاةالمدام؛ طالما كتب جمانا، وكبت أغصانا، ولان فاجتنى عسلا، وقسي فانبرى أسلا، يسجع كالحمام، ويصرع كالحمام، وقد سطّرت بحسناته الصّحف، وصوّرت من حسانهذوات القلائد والشّنف؛ وطرق النّجد والوادي، ونطق به المدّاح والحادي، وحاضر به الحاضر والبادي، وسامر به السّامر وترنم الشّادي؛ وغادر له الأرض مذهبا مذهبا،وغادى الغوادي مصوّبا مصوّبا، وسار مقرّبا، مقرّبا وصار للمشرق مشرّقا
10- ومنهم: محمّد بن محمّد، عماد الدّين، أبو حامد القرشيّ، الأصبهانّي، الكاتب (( 1 )) .
* ركن الدّول وعمادها، ومزن الممالك وعهادها، علم يهتدي به الساري، وكرم ينتدي بسيبه الجاري، رسا كالطّود المرجحنّ وسرى كالجود فأوى إليه المستكنّ، وتحلّت به ترائبالأيام، وحلت بحجبه ربائب الخيام، فعلا مقدارا، وأبى أن يتخذ دارة البدر دارا، فقصّت دونه أجنحة النّعامى، وطرقت أفنية المعالي الأبكار والأيامى، وعزّ في تلك الدولفغالت في قيمته، وغالبت في نشر لطيمته، وكان ذا أيد تنهض بكلّ عظيمة، وتأبى كل هضيمة، بعزم يزاحم أبان (( 2 )) ، وتقدّم إذا نكل كلّ جبان، بأقدار لسان، وابتداربديهة الإحسان؛ وكانت قصبات السبق لا تحرز إلّا لأدهمه، ولا تحزر دارات البدور إلا لدرهمه.
29- ومنهم: خليل بن أيبك الصفدي، أبو الصفا، صلاح الدين
(( 1 )) هو خليلي الذي أنادي، وصاحبي إذا شكرت الأيادي، والذي أنادي منه خليل الصفاء، وصديق الوفاء، والذي أرضاني عن صنيع الليالي لما أتاني بنجومها قليلا،والذي لم أخالل سواه إلا قلت لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
(( 2 )) ، والذي صحبت أبا الصفاء من وده الذي لم تشبه الشوائب، والخليل إلا أنه كان- لأحمد- أكثر مما كان عنده ابنه في النوائب، والذي عاقدني منه خليل صدق فماذممت له ذماما، وأوقد لي من حميته نارا خليلية كانت بردا وسلاما، موسوية فلهذا ما تركت ظلاما، والذي لم يزل يرشد من خاطري مضللا، ويريني في صفائه ما أردتممثلا، ويغنيني أن أقف عند سوى تصانيفه، وأقول: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا (( 3 )) ، وملأ مسمعي بأدبه حتى قلت يكفيكما، وأغنى ناظري بكتبه فقلت: خليلي هبّابارك الله فيكما، وقررت له وأقررت، أنه إمام المحسنين، وبايعته واتبعته وأنا من الموقنين، وبسطت يدي فبايعت ملك البلغاء خليل أمير المؤمنين، ورتعت في مراد تصانيفهأستزيرها وقنعت بمذاكرته ولم أقل: خليلي هل من رقدة أستعيرها؛ أقسم بالله وهو آكد الأيمان، وأوثق ما يقف معه أهل الإيمان، ما إن رأيت منه آدب، ولا مع
2- السريّ بن أحمد الكندي المعروف بالرّفاء الموصلي (( 1 )) .
توفي سنة ستين وثلثمائة. كان معيديا تسمع به لا أن تراه، 94/جريريا أدبه لا مرآه.
وكان فى أول/ صباه يرفو ويطرّز فى دكان بالموصل وهو يجتهد فى مواد الأدب ويحصّل، ثمّ ما زال يطرّز حتى ظهر بهذا الطّرز، وأسلم أجيرا للخياط فجاء تاجرا بمثل هذاالبزّ، واتّخذ نسخ ديوان كشاجم ديدنه، ونسف ترابه وأدبه حتى استثار معدنه بحدّة ذهن حلّ به مرموزه، وشدّة تتبّع أخرج به مكنوزه، ثم كانت بينه وبين الخالديّين هنات ((2 )) أراد بها التغطية على محاسنهم، والتعمية على ما لا يصطاد شوارده إلّا من مكامنهم، وكان يأخذ نوادرهم البديعة (وبوادرهم) (( 3 )) ممّا لا يجي به إلّا الفكرةالسريعة فيخلطه فى ديوان كشاجم لينسب إليه وينسي من لم تنتجها قريحة ولود إلّا بين جنبيه
3- أبو الفتح، ولقّب كشاجم (( 1 ))
لخمسة فنون كان يحسنها، ويأخذ منها بطرف جيّد وإن كان لا يتقنها، فكان كاتبا بذّ، وشاعرا من ذاق شعره استلذّ، وأديبا أدبه مثل قطع السّحاب إذا رذّ، وجدليّا ما أخذبطرف مباحث إلّا جذّ، ومنجّما أتقن أحكام النجوم إلّا ما شذّ، هذا على أنّه إنّما يتقن نكته الأدبية فإنّها النجوم الزاهرة، ويتكلّم بالعلوم الباطنة على أحكامها الظاهرة، وكانطبّاخا مجيدا لا تعدّ ألوانه (( 2 )) ، ولا يمدّ الّا بين سماطي الملوك خوانه، وله بدائع في وصف المواقد والنيران وألوان الطعام، ولم يحضرني في هذا الوقت ولا ديوانه، وإنّماغلب عليه الشعر حتى عرف به دون بقية ما يعرفه، واشتهر بنقده ممّا كان مثل الذهب الإبريز يصرفه بلطف لو دبّ ماؤه في الخدود لصبغها، أو جال في مراشف الكؤوسلسوّغها، وكتب فأراش السهام وبراها، وطيّب الأفهام فأبراها، وصبّ الأقلام في نحور الرماح فدراها، وأصدر الأعلام إلى مواقف النّصرة كأنّه على معاقد البنود قراهاببصيرة درّية، وبديهية على اختلاف المعاني جرّية، ومسدّدات من الآراء يزيل بها الظنون شبهها/ 133 وتستحلب النّعم سبهها لإدارة تجلو عن مقل الأسنّة مرمها، وسعادةكانت تأتيه من قبل أمور كثيرة ولو كرهها، فهو لجّ والبحر شاطئه، وكواكب وما النجم إلّا ما هو يواطئه وكثيرا ما نحل إليه السريّ الرّفاء ممّا ينسب إلى الخالديّين بناتأفكاره. ومن جيّد ما وقع لي من صالح أشعاره قوله: [المجتث]
16- أبو القاسم عبد الصّمد بن بابك: (( 2 ))
شاعر لم يخل شعره من مسمع، ولا ذكره من مجمع، ولا عذره في جوب البلاد من مطمع، ولا سّره العذري مما يذوب له مدمع، ولا علاقة وجده العراقي من هوى يتجرّعمريره، وجوى قطع مريده، وجال البلاد 217/طولا وعرضا/ وقلب العباد سماء وأرضا فورد البحار والثماد واستمرأ السماح والجماد، وامتطى العير والجواد وقطع الرّبىوالوهاد، وصحب الملاح والحاد، وخاض السراب واللجج، وراض الصّهوة والثبج، وركب الأمن والغرر، وتبلّل بالصفو والكدر، وأقلع مع كلّ ريح فعلا وانحدر، ومدح ملوكاوسوقة، ومنح جوائز مرقوقة وغير مرقوقة، وصار لتقاذف النّوى به يأنس بكلّ غريب ليس من داره، ويخضع لكلّ رقيب ليس هو من أوطاره، ويكلف بكلّ ظبي لا يألم لنفاره،ويتسّم بكل بدر لا يكمد لسراره، ويستميله كلّ قضيب لا يطعم من ثماره، ويستهويه كلّ حبيب لا يطمع في ازدياره، وهو ذو الرائية (( 3 )) المرائية في كلّ أفق المرمية هوى لاهوانا على الطرق،
ومنهم:
22- الأمير أبو الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي (( 4 ))
254/فارع إمارة، وفارس إغارة، وفاره ميدان يردي جاره، ويردي مجاريه عاره، وقابس جذوة ترمي في كلّ خطفة بشرارة، وقابض درّ يوالي نثاره، وطويل باع يهجم علىالأسد داره، وينتزع البدر من الدارة، وذكيّ قلب يصيب في كلّ إشارة، وحاضر خاطر لا تغيب له شارة، وحاضن لفظ لا يعيب ناقد الكلام له عبارة، ونديّ كفّ يمطر ديما،ويخضّر قلمه بلاغة وكرما. إن كتب فالورق وريق والخطّ كالخطّ (( 1 )) تثقيفا يعلوه بريق، والكرم جمّ لا يقع المزن في بحره بلّة ريق، والخطاب فصل لا يشتبه، والكتاب روضةمن أعين زهرها منتبه وغير منتبه، وإن انتضى سيفه راع الجيش لمعه، وفضّ ما في الصدور وقعه وقصّ غريبا من قائل يرفضّ بالدم دمعه.
ومنهم:
24- أبو عبد الله، الحسين بن أحمد بن الحجّاج (( 5 ))
فاتح باب، ومانح لباب، وماتح بحر لا غدير ولا سحاب، ونازح فكر يجيء بكلّ معنى
قريب، وبمنى أجنبيّ وما هو بغريب. فتح باب المجون ومنح منه اللّباب المصون، وجاء بغرائب ما سبق إليها ولا لحق فيها، وقد زوحم عليها، وكان في هذا الباب نظير امرئالقيس فى ذلك الباب كلّ منهما افترع بكرا عذراء مالها أتراب (( 1 )) ، وأطلع حقيقة لا تتوارى بحجاب، ولا تصل إليها الأيدي وهي مطمعة أطماع السراب. جعل الهزلكالجّد الصريح، وكسا الباطل زخرفا حتى كأنّه الحقّ الصحيح، وأجاد في السّخف حتى استخفّ الوقور وهزّ المعاطف بنشأة المخمور، واخترع ملحا بها الإعجاب وما زادعلى كلام الناس المتداول بينهم وفيه العجب العجاب
49- الشريف أبو يعلى، محمد بن صالح الهاشمي المعروف بابن الهبّارية (( 4 )) .
هو شريف وضيع، وسخيف إلّا أنّه غير صنيع، من بيت هاشميّ حطّ بسوء الصّنع سمكه الرّفيع، وحلّ بهذر القول سمطه الجميع. تطبّع بطباع ابن الحجاج، وقاسمه شربالأدب إلّا أنّ ذاك عذب فرات، وهذا ملح أجاج إلّا بعض تندير في أبيات جاءت قلائل كأنّما قدّرها بتقدير، وسائر ماله من النوادر فاتر لا بالسّخن ولا بالبارد، ولا يضحكبالناقص ولا [بالزائد] (( 1 )) . راود عقائل (( 2 )) ابن/ 532/الحجاج فتمنّعت، وراوغ عقائم معانيه (( 3 )) المسفرة فتبرقعت، فقصّر دون غايته، وجهد به شيطانه وما قدرعلى مثل غوايته وحاكى ذلك الثغر ففاته الشّنب، وتعلّق بذلك الثاوي فانقطع به السبب.
ومنهم:
45- أفضل الدولة، أبو المظفّر، محمد بن أبي العباس أحمد الأبيوردي (( 1 )) .
صدر من صدور خراسان، وبدور آفاقه الحسان. بحر أدب لا تدرك قرارته، وبدر نسب لا تطرق دارته، مع نسك وافر، وترك لما يخبئه قلب الليل الكافر، وكرم أبوّة لا يدنس مناللؤم عرضها، وعظم فتّوة لا يدلس بضوء الصباح عرضها، وله نسب إلى أبي سفيان (( 2 )) ومحاسن يقرّ بها العيان، ويقرّ (( 3 )) لها الأعيان، وتقرب البعيد فتغني عنالتبيان وكتب إلى بعض الخلفاء (( 4 )) رقعة قال فيها: قال فيها المعاوي فكشط الخليفة الميم فبقيت العاوي
21- شرف الدين، أبو المحاسن، نصر الله بن عنين، الدمشقيّ (( 13 ))
شاعر لا يطاق يلبّه، ولا يهاب الأسد إلا إذا كفّ مخلبه. ينفح بلسان صلّ، ويلفح بنيران غل. أنفذ في المدام من المسام، وأشدّ في الإيلام من الهوام. بلسان أفتك فيالأعراض من المقراض، وأنهك للأجسام من الأمراض. دؤوبا لزم منه طباع العقرب، ووثوبا مثل وثوب شجاع أو أقرب، وأسلوبا أقدم به إقدام الخناع ولم يترقّب فلم يسلم منهبريء على الإطلاق، ولا حمي عرض منه بمكارم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق